Indexed OCR Text

Pages 141-160

فأقبلت أنا وأُمّ مسطح قِبلَ بيتي، قد فرغنا من شأننا، فعثرت أمُّ مِسطح في مِرْطها(١) ،
فقالت : تعسَ مِسطح. فقلت لها: بئس ما قلت ، أَتْسُبَّينَ رجلاً شهد بدراً . قالت : أي
هَْتَاهُ(٢) أو لم تسمعي ما قال؟ قلت : وما قال؟ قالت : فأخبرتني بقول أهل الإفك ،
فازددتُ مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، ودخلَ علَّ رسولُ الله عَ لهــ تعني(٣)
سلَّم - ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذنُ لي أن آتي أبويَّ. قالت: وأنا حينئذ أُريد أن
أُستيقنَ الخبرَ من قِبَلهمَا. قالت: فأذن لي رسولُ الله عَ لّهِ، فجئتُ أبويٍّ، فقلت لأمي :
يا أمّتاه ! ما يتحدثُ الناسُ ؟ قالت : يا بنية! هوِّني عليك ، فوالله لقلَّ ما كانت امرأة قط
وضيئة ، عند رجل يُحِبُّها، ولها ضرائر، إلا أكثرنَ عليها . قالت : فقلت: سبحان الله!
ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت : فبكيت تلك الليلة ، حتى أصبحتُ لا يرقاً لي دمع ،
ولا أكتحل بنوم ، حتى أصبحتُ أبكي .
فدعا رسولُ الله عَِّ عَلَّ بن أبي طالب وأسامةَ بن زيد حين استلبثَ(٤) الوحِيَ ،
يستأمرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامةُ بن زيد فأشارَ على رسول الله عَ لِه بالذي يعلم
من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود . فقال: أهلَكَ يا رسول الله ، ولا نعلمُ
إلا خيراً . وأما عليّ بن أبي طالب، فقال: يا رسول الله! لم يضيّقِ الله عليكَ، والنساءُ
سواها كثير ، وإنْ تسألِ الجاريةَ تصدقْكَ . قالت: فدعا رسولُ الله عَّهِ بَرِيْرةَ ، فقال : أي
بريرةُ ! هل رأيتِ من شيءٍ يَرِيك ؟ قالت : بريرةُ . والذي بعثكَ بالحقِّ، إن رأيتُ عليها أمراً
أغمُصه(٥) عليها، أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السِنِّ تنامُ عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن(٦)
فتأكله. فقام رسولُ اللهِ عَ لَِّ فاستعذرَ (٧) من عبد الله بن أبي بن سلول . قالت : فقال
(١) ((مرط )): كساء.
(٢) ((أي مَنْتَاه)): كلمة ملازمة للنداء، تقال في مثل هذا الموقف ، تدل في عمومها على الغرارة والغفلة.
(٣) هذا إدراجٌ قُصد به تفسير قولها: ((ودخل عليَّ)).
(٤) ((استلبثَ الوحي)): بفتح الباء، استبطأه، وبضمها: أبطأ. وفي الصحيح: ( وقد لبثَ شهراً لا يُوحى إليه
في شأني ».
(٥) (( أغمصه )) : أعيبه .
(٦) ((الداجن)): الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى.
(٧) ((فاستعذر)): طلب الانتصاف منه، وهو قوله تعالى: ((من يعذرني ... )).
- ١٤١ -

رسولَ الله عَ لّه وهو على المنبر: يا معشرَ المسلمين مَنْ يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في :
أهل بيتي ، فوالله ما علمتُ عن أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيراً،
وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعدُ بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسولَ الله أنا
أُعذُرك منه ، إن كان من الأوس ضربتُ عنقَه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا
أُمَرَك . قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيّدُ الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاًصالحاً ، ولكن
احتملته الجميّةُ ، فقال لسعد: كذبتَ لعمرُ الله، لا تقتلُّه ولا تقدرُ على قتله. فقام.
أُسيد بن حُضير ، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة : كذبتَ لعمرُ الله
لنقتلنَّه ، فإنك منافق تُجادلُ عن المنافقين، فتثاورَ الحيَّان: الأوس والخزرج، حتى هَمُّوا أن
يقتتلوا ، ورسول الله عَ ليه قائم على المنبر، فلم يزل رسولُ الله عَلِ يُخفّضُهم حتى سكتوا
وسكت .
قالت : فمكثتُ يومي ذلك لا يرقاً لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواني عندي ،
وقد بَكَيْت ليلتين ويوماً لا أكتحلُ بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أنَّ البكاء فالقٌ كبدي .
قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنتْ علَّ امرأة من الأنصار ، فأذنتُ لها ،
فجلستْ تبكي معي . قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ مَّلِ، فسلّم ثم
جلس . قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قِبَلَها، ولقد لبثَ شهراً لا يوحى إليه في
شأني . قالت: فتشهد رسولُ الله ێ حین جلسَ ، ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فإنه قد
بلغني عنكِ كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري
الله وتوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه . قالت : فلما :
قضى رسولُ اللهِ عَ لِ مِقالَته ، قَلَص دمعي ، حتى ما أُحِسُّ منه بقطرة ، فقلت لأبي : أجبْ
رسولَ اللهِ عَ ◌ّله فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله عَ ليه. فقلت لأمي:
أُجيبي رسولَ الله عَّ له. فقالت: ما أدري ما أقول لرسول الله عَ لّه. قالت - فقلت وأنا
جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن -: والله لقد علمت ، لقد سمعتم هذا الحديث
حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به ، فلئن قلتُ لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة -
لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقوني، والله
ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسف: ﴿فَصِبْرٌ جميلٌ والله المستعانُ على ما تَصفون؟
- ١٤٢ -

[ يوسف: ٨٣] قالت: ثم تحولتُ فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذ أعلم أني
بريئة وأن الله مبرِّي ببراءتي ، ولكن والله ما كنتُ أظنُّ أن الله منزل في شأني وحياً . يتلى،
ولشأني في نفسي كان أحقَر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى
رسول الله عَ ◌ّه في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام(١) رسول الله ع طيه ،
ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء(٢)،
حتى إنه ليتحدر منه مثل الجُمان من العرق ، في يوم شات ، من ثقل القول الذي ينزل عليه .
قالت: فلما سُرِّيَ عن رسول الله عَ لِ، سُرِّي عنه وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم
بها : يا عائشة! أمَّا الله فقد برأك. فقالت أمي: قومي إليه. قالت: فقلت: والله لا أقومُ
إليه ، ولا أحمدُ إلا الله . وأنزل الله: ﴿إِنَّ الذين جاؤوا بالإِفكِ عصبةٌ منكم﴾ [ النور:
١١] العشر الآيات كلَّها، فلما أنزل الله هذا في براءتي. قال أبو بكر الصديق - وكان
يُنفق على مِسطح بن أثاثة ، لقرابته منه وفقره -: والله لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد
الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿ولا يأتلِ أُولوا الفضل مِنكم والسَّعَة أن يُؤْتوا أُولي
القُربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ولَيَعْفُوا وليَصْفَحُوا ألا تُحبُّون أن يغفر الله لكم والله
غفورٌ رحيم﴾ [ النور: ٢٢] قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجعَ إلى
مسطح النفقةَ التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أُنزعها منه أبداً .
قالت عائشة: وكان رسول الله عَ لله يسأل زينبَ ابنة جحش عن أمري، قال:
يا زينب ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسول ! أحمي سمعي وبصري، ما علمتُ إلا
خيراً. قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي عَّهِ ، فعصمها الله بالورع ،
وطفقتْ أختها حمنةُ تُحارب لها ، فهلكت فيمن هلك(٣) من أصحاب الإِفك .
قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سليمان ، عن حصين ، عن أبي وائل ،
عن مسروق ، عن أم رومان أم عائشة ؛ أنها قالت : لما رُميت عائشة خرَّت مغشياً عليها(٤).
(١) ((ما رام)): ما ترك المكان ، مضارعها: يريم.
(٢) ((الْبُرَحاء)): شدة الكرب من ثِقَل الوحي، قاله ابن الأثير في النهاية .
(٣) روى البخاري حديث الإفك في المغازي ( باب حديث الإفك ) رقم / ٤١٤١/.
(٤) رواه البخاري في المغازي ( باب حديث الإفك) رقم /٤١٤٣/ بأطول مما أورده المؤلف رحمه الله تعالى.
- ١٤٣ -

ذكرُ فوائدَ تتعلَّقُ بخير بني الْمُصْطَلِقِ وحديثِ الإِفك
• المُصْطَلِقِ: هو جُذَمَةُ بن كعب ، من خزاعة .
والمريسيع : ماء لهم؟).
۔۔۔
● وجهجاه بن مسعود، وقال أبو عمر : جهجاه بن سعد بن حَرَام ، هو صاحب
حديث (( المؤمن يأكلُ في مِعِى واحد))(٢) . وقيل إن ذلك قيل في غيره ، وقال الطبري :
المحدثون يزيدون فيه الهاء، والصواب: جهجا ، دون هاء. وجهجاه هذا هو الذي جاء
وعثمان رضي الله عنه يخطب، وبيده عصا النبي عَ لمه، فأخذَها وكسرها على ركبته اليمنى ،
فدخلت فيها شظية منها ، فبقي الجرح، وأصابته الأَكَلَة، وشُدَّت العصا ، وكانت مضبية .
ذكره ابن مسلمة التُّجيي في تاريخه .
:
• وسِنان بن وَيْر بإسكان الباء عند بعضهم، وقال أبو عمر(٣): سنان بن تيم،
ويقال : ابن وَيْر ، وفي كتاب ابن شبة . سنان بن أبير. وحكى الأموي عن ابن إسحاق :
سنان بن عمرو ، ويقال : ابن وَبْرة .
، ومتن بالناس: قال صاحب(٤) ((العين)): ساروا سيراً مماتناً ، أي بعيداً .
· وفي حديث الإفك ذكر صفوان بن المعطل ، قال السهيلي : وكان يكون على ساقة .
العسكر ، يلتقط ما يسقط من المتاع ، ولذلك تخلَّفَ. في هذا(٥) الحديث(٦).
وقد روي أنه كان ثقيلَ النوم ، لا يستيقظ حتى يرتحلَ الناسُ ، ويشهد لذلك حديث أبي
: (١) ((المريسيع)): قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٣٠/٧: بينه وبين الفرع مسيرة يوم.
. (٢) الاستيعاب ٢٥٢/١ - ٢٥٣، والحديث رواه مسلم في الأشرية (باب المؤمن يأكل في مِعَىّ واحد) رقم
/٢٠٦٢/ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .
(٣) الاستيعاب ١٨٧/٢ بهامش الإصابة .
(٤) صاحب العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة ١٧٥هـ، والعين: هو أول معجم ألّف في العربية
(٥) أي : كما جاء في الحديث عند البخاري .:
(٦) الروض الأنف ٢٠/٤.
- ١٤٤ -

داود(١) أن امرأة صفوان اشتكت به إلى رسول الله عَ لِّ، فذكرت أشياء، منها أنه لا يُصَلِّي
الصبح. فقال صفوان : يا رسول الله إني امرؤ ثقيلُ الرأس ، لا أستيقظُ حتى تطلعَ
الشمس. فقال له النبي عَ لِ: ((إذا استيقظتَ فصلِّ)). وقُتل صفوان شهيداً في خلافة
معاوية ، واندقت رجله يوم قُتل ، فطاعنَ بها وهي منكسرة حتى مات .
• وجَرْعَ، ظَفَار(٢): قال يعقوب: مدينة باليمن، وقد وقع: جَزْعٌ ظَفَارٌّ ، وهو
أيضاً صحيح .
• وأم رومان: زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عَتَّاب بن أُذينة بن
سُبيع بن دَهمان بن الحارث بن غَنْم ، كذا قال مصعب(٣) ، وغيره يُخالفه ، وقد وقع في
الصحيح : رواية مسروق عنها بصيغة العنعنة وغيرها ، ولم يُدْرِكُها، ومُلُّخصُ ما أجاب به
أبو بكر الخطيب(٤): أن مسروقاً يمكن أن يكون قال : سُئلت أم رومان ، فأثبت الكاتب
صورة الهمزة ألفاً، فتصحفت على من بعده بسألت ، ثم نقلت إلى صيغة الإخبار بالمعنى من
طريق ، وبقيت على صورتها في آخر ، ومخرجها التصحيف المذكور .
• ومِسطح: لقب ، واسمه عوف بن أثاثة بن عَبَّاد بن المطلب بن عبد مناف . ذكر
الأُموي : عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، قال : أبو بكر لِسطح :
من الكلام ولم تتبعْ بِه طَمَعاً
ياعوفُ ويحكَ هَلا قلتَ عمارفةً
ولم تكن قاطعاً يا عوفُ مُنقطِعا
وأدركنْكَ حُمَيَّاً معشيرٍ أُنف
(١) رواه أبو داود في الصوم (باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها) رقم /٢٤٥٩/ عن أبي سعيد الخدري ، وصحّح
الحافظ ابن حجر إسناده . الإصابة ١٩١/٢ .
(٢) ((جزع ظَفَّار)): أما الجزع، فقالوا: إنه الخرز اليماني، وقد سبق للمؤلف أن أوردها وفقاً لرواية البخاري
(( جزع أظفار)).
والأظفار ، وظفار ـــ منوناً وغير منون - نوع من الطيب أسود اللون ، يعجن ويشكل على هيئة الأظفار ، ثم
يُقب لينظمَ عقداً تلبسه النساء . وعليه فإن عقد السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كان من هذا النوع ، ولا
علاقة له بظفار اليمن إلا تشبيه طيبها المنظوم بالجزع . انظر القاموس المحيط ، والنهاية في غريب الحديث مادة
(( ظفر)) وفتح الباري ٤٥٩/٨ .
(٣) مصعب الزبيري في كتابه ((نسب قريش)) لم يُطبع منه إلا جزء واحد.
(٤) الروض الأنف ٢١/٤ .
- ١٤٥ -

وبَينَ عوفٍ وبينَ الله ما صنَعًا:
فأنزلَ الله وحياً في براءتها
. شر الجزاء إذا ألفيتُه تَبِعَا.
فإنْ أعشْ أَجزِ عوفاً عن مقالتِه
قال أبو عمر: أمرَ النِّ ◌َ لِ بالذين رَمَواْ عائشةَ بالإفك حين نزل القرآن ببراءتها ،
فجُلدوا الحدَّ ثمانين فيما ذكرَ أَهلُ السير والعلم والخبر .
:
• ووقع في هذا الحديث: فقام سعدُ بن معاذ الأنصاري، فقال ::
يا رسول الله عَ لِ أَنا أُعذرُك منه. ووقع عند ابن إسحاق في هذا الخبر بدلَ سعد بن معاذ
أسيدُ بن ◌ُضير، فمن الناس من يرى أن ذكر سعد في هذا الخبر وَهَم ، لأن سعداً مات
عند انقضاء أمر بني قريظة ، ويرى أن الصواب ما ذكره ابن إسحاق من ذكر أسيد بن
حُضير . ولو اتفق أهلُ المغازي على أن وقعةَ الخندق وبني قريظة متقدمةٌ على غزوة بني:
المُصْطَلِقِ لكان الوَهَم لازماً لمن رآه كذلك، ولكن هم مختلفون في ترتيب هذه المغازي كما
سبق في هذه وغيرها .
ورأيتُ عن الحاكم أبي عبد الله، أن سبب هذا الخلاف إنما هو لاختلاف في التاريخ ،
هل هو لمقدم النبي عَ ◌ّله في ربيع الأول كما هو عند قوم ، أو للعام الذي قدم فيه كما هو عند
آخرين ، وذلك لا يتم لأمرين :
أحدهما : أن تلك المدة التي وقع الاختلاف فيها إنما هي نحو ثلاثة أشهر ، وهي من أول
العام إلى ربيع الأول ، وزمن الخلاف أوسعُ من ذلك ، فهذه الغزوة عند ابن عُقْبة في سنة
أربع ، وعند غيره في شعبان سنة ست .
الثاني : أنها مختلفة الترتيب عندهم في تقديم بعضها على بعض ، فهذه عند ابن سعد
وجماعة قبل الخندق ، وعند ابن إسحاق وآخرين بعدها ، وذلك غير الأول ، وأما ابن سعد
فإنه يؤرخ هذه الوقائع بالأشهر لا بالسنين .
• وفي هذه الغزوة نهى النبي عَّم عن العزل، أخبرنا أبو عبد الله بن عبد المؤمن،
بقراءة الحافظ أبي الحجاج المِري عليه وأنا أسمع بمرج دمشق ، قال: أخبركم المؤيد بن الأخوة
إجازة من أصبهان ؟ فأقرَّ به ، قال : أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي ، أخبرنا أبو سعد
الكَنْجَرُوَذي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل ، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن
- ١٤٦ -

إسحاق بن خزيمة ، حدثنا علّ - هو ابن حجر - حدثنا إسماعيل - هو ابن جعفر -
حدثنا ربيعة - هو ابن أبي عبد الرحمن - عن محمد بن يحيى بن حَبَّان بن منقذ ، عن ابن
محيريز ؛ أنه قال : دخلتُ أنا وأبو صِرْمة على أبي سعيد الخدري ، فسأله أبو صيرمة ، فقال :
يا أبا سعيد هل سمعتَ رسولَ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ يذكرُ العزلَ؟ فقال: نعم، غزونا مع
رسول الله عَ له غزوة بني المصْطَلِقِ، فسبينا كرائمَ العرب ، فطالت علينا العزبةُ ، ورغبنا في
الغداء، فأردنا أن نستمتعَ ونعزلَ، فقلنا: نفعلُ ورسولُ اللهِ عَ لِ بين أظهرنا لا نسأله،
فسألنا رسولَ اللهِ عَ ◌ّله، فقال: (( لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله خَلْقَ نَسَمةٍ هي
كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون))(١) .
· قال ابن سعد : وفيها سقط عقدٌ لعائشة ، فاحتبسوا على طلبه ، فنزلت آية التيمم .
فقال أُسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر (٢).
قرأت على أبي الفتح الشيباني بدمشق، أخبركم الخَضِر بن كامل قراءةً عليه وأنتم
تسمعون ، قال: أخبرنا أبو الدرِّ ياقوت بن عبد الله الرُّومي سماعاً ((ح)) قال الشيباني:
وأخبرنا أبو اليُّمْن الكِندي إجازةُ إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا ابن البَيْضَاوي ، قالا :
أخبرنا أبو محمد بن هِزَارمَرْد أخبرنا المُخلِّصُ حدثنا البغوي ، حدثنا مُصعب بن عبد الله
الزُّبيري ، حدثني مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت :
خرجنا مع رسول الله عَ لله في بعض أسفاره ، حتى إذا كنَّا بالبيداء، أو بذات الجيش،
انقطع عقدي ، فأقامَ رسولُ الله عَ لِ على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء ، وليس
معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسولُ اللّه عَ لِ واضعٌ رأسَه على فخذي قد نام ، فقال :
حبست رسول الله عَ ◌ّه، والناسَ، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء . قالت عائشة:
فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقولَ ، وجعل يطعنُ بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من
(١) حديث العزل رواه البخاري في النكاح ( باب العزل) رقم /٥٢١٠/، ومسلم في النكاح ( باب حكم
العزل) رقم /١٤٣٨/، والموطا في الطلاق ( باب ما جاء في العزل ) ٥٩٤/٢ ، وأبو داود في النكاح ( باب
ما جاء في العزل) رقم / ٢١٧١/، والترمذي في النكاح ( باب ما جاء في كراهية العزل) رقم /١١٣٨/،
والنسائي في النكاح ( باب العزل ) ١٠٧/٦ .
(٢) الطبقات الكبرى ٦٥/٢ .
- ١٤٧ -

التحرك إلاَّ مكان رسول الله لآ على فخذي ، فنامَ رسولُ الله ◌ُٹے حتى أُصبح على غیر
ماء ، فأنزلَ الله تعالى آية التيمم . فقال أُسيدُ بن حُضير ، وهو أحد النقباء: ما هذا بأول
بركتكم يا آلَ أبي بكر (١). قالت: فبعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقدَ تحتَهُ . قال
البغوي : هذا معنى لفظ الحديث .
:
وروى الطبراني في معجمه من حديث محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عَبَّاد بن
عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ، قالت : لما كان من أمر عِقْدي ما كان ، قال أهل
الإِفك ما قالوا، فخرجت مع النبي ◌َّه في غزوة أخرى ، فسقط أيضاً عِقْدي ، حتى حبس
التماسُهِ النَّاس ، وطلع الفجرُ، فلقيتُ من أبي بكر ما شاء الله، وقال لي يا بنية في كل سفرة!
تكونين عَنَاءٌ وبلاءً، وليس مع الناس ماء ، فأنزلَ الله الرخصة بالتيمم ، فقال أبو بكر : والله
يا بنية إنك لِما علمتُ مباركة (٢).
فهذه الرواية تقتضي أن الواقعتين كانتا في غزوتين ، والله أعلم .
۔۔
(١) حديث عائشة رواه البخاري في التيمم ( باب إذا لم يجد ماء ولا تراباً) رقم /٣٣٦/، ومسلم في الحيض
( باب التيمم ) رقم /٣٦٧/، والموطأ في الطهارة ( باب هذا باب في التيمم ) ٥٣/١ - ٥٤، وأبو داود في:
الطهارة ( باب التيمم ) رقم /٣١٧/، والنسائي في الطهارة (باب بدء التيمم) ١٦٣/١ ـ ١٦٤
وسبب عدول المؤلف عن روايته من هذه الكتب طلباً لإسناد البدل ؛ كما في نور النبراس ، لوحة ٢ ب/٩٨.
(٢) رواه الطبراني في معجمه الكبير ١٢١/٢٣ (١٥٩).
--
- ١٤٨ -

سريةُ عُكّاشةُ بن مِحْصَن إلى الغَمْرِ
قال ابن سعد بعد ذكر غزوة الغابة ــ وهي غزوة ذي قَرَد - :
ثم سرية عُكَّاشة بن مِحصن الأسَدي إلى الغَمْر ، غَمْر مرزوق ــ مفتوح الغين المعجمة
ساكن الميم بعدها راء مهملة - وهو ماء لبني أسد ، وكانت في شهر ربيع الأول سنة ست .
قالوا : وجَّه رسولُ الله عَ لِ عُكَّاشة بن محصن إلى الغَمْر في أربعين رجلاً .
قال الواقدي فيما حكاه عنه الحاكم أبو عبد الله : فيهم ثابت بن أقرم ، وسِباع بن وهب .
فخرجَ(١) سريعاً يُخِذُّ السيرَ ، وَذِرَ به القوم ، فهربوا، فنزلوا عُليا بلادهم ، ووجدوا
ديارَهم خُلُوفاً(٢) ، فبعثَ شُجَاعَ بن وَهْب طليعةً ، فرأى أثر النعم ، فتحملوا ، فأصابوا
ربيئة(٣) لهم ، فأَمَّنوه فدلَّهم على نَعَم لبني عمِّ له ، فأغاروا عليها ، فاستاقوا متتي بعير ، فأرسلوا
الرجل ، وحَدِروا(٤) النَّعَم إلى المدينة، وقدموا على رسول الله عَظُلّه ولم يلقوا كيداً(٥).
وقال ابن عائذ: أميرُهم ثابت بن أقرم ، ومعه عُكّاشةُ بن مِحْصَن الأسَدي ، حليف
بني أمية بن عبد شمسٍ ، وَقَيطُ بن أعصم ، حليفُ بني عمرو بن عوف ، ثم من بني معاوية :
ابن مالك من بلي ، فأصيب فيها ثابت .
كذا وجدتُ عن الحاكم: سِياع بن وَهْب ، ولعلَّه شُجاع بن وَهْب الذي يأتي ذكره
بعد ذلك .
(١) رجع إلى ابن سعد .
(٢) ((خُلُوفاً)): غائبين .
(٣) ((ربيئة)): طليعة.
(٤) ((حَدِروا النَّعِمِ)) استاقوا النَّعم وأنزلوه.
(٥) الطبقات الكبرى ٨٤/٢ - ٨٥ .
- ١٤٩ -

سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القَصَّة
بفتح القاف والصاد المهملة .
قال ابن سعد: في ربيع الآخر، سنة ست. قالوا: بعثَ رسولُ الله مَ لِ مجِمَّدَ بن
مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال ، وهم بذي القَصَّة ، وبينها وبين المدينة أربعةٌ وعشرون ميلاً ،
طريقَ الربذة ، في عشرة نفر ؛ فوردوا عليهم ليلاً ، فأحدقَ بهم القومُ وهم مائَةُ رجل ، فترامَوا:
ساعةً من الليل، ثم حملتِ الأعراب عليهم بالرماح ، فقتلوهم ، ووقع محمد بن مَسلمة
جريحاً ، فضُرب كعبُه فلا يتحرك، وجرَّدُوهم من الثياب ، ومُرَّ بمحمد بن مسلمة رجلٌ من
المسلمين، فحملَه حتى ورد به المدينة، فبعث رسولُ اللهِ عَّ له أبا عبيدة بن الجراح في أربعين
رجلاً إلى مصارعهم ، فلم يجدوا أحداً ، ووجدوا تَعَماً وشاء ، فساقه ورجع(١).
وذكر الحاكم عن الواقدي نحوه في كتاب ((الإكليل)).
سرية أبي عبيدة بن الجراح
إلى ذي القَصَّة
ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة في شهر ربيع الآخر سنة ست . قالوا :
أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار، ووقعتْ سحابة بالمَراض إلى تَعْلَمَين. والمراضُ: على ستة
وثلاثين ميلاً من المدينة . فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة ، وأجمعوا أن.
يغيروا على سرح المدينة وهي ترعى بهيفاء، موضع على سبعة أميال من المدينة ، قبعثَ
رسولُ الله عَ لِ أبا مُبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً من المسلمين حين صَلَّوْا المغربَ،
فمشَوْا ليلتَهم ، حتى وافوا ذا القَصَّة مع عَمَاية الصبح ، فأغاروا عليهم ، فأعجزوهم هرباً في
الجبال، وأصاب رجلاً واحداً فأسلم، وتركه، فأخذَ نَعَماً من نَعَمهم فاستاقه، ورَثَةً(٢) من
مَتاعهم، وقدمَ بذلك المدينة فخمَّسه رسولُ الله عَّ ◌ُله، وقسمَ ما بقي عليهم (٣).
(١) المصدر السابق ٨٥/٢ .
(٢) ((رثة)): السقط من متاع البيت.
: (٣) الطبقات الكبرى ٨٦/٢ .
- ١٥٠ -

وقال ابن عائذ : أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن
عروة ، قال : ثم بعثَ أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة من طريق العراق(١). ورأيته مقيداً
بالصاد المهملة والمعجمة معاً .
سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم(٢)
بفتح الجيم .
ذكر موسى بن عُقبة: عن ابن شهاب، قال: وبعثَ رسولُ اللهِ عَ ◌ّله زيد بن حارثة في
غزوة الجموم ، فأصابَ زيدٌ نعماً وشاء، وأسر جماعةً من المشركين .
وقال ابن سعد: هي في شهر ربيع الآخر سنة ست. قالوا: بعث رسولُ اللهِ عَ ◌ّه
زيد بن حارثة إلى بني سليم ، فسار حتى ورد الجموم - ناحية بطنِ تخل ، عن يسارها .
وبطئُ نخل من المدينة على أربعة بُد - فأصابوا عليه امرأة من مُزينة يقال لها حليمة ، فدلَّتهم
على محلّة من محالٌ بني سُليم ، فأصابوا في تلك المحلَّ نَعَماً وشاء، وأسرى ، فكان فيهم زوج
حليمة المزنية. فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب، وهبَ رسولُ الله عَ لمه للمزنية نفسها
وزوجَها ، فقال بلالُ بنُ الحارث المزني في ذلك :
لعمرُك ما أَخنى الَسُول، ولا ونتْ حليمةُ، حتى راحَ ركَبُهما معاً (٣)
سرية زيد بن حارثة إلى العِيص
قال ابن سعد : ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص(٤) - وبينها وبين المدينة أربع ليال،
وبينَها وبين ذي المروة ليلة - في جمادى الأولى سنة ست، قالوا: لما بلغ رسول الله عَ له أن
(١) خبر ابن عائذ في إسناده ابن لهيعة: ضعيف ، وهو مرسل لآن عروة بن الزبير تابعي . نور النبراس لوحة ٢
ب/٩٩.
(٢) الحُمُوم: أرض لبني سُليم، وبها كانت إحدى غزوات النبي عَ ل أرسل إليها زيد بن حارثة غازياً. وهي بلدة
كبيرة عامرة اليوم تقع على طريق المدينة مكة المزفت ، وتبعد عن مكة حوالي ٤٠ كم .
(٣) الطبقات الكبرى ٨٥/٢ .
(٤) ((العِيص)): موضع في بلاد بني سُليم به ماء يُقال له: ذَنَّبان العيص ، وهو فوق السوارقية . معجم البلدان
٠١٧٣/٤
- ١٥١ -

عيراً لقريش قد أقبلت من الشام ، بعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب معترضاً لها ،
فأخذوها وما فيها، وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية ، وأسروا ناساً ممن كان في
العير، منهم أبو العاص بن الربيع ، وقدمَ بهم المدينة ، فاستجارَ أبو العاص بزينب بنت
رسول الله عَ له فأجارته، ونادت في الناس حين صلَّى رسولُ اللهِ عَ لَّهِ الفجرَ: إني قد
أجرتُ أبا العاص. فقال رسول الله عَ له: «ما علمتُ بشيء من هذا، وقد أجرنا من
أجرتِ» وردَّ عليه ما أُخذ منه(١) .
سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف
ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، وهو ماء قريب من المَرَاضِ دون النخيل ، على ستة
وثلاثينَ ميلاً من المدينة . فخرج إلى بني ثعلبة في خمسةَ عشرَ رجلاً ، فأصابَ نعماً وشاءً ،
وهربتِ الأعرابُ . وصبَّح زيدٌ بالنَّعَم المدينة ، وهي عشرون بعَيراً، ولم يلق كيداً ، وغاب
أربعَ ليال ، وكان شعارهم: أَمِتْ أَمِتْ(٢).
وقال الواقدي فيما ذكر عنه الحاكم: وخافوا أن يكونَ رسولُ الله عَّه سار إليهم
سرية زيد بن حارثة إلى حِسْمَى
ثم سرية زيد بن حارثة إلى حِسْمى ، وهي وراء وادي القرى في جمادى الآخرة سنة ست .
قالوا : أقبلَ دِحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر ، وقد أجازه وكساه ، فلقيه الهُنيد بن
عارض، وابنُه عارض بن الهنيد - وعند ابن إسحاق: عُوْص فيهما ، بدل عارض - في ناس
من جُذام بِحِسْمَى ، فقطعوا عليه الطريق ، فلم يتركوا عليه إلا سَمَلَ ثوب ، فسمع بذلك نفر
من بني الضُّبَيْب، فنفروا إليهم، فاستنقذوا لدحية متاعَه، وقدم دحيةٌ على النِي عَ لِ فأخبرَه
بذلك ، فبعثَ زيد بن حارثة في خمسمائة رجل وردًّ معه دحية ، و کان زيدٌ یسیر باللیل ویکمُن
بالنهار ، ومعه دليل له من بني عُذْرة ، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم ، فأغاروا
(١) الطبقات الكبرى ٨٦/٢ .
(٢) الطبقات الكبرى ٨٧/٢.
- ١٥٢ -

عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الْهُنيد وابنَه ، وأغاروا على ماشيتهم وَنَعَمِهم ونسائهم ،
فأخذوا من النَّعَم ألفَ بعير، ومن الشّاء خمسةَ آلاف شاة ، ومن السي مائة من النساء
والصبيان ، فدخلَ زيد بن رِفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله عَُّلّهِ، فدفعَ إلى
رسول الله بهے کتابه الذي کان کتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم ، وقال : يا رسول
الله لا تحرِّم علينا حلالاً ولا تُحِلَّ لنا حراماً . قال : فكيف أصنعُ بالقتلى ؟ قال أبو يزيد بن
عمرو : أطلق لنا يا رسول الله من كان حياً ومن قُتل فهو تحت قدميَّ هاتين . فقال
رسول الله عَِّ : صدق أبو يزيد، فبعثَ معهم علياً إلى زيد بن حارثة يأمرُه أن يُخلِّيَ بينهم
وبين حُرَمِهم وأموالهم ، فتوجَّه علّ، ولقي رافعَ بنَ مَكِيث الجُهني - بشيرَ زيد بن حارثة -
على ناقة من إبل القوم ، فردَّها عليّ على القوم . ولقي زيداً بالفحلتين ، وهي بين المدينة وذي
المروة، فأبلغه أمرَ رسول الله عَّ له، فردّ إلى الناس كلَّ ما كان أُخذَ لهم (١).
● وذكر غير ابن سعد أمر هذه السرية أطول من هذا .
• وحِسْمى على مثال فِعلى مكسور الأول ، فيَّده أبو علي: موضعٌ من أرض جُذام ،
وذكروا أن الماء في الطوفان أقامَ به بعد نُضوبه ثمانين سنة .
· وعند ابن إسحاق أبو زيد بن عمرو ، وعنده رفاعة بن زيد الجذامي ، وهو
الصحيح .
• وُوْص: قَّده بعض الناس: عُوْض. وقال النمري : ليس عوض إلا في حمیر ،
وُوْض بن إرم بن سام بن نوح ، وفي غيرهما ◌ُوص .
سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى
ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست .
قال ابن عائذ : وأخبرني الوليد بن مسلم ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود عن
عروة ، قال : ثم غزوة زيد بن حارثة إلى وادي القرى ، فأصيب يومئذ من المسلمين وَرْد بن
مِرداس، وارْتُثَّ(٢) زيد بن حارثة من بين وسط القتلى .
(١) الطبقات الكبرى ٨٨/٢.
(٢) ((وارْثُثَّ)): حُمل من المعركة رئيئاً، أي جريحاً وبه رمق .
- ١٥٣ -

وقال غيره : فلما قدم زيد آلى أن لا يَمَسَّ رأسَهُ غسلُ جنابةٍ حتى يغزوَ بني فزارة . فلما
استبلَّ من جراحه بعثه رسول الله عَ لّه إلى بني فَزَآرة في جيش، فقتلَّهم بوادي القرى .
وعن ابن إسحاق : من طريق يونس بن يُكير ، قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر ،
قال: بعثَ رسولُ اللهَ عَّلِ زيد بن حارثةَ إلى وادي القرى ، فلقي به بني فزارة ، وأُصيب بها
ناسٌ من أصحابه ، وانفلت زيد من بين القتلى، فَأُصيب فيها أحدُ بني سعد بن هُذَيم، أصابه
أحد بني بكر ، فلما قدم زيد بن حارثة نَذَر أن لا يمسَّ رأسَه غسلٌ من جنابة ، حتى يغزوَ
فَزارة، فلما استبلَّ من جراحه، بعثه رسول الله عَ ◌ّه في جيش إلى بني فزارة ، فلقيهم بوادي
القرى ، وأصاب فيهم .
وقتلَ قيسُ بن(١) الْمُسَخَّر بن النعمان مسعدةَ بنَ حَكَمَةٍ بن مالك بن بَدْر ، وأسرَ أُمّ
فِرْفَة ، وهي فاطمة بنت زمعة بن بَدْر ، وكانت عند حُذيفة بن بدر عجوزاً كبيرة ، وبنتاً لها ،
وعبدَ الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أنْ تُقتلَ أُمُّ قِرفة ، فقتلَها قتلاً عنيفاً ، وربطَ برجليها
حبلين، ثم رُبطا إلى بعيرين شتى، حتى شَقَّاها (٢). ثم قدموا على رسول الله عَ ليه بابنة أم
قِرِفة ، وبعبد الله بن مسعدة، فكانت بنت أم قِرْفة لسلمة بن الأكوع، وكان هو الذي
أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها. كانت العرب تقول: ((لو كنتَ أعزَّ من أم
قِفة)). فسأَلَمَا رسولَ الله عَّله ، فوهبَها له ، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهب ، فولدت له
عبد الرحمن بن خَزْن .
هكذا ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد ؛ أن أميرَ هذه السرية زيدُ بن حارثة (٣).
وقد روينا في صحيح مسلم(٤) أن رسولَ الله عَ ليه بعثَ أبا بكر إلى بني فَزارة، وسيأتي
لهذا الخبر مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
(١) في الطبقات الكبرى؛ لابن سعد: ((المحسر)) وفي نور النبراس أشار إلى ورودها بالوجهين.
(٢) كانت أمّ قِرفة تشدد في السب على رسول الله عَ له والنيل من شخصه الكريم. الروض الأنف ٢٥٢/٤.
(٣) الطبقات الكبرى ٩٠/٢، والسيرة النبوية ٦١٧/٢ .
(٤) رواه مسلم في الجهاد ( باب التنفیل وفداء المسلمین بالأسارى رقم /١٧٥٥/ وأبو داود في الجهاد ( باب
الرخصة في المدركين يُفرَّق بينهم) رقم /٢٦٩٧ / وقال السهيلي ٢٥٣/٤: وهذه الرواية أصبح، وأحسن من
رواية ابن إسحاق .
- ١٥٤ -

سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
قال ابن سعد : ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة (١) الجندل في شعبان سنة ست.
قالوا: دعا رسولُ الله عَ لِّ عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه، وعمَّمه بيده.
وقال : اغْزُ بسم الله ، وفي سبيل الله، فقاتلْ من كفرَ بالله، ولا تَغُلَّ، ولا تَعْدُرْ، ولا تقتلْ
وليداً . وبعثه إلى كلب بدُومة الجندل ، فقال : إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم ، فسارَ
عبد الرحمن بن عوف حتى قدم دُومة الجندل ، فمكثَ ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام ،
فأسلم الأَصْبَغُ بن عمرو الكلي ، وكان نصرانياً ، وكان رأسهم ، وأسلم معه ناس كثير من
قومه ، وأقام من أقام على إعطاء الجزية ، وتزوَّجَ عبدُ الرحمن بن عوف تُماضِرَ بنت الأَصْبَغ،
وقدم بها إلى المدينة ، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن(١).
وذكرَ ابن إسْحاق أن النبيّ ◌َِّ بعثَ أبا عبيدة بن الجراح لدُومة الجندل في سرية(٢).
سرية زيد بن حارثة إلى مدين
وذكر ابن إسحاق سريةً لزيد بن حارثة إلى مدين ، قال : فأصابَ سبياً من أهل مِيْنا ،
وهي السواحل، وفيها جُمَّاع من الناس، فبيعوا ، فَقُرِّق بينهم - يعني بين الأمهات
والأولاد - فخرج رسولُ الله عَّلِ وهم بيكون، فقال: ما لهم؟ فقيل: يا رسول الله فُرِّقَ
بينهم . قال : لا تبيعوهم إلا جميعاً. وكان مع زيد بن حارثة في هذه السرية ضُميرة مولى
علي بن أبي طالب وأحْ له(٢) .
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفَدَك
قال ابن سعد عطفاً على سرية عبد الرحمن بن عوف : ثم سرية علي بن أبي طالب إلى بني
سعد بن بكر بفَدَك، في شعبان سنة ست. قالوا: بلغ رسولَ الله عَِّ أن لهم جمعاً ،
يُريدون أن يُمِدُّوا يهود خيبر ، فبعث إليهم علياً في مائة رجل ، فسار الليلَ وكمنَ النهار ، حتى
(١) الطبقات الكبرى ٨٩/٢ .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٣٤/٢ - ٦٣٥.
- ١٥٥ -

انتهى إلى الغَمِج (١) - وهو ماء بين خيبر وفدك ، وبين فدك والمدينة ست ليال ــ فوجدوا به.
رجلاً ، فسألوه عن القوم ، فقال أُخبركم على أنّكم تؤمنوني ، فأمَّنوه ، فدلَّهم ، فأغاروا
عليهم ، وأخذوا خمسمائة بعير وألفيْ شاة ، وهربتْ بنو سعد بالظَّعن، ورأسُهم وَبْرُ بن عُلِيم،
فعزلَ عَلَّ صفيَّ رسول الله عَ لِّ لَفوجاً تدعى الحَفِدَة، ثم عزل الخمس، وقسمَ سائرَ الغنائم
على أصحابه(٢) .
وذكر الحاكم بسنده في هذا الخير من طريق الواقدي ، وقال: فأصاب عيناً، فأقرَّ لهم أنه
بُعِثَ إلى خيبرَ يعرضُ عليهم نصرَهم ، على أن يجعلوا لهم تمر خيبر .
سرية زيد بن حارثة إلى أمِّ قِرْفَة
بوادي القرى
ذكر ابن سعد أنها في شهر رمضان سنة ست . قال : قالوا : خرج زيد بن حارثة في:
تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي عَّ، فلما كان دون وادي القرى، لقيه ناسٌ.
من فَزارة من بني بدر ، فضربوه ، وضربوا أصحابه ، وأخذوا ما كان معهم . ثم استبلَّ زيد .
وذكر ابن سعد نحو ما سبق عن ابن إسحاق من طريق ابن بُكير في خبر أم قرفة السابق ،
وقال في آخره: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرعَ باب البِي عَّله فقام إليه ◌ُرياناً يجر
ثوبه حتى اعتنقه وقبّله وساءله فأخبره بما ظفَّره الله به .
كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى ، إحداهما في رجب ، والثانية في
رمضان .
• وإنما قالوا: ((أعُّ من أمّ قِرْفة)) لأنها كانت يُعلَّق في بيتها خمسون سيفاً ، كلُّهم لها:
ذو محرم . والواقدي يذكر أنبها قُتلت يومَ بُزاجة (٣)، وإنما المقتول يومَ بُزاخة بنوها التسعة .
وذكر الدولابي أن زيداً إنما قتلَها كذلك لسبِّها رسولَ اللهُ عَ ◌ِّ. وعند مسلم أن
(١) ((العَمِج)): لغة : الماء غير العذب.
(٢) الطبقات الكبرى ٨٩/٢ - ٩٠٩.
(٣) ((بُزَاخة)): ماء لبني أسد، كانت به وقعة بين المسلمين والمرتدين مع طليحة في خلافة الصديق
رضي الله عنه .
- ١٥٦ -

رسولَ الله عَ ◌ِّ فدا بابنتها أسيراً كان في قريش من المسلمين ، وهو مخالف لما حكيناه عن ابن
إسحاق من أنها صارت تحَزْن بن أبي وَهْب .
• وقيس بن المُسّحر بتقديم السين عند الطبري ، وبتقديم الحاء عند غيره وفتح السين ،
ومن الناس من يكسرها .
• ووَرْد بن عمرو بن خداش. وفي الأصل عمرو بن مِرْداس ، وكأنه تصحيف ،
وهو أحد بني سعد بن هذيم ، وهو سعد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسلم بن الحاف بن
قضاعة . حضنَه عبدٌ اسمه هذيم ، فغلبَ عليه . قاله ابن الكلبي .
سرية عبد الله بن رواحة إلى أُسیر بن رِزَام
وغير ابن سعد يقول : اليسير بن رِزام اليهودي بخيبرَ في شوال سنة ست .
قالوا : لما قُتل أبو رافع سَلام بن أبي الحقيق ، أمَّرتْ يهودُ عليهم أُسيرَ بن رِزام، فسار في
غطفان وغيرهم، فجمّعهم لحرب رسول الله عَ ◌ّةِ، وبلغ ذلك رسولَ الله عَّ له، فوجَّه
عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سِرّاً، فسألَ عن خبره وغِرّته، فأُخْبرُ
بذلك. فقدم على رسول الله عَ ليه فأخبرَه، فندَب رسولُ الله عَ لِّ الناسَ، فانتدب له
ثلاثون رجلاً ، فبعث عليهم عبدَ الله بن رواحة ، فقدموا على أُسير ، فقالوا : نحن آمنون حتى
نعرضَ عليك ما جئنا له ، قال : نعم ولي منكم مثلُ ذلك . فقالوا : نعم ، فقلنا : إن
رسول الله عَ لَّه بعثنا إليك لتخرجَ إليه فيستعملكَ على خيبرَ ويُحسنَ إليك، فطمع في
ذلك ، فخرجَ ، وخرجَ معه ثلاثون رجلاً من اليهود ، مع كل رجل رديفٌ من المسلمين ،
حتى إذا كنا بقرقرةٍ نِبار ندم أسير ، فقال عبد الله بن أنيس الجهني ، وكان في السرية : وأهوى
بيده إلى سيفي ، ففطنتُ له ، ودفعتُ بعيري ، وقلت : غدراً أي عدوَّ الله . فعل ذلك
مرتين ، فنزلتُ ، فسقت بالقوم حتى انفرد لي أُسير ، فضربتُه بالسيف فأندرتُ(١) عامَّة فخذه
(١) ((أندرتُ)): أسقطتُ .
- ١٥٧ -

وساقِهِ، وسقط عن بعيره وبيده مِخرش(١) من شَوْحط(٢)، فضربني فشجني مأمومةً (٣) ، وملنا
على أصحابه، فقتلناهم كما هم، غير رجل واحد أعجزنا شدَّاً. ولم يُصَبُّ من المسلمين.
أحدٌ، ثم أقبلنا إلى رسول الله عَ لَه فحدثناه الحديث، فقال: قد نجاكم الله من القوم.
الظالمين (٤).
وقال ابن عائذ: أخبرتًا الوليد ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود، عن عروة ،
قال : بعثَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ عبدَ اللهِ بنَ عتيك في ثلاثين راكباً ، فيهم عبد الله بن أنيس .
وقال غيرُ الوليد: بعث عبدَ الله بن رواحةٍ. وفيما ذكره ابن عائذ: وقدموا على
رسول الله عَّهِ فبصَقَ في شّجَّتِه فلم تَقِحْ ولم تُؤذه حتى مات .
وقال ابن إسحاق : إن ابنَ رواحة غزا خيبرَ مرتين ، إحداهما التي أصابَ فيها ابنَ.
رزام(٥) .
سرية عمرو بن أمية الضّمْري وسلمة بن خَرِیس
وعند ابن إسحاق: جَبَّار بن صخر ، بدل سلمةً بن حريس .
قال ابن سعد : ثم سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حَرِيس إلى أبي
سفيان بن حرب بمكة ، وذلك أن أبا سفيان بن حرب ، قال لنفر من قريش: ألا أحد
يغتر(٦) محمداً ؟ فإنه يمشي في الأسواق ، فأتاه رجلٌ من الأعراب ، فقال : قد وجدتّ أجمعَ
الرجال قلباً ، وأشدَّهم بطئباً، وأسرعهم شداً، فإن أنت قويتني خرجتُ إليه حتى أَعْتالَه ،
(١) ((مِخْرش)): المِخْجن، وهو عصا معقوفة الرأس.
(٢) ((شَوْحط)): شجر ينبت في الجبال ، تُتخذ منه قناة الرمح.
(٣) (( مأمومةٌ)) : اسم مفعول ، من قوهم: أمَّ فلانٌ فلاناً بعصاً ونحوها إذا جرحه بها في أمّ رأسه
(٤) الطبقات الكبرى ٩٢/٢ - ٩٣.
(٥) السيرة النبوية ٦١٨/٢ .
(٦) ((يغتر): يغتنم منه غِرّة.
- ١٥٨ -

ومعي خِنجر مثلُ خافية(١) النسر، فأُسَوِّرَهُ(٢)، ثم آخذُ في عَيْرِ (٣) ، وأسبقُ القوم عَدْواً فإني
هادٍ بالطريق خِرِّيت(٤). قال: أنت صاحبنا، فأعطاه بعيراً ، ونفقة، وقال: اطوِ أمرَك ،
فخرجَ ليلاً ، فسار على راحلته خمساً ، وصبَّح ظَهْرَ الحَّرة صُبحَ سادسةٍ . ثم أقبل يسألُ عن
رسول الله عَ لَّهِ حتى دُلَّ عليه، فعقلَ راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله عَ ◌ّله ، وهو في مسجد
بني عبدِ الأشهل، فلما رآه رسولُ الله عَ ليه، قال: إن هذا لُيُريد غدراً، فذهَب لِيُجنىء(٥)
على رسول الله عَ لَّه فجذبه أُسيد بن الحضير بداخلة(٦) إزاره، فإذا بالخنجر، فأُسقط في
يديه، وقال: دمي دمي. فأخذ أُسيد بَيَّتِه فذعته (٧). فقال رسول الله عَ له: اصدقني
ما أنت ؟ قال : وأنا آمن ؟ قال : نعم . فأخبره بأمره ، وما جعل له أبو سفيان ، فخلَّى عنه
رسولُ الله عَ لِ فأسلم، وبعثَ رسولُ الله عَ لِ عمرو بن أمية الضَّمري وسلمة بن أسلم إلى
أبي سفيان بن حرب ، وقال : إن أصبتما منه غِرة فاقتلاه ، فدخلا مكة ، ومضى عمرو بن
أمية يطوفُ بالبيت ليلاً ، فرآه معاوية بن أبي سفيان ، فعرفه ، فأخبر قريشاً بمكانه ، فخافوه
وطلبوه ، وكان فاتكاً في الجاهلية ، وقالوا: لم يأت عمرو لخير، فحشدَ له أهلُ مكة ،
وتجمَّعوا، وهربَ عمرو وسلمة ، فلقيَ عمروٌ عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي ،
فقتله ، وقتل آخرَ من بني الدِّيل سمعه يتغنى ويقول :
ولستُ بمسلم ما دمتُ حياً
ولست أدينُ دين المسلمينا
ولقي رسولين لقريش بعثَتهما يتجسسان الخبرَ ، فقتلَ أحدَهما وأُسرَ الآخرَ ، فقدمَ به
المدينة، فجعل عمرو يخبرُ رسولَ الله عَ له، ورسولُ اللهِ عَ طَلَّهِ يضحك (٨).
(١) ((خافية)): واحدة الخوافي، وهي مجموعة الريشات الخفية في جناح الطائر، تقوي الريشات الظاهرة في
مُقدِّمه ، وإضافتها للنسر هنا تُشعر بحدتها وقوتها .
(٢) ((فَأَسَوِّرُه)): لعل المقصود أنه يثب عليه بسرعة ويسوّره بطعناته ويُحيطه بها.
(٣) ((عَيْر)): جبل بالمدينة معروف، يحدُّ حرم المدينة من الجنوب، ويأخذ فيه: يدخل في شعابه وهضابه.
(٤) (( خِرِّيت)): ماهر .
(٥) (( ليُجنىء)) يَيلُ ويُكِبُّ .
(٦) ((بداخلة إزاره)»: بأطرافه الداخلية .
(٧) ((فَذَعَتَه ٥ : خنقه خنقاً شديداً .
(٨) الطبقات الكبرى ٩٤/٢ .
- ١٥٩ -

غزوة رسول الله عبد الله الحديبية
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ الله عَ ليه بالمدينة - يعني بعد غزوة بني المصْطَلِقِ -
رمضان وشوالاً ، وخرج في ذي القعدة معتمراً لا يريد حرباً(١).
:
وعند ابن سعد : يوم الإثنين لهلال ذي القعدة(٢).
قال ابن هشام : واستعملَ على المدينة تُميلة بن عبد الله الليثي.
قال ابن إسحاق : واستنفرَ العربَ ومَنْ حولَه من أهل البوادي من الأعراب ، وهو يخشى
من قريش الذي صنعوا ، أن يُعرضوا له بحرب ، أو يَصدُّوه عن البيت ، فأبطأ عليه كثيرٌ من
الأعراب ، وخرجَ رسول الله عَ له بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومَنْ لحق به من
العرب، وساق الهديَ معه، وأُحرم بالعمرة ، ليأمنَ النَّاسُ من حربه ، وليعلمَ النَّاسُ أنه إنما
خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له ..
حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن مِسور بن مخرمة ،
ومروان بن الحكم ، أنهما حدَّثاه قالا: خرجَ رسولُ الله عَ لِ عام الحديبية، يُريد زيارة.
البيت ، لا يُريد قتالاً ، وساق معه الهديَ سبعين بدنة ، وكان النَّاسُ سبعمائة رجل ، فكانت
كلُّ بدنةٍ عن عشرة نفر (١).
وقال ابن عقبة : عن جابر ، عن كل سبعة بدنة .
وذكر ابن عائذ عن الوليد بن مسلم ، عن الزهري : كانوا أربعَ عشرة مائة (٣). وذكر ابن
عقبة عن جابر : كانوا ستة عشر مائة .
وروينا عن البراء من طريق ابن سعد وغيره : كانوا ألفاً وأربعمائة(٢).
.(١) السيرة النبوية ٣٠٨/٢.
(٢) الطبقات الكبرى ٩٥/٢ .
(٣) في (ب )) زيادة: وهو الأصح. ونبه صاحب نور النبراس إلى أن هذا العدد - ألف وأربعمائة - هو أكثر
الروايات وروداً. ويؤيده ما رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة الحديبية ) رقم /٤١٥٠٪.
- ١٦٠ -