Indexed OCR Text

Pages 301-320

( أمرُ الثلاثة الذين خُلِّفُوا
وأمرُ المعَذَّرين في غزوة تبوك (١) )
وقد كان قد تخلف عنه رهط من المنافقين وتخلَّفَ الثلاثة الذين ذكرناهم : كعب ومرارة
وهلال، فأما المنافقون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفحَ عنهم رسولُ اللهِ عَّهِ، ولم
يَعْذِرهم الله ولا رسولُه .
وأما الثلاثة الآخرون فروينا من طريق البخاري : حدثني يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ،
عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن
عبدَ الله بن كعب ـ وكان قائدَ كعب من بنيه حين ◌َمِيَ - قال: سمعتُ كعب بن مالك
يُحدِّث حين تَخَّفَ عن غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلَّفْ عن رسول الله عَ له في غزوة
غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنتُ تخلَّتُ في غزوة بدر ، ولم يُعائَبْ أحدٌ تخلَّف عنها ،
إنما خرج رسولُ الله عێِ يُرید عیر قریش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غیر میعاد ،
ولقد شهدت مع رسول الله عَ ليه ليلةَ العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أُحِبُّ أن لي بها
مشهدَ بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها . كان من خبري أني لم أكن قط أقوى
ولا أيسرَ حين تخلفت في تلك الغزوة ، والله ما اجتمعتْ عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتُها
في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله عَ الله يُريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك
الغزوة، غزاها رسول الله عَّله في حرٍّ شديد، واستقبلَ سفراً بعيداً ومَفَازاً وعدُوّاً كثيراً،
فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يُريد ، والمسلمون مع
رسول الله عَ ليه كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ ــ يُريد الديوان - قال كعب: فما رجلٌ
يُريد أن يتغيَّبَ إلا ظنَّ أن سيخفى ما لم يَنزل فيه وحي من الله .
وغزا رسول الله عَ ليه تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهّز رسول الله عَّم
والمسلمون معه ، فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئاً ، فأقول في نفسي
أنا قادر عليه، فلم يزلْ يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجِدُّ، فأصبحَ رسول الله عَ لَّه
(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من السيرة النبوية ٥٣١/٢.
- ٣٠١ -

---
والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئاً ، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحقُهم ،
فغدوت بعد أن فَصَلُوا لأتجهزَ ، فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقضٍ
شيئاً ، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارطَ الغزو ، وهممت أن أرتحل فأُدركَهم وليتني فعلت ، فلم
يُقَدَّر لي ذلك، فكنت إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله عَ لِ فطفت فيهم أحزنني
أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني
رسولُ الله عَّله حتى بلغ تبوكّاً، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعلٌ كعب ؟ فقال
رجل من بني سَلِمة : يا رسول الله حبسه بُرداه ونظرُه في ◌ِطْفَيْه. فقال معاذ بن جبل : !
بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسولُ الله عز ◌ّم
:
قال کعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجّه قافلاً حضرني همّي ، وطفقتُ أتذكر الكذب
وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً ، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل :
إن رسول الله مُ لله قد أظلَّ قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه بشيء أبداً فيه
: كذب، فأجمعت صدقه. وأصبحَ رسول الله عَ لم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ
: بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ثم جلسَ للناس ، فلما فعل ذلك جاء المُخلَّفون ، فطَفِقُوا
يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبلَ منهم رسول الله عَ ليه علانيتهم
وبايعهم واستغفر لهم ووكلَ سرائرهم إلى الله. فجثته فلما سلَّمتُ عليه تبسَّمَ تبِسُم
الُغضب. ثم قال: تعال. فجئتُ أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي: ما خلَّفك ؟ ألم
تكن قد ابتعتَ ظهرَك ؟ فقلتُ : بلى إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أن
سأخرجُ من سُخْطه بعذرٍ ، ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدَّثتك اليوم
حدیث کذب ترضی به عني لپۇشکن الله أن يُسخطك علّ ، ولئن حدثتك حدیث صدق
تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنتُ قطُ أقوى
ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله عَ لٍ: أمَّا هذا فقد صدق، فقم حتى
يقضيَ الله فيك . فقمتُ .
وثَارَ رجال من بني سَلِمة فاتبعوني ، فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أُذنبتُ ذنباً قبلَ
هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله عَّ له بها اعتذر إليه المُخلَّفون، وقد
کان کافیك من ذنبك استغفارُ رسول الله عَ لِه لك. فوالله ما زالوا يُؤْنِّبوني حتى أردتُ أن
- ٣٠٢ -

أرجعَ فأكذِّب نفسي ، ثم قلت لهم: هل لقي هذا أحدٌ ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل
ما قلت ؛ فقيل لهما مثلُ ما قيل لك . فقلت من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العَمْري ،
وهِلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً فيهما أسوة ، فمضيت حين
ذكروهما لي .
ونهى رسولُ اللهِ مَّلِ عن كلامنا - أيّها الثلاثة - من بين من تخلَّفَ عنه، فاجتنبنا
النَّاسُ وتغيروا لنا ، حتى تنكرت في نفسي الأرضُ، فما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك
خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما بيكيان ، وأما أنا فكنتُ أَشبَّ القوم
وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهدُ الصلاة مع المسلمين وأطوفُ في الأسواق ، ولا يُكلِّمني
أحد، وآتي رسولَ الله عَّ له فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل
حرك شفتيه برد السلام عليَّ أو لا ؟ ثم أُصلِّي قريباً منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلتُ على صلاتي
أقبلَ إليَّ ، وإذا التفتُ نحوه أعرضَ عني ، حتى إذا طال علَّ ذلك ، من جفوة الناس ، مشيتُ
حتى تسوّرتُ جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ ، فسلمت عليه ،
فوالله ما ردَّ علَّ السلام ، فقلت : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسولَه ؟
فسكتَ ، فعدتُ له فنشدته ، فسكت ، فعدتُ له فنشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم .
ففاضتْ عيناي ، وتَوَلِّيتُ حتى تسورت الجدارَ .
قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعُه
بالمدينة : يقول : من يدلني على كعب بن مالك ، فطفِق الناس يُشيرون له حتى إذا جاءني
دفع إليّ كتاباً من ملك غسان ، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أن صاحبَك قد جفاكَ ، ولم
يجعلكَ الله بدار هَوَان ولا مَضيعة ، فالحقّ بنا نُواسِكَ . فقلت لما قرأتها : وهذا أيضاً من
البلاء ، فتَمَّمتُ بها التنور فسجرته بها .
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللهِ عَ ◌ّهِ يأتيني، فقال: إن
رسولَ الله عَ ◌ّه يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال : بل اعتزلْها
ولا تقربها . وأرسل إلى صاحَّ مثل ذلك. فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فتكوني عندهم
حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسولَ الله عَّةِ ،
فقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم ، فهل تكره أن
- ٣٠٣ -

.. أخدمَه ؟ قال : لا ، ولكن لا يقرَبْك . قالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما زال
يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا؛ فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنت
رسولَ اللهِ عَ ◌ّه في امرأتك كما أذنَ لامرأة هلال بن أمية أن تخدمَه؟ فقلت: والله لا أستأذنُ
فيها رسولَ الله عَ لِ وما يُدرّيني ما يقولُ رسول الله عَ لِ إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجل
شابٌّ ؟ .
فلبثت بعد ذلك عشرَ ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عَ ه
عن كلامنا . فلما صَلَّيتُ صلاة الفجر صبحَ خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، بينا.
أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله تعالى، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما
رحبت ، سمعتُ صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر .
فخررتُ ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرجٌ. وَآذن رسول الله عَ لِ بتوبة الله علينا حتى صلَّى
صلاة الفجر ، فذهبَ الناسِ يبشرونا ، وذهب قِيَلَ صاحبَّ مبشرون ، وركض إليَّ رجلٌ
فرساً. وسعى ساع من أسلم ، فأوفى على ذُروة الجبل ، وكان الصوتُ أسرعَ من الفرس ، فلما
جاءني الذي سمعت صوته يبنشرني، نزعتُ له ثوبيَّ فكسوتُه إياهما ببشراه ، والله ما أملكُ
غيرَهما يومئذ، واستعرت ثوبين فليستُهما، وانطلقت إلى رسول الله عَ له، فتلقاني الناس
فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة ، يقولون: لَيَهْنِك توبةُ الله عليك . قال كعب : حتى دخلت
المسجد فإذا رسولُ الله عَّ له جالسٌ حولَه الناس، فقام إليّ طلحة بن مُبيد الله يُهرول حتى
: صافحني ، وهنأني ، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة . قال
كعب: فلما سلمت على رسول الله عَ له، قال رسول الله عَظله، وهو يَبْرِقُ وجهه من
: السرور: أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك . قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله
أم من عند الله ؟ قال : لا ، بل من عند الله، وكان رسولُ الله عَ للِ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى
كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلستُ بين يديه ، قلت : يا رسول الله: إن
من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله مَ اه: أمسك عليكَ
بعضَ مالك فهو خيرٌ لك . قلت : فإني أُمسكُ سهمي الذي بخيبر. فقلت : يا رسول الله
"إن الله إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلا صدقاً ما بقيتُ ، فوالله ما أعلم
أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله عَ لِ أحسنَ مما
- ٣٠٤ -

أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله عَ لّه إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن
يحفظني الله فيما بقيت .
وأنزل الله تعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿لقد تابَ الله على النبيِّ والمهاجرينَ
والأنصار .. ﴾ إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [ التوبة: ١١٧ - ١١٩] فوالله
ما أنعمَ الله عليّ نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي لرسول الله عَ ليه
أن لا أكون كذبتُه فأهلكَ كما هلكَ الذين كذبوا ، فإن الله تعالى قال الذين كذبوا حين أنزل
الوحيَ شرَّ ما قال لأحدٍ ، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ إلى قوله :
﴿ فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴾ [ التوبة: ٩٥ - ٩٦ ].
قال كعب : وكنا تخلفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم
رسولُ اللهِ عَ لِّ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفرَ لهم، وأرجأ رسولُ الله عَلِ أمرنا، حتى
قضى الله فيه ، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلُفُوا﴾ [التوبة: ١١٨ ]
وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حَلفَ له
واعتذر إليه فقبل منه(١) .
(١) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة تبوك) رقم /٤٤١٨/.
- ٣٠٥ -

i
أمر وفد ثقيف وإسلامها
في شهر رمضان سنة تسع
قال ابن إسحاق : وقدم رسولُ الله عَ لِ المدينةَ من تبوك في رمضان، وقدم عليه في
ذلك الشهر وفد ثقيف .
وكان من حديثهم أنَّ رسول الله عَ لِّ لما انصرفَ عنهم(١) اتَبَعَ أثرة عروة بن مسعود حتى
أدركه قبل أن يُقبل إلى المدينة ، فأسلم ، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإِسلام ، فقال له.
رسول الله عَ ◌ّله - كما يتحدث قومه -: إنهم قاتلوك. وعرف رسولُ الله عَّه، فيهم نخوة؛
للامتناع الذي كان منهم. فقال عروة: يا رسول الله أنا أحبُّ إليهم من أبكارهم - قال ابن
هشام: من أبصارهم - وكان فيهم كذلك محبباً مطاعاً، فخرج يدعو قومه إلى الإِسلام
رجاء أن لا يخالفوه ؛ لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِيَّة (٢) له ، وقد دعاهم إلى الإسلام،
وأظهر لهم دينه ، رَمْوه بالنبل من كل وجه ، فأصابه سهمٌ فقتله . فيزعم بنو مالك أنه قتله
رجلٌ منهم يُقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك ، ويزعم الأحلاف أنه قتله رجل
منهم من بني عَتَّاب بن مالك يُقال له وهب بن جابر ، فقيل لعروة ما ترى في دمك ؟ قال :
كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع
رسول الله عَّ له قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم . فزعموا أن
رسولَ الله عَ لِ قال فيه: إِنَ مثلَه في قومه كمثل (٣) صاحب يس في قومه (٤) .:
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهراً ، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب
من حولهم من العرب، وقدٍ بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يُرسلوا إلى رسول الله عَ لِّ رجلاً كما
(١) ((انصرف عنهم )) : أي عن ثقيف في حصاره للطائف.
(٢) ((عِلِّية)): بكسر العين وضمها، الغرفة ، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت فوق .
(٣) في (( ب )) والسيرة النبوية: (لكمثل)).
(٤) أي كمثل صاحب سورة يس. قال السهيلي: يريد به المذكور في سورة يس الذي قال لقومه: ( اتبعوا
المرسلين ) فقتله قومه .. نور النبراس لوحة ١٣٠/٣.
- ٣٠٦ _

أرسلوا عروة ، فكلموا عبد ياليل بن عروة بن عُمير وكان في سنِّ(١) عروة بن مسعود، وعرضوا
عليه ذلك فأبى أن يفعل ، وخشي أن يُصنع به إذا رجع كما صُنع بعروة ، فقال: لست فاعلاً
حتى تُرسلوا معي رجالاً ، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك ،
فيكونون ستة ، فبعثوا مع عبد ياليل : الحكم بن عمرو بن وهب بن مُعُتب ، وشرحبيل بن
غَيْلان بن سلمة بن معتب . ومن بني مالك : عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دُهمان
أخا بني يسار ، وأوس بن عوف أخا بني سالم ، ونُمير بن خَرَشة بن ربيعة أخا بني الحارث .
فخرج بهم ، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة . أَلْفَواْ بها المغيرةَ بن شُعبة، فاشتدَّ ليبشرَ
رسولَ الله عَّلِ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر ، فقال له: أقسمتُ عليك لا تَسبِقْني إلى
رسول الله عَّلِ حتى أكونَ أنا أحدثه ففعلَ، فدخلَ أبو بكر على رسول الله عَ لَّهِ فأخبرَه
بقدومهم عليه .
ثم خرج المغيرةُ إلى أصحابه فروَّحَ الظهر معهم، وعلَّمهم كيف يُحُّون
رسولَ الله عَ ليه، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله عَ ﴾ ضربَ عليهم
قُبَّةً في ناحية مسجده كما يزعمون ، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم
وبين رسول الله عَ له حتى اكتبوا كتابَهم، وكان خالد الذي كتبَه، وكانوا لا يَطعمون طعاماً
يأتيهم من عند رسول الله عَ له حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا: وقد كان فيما سألوا
رسولَ الله عَّم أن يدَ لهم الطاغية وهي اللات، لا يهدمُها ثلاثَ سنين، فأبى
رسولُ الله عَّ ◌َله، فما بَرِوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً بعد
قدومهم ، فأبى عليهم أن يدعَها شيئاً مُسمَّى، وإنما يُريدون بذلك - فيما يُظهرون - أن
يسلموا بتركها من سفهاتهم ونسائهم وذراريهم ، ويكرهون أن يُرَوِّعوا قومَهم بهدمها ، حتى
يدخلَهم الإِسلام، فأبى رسول الله عَّ لله إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة
فيهدمَاها ، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يُعفيهم من الصلاة ، وأن لا يَكسروا أوثانَهم
بأيديهم، فقال رسول الله عَلِ: أمَّا كسرُ أوثانكم بأيديكم فسنُعفيكم منه، وأما الصَّلاةُ
فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه .
(١) (( سنّ عروة)): تِرْبه ونديده .
- ٣٠٧ -

فلما أَسلموا وكتب لهم رسول الله عَ لِ كتابَهم أَمَّرَ عليهم عثمانَ بن أبي العاص، وكان
من أحدثهم سناً ، وذلك أنه كان أحرصَهم على التفقُّةِ في الإسلام وتعلُّم القرآن ، فلما فرغوا
من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعثَ رسولُ الله عَِّ معهم أبا سفيان بن حرب
والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية ، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائفَ أراد المغيرةُ أن
يُقَدِّم أبا سفيان ، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال : ادخل أنت على قومِك . وأقام أبو
سفيان . بماله بذي المَرْم (١)، فلما دخل المغيرةُ بن شُعبة علاها ليضربَها بالمِعول ، وقام دونه
بنو معتب خشيةً أن يُرمى أو يُصاب كما أُصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حُسَّراً ببكين
عليها . ويقول أبو سفيان ـ والمغيرةُ يضربها بالفأس - : واهاً لك واهاً لك. فلما هدمَها
المغيرةُ وأخذَ مالَها وحُلِيَّها ، أرسل إلى أبي سفيان وحُلِيُّها مجموع، ومالها من الذهب والفضة
والجَزْع .
وقد كان أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود قدما على رسول الله عَ لِ قبل وفد
ثقيف حين قُتل عروة ، يُريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبداً فأسلما ، فقال لهما.
رسولُ الله عَ لَّهِ: تَوَلًَّا من شِئتما. فقالا: نتولى اللَّهَ ورسولَه. فقال رسولُ الله عَ ◌ٍّ:
وخالَكما أبا سفيان بن حرب. فقالا: وخالَنا أبا سفيان ، فلما أسلم أهلُ الطائف ووجَّه أباً
سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسولَ الله عَ لِ أبو مُليح بن عروة أن يقضيَ عن أبيه.
عروة ديناً كان عليه من مال الطاغية. فقال رسول الله عَ له: نعم، فقال له قارب بن
الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه ، وعروة والأسود أخوان لأب وأم . فقال
رسول الله عَ له: إن الأسودَ مات مُشركاً. فقال قارب: يا رسول الله !لكنْ تصلُ مسلماً ذا
قربة - يعني نفسه - وإنما الدَّيْنَ علَّ، وإنما أنا الذي(٢) أُطلب به، فأمرَ رسولُ الله عَ لّم أبا
سفيان أن يقضيَ دين عروة والأسود من مال الطاغية ، فقضى .
وكان كتابُ رسول الله عَ له الذي كتبه لهم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي
(١) ((بذي الَّرْم)): هو بفتح الهاء وسكون الراء، مال لعبد المطلب بالطائف، وقيل لأبي سفيان بن صرمة . نور
النبراس لوحة ١٣١/٣.
(٢) زيادة من السيرة النبوية .
- ٣٠٨ -

رسول الله إلى المؤمنين إن عِضَاهَ وَجٍ(١) وصيدَه لا يُعضدُ(٢)، من وُجد يفعلُ شيئاً من ذلك ،
فإنه يُجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدَّى ذلك فإنه يُؤخذ فُبَلَّغ به النبيَّ محمداً عَِّ، وأن هذا أمر
النبي محمد رسول الله عَ لله . وكتبَ خالد بن سعيد بن العاص بأمر الرسول محمد بن عبد الله
فلا يتعدَّه أحدٌ فيظلمَ نفسَه فيما أمر به محمد رسول الله عَ لّهِ(٣).
(١) ((عِضاه)): بكسر العين، كل شجر ذي شوك. مفردها عِضَة:
(٢) رواه أبو داود في المناسك (باب ٩٧) رقم/٢٠٣٢ / وأحمد في المسند ١٦٥/١. وقال الشيخ النووي :
وتحريم صيد وج رواه أبو داود في سننه ، من رواية الزبير بن العوام وإسناده ضعيف . نور النبراس لوحة
١٣١/٣. و(( وَجْ)): واد معروف بالطائف.
(٣) السيرة النبوية ٥٣٧/٢ - ٥٤٣.
- ٣٠٩ -

حجّ أبي بکر بالنَّاس
في سنة تسع
قال ابن سعد: قالوا: أستعمل رسول الله عَ لله أبا بكر الصديق على الحج، فخرج في
ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسولُ الله عَ لمه بعشرين بدنة، قلَّدهَا وأشعرَها بيده ،
عليها ناجيةُ بن جُندب الأسلمي ، وساق أبو بكر خمسَ بَدَنات ، فلما كان بالعَرْجِ ــ وابن
عائذ يقول: بضّجْنَان - لقيه علَّ بن أبي طالب على ناقة رسول الله عَ لِ القَصَوَاء، فقال له
أبو بكر : استعملك رسول الله عَ ◌ّمِ على الحج؟ قال: لا ، ولكن بعثني أقرأُ براءةَ على
الناس ، وأنبذَ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه. فمضى أبو بكر فحجَّ بالناس ، وقرأ علّ بن أبي طالب
براءة يوم النحر عند الجمرة ، ونبذَ إلى كلِّ ذي عهد عهده ، وقال: لا يحجّ بعد العام مشرك ،
ولا يطوف بالبيت ◌ُريان . ثم رجعا قافلين إلى المدينة(١).
وفيما ذكر ابن عائذ : أن المشركين كانوا يَحُون مع المسلمين، ويُعارضهم المشركون
بإعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك(٢): لا شريكَ لك إلا شريكاً هو لك تملُكه وما ملك.
ويطوفُ رجالٌ منهم عُراة ، ليس على رجل منهم ثوب بالليل ، يُعظّمون بذلك الحرمة ، ويقول
أحدُهم : أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ، ليس عليَّ شيءٍ من الدنيا خالَطَه الظلم . فكره
رسول الله عَ له أن يحَّ ذلك العام وأمرَ اللَّهُ ببراءة، وذكر تمام الخبر. وفيه: فلما كان يوم
النحر يوم الحج الأكبر، أَذْنَ ببراءة من عهد كل مشرك لم يُسلم، أن لا يدخل المسجد:
الحرام بعد ذلك العام ، وبيَّنَ لهم مُدَّة الله التي ضرب على لسان نبيه أربعة أُشهر يَسيحون فيها
حيث شاؤوا ، فقالوا : بل الآن لا نبتغي تلك المدة ، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا من الضرب
والطعن ، فحجَّ الناس عامَهم ذلك ، فلما رجعوا أرغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام
طوعاً وكرهاً. وكان العهدُ بين رسول الله عَّله وبين المشركين عاماً وخاصّاً ، فالعامُّ أن:
لا يُصدَّ أحدٌ عن البيت جاءه، ولا يُخافُ أحدٌ في الأشهر الحرم ، فانتقضِ ذلك بسورة
(١) الطبقات الكبرى ١٦٨/٢
(٢) (ج)): ليغلطوهم بذكر ..
- ٣١٠ _

براءة. والخَاصُّ بين رسول الله عَ لّه وبين قبائل من العرب إلى آجال مسمّاة، ولذلك قال
﴿إِلا الذينَ عاهدتُّم من المشركينَ ثم لم ينقصُوكم شيئاً﴾ الآية [ التوبة: ٤]. ذكر معناه
ابن إسحاق ، وذكر تمام الآي من سورة براءة وتفسيرها(١).
*
#
(١) السيرة النبوية ٥٤٣/٢ - ٥٥٤ .
- ٣١١ -

٠٠
وفود العرب
وفي سنة تسع قدمت وفود العرب على رسول الله عَ له ، وكانت تسمى بذلك، ففيها
قدم وفد بني تميم الذي تقدم ذكره .
وفيها قدم وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل ، وأَرْبَدُ بن قيس بن جَزء بن خالد بن:
جعفر، وجَبَّار بن سلمى بن مالك بن جعفر ، قاله بن إسحاق . قال : وكان هؤلاء الثلاثة:
رؤساء القوم وشياطينَهم، فقدم عامر بن الطفيل عدوُّ الله على رسول الله عَ له ، وهو يُريد:
الغدرَ به ، وقد قال له قومه يا عامر: إن الناس قد أسلموا فأسلم . قال : والله لقد كنتُ
آليت لا أنتهي حتى يتبعَ العربُ عقبي ، فأنا أتبع عَقِبَ هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد :
إذا قدمنا على الرجل فإنى شاغلٌ عنك وجههَ ، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُهُ بالسيف . فلما قدموا:
على رسول الله عَّ له ، قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالتي. قال: لا والله حتى تؤمن بالله
وحدَه لا شريكَ له. قال: يا محمد خالِي(١). وجعل يُكلِّمه وينتظر من أربد ما كان أمره
به ، فجعل أربد لا يُحير شيئاً . فلما رأى عامر ما يصنع أريد ، قال: يا محمد خالتي .
قال: لا حتى تؤمنَ بالله وحدَه لا شريكَ له. فلما أبى عليه رسول الله عَ لّه. قال: أما والله.
لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً. فلما ولَّى قال رسول الله عَ لِّ اللهم اكفني عامر بن الطفيل.
فلما خرجوا من عند رسول الله عَ ليه، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنتُ أَمرتُك
به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك ، وأيم الله.
لا أخافك بعد اليوم أبداً . قال : لا أبالك لا تعجل علي ، والله ما هممتُ بالذي أمرتني به من
أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل ، حتى لا أرى غيركَ ، أفاضربك بالسيف ؟
وخرجوا راجعينَ إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، بعث الله على عامر.
(١) ((خَالِي)): رُويت بتخفيف اللام؛ أي تَفرَّدْ لي خالياً حتى أتحدّثَ معك. ورويت بتشديد اللام أيضاً، أي
اتخذني خليلاً وصاحباً .
- ٣١٢ -

ابن الطفيل الطاعون(١) في عنقه، فقتلَه الله في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل يقول : يا بني
عامر! أغدّةٌ كغُدَّة البكْر في بيت امرأة من بني سَلول .
ثم خرج أصحابه حين واروه الترابَ ، حتى قدموا أرضَ بني عامر ، فلما قدموا أتاهم
قومهم ، فقالوا : ما وراءك يا أربد ؟ قال : لا شيء ، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددتُ أنه
عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتلَه . فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه ،
فأرسلَ الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما (٢).
قدوم ضِمَام بن ثعلبة
قرأتُ على أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون ، أخبركم أبو اليُمن
الكندي قراءة عليه وأنتم تسمعون سنة سبع وستمائة ، وأبو محمد عبد العزيز بن الأخضر إجازة
من بغداد ، قالا : أخبرنا الحافظ أبو القاسم بن السمرقندي سماعاً ، أخبرنا أبو الحسين بن
النَّقُور ، أخبرنا أبو القاسم عيسى بن علي بن الجراح الوزير قراءة عليه وأنا أسمع ، حدثنا أبو
القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي ، حدثني
أبو عمارة حمزة بن الحارث بن عُمير - وهو أبو عمير - قال : سمعت أبي بكر يذكر عن
عُبيد الله بن عمر ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : بينما
النِّ عَ ◌ّلِ مع أصحابه متكئاً - أو قال جالساً - جاءهم رجلٌ من أهل البادية ، فقال:
أَيُكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: هذا الأمغر المرتفق - قال حمزة: الأمغر : الأبيض مشرب
حمرة ، والمرتفق : مثل المتكىء - قال : فدنا منه ، وقال : إني سائلك فمشدد عليك في هذه
المسألة . فقال: سل عما بدا لك. فقال: أنشدُك بربِّ مَنْ قبلَك وربٍّ من بعدَك: اللَّهُ
أرسلَك؟ قال : اللهم نعم. قال: وأنشدُك بالله: اللَّهُ أمَرك أن تُصلَِّ خمس صلوات في كل
يوم وليلة ؟ قال: اللهم نعم . قال: وأنشدُك بالله اللَّهُ أَمَرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فتردَّه
على فقرائنا ؟ قال : اللهم نعم . قال: وأنشدُك بالله: اللَّهُ أمرك أن تصومَ هذا الشهر من اثني
عشر شهراً؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك بالله : اللَّهُ أَمَرك أن يحجَّ هذا البيتَ من
(١) ((الطاعون)): الوباء، المعروف في عصرنا بالكوليرا، وما أصاب عامراً ليس منه، وإنما هو - كما يوضحه
ما بعده - ضرب من السرطان والأورام الخبيثة ، والله أعلم .
(٢) السيرة النبوية ٥٦٧/٢ - ٥٦٩.
- ٣١٣ -

استطاع إليه سبيلاً؟ قال: اللهم نعم . قال : فإني قد آمنتُ وصدَّقت، وأنا ضِمام بن.
ثعلبة. وأما هذه الهَنَاة فوالله إن كنا لنتتزه عنها في الجاهلية . - قال حمزة؛ فسمعتُ أبي
يقول: الهَنَاة: الفواحش -. قال: فلما أن ولَّى قال رسول الله عَ له: ((فَقُهَ الرجلُ)) ..
قال : فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: ما رأيتُ أحداً أحسنَ مسألة ولا أوجزَ من
ضمام بن ثعلبة (١) .
وذكر ابن إسحاق هذا الخبر وقال فيه : إن ضماما قال لقومه عند ما رجع إليهم إن الله.
قد بعث رسولاً ، وأنزل عليه كتاباً استنقذَّكم به مما كنتم فيه ، وإني أَشهد أنْ لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به
وما نها كم عنه . قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً.
قال : يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة. ذكره
عن محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس(٢) .
قدوم الجارود بشر(٣) بن المُعَلَّى
في وفد عبد القيس ، وكان نصرانياً
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله سعد الله
كلِّمه، فعرض عليه رسولُ اللهِ عَّ الِ الإِسلامَ، ودعاه إليه، ورغَّبَه فيه، فقال: يا محمد! إني
قد كنتُ على دين وإني تاركٌ ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال له رسول الله عَ اللَّهِ:
نعم ، أنا ضامنٌ أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه . قال : فأسلم وأسلم أصحابُه . ثم سأل
رسولَ الله عَ لِ الحملانَ. فقال: والله ما عندي ما أحملكُم عليه . فقال: يا رسول الله فإنّ
(١) رواه النسائي في الصلاة (باب كم فُرضت الصلاة) ٢٢٨/١ - ٢٢٩ وعدل المؤلف عن روايته من
النسائي ، لأنه وقع له أعلى . وإنقصة في البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه . نور النبراس لوحة
١٣٤/٣.
(٢) السيرة النبوية ٥٧٣/٢ - ٥٧٥ والمسند.
(٣) في الأصول ((الجارود بن بشر) وكذا هو عند ابن هشام في السيرة النبوية، والتصحيح من نور النبراس لوحة
١٣٤/٣، والسيرة الشامية ٤٦٥/٦ والإصابة ٢١٦/١ وقال: لُقّب بالجارود؛ لأنه غزا بكر بن وائل
فاستأصلهم .
:
- ٣١٤ -

بيننا وبين بلادنا ضَوَالُّ(١) من ضَوَالُ الناس، أفنتبلَّغُ عليها إلى بلادنا؟ قال: لا ، إيّاك
وإياها ، فإنما تلك حَرَقُ النار .
فخرج من عنده الجارود راجعاً إلى قومه ، وكان حسنَ الإِسلام صَليباً على دينه حتى
هلك ، وقد أدرك الردة ، فلما رجع قومُه من كان أسلم منهم إلى دينه الأول مع الغرور (٢)
المنذر بن النعمان بن المنذر ، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ، ودعا إلى الإسلام ، فقال :
أيُّها الناس ، إني أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأُكفّرُ
من لم يشهد(٢) .
وقد روينا خبر قدومه من حديث سليمان بن علي ، عن علي بن عبد الله ، عن
عبد الله بن العباس، وفيه إنشاده البَّ عَّلِ حين قدم عليه في قومه :
قطعت فدفداً وآلاً فآلا (٤)
يانيَّ الهدى أتتكَ رجالٌ
لا تحالُ الكَلَاَل فيكَ كلالا (٥)
وطوت نحوك الصَّحَاصِحَ طُرّاً
أَرقلتها قلاصُنا إرقالا (٦)
كلُّ دهناء يقصرُ الطرفُ عنها
بكُماة كأنجمِ تتلالا
وطوتها الجيادُ تجمحُ فيها
أو جلَ القلبَ ذكُره ثم هالا
تبتغي دفعَ بؤسٍ يومٍ عبوسٍ
قدوم بني حنيفة
ومعهم مسيلمة الكذاب
قال ابن إسحاق : وكان منزلهم في دار بنت الحارث ، امرأةٍ من الأنصار ، ثم من بني
النجار فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة، أن بني حنيفة أتت به رسولَ الله عَ لم تسترُه
(١) (( ضَوَالٌ)): جمع ضالّة، وهي الضالة من كل ما يُقتنى من الحيوان وغيره.
(٢) في الأصول كلها ((المغرور)) والتصحيح من نور النبراس لوحة ١٣٥/٣، والسيرة النبوية ٥٧٥/٢. واسمه:
المنذر قال السهيلي : سمي كذلك لأنه غرَّ قومه حين حرب الردة .
(٣) السيرة النبوية ٥٧٦/٢ والخبر مرسل .
(٤) ((فَدْفَداً)): الفلاة من الأرض. و((آلاً)): سراباً.
(٥) ((الصَّحَاصحَ )): جمع صحصاح، وهو المستوي من الأرض. و((كلالاً)): الكلال: التعب.
(٦) ((دهناء)): فلاة، و((أرقلتها قِلاَصُنا)): قطعتها نياقنا خبباً.
- ٣١٥ -

بالثياب ، ورسولُ الله لم جالسٌ في أصحابه ، معه عسیب من سعفٍ(١) النّخل في رأسه
خُويصات(٢)، فلما انتهى إلى رسول الله عَُّلِ وهم يسترونه بالثياب، كلَّمَه وسأله . فقال له.
رسولُ اللهِ عَّ ◌َلِ: لو سألتني هذا العسيبَ ما أعطيُتكُه .
قال ابن إسحاق : وقد حدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على
خلاف هذا: أن وفد بني حنيفة أتوا رسولَ الله عَ لّهِ وخلَّفوا مُسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا
ذكروا مكانه ، فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلَّفنا صاحباً لنا في رِحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا .
قال: فأمر له رسول الله عَ لَّه بمثل ما أمر به للقوم، وقال: أما إنه ليس بشرِّ كم مكاناً.
- أي: لحفظه ضيعة أصحابه - ذلك الذي يُريد رسولُ الله عَ ط ◌ِّ.
قال: ثم انصرفوا عن رسول الله عَّ له وجاؤوه بما أعطاه، فلما انتهوَأْ إلى اليمامة ارتدَّ عدُّ:
الله وتنبّأ وتكذَّبَ لهم ، وقال : إني وقد أُشركتُ في الأمر معه ، وقال لوفده الذين كانوا معه :
ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشرِّكم مكانً ؟ ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد
أُشركتُ في الأمر معه . ثم جعل يسجع لهم ، ويقول لهم فيما يقول - مضاهاة للقرآن -:
لقد أنعم الله على الحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صِفَاقٍ وحشاً ..
وأحلَّ لهم الخمرَ والزنا؛ ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهدُ لرسول الله عَ لِّ أنه
نبّ ، فأصفقتْ(٢) معه حنيفة على ذلك ، فالله أعلم أُّ ذلك كان(٤) .
قلت : كان مسيلمة صاحبَ نيروجات(٥) ، يقال: إنه أول من أدخل البيضة في
القارورة ، وأول من أوصل جناح الطائر المقصوص ، وكان يدَّعي أن ظبية تأتيه من الجبل
فيحلب لبنها . قتله زيد بن الخطاب رضي الله عنه يوم اليمامة ، وقال رجل من بني حنيفة
يرثيه :
(١) ((عسيبُ من سعف النخل)): العسيب: الجزء الخشبي الممتد من جريدة النخل، والسَّعَف: أوراق.
الجريدة ، ولعل المقصود هنا: الجريدة نفسها ، خضراء ويابسة ، من إطلاق الجزء على الكل.
(٢) ((خويصات)): الخوص: ورق الجريدة يابساً .
(٣) ((أصفقت)): أجمعت .
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٧٦/٢ - ٥٧٧ .
(٥) ((نيزوجات)): جمع نيروجة، وهي كلمة فارسية تعني الشعبذة.
- ٣١٦ -

لهفي على ركنيْ شَمامه(١)
لهفي عليك أبا ثُمامهْ
كالشمس تطلعُ من غَمَامِهْ
كم آيةٍ لك فيهمُ
حكاه السهيلي : وقال : كذبَ ، بل كانت آياته منكوسة ، يقال : إنه تفل في بئر قوم
سألوه ذلك تبركاً فَمَلُح ماؤُها ؛ ومسحَ رأسَ صبي فَقِرع قَرَعاً فاحشاً ، ودعا لرجل في ابنین له
بالبركة فرجع إلى منزله فوجدَ أحدَهما قد سقطَ في البئر والآخر قد أكلَه الذئبُ. ومسحَ على
عيني رجل استشفى بمسحه فابيضَّتْ عيناه(٢) .
قدوم زيد الخيل بن مُهَلهِل الطائي
في وفد طيء
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله عَ ليه وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو سيدهم،
فلما انتهَوْا إليه كلَّمهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم وقال عليه الصلاة
والسلام : (( ما ذُكر لي رجل من العرب بفضل ، ثم جاءني إلا رأيتُه دون ما يُقال فيه إلا زِيدُ
الخيل ، فإنه لم يبلغْ كلَّ ما فيه)). ثم سماه زيدَ الخير، وقطعَ له فيداً(٢) وأُرَضين معه ، وكتب
له بذلك، فخرج من عند رسول الله عَ له راجعاً إلى قومه، فقال رسول الله عَ له: ((إنْ
يُنْجَ (٤) زيدٌ من حُمَّى المدينة فإنَّه))(٥). قال: قد سماها رسولُ الله عَّهِ باسمٍ غير الحمى
وغيرٍ أُمِّ مِلْدم فلم يثبته(٦) . فلما انتهى من بلد تجد إلى ماء من مياهه يُقال له فَرْدَة ، أصابته
(١) ((شمامه)): بفتح الشين وتخفيف الميم، قال سبط ابن العجمي: لا أعلم ما هو، ولا رأيت أحداً ذكرَ فيه
شيئاً . نور النبراس لوحة ١٣٦/٣.
(٢) الروض الأنف ٣٣٨/٢ .
(٣) (( فَيْد ): اسم مكان قرب جبل سلمى في بلاد طيء.
(٤) (( يُنْجَ)): كذا ضبطت بالبناء للمجهول، ولعلها ((يَنْج)) مبنية للمعلوم.
(٥) ((فإنَّه)): كذا وردت من غير خبر، وقدَّره الزرقاني في المواهب ٢٦/٤: فإنَّه لا يُعابُ بسوء، أو لم يُصبْه
ضرر، ونحو ذلك . ولعل المناسب: فإنه سيكون ذا تأثير في قومه بالإِسلام . والله أعلم .
(٦) ((فلم يُثبتْه)): قال السهيلي في الروض الأنف ٣٤٢/٢: الاسم الذي ذهب عن الراوي من أسماء الحمى هو:
أُّ كُلْبة. و((مِلْدَم)): بكسر الميم وفتحها ، وسكون اللام ، وفتح الدال .
- ٣١٧ -

الحمى بها فمات ، فلما أحبَّ زيدٌ بالموت ، قال :
وأُتركُ في بيتٍ بفردةَ منُجْدٍ
أُمُرتَحِلٌ قومي المشارقَ غَدْوَةٌ
عوائدُ من لم يُبَرَ مِنهنَّ يجهدٍ(١)
ألا رُبَّ يوم لو مرضْتُ لعنادني
فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التي أقطعها له رسولُ الله عَ لآم فأحرقتها (٢)
بالنار(٣).
قال أبو عمر : وقيل : بل مات في آخر خلافة عمر، وكان قد أسرَ عامر بن الطفيل قبل
إسلامه وجزَّ ناصيتَه . وكان له ابنان مِكنف وبه كان يُكنَّى، وحُريث ، أسلما وضحبا
النِّ عَلِ ، وشهدا قتالَ أهلِ الردة مع خالد (٤) رضي الله عنه .
قدوم عدي بن حاتم الطائي
قال ابن إسحاق : وكان يقول - فيما بلغني : ما من رجلٍّ من العرب كان أشدَّا
كراهية لرسول الله عَ لِ حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرأً شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت
أسير في قومي بالرباع(٥)، فكنت في نفسي علی دین ، و کنتُ ملكاً في قومي لما كان يُصنعِ
بي ، فلما سمعتُ برسول الله عَ ليه كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي ، وكان راعياً لإبلي:
لا أبا لك اعزلْ لي من إبلي أجمالاً ذُلُلاً سماناً، فاحبسها قريباً مني ، فإذا سمعتَ بجيشٍ لمحمد
قد وطىء هذه البلاد فَاذِنِّي ، ففعل . ثم إنه أتاني ذاتَ غداة فقال : يا عدي ما كنتَ صانعاً
إذا غشيك محمدٌ فاصنعه الآن ، فإني قد رأيت راياتٍ ، فسألت عنها ، فقالوا : هذه جيوش
محمد . قال : فقلت: فقرِّبْ لي أجمالي، فقرَّبَها، فاحتملتُ بأهلي وولدي، (٦) قلتُ:
(١) يُبرىء)): بالبناء للمجهول ؛ أي يُبريه السفر ويُضعفه ..
(٢) ذكر ابن دريد أن امرأته حينما رأت الراحلة مقبلة ليس عليها زيد ، ضرمتها بالنار، فاحترقت واحترق
الكتاب . السيرة الشامية ٥٤٦/٦ .
(٣) السيرة النبوية ٥٧٧/٢ - ٥٧٨
(٤) الاستيعاب ٥٦٣/١ - ٥٦٤.
(٥) ((المِرْبَاع)»: أخذ الربع من الغنيمة دون أصحابه .
(٦) كذا في ((أ)) و(( ب)) وبقية النسخ والسيرة النبوية: ((ثم قلت ... )).
- ٣١٨ -

أُلحقُ بأهل ديني من النصارى بالشام ، وخلَّفتُ بنتاً لحاتم في الحاضر ، فلما قدمتُ الشامَ
أُقمت بها .
وتُحالفني خيلٌ لرسول الله عَ لِ فتصيبُ ابنة حاتم فيمن أصابت ، فقُدم بها على
رسول الله عَ ليه في سبايا طيء، وقد بلغ رسولَ الله عَ لِه هربي إلى الشام، فجُعلت بنتُ
حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تُحبس فيها، فمرَّ بها رسولُ الله عَ لّهِ، فقامت
إليه ، وكانت امرأةٌ جَزْلَةً (١)، فقالت: يا رسول الله هلكَ الوالدُ، وغاب الوافدُ، فامنن عليّ
مَنَّ الله عليكَ . قال : من وافدك ؟ قالت : عدي بن حاتم . فقال: الفَارُّ من الله ورسوله ؟ ثم
مضى وتركني ، حتى إذا كان من الغد مرَّ بي فقلت له مثل ذلك ، وقال لي مثل ما قال
بالأمس . حتى إذا كان بعد الغد مرَّ بي وقد يئست ، فأشار إليَّ رجل من خلفه : أن قومي
فكلِّمِيه . قالت : فقمت إليه فقلت : يا رسول الله هلكَ الوالدُ، وغابَ الوافدُ. فامنن عليّ
منَّ الله عليك . فقال رسول الله عللي : قد فعلتُ ، فلا تعجلي بخروجٍ حتى تجدي من قومِك
من يكون لك ثقةً، حتى يُلْغَكِ إلى بلادك ، ثم آذِنيني. فسألتُ عن الرجل الذي أشار إليّ
أن كلميه ، فقيل : هو علي بن أبي طالب .
فَأَقمتُ حتى قدم ركبٌ من بَلّ أو قُضاعة ، قالت: وإنما أُريد أن آتي أخي بالشام .
قالت: فجئتُ رسولَ الله عَ ليه، فقلت يا رسول الله قد قدم رهطٌ من قومي لي فيهم ثقة
وبلاغ. قالت: فكساني رسولُ الله ◌َ له وحملني، وأعطاني نفقة ، فخرجت معهم حتى
قدمت الشام .
قال عدي : فوالله إني لقاعد في أهلى إذا نظرت إلى ظعينة تُصَوِّبُ إليَّ، تؤمُّنا . قال :
فقلت : ابنةُ حاتم ؟ قال: فإذا هي هي . فلما وقفتْ علي انسجلت(٢) تقول: القاطع
الظالم ، احتملتَ بأهلك وولدكَ وتركت بقيّة والديك، عورتك. قال: قلت : أي أُخيّة
لا تقولي إلا خيراً ، فوالله ما لي من عذر ، لقد صنعتُ ما ذكرتِ . قال: ثم نزلتْ فأقامتْ
عندي ، فقلت لها - وكانت امرأة حازمة - ماذا تَرَيْنَ في أمر هذا الرجل؟ قالت : أرى والله
(١) ((جَزْلة)»: عاقلة.
(٢) ((أنسجلت)): أنصبت.
- ٣١٩ -

أن تلحقَ به سريعاً ، فإن يكنّ الرجل نبيًّاً فللسابق إليه فضلٌ ، وإن يكنْ ملكاً فلن تَذِلَّ في عِزِّ
اليمن وأنتَ أنتَ . قال: قلتُ: والله إنَّ هذا للرأي .
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله عَ لَّهِ المدينة، فدخلتُ عليه، فقال: مَن
الرجل؟ فقلت: عدي بن لحاتم. فقامَ رسولُ الله عَّ له وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه العامةٌ
بي إليه ، إذ لقيته امرأةٌ ضعيفة كبيرة ، فاستوقفته ، فوقف لها طويلاً ، تُكلِّمه في حاجتها ،
قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى رسولُ الله عٍَّ حتى إذا دخل
بيتَه ، تناول وسادةً من أدم محشوة ليفاً، فقذفها إليَّ ، فقال: اجلس على هذه . قال:
فقلت: بل أنت فاجلس عليها. قال: بل أنت. فجلستُ عليها؛ وجلس رسولُ الله عَ ليه
بالأرض . قال : فقلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم! ألم
تَكُ ركوسياً(١)؟ قال: قلت: بلى. قال: أو لم تكن تسيرُ في قومك بالمرباع ؟ قال: قلت:
بلى . قال : فإن ذلك لم يكن يَحِلُّ لك في دينك. قال: قلت: أجل والله. قال: وعرفت
أنه نِّي مرسل، يعلم ما يُجهل. ثم قال: (( لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا
الدين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليُوشكنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم حتى لا يُوجدَ من يأخذه ،
ولعلك إنما يمنعُك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلّة عددهم ، فوالله ليُوشكنَّ أَنْ
تسمعَ بالمرأة تخرجُ من القادسية على بعيرها حتى تزورَ هذا البيت ، لا تخاف ، ولعلك إنما
يمنعُك من دخولٍ فيه أنك ترى أن الملكَ والسلطانَ في غيرهم، وايم الله ليُوشكنَّ أن تسمعَ
بالقصور البيض من أرض بابلَ قد فُتحت عليهم )) . قال: فأسلمتُ .
قال : فكان عدي يقول : مضت اثنتان ، وبقيت الثالثة ، والله لتكوننَّ، قد رأيتُ
القصورَ البيضَ من أرض بابلَ قد فُتحت عليهم ، وقد رأيتُ المرأةَ تخرجُ من القادسية على
بعيرها ولا تخافُ حتى تحجَّ هذا البيت ، وايم الله لتكوننَّ الثالثة؛ ليفيضنَّ المالُ حتى لا يُوجدّ
من يأخذه(٢) .
● الرَّكوسيَّة : قوم لهم دين .
(١) ((ركوسيا)): نسبة إلى الركوسية، وهم فئة لهم دين خليط من الصابئة والنصرانية.
(٢) السيرة النبوية ٥٧٨/٢ - ٥٨١. رواه الترمذي في التفسير (باب ومن سورة الفاتحة) رقم/٢٩٥٦٪ وأحمد
في المسند ٣٧٨/٤، وفي البخاري ومسلم بعضه .
- ٣٢٠ _