Indexed OCR Text

Pages 101-120

لعمريَ ما وَلَّتُ ظهري محمداً
ولكنني قلَّبت أمراً فلم أجد
وقفتُ فلما لم أجد لي مُقَدَّماً
ثَنَى عِطْفه عن قِرْنه حين لم يَجدْ
فلا تَبْعَدَنْ يا عمرو حياً وهالكاً
ولا تَبْعَدَنْ يا عمرو حياً وهالكاً
فمن لطِرَاد الخيل تُقدعُ بالقنا
هنالك لو كان ابنُ عبدٍ لزارَها
فعنك علّ لا أرى مثلَ موقفٍ
فما ظَفِرَتْ كفَّاك فخراً بمثله
وأصحابَه جبناً ولا خِيفة القتل
لسيفي غَنَاءٌ إن ضربتُ ولا نَبْلِ
شددتُ کضرغامٍ هزير أبي شِبْلِ
مَكَرّاً ، وقدْماً كان ذلك من فعلي
وحُقّ بحسن المدح مِثْلُك من مِثْلِ
فقد مُتَّ محمودَ الثناء، ماجِدُ الأصل
وللفخر يوماً عند قرقرة البُزْلِ (١)
وفرَّجَها حقاً فتىً غيرَ ما وَغْلٍ (٢)
وقفتَ على نجد المقَدَّم كالفَحْلَ (٣)
أُمِنْتَ به ما عِشْتَ من زَلَّةِ النَّعلِ
● ((الغيطلة)): الشجر الملتف، والغيطلة: الجلبة ، والغيطلة: التباس الظلام.
• و(( جبجاب)) كثير الصوت.
• و((المتخمط)) : الشديد الغضب .
ذكر شهداء الخندق
من بني عبد الأشهل : سعد بن معاذ ، وأنس بن أوس بن عَتيك ، وعبد الله بن سهل .
ومن بني لُشم بن الخزرج ، ثم من بني سَلِمة : الطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة .
ومن بني النجار : کعب بن زید .
وذكر شيخنا الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي في (( نسب الأوس )) له في بني
ظفر : قيس بن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر ، شهد أحداً وحضر الخندق ومات هناك
(١) (( تُقدعُ)): تُكفُّ، و((قرقرة)): الصوت. و(البُزْل)): جمع بازل، وهو الجمل الذي بُزَّلَ نابه، وذلك
حين يبلغ الثامنة أو التاسعة ، فيغدو قوياً ويصلب عوده .
(٢) ((ابنُ عبدٍ)): هو عمرو بن ود. و((وَغْل)): ((الوَغْل)) الفاسد الخسيس من الرجال.
(٣) ((عنكَ علَّ)): اسم فعل أمر بمعنى: تباعد، وعلَّ: منادى منوّن .
- ١٠١ -

ودُفن. وذكر في (( نسب الخزرج)) له: عبد الله بن أبي خالد بن قيس بن مالك بن
كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار، قُتل يوم الخندق شهيداً ، ذكره ابن
الكلبي .
- ١٠٢ -

غزوة بني قريظة
روینا عن أبي بكر الشافعي ، حدثنا عُبید بن عبد الواحد بن شريك البزار ، حدثنا
سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا العمري(١) ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة
رضيِ الله عنها، قالت: لما رجعَ النِيُّ ◌َ ◌ّهِ يومَ الخندق، بينا هو عندي إذا دُقُّ البابُ ،
فارتاعَ لذلك رسولُ الله عَّلِ، ووثب وثبة منكرة، وخرج، فخرجت في أثره ، فإذا رجل
على دابة ، والنُّ عَُّلِ متكىء على مَعْرَفة (٢) الدابة يكلمه، فرجعت، فلما دخلَ ، قلت :
من ذلك الرجل الذي كنتَ تُكلِمُه؟ قال : ورأيتِه ؟ قلت : نعم . قال : بمن تشبهينه ؟
قلت : بدحيةً بن خليفة الكلبي. قال : ذاك جبريل ، أمرني أن أمضيّ إلى بني قريظة (٣).
قال ابن إسحاق: ولما أصبح رسولُ الله عَ لّله انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة
والمسلمون ، ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر ، أتی جبريلُ النِّ ◌ُٹ۔ كما حدثني
الزهري - معتجراً(٤) بعمامة من استبرق، على بغلة عليها رِحَالةٌ(٥)، عليها قطيفة من
ديباج، فقال: أو قد وضعتَ السلاحَ يا رسولَ الله ؟ قال : نعم . فقال جبريلُ :
ما وضعت الملائكةُ السِّلاحَ بعد ، وما رجعتُ الآن إلا من طلب القوم ، إن الله يأمرك
يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم ، فمزلزل بهم. فأمرَ رسولُ الله عَّلِ مؤذناً
(١) ((العُمَرِيُّ)): هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، العمري الفقيه المدني ، أحد
الأعلام ، مشهور . نور النبراس .
(٢) (( مَعْرفة)): منبت شعر الرقبة .
(٣) قال في نور النبراس: الحديث - حديث عائشة رضي الله عنها - ليس في شيء من الكتب الستة بهذه
الطريق .
وهو في البخاري عن هشام، عن أبيه، عن عائشة .. في المغازي ( باب مرجع التي عٍَّ من الأحزاب )
رقم / ٤١١٧/ .
(٤) ((مُعْتَجَراً)): من الاعتجار، وهو لف العمامة على الرأس، وردُّ طرفيها على وجهه، ولا يعمل منها شيئاً تحت
ذقنه .
(٥) ((رِحَالةٌ)): سرج من جلد ليس فيه خشب .
- ١٠٣ -

فأذن في الناس : من كان سامعاً مُطيعاً فلا يُصلِّينََ العصرَ إلا ببني قريظة(١).
وروپنا عن ابن عائذ : أخبرني الوليد ، عن معاذ بن رفاعة السلامي ، عن أبي الزبير ،
عن جابر، قال: بينا رسول الله عَّلم يغسل رأسه، مرجعه من طلب الأحزاب، إذ وقف
عليه جبريلُ ، فقال: ما أسرعَ ما حللتم! والله ما نزعنا من لأمتنا (٢) شيئاً منذ نزل العدو بك،
قم فشدَّ عليك سلاحَك فوالله لأدقنَّهم كدقٌّ البيض على الصفا، ثم ولَّى فأتبعته بصري ،
فلما رأينا ذلك نهضنا (٢).
قال: وأخبرني الوليد ، قال أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة ، قال: بعثُ
رسول الله عَ لّه يومئذ منادياً: (( يا خيل الله اركبي))(٤) ..
قال ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين ، وهم ثلاثة آلاف ، والخيل ستة وثلاثون
فرساً ، وذلك في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة(٥) ، واستعمل على المدينة ابنَ أم
مكتوم فيما قاله ابن هشام .
قال ابن إسحاق: وقُدَّم رسولُ الله عَ ليه عليّ بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة ،
وابتدرها الناس، فسار حتى إذا دنا من الحصون، سمع منها مقالةً قبيحةٌ لرسول الله عنهم.
فرجع حتى لقي رسولَ الله عَ ليه بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليكَ أن لا تدنو من هؤلاء
الأخابيث . قال: لم؟ أظنك سمعتَ منهم لي أذىً ؟ قال : نعم يا رسول الله. قال:
لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً. فلما دنا رسولُ الله عَ لِ من حصونهم، قال: يا إخوانَ
القِرَدة هل أَخزاكم الله وأنزلَ بكم نِقمته ؟ قالوا : يا أبا القاسم ما كنتَ جهولاً .
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام :٢٣٣/٢ - ٢٣٤.
(٢) ( من لأُمَّتِنَا)) : اللأمة : الدرع.
(٣) قال في نور النبراس: هذا ليس في شيء من الكتب الستة بهذه الطريق.
والوليد: هو الوليد بن مسلم ، عالم أهل الشام . ومعاذ بن رفاعة السِّلامي : قال أحمد : لا بأس به ؛ وقال
ابن المديني ودُحيم : ثقة . وقال أبو حاتم : لا يُحتجُّ به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
ويشهد له حديث عائشة في البخاري وغيره .
(٤) قال في نور النبراس لوحة ٢ب/٥٠ : هذا مرسل ، قتادة تابعي . وسعيد بن بشير : بصري ، نزل دمشق،
قال البخاري : يتكلمون في حفظه وهو يحتمل ، وقال دُحيم : ثقة . وكان مشيختنا يوثقونه.
:
(٥) الطبقات الكبرى ٧٤/٢، والسيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٣٤/٢.
- ١٠٤ -

ومر رسول الله مَ له بنفر من أصحابه بالصَّوْرَين قبل أن يصل إلى بني قريظة ، فقال :
هل مرَّ بكم أحد ؟ قالوا : يا رسول الله مرَّ بنا دحيةُ بن خليفة الكليّ على بغلة بيضاء ، عليها
رِحَالة، عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله عَ ليه : ذاك جبريل بُعث إلى بني قريظة، يُزلزل
بهم حصونهم ، ويقذفُ الرعب في قلوبهم .
ولما أتى رسولُ اللهِ عَ له بني قريظة نزل على بئر من آبارها، وتلاحق به الناس، فأتى
رجال من بعد العشاء الآخرة، ولم يُصلُّوا العصرَ؛ لقول رسول الله عَ له: لا يُصلِّيَنَ أحدٌ
العصر إلا في بني قريظة. فشغلهم ما لم يكن لهم منه بُدُّ في حربهم، وأبوا أن يُصلُّوا لقول
الِي عَِّ: حتى تأتوا بني قريظة. فصَلَّوْا العصرَ بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله
بذلك في كتابه، ولا عنَّفَهَم به رسولُ اللهِ حَ ظُلِه ، حدثني بهذا الحديث: أبي إسحاق بن
يسار، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري .
وحاصرَهم رسولُ الله عَ لِ خمساً وعشرين ليلة حتى جَهَدَهم الحِصَارُ، وقذف الله في
قلوبهم الرعب .
وقد كان حييُّ بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش
وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسولَ الله عَ لّه غيرُ
منصرف عنهم ، حتی یناجزهم . قال کعب بن أسد لهم : يا معشر يهود قد نزل بكم من
الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خِلالاً ثلاثاً، فخذوا أيُّها شئتم . قالوا : وما هي ؟ قال :
نتابع هذا الرجل ونصدّقُه ، فوالله لقد تبيَّن لكم أنه لنبيٌ مرسل، وأنه للذي تجدونه في
كتابكم ، فتأمنونَ على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة
أبداً، ولا نستبدل به غيرَه. قال: فإذا أبيتم علّ هذه ، فهلُمَّ فلنقتلْ أبناءنا ونساءنا، ثم نخرجْ
إلى محمد وأصحابه رجالاً مُصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثَقَلاً(١) ، حتى يحكم الله بيننا،
وبين محمد ، فإن نهلكْ نهلكْ ولم تترك وراءنا تَسْلاً نخشى عليه، وإن نظهرْ فلعمري لنجدنَّ
النساء والأبناء. قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم. قال: فإن أبيتم علَّ
هذه فإن الليلة ليلةُ السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابهُ قد أُمِنُونًا فيها . فانزلوا لعلنا
(١) (( ثَقَلاَ)): الثُّقَل: متاع المسافر وأهله وأتباعه، وكل شيء نفيس مصون .
- ١٠٥ -

نُصيب من محمد وأصحابه غِرَّةً . قالوا: نفسد سبتنا وتحدث فيه ما لم يُحدث فيه من كان
قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخفَ عليك من المسخ قال : ما باتَ رجلٌ منكم منذ
ولدته أُمُّه ليلةً واحدة من الدهر حازماً .
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله عَ لِّ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بني
عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء الأوس - نستشيرُه في أمرنا. فأرسلَه رسولُ الله عَ لَه
إليهم ، فلما رأوه ، قام إليه الرجال، وجَهَشَ إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرقًّ
لهم، وقالوا: يا أبا لبابة أَترى أن ننزلَ على حكم محمد ؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حَلْقِهِ ،
إنه الذبح . قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خُنتُّ الله
ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأتِ رسولَ الله عَ له، حتى ارتبطًا في المسجد
إلى عمود من عُمُدِهِ ، وقال: لا أبرحُ مكاني هذا حتى يتوبَ الله علَّ مما صنعتُ ، وعاهدتُ
الله أن لا أطأ بني قريظة أبداً ، ولا أرى في بلد خنتُ الله ورسوله فيه أبداً .
فلما بلغ رسولَ الله عَ لِّ خبرُه، وكان قد استبطأَّه، قال: أما لو جاءني لاستغفرتُ.
له ، وأمّا إذ فعلَ ما فعلَ فما أنا بالذي أطلقُه من مكانه ، حتى يتوبَ الله عليه ..
وحدثني يزيد بن عبد الله بن قُسيط: أن توبة أبي لُبابة نزلت على رسول الله عَ له وهو
في بيت أم سلمة ، قالت أم سلمة: فسمعتُ رسول الله عَّلِ من السَّحَرِ وهو يضحكُ ،
قالت : قلت : ثم تضحك أضحك الله سِنَّك؟ قال: تيب على أبي لبابة. قالت: قلت :
أفلا أبشِّره يا رسول الله . قال: بلى إن شئتٍ . قال: فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل
أن يُضرب عليهن الحجابُ ـ فقالت: ياأبا لبابة أبشرْ فقد تاب الله عليك .. قالت : فثار
الناس ليطلقوه، فقال: لا والله، حتى يكونَ رسولُ اللهِ عَِّ هو الذي يطلقني بيده. فلما.
مرَّ عليه خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه .
قال ابن هشام : أقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ستُّ ليال، تأتيه امرأتُّه في وقت كلِّ صلاةٍ
فتحلُّه للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع فيما حدثني بعض أهل العلم(١) .
وقال أبو عمر : روى ابنُ وهب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ؛ أن أبا لبابة
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٣٤/٢ - ٢٣٨.
- ١٠٦ -

ارتبط بسلسلةٍ رَبُوض - والربوض : الثقيلة - بضعَ عشرة ليلة، حتى ذهب سمعُه ، فما
يكادُ يسمع ، وكادَ يذهبُ بصرُه ، وكانت ابنته تحلُّه إذا حضرت الصلاة ، أو أراد أن يذهب
لحاجة، فإذا فرغ أعادته إلى الرِّباط، فقال رسول الله عَ لِ: لو جاءني لاستغفرت له.
قال أبو عمر : اختلف في الحال الذي أوجب فعلَ أبي لبابة هذا بنفسه ، وأحسنُ ما قيل
في ذلك: ما رواه معمر عن الزهري، قال: كان أبو لبابة ممن تخلَّفَ عن رسول الله عَّهِ في
غزوة تبوك، فربطَ نفسَه بسارية ، وقال : والله لا أحلُّ نفسي منها ولا أذوقُ طعاماً ولا شراباً
حتى يتوبَ الله علَّ، أو أموت . فمكث سبعة أيام لا يذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشياً
عليه، ثم تاب الله عليه. وذكر نحو ما تقدم في حَلِّ رسول الله عَ لِ إياه(١).
ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجرَ دارَ قومي التي أصبتُ فيها الذنب ،
وأن أنخلعَ من مالي كلِّه صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال : يجزئك يا أبا لبابة الثلث .
وروي عن ابن عباس من وجوه في قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً
صالحاً وآخرَ سيئاً﴾ الآية [ التوبة: ١٠٢] أنها نزلت في أبي لبابة ونفر معه سبعة أو ثمانية،
أو سبعة سواه تخلفوا عن غزوة تبوك ، ثم ندموا فتابوا وربطوا أنفسهم بالسواري ، فكان عملُهم
الصالح توبتهم، والسبىء تخلّفهم عن الغزو مع رسول الله عَ لِّ(١).
قال أبو عمر : وقد قيل إن الذنب الذي أتاه أبو لبابة كان إشارته إلى حلفائه بني قريظة
أنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ وإشارته إلى حلقه ، فنزلت فيه : ﴿يا أيُّها الذين
آمنوا لا تَخونُوا اللّهَ والرسولَ﴾ الآية (١) [الأنفال: ٢٧].
قال ابن إسحاق : ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية ، وأسيد بن عبيد ، وهم نفر
من هَدل ، ليسوا من بني قريظة ولا النضير ، نسبهم فوق ذلك ، وهم بنو عم القوم ، أسلموا
تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله عَ طَهِ .
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعدى القرظي، فمرّ بحرس رسول الله عَ ◌ّهِ، وعليه
محمد بن مسلمة تلك الليلة ، فلما رآه ، قال : من هذا ؟ قال : أنا عمرو بن سُعدى ، وكان
عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله عَ ◌ّله ، وقال : لا أغدر بمحمد
(١) الاستيعاب ١٦٩/٤ على هامش الإصابة.
- ١٠٧ -

أبداً . فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني (١) عثرات الكرام ، ثم خلَّ سُبِيلَه ؛
فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله عَّ له بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهبَ فلم يُدرّ
أين وجَّه من الأرض إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله عَ لِّ شأنه، فقال : ذلك رجل نجاه
الله بوفائه . وبعض الناس يزعم أنه كان أُوثق برُمّةٍ (٢) فيمن أُوثق من بني قريظة حين نزلوا على
حكم رسول الله عَ له، فأصبحت رُمَّتُه ملقاةً، ولا يُدرى أين ذهب. فقال
رسول الله عَ لّه فيه تلك المقالة ، فالله أعلم أي ذلك كان .
فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله مَ لّهِ ، فتواثبت الأوسُ، فقالوا: يا رسول الله:
إنهم مواليننا دون الخزرج، وقد فعلتَ في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمتَ . وقد كان
رسول الله عَّله قبلَ بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على
حكمه ، فسأله إياهم عبدُ الله بن أبّ بن سلول، فوهبهم له، فلما كلَّمتْه الأوسُ . قال
رسول الله عليه : ألا ترضون يا معشرَ الأوس أن يحكم فيهم رجلٌ منکم ؟ قالوا : بلى ، قال :
فذلك إلى سعد بن معاذ . وكان رسول الله عَ لم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من
أسلم ، يقال لها : رفيدة في مسجده وكانت تُداوي الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة من
كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسولُ الله عَّله قد قال لقومه حين أصابه السهم
بالخندق: اجعلوه في خيمة رُفيدة، حتى أعودَه من قريب، فلما حكّمَهَ رسولُ الله عَ له في
بني قريظة ، أتاه قومُه فحملوه على حمار ، وقد وطّؤْوا له بوسادة من أدم ، وكان رجلاً جسيماً ،
ثم أقبلوا معه إلى رسول الله عَ لّه وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسنْ في مواليك، فإن
رسول الله عَ لَله إنما ولأَّكَ ذلك، لتحسنَ فيهم. فلما أكثروا، قال: لقد آنّ لسعد أن
لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجعَ بعضُ من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل ،
فتَعى إليهم رجلاً من بني قريظة ، قبلَ أن يصل إليهم سعد ، عن كلمته التي سمع منه . فلما
انتهى سعد إلى رسول الله عَّله والمسلمين، قال رسول الله عَ لَله: قوموا إلى سيِّدكم. فأما
المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله عَ ليه الأنصار. وأما الأنصار فيقولون:
عَّ بها رسولِ الله عَ لِ المسلمينَ، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو: إن رسول الله عَ لّه قد
(١) كذا في الأصول ، وفي السيرة النبوية: لا تحرمني إقالة عثرات الكرام .
(٢) ((برمّةٍ)): بقطعة من الحبل بالية.
- ١٠٨ -

وَلاك أمرَ مواليك، لتحكمَ فيهم . فقال سعد: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه أن الحكمَ فيهم
كما حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَنْ هنا؟ - في الناحية التي فيها رسول الله عَطاله ،
وهو معرض عن رسول الله عَ له إجلالاً له - فقال رسولُ اللهِ عَ له: نعم. قال سعد: فإني
أُحكم فيهم أن تُقتلَ الرجالُ ، وتُقُسمَ الأموالُ، وتُسِى الذراري والنساءِ(١).
قال ابن سعد : قال حميد : وقال بعضهم: وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار .
قال : فقالت الأنصار : إخواننا كنا معهم . فقال : إني أحببتُ أن يستغنوا عنكم(٢).
قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن عمرو بن
سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله عَ ليه السعد: لقد
حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة .
قال ابن هشام : حدثني من أثقُ به من أهل العلم : أن عليّ بن أبي طالب صاحَ وهم
محاصرو بني قريظة بكتيبة الإيمان ، وتقدَّم هو والزبير بن العوام ، قال: والله لأذوقنَّ ما ذاق
حمزة ، أو أفتحنَّ حصنَهم . فقالوا : يا محمد ننزلُ على حكم سعد .
قال ابن إسحاق: ثم استُنزلوا، فحبسَهم رسولُ الله عَّه في دار بنت الحارث - امرأة
من بني النجار - ثم خرجَ رسولُ الله عَِّ إلى سوق المدينة ، التي هي سُوقها اليوم ، فخندقَ
بها خنادقَ ، ثم بعثَ إليهم فضربَ أعناقهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليها أرسالاً ، وفيهم
عدو الله حيُّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأسُ القوم ، وهم ستمائة أو سبعمائة ، والمكثر
يقول كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة ، وقد قالوا لكعب بن أسد - وهو يذهب بهم إلى
رسول الله عَ ل أرسالاً -: يا كعب! ما تراه يصنع بنا؟ قال: في كل موطن لا تعقلون ! أما
ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع ، والله القتل . فلم يزل ذلك الدأب
حتى فرغ منهم رسولُ الله عَِّ، وأَتي بحيّ بن أخطب عدوّ الله، مجموعةٌ يداه إلى عنقه
بحبل ، فلما نظرَ إلى رسول الله عَ لِّ، قال: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه مَنْ
يخذلِ الله يُخْذَلْ . ثم أقبلَ على الناس ، فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر
وملحمة كُتبت على بني إسرائيل ، ثم جلس فضُربت عنقه .
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٣٨/٢ - ٢٤٠.
(٢) الطبقات الكبرى ٧٧/٢ .
- ١٠٩ -

. وقد حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : لم
يُقتل من نسائهم إلا امرأةٌ واحدة، قالت: والله إنها لعندي تَحدَّث معي وتضحكُ ظهراً
وبطناً، ورسول الله عَّلم يقتل رجالَها في السوق، إذ هتف هاتفٌ باسمها : أين فلانة؟
قالت : أنا والله . قالت : قلتُ لها : ويلك مالك؟ قالت : أُقتل. قلت : ولم ؟ قالت:
لحدثٍ أحدثتُه . قالت: فانطلق بها فضُربت عنقها. فكانت عائشة تقول : فوالله ما أنسى.
عجباً منها : طِيبَ نفسها، وكثرةَ ضَحِكها، وقد عرفتْ أنها تُقتل .
قال ابن هشام : هي التي طرحت الرحى على خَلَّد بن سويد فقتلته(١)
وقال ابن سعد: أمر بهم رسول الله عَّلِ مَّمِدَ بنَ مسلمة، فَكُتُّفوا وجُعَلُوا ناحيةً ،
وأخرجَ النساء والذرية فكانوا ناحية ، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، وجمع أمتعتَهم
وما وجد في حصونهم من الخَلْقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألفاً وخمسائة سيف وثلاثمائة
درع، وألفي رمح وخمسائة تُرْسٍ وجحفة (٢)، وخمراً وجِرَار سَكَر، فأُهريق ذلك كله ، ولم
يُخِمَّسْ، ووجدوا جمالاً نواضحَ ، وماشيةً كثيرة (٣).
۔۔
قال ابن إسحاق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشَّماس کما ذکر ابن شهاب الزهري ،
أتى الزَّبِير (٤) بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان الزَّبير قد منَّ على ثابت بن :.
قيس في الجاهلية ، ذكر لي بعضُ ولد الزَّبير أنه كان مَنَّ علیه یومَ بُعاث ، أخذَه فجَّ ناصيته ،
ثم خلَّى سبيله ، فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ، فقال : يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني ؟ قال :
وهل يَجْهِلُ مثلي مثلَك؟ قال : إني قد أردتُ أن أجزيَك بيدك عندي. قال: إن الكريم
يَجزي الكريم. ثم أتى ثابت رسولَ الله عَ له، فقال: يا رسول الله إنه كان للزَّبير عليَّ مِنَّة،
وقد أحببتُ أن أجزيَه بها، فهبْ لي دَمَه. فقال رسول الله صَ له: هو لك. فأتاه ، فقال:
إن رسول الله پڼ قد وهب لي دمك ، فهو لك . قال : شیخ کبیر لا أهل له ولا ولد، فما
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام: ٢٤٠/٢ - ٢٤٢ .
(٢) ((جحفة): ترس.
. (٣) الطبقات الكبرى ٧٥/٢ .
(٤) الزَّبير: بفتح الزاي المشددة، و((الزُّبير)) بضم الزاي إلا هذا. قال السهيلي: هو جد الزَّبير بن عبد الرحمن
المذكور في الموطأ في كتاب النكاح. انظر الموطأ (باب نكاح المحلِّل وما أشبهه ٥٣١/٢).
- ١١٠ -

يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله عَّله، فقال: يا رسول الله! بأبي أنتَ وأمي،
امرأته وولده. قال: هم لك، قال: فأتاه، فقال: قد وهب لي رسولُ الله عَّ ◌َلِ أَهلَكَ
وولدكَ ، فهم لك . قال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك ؟ فأتى ثابت
رسولَ الله عَ ◌ّهِ، فقال: يا رسولَ الله! مالَه. قال: هو لك. فأتاه ثابتٌ ، فقال: قد
أعطاني رسولُ مَ ◌ِّ مَالَك، فهو لك. قال - أي ثابت -: ما فعلَ الذي كَأَنَّ وجهَه مرآةٌ
صينية ، تتراءى فيه عذارى الحيِّ ؛ كعبُ بن أسد ؟ قال: قُتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا
شددنا ، وحاميتنا إذا فررنا؛ عَزَّل بن سموأل؟ قال: قُتل. قال: فما فعل سيِّدُ الحاضر
والبادي ؛ حُيي بن أخطب ؟ قال : قُتل . قال : فما فعل المجلسان - يعني بني كعب بن
قريظة ، وبني عمرو بن قريظة -؟ قال: ذهبوا، قُتلوا . قال : فإني أسألُك يا ثابت بيدي
عندك إلَّ ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير. فما أنا بصابر الله قَبْلَةَ(١)
دلوِ ناضحٍ؛ حتى ألقى الأحبَّة ، فقدَّمه ثابتٌ، فضرب عُنقَه .
فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله : ألقى الأحبّة . قال: يلقاهم والله في نار جهنّم خالداً
مُخلَّداً (٢) .
وذكر أبو عبيد هذا الخبر، وفيه: فقال رسولُ الله عَ لّه: لكَ مالُه وأهلُه إنْ أسلم (٢).
قال ابن إسحاق : حدَّثني شعبة بن الحجّاج ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عطية
القرظي ، قال : كان رسولُ الله قد أمر أن يُقتلَ من بني قريظة كلُّ من أنبتَ ، وكنتُ غلاماً ،
فوجدني لم أُنبتْ، فخلُّوا سبيلي. وسألتْ أُمُّ المنذر سلمى بنت قيس (٤)، أُختُ سَليط رسولَ
الله عَ ل ـ وكانت إحدى خالاته -: رفاعةً بن سموأل القرظي، وكان قد بلغ. قالت :
(١) انظر فوائد المؤلف ص ١١٧ .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٢/٢ - ٢٤٣ .
(٣) الأموال ، لأبي عُبيد القاسم بن سلام ص ١٦٣ .
(٤) سلمى بنت قيس: هي إحدى خالات جد رسول الله عَ لِ (عبد المطلب)؛ لأنها من بني عدي بن
النجار ، وكانت فيمن بايع تحت الشجرة ، وصلَّى إلى القبلتين. لها رواية وأخرج لها الإمام أحمد في المسند .
نور النبراس .
- ١١١ -

فإنه زعم أنه سيُصلِّي ويأكل لحم (١) الجمل، فوهبه لها. ثمَّ خُمِّستَ غنائمهم وقُسِّمت ،
للفارس ثلاثة أسهم ؛ سهم له ، وسهمان لِفرسِهِ ، وللراجل سهم ، وهو أول فيء وقعت فيه.
السُّهمان وخُمِّس ، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرساً.
ثم بعثَ رسولُ الله عَّلِ سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسببايا من بني
قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بهم خيلاً وسلاحاً، وكان رسولُ الله عَ لِ قد اصطفى لنفسه
منهم ريحانة بنت عمرو بن خُنّافة ، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فكانت عند.
رسول الله عَّ الله حتى توفي عنها، وسيأتي ذكرها في موضعه من هذا الكتاب إن شاء
الله تعالى .
وأنزل الله عزَّ وجل في أمر الخندق وبني قريظة من القرآن القصة في سورة الأحزاب:
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم
تروْها وكان الله بما تعملون بصيراً﴾ [الأحزاب: ٩] والجنود: قريش وغطفان وبنو قريظة .
وكانت الجنود التي أرسلها الله عليهم مع الريح: الملائكة ﴿إذا جاؤوكم من فوقِكم﴾ بنو قريظة
﴿ومن أسفلَ منكم﴾: قريش وغطفان إلى قوله: ﴿وأورثكم أرضَهم وديارهم وأموالهم
وأرضاً لم تطؤوها - يعني خيبر . وكان الله على كلِّ شيءٍ قديراً﴾ [الأحزاب: ١٠ - ٢٧].
فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر لسعد بن معاذ جرحه ، فمات منه ، وأتى جبريل:
البَّ عَّلِ من الليل معتجراً بعمامة من استبرق ، فقال: يا محمد من هذا الذي فُتحت له
أبوابُ السماء، واهتزَّ له العرشى؟ قال: فقام رسولُ الله عَ لِ سريعاً يجرُّ ثوبَه إِلَى سعد بن
معاذ، فوجده قد مات. ولما حُمل على نعشه وجدوا له خِفَّةَ. فقال رسول الله عَّ له: إن له
حملة غيركم(٢).
وقال رسول الله عَ لّم فيما ذكر ابن عائذ: لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعداً
ما وطئوا الأرض إلا يومَهم هذا .
(١) لأن اليهود يحرمون أكل لحم الجمال، أسوة بإسرائيل الذي حرَّمه على نفسه، قال الله تعالى: ﴿ كلُّ الطعام
كان حِلاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرَّمَ إسرائيلُ على نفسه﴾ [ آل عمران: ٩٣ ].
. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٤/٢ - ٢٥١.
- ١١٢ -

وقال ابن سعد : مرت عليه عنز وهو مضطجع ، فأصابت الجرحَ بظُلفها ، فما رقا حتى
مات ، وبعث صاحب دُومة الجندل إلى رسول الله عَ لمه ببغلة وجُبَّةٍ من سندس، فجعلَ
أصحابُ رسول الله عَ لُه يعجبون من حُسن الجبة، فقال رسول الله عَل: ((لمناديل
سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ )) يعني من هذا (١) .
واستُشهد يوم بني قريظة خلاد بن سويد الحارثي ، الذي طرحت المرأة عليه الرحا ، وقد
تقدَّم خبر قتلها ، وزاد ابن عائذ : ومنذر بن محمد أخو بني جَحْجَبا . ومات أبو سِنان بن
مِحْصن الأُسَدي ، ورسولُ اللهِ عَ لّه محاصر بني قريظة، فَدُفن في مقبرة بني قريظة ، ولما
انصرفَ أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله عَّله: لن تغزوَ كم قريش بعد عامكم هذا،
ولکنکم تغزونهم . فکان کذلك .
(١) الطبقات الكبرى ٢٤٤/٢ - ٢٥١.
- ١١٣ -

ذ کر فوائد تتعلق بما سبق مِن ذکر
الخندق وبني قريظة
· أول من حفر الخنادق في الحروب : منوشهر بن إيرج، وأول من كمَّن الكمائن :
بختَ نُصَّر ، ذُكر ذلك عن الطبري .
والنسبة إلى بني النضير نَضَرِيٌّ بفتحتين ، كثَّقَفي.
• وعُيينة بن حصن لقب لقائد الأحزاب، واسمه حذيفة، لقب بذلك لِشَتَرِ(١) كان
في عينيه .
• وذُكر حيّ بن أخطب وما قال لكعب بن أسد، وأنه لم يزل يَفْتِلُ في الذروة
والغارب . قال السهيلي : هذا مثل، وأصلُه في البعير يستصعب عليك، فتأخذ القُرادُ(٢) من
ذروته وغارب سنامه ، فيجد البعيرُ لذة ، فيأنس عند ذلك، وأنشد الحطيئة:
إذا نُزعَ القُرادُ بمستطاع
لعمرُك ما قُراد بني كُليب
يريد أنهم لا يُخدعون ولا يُستذلون .
• واللحن : العدول بالكلام عن الوجه المعروف إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه، كما أن
اللحن الذي هو الخطأ عدول عن الصواب المعروف ، وقال الجاحظ في قول مالك بن أسماء :
منطق صائبٌ وتلحنُ أحياناً، وخيرُ الكلام ما كان لحنا
يُريد أن اللحن الذي هو الخطأ قد يُستملحُ ويستطاب من الجارية الحديثة السن ..
وخُطِىء الجاحظُ في هذا التأويل ، وأُخبرَ بما قاله الحجاج بن يوسف لامرأته هند بنت أسماء بن
خارجة حين لَحنَتَ ، فأنكر عليها اللَّحنَ ، فاحتجت بقول أخيها مالك بن أسماء * وخيرُ
الحديث ما كان لحناً » فقال لها الحجاج: لم يرد أخوك هذا، وإنما أراد الذي هو التورية
(١) ((لِشَتَّرِ)): الشتَرُ: انقلاب الجفن من أعلى وأسفل وانشقاقه، أو استرخاء أسفله.
(٢) القراد : دُويبة معروفة تلصق في جلد البعير .
- ١١٤ -

والإلغاز، فسكتت . فلما حُدَّثَ الجاحظُ بهذا الحديث ، قال : لو كان بلغني هذا قبل أن
أؤلف كتاب البيان ما قلتُ في ذلك ما قلت . فقيل : أفلا تغيِّرُه ؟ قال : وكيف وقد سارت
به البغال الشهبُ، وأنجدَ في البلاد وأغار . انتهى ما حكاه السهيلي ، وتأويلُ الجاحظ أولى ، لما
فيه من مقابلة الصواب بالخطأ ، ولعلَّ الشاعرَ لو أراد المعنى الآخر ، لقال : منطق ظاهر .
ليقابلَ بذلك ما تقتضيه التوريةُ واللغز من الخفاء ، وكما قال الجاحظ في تأويل : وتلحن
أحياناً ، قاله ابن قتيبة .
وحِبَّان بن العَرِقة : هو حبان بن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن مَعيص بن
عامر بن لؤي ، والعَرِقة أمه . وهي قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم ، تكنى أم فاطمة ،
سُمِّيت العَرِقة لطيب ريحها . كذا ذكر السُّهيلي . وابن الكلبي يقول : هي أُمُّ عبد مناف جدّ
أبيه ، وهو عنده : حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف . وموسى بن عقبة يقول فيه :
جَبَّار بن قيس بالجيم والراء، أحدُ بني العَرِقة .
وحديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ حديث(١) صحيح . قال السهيلي :
•
والعجب من رواية من روى عن مالك أن يُقال: اهتزَّ العرشُ لموت سعد بن مُعاذٍ. ولم
ير التحديث بذلك مع صحة نقله وكثرة الرواة له ، ولا أدري ما وجه ذلك، ولعلَّها غير
صحيحة عنه ، فقد خرَّجه البخاري .
قلت : هذا يقتضي أن يكون إنكار مالك محمولاً عنده على أمر عنده يرجع إلى الإسناد
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي عَ له (باب مناقب سعد بن معاذ) رقم /٣٨٠٣/، ومسلم
في فضائل الصحابة ( باب من فضائل سعد بن معاذ) رقم /٢٤٦٧/، والترمذي في المناقب ( باب مناقب
سعد بن معاذ) رقم /٢٨٤٧/. قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري .. )) ١٣٤/٧: والمراد باهتزاز
العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه ، يقال لكل من فرح بقدوم قادم عليه: اهتز له، ومنه اهتزت الأرض
بالنبات إذا اخضرت وحسنت .. وبعد أن ذكر اختلاف العلماء ، وكراهية مالك لروايته قال : وقد جاء
اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر ، وثبت في الصحيحين ، فلا معنى لإنكاره .
وقال ابن الأثير في جامع الأصول ٦٢/٩: (( اهتزاز العرش)»: كناية عن ارتياحه بروحه حين صعد بها ،
لكرامته على ربه، وكل من خف لأمر وارتاح له، فقد اهتزَّله ، والمعنى: فرح أهل العرش بقدومه على الله لما
رأوا من منزلته وكرامته وفضله .
- ١١٥ -

وليس كذلك ، بل قد اختلَفَ العلماء في هذا الخبر ، فمنهم من يحمله على ظاهره ، ومنهم من
يَجنح فيه إلى التأويل. وما كانت هذه سبيله من الأخبار المشكلة ، فمن الناس من يكره
روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعي ، فلعلَّ الكراهة المروية عن مالك من هذا الوجه ، والله
أعلم .
وأسيد بن سَعية بفتح الهمزة وكسر السين ، كذا هو عند أكثر الرواةُ ، ونُقل عن
بعضهم أسيد ، بضم الهمزة وفتح السين .
وجهشت إلى الشيء ، وأجهشتُ : أُسرعت متباكياً .
• ويعني بالأرقعة: السماوات . قال ابن دُريد: كذا جاء في هذا الحديث ( سبعةُ.
أرقعة)) على لفظ التذكير ، على معنى السقف . قال الفسوي: ومثل تسميتهم إياها بالجرباء
تسميتهم إياها بالرَّقيع ، قال ابن الأعرابي: سَموها بالرقيع، لأنها مرقوعة بالنجوم . قال أبو
علي : والأجربُ : خلاف الأملس .
والمرأة المقتولة من بني قريظة اسمها بنانة ، امرأة الحكم القرظي . قال السُّهيلي: وفي قتلِها
دليل لمن قال تُقتل المرتدة من النساء أخذاً بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (( من بدَّل دينَه
فاضْرِبوا عنقَه))(١) وفيه مع العموم قوة أخرى ، وهي تعليق الحكم بالردة والتبديل ، ولا حجة
مع هذا لمن زعم من أهل العراق بأن لا تقتل المرتدة لنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء
والولدان .
قلت : هما عامان تعارضا ، وكل من الفريقين يخص أحد الحديثين بالآخر ، فالعراقيون
يخصون حديثَ (( من بدل دينه فاقتلوه)) بحديث النهي عن قتل النساء والصبيان . وغيرهم
يُخالفهم ، وتخصيص المخالف أولى لوجه ليس هذا موضع ذكره . وأما استدلالُه بهذا الحديث
(١) رواه البخاري في استتابة المرتدين (باب حكم المرتد والمرتدة ) رقم / ٦٩٢٢/، والترمذي في الحدود ( باب
ما جاء في المرتد ) رقم /١٤٥٨/، وأبو داود في الحدود ( باب الحكم فيمن ارتد) رقم / ٤٣٥١/، والنسائي
في تحريم الدم ( باب الحكم في المرتد ) ١٠٤/٧ و١٠٥، وهو في المسند ٢٨٢/١ . كلهم عن ابن عباس
رضي الله عنهما ، بلفظ ( من بدل دينه فاقتلوه )) . وفي الموطأ في الأقضية ( باب القضاء فیمن ارتد ) عن زيد
بن أسلم ، بلفظ (( من غير دينه فاضربوا عنقه )) وهو مرسل.
: - ١١٦ - .

على قتل المرتدة ، ولم تكن هذه مرتدة قط فعجيب ، بل هي قاتلة ، قتلتْ خَلاَّد بن سُويد ،
ومقاتلة بتعاطيها ذلك ، وناقضة للعهد ، فالعراقي موافق لغيره في قتل هذه ، وفي انفرادها
بالقتل عن نساء بني قريظة ما يُشعر بأنه لما انفردت به عنهن من قتل خلاّد ، فليس هذا من
حكم المرتدة في ورد ولا صَدَر .
• وقول الزَّبير - وهو بفتح الزاي وكسر الباء -: لستُ صابراً قَبْلَةَ دَلوِ ناضح . هو عند
ابن إسحاق: بالفاء والتاء ثالثة الحروف ، وقال ابن هشام : إنما هو بالقاف والباء الموحدة ،
وقابل الدلو: الذي يأخذها من المستقي. وذكرَ أبو عُبيد الحديثَ في ((الأموال)) إفراغةَ
دلو .
- ١١٧ -

سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء
روينا عن ابن عائذ: عن الوليد بن مُسلم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود ، عن عروة،
قال: بعث رسول الله عَ ل محمد بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، بعثَه إلى القُرَطاء من
هوازن . .
وروينا عن ابن سعد: قال : ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، خرج لعشر ليالٍ : :
خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهراً من مُهاجر رسول الله عَ لِه، بعثه في ثلاثين
راكباً إلى القُرَطاء ، وهم بطن من بني أبي بكر بن كلاب ، وكانوا ينزلون البَكّرات بناحية
ضَرِيَّة (١) ، وبين المدينة وضَرِيَّة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة ، فسار الليل وكمن
النهار، وأغار عليهم ، فقتل نفراً منهم، وهرب سائرُهم ، واستاق نَعَماً وشاء، ولم يعرض
للظُعُن، وانحدروا إلى المدينة فخمَّس رسول الله عَ لِّ ما جاء به، وفضً(٢) على أصحابه
ما بقي ، فعدَّلوا الجزور بعشرة من الغنم ، وكانت النعم مائة وخمسين بعيراً ، والغنم ثلاثة آلاف
شاة ، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم(٣).
وذكر أبو عبد الله الحاكم: أنها في المحرم سنة ست ، وأن تُمامة بن ◌ُثَال الحنفى أُخذ
فيها ، وذكر حديثَ إسلامهِ (٤) .
وروينا من طريق مسلم رحمه الله : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن سعيد بن
أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: بعثَ رسولُ الله عَ لِ خيلاً قِبِلَ نجد ، فجاءت برجل
من بني حنيفة ، يُقال له: ثُمامة بن أثَالٍ سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من سواري
المسجد، فخرج إليه رسول الله عَ لَّه، فقال: ((ماذا عندك يا ثمامةُ؟)) قال: عندي
(١) ((ضرية)): اسم بئر.
(٢) «فضَّ »: فرَّق ..
(٣) الطبقات الكبرى ٧٨/٢ .
(٤) رواه البيهقي في دلائل النبوة ٧٨/٤ - ٧٩ عن أبي عبد الله الحافظ، المعروف بالحاكم، ولم نجده في
المستدرك .
- ١١٨ -

يا محمد !خيرٌ ، إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ ، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنتَ تريد المالَ
فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئتَ .. الحديث. وفيه: فقال رسول الله عَ ◌ّه: ((أُطلِقوا ثُمامةَ)).
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهدُ أن لا إله إلا
الله وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه . يا محمد! والله ما كان على الأرض وجهً أبغضَ إليَّ من
وجهِكَ ، فقد أصبح وجهُكَ أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ ، والله ما كان على الأرض من دِینٍ
أبغضَ إليَّ من دِينِكَ ، فقد أصبحَ دِينُكَ أُحبُّ الدِّينِ كلِّه إليَّ .. الحديث(١).
والقُرَطاء : قُرْط وقُرَيط وقَرِيط بنو عبد بن عبيد، وهو أبو بكر بن كلاب من قيس
عَيلان، ذكره الرُّشاطي قال: وذكر الطبري، قال: قال أبو اليقظان: تزوَّج النُّ عَّه
عَمْرة ، وهي من القُرَطاء ، من بني أبي بكر بن كلاب(٢) .
وممن يُنسب هذه النسبة محمد بن القاسم بن شعبان القُرْطي الفقيه ، له مصنف في الفقه
على مذهب مالك رحمه الله وهو مصري ، وقد ذكره الأمير(٣) .
#
(١) رواه مسلم في الجهاد والسير (باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه) رقم /١٧٦٤/، ومعنى: ((ماذا
عندك يا ثمامة؟)) أي ماذا تظن بي أن أفعل بك ؟ ! .
(٢) الطبري ١٦٨/٣.
(٣) الإكمال ؛ لابن ماكولا ١٤١/٧.
- ١١٩ -

سرية عبد الله بن عتيك
لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحُقَيْق
واستأذن نفرٌ من الخزرج رسولَ الله عَ لُه في قتلِه، ذباً عن الله وعن رسوله عَ لَه، وتشبُّهاً
بالأوس فيما فعلوه من قتل ابن الأشرف ، فأذن لهم ، وكذلك كانوا رضي الله عنهم يتنافسون
فيما يُزْلِفُ إلى الله وإلى رسوله . وكان ابن أبي الحُقيق بخييَرَ ، فخرج إليه من الخزرج من بني
سَلِمة خمسةُ نفر: عبد الله بن عَتيك، ومسعود بن سِنان ، وعبد الله بن أنيس ، وأبو قتادة
الحارث بن رِبْعي ، وُخزاعيِّ بن أسود حليفٌ لهم مِنْ أُسلمَ .
وأَمَّر رسولُ الله عَ لِ عليهم ابنَ عَتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة . فخرجوا حتى
إذا قدموا خيبرَ ، أتوا دارَ ابنُ أبي الحُقيق ليلاً ، فلم يدعوا بيتاً في الدار إلا أغلقوه على أهله ،
قال: وكان في عُلّية ، له إليها عجلة (١). قال: فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه ، فاستأذنوا
فخرجت إليهم امرأته، فقالت : من أنتم ؟ فقالوا : ناس من العرب، نلتمسُ الميرة . قالت :
ذاكم صاحبُكم فادخلوا عليه ، فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرةَ ، تخوفاً أن يكون دونه
مَحُولة (٢) تحول بيننا وبينه ، قال: وصاحتِ المرأة فنوَّهت بنا . قال: وابتدرناه وهو على فراشه
بأسيافنا ، والله ما يدلُّنا عليه في سواد الليل إلا بياضه ، كأنه قُبْطية ملقاة . قال : ولما صاحت
بنا امرأتُه، جعل الرجل منا يرفع عليها سيفَه، ثم يذكرُ نهيَ رسول الله عَ ◌ِّ فيكفَّ يدّه،
ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال : فلما ضربناه بأسيافنا ، تحامل عليه عبدُ الله بنّ أُنيس
بسيفه في بطنه حتى أنفذَه ، وهو يقول : قَطْنِي قطْني ، أي حسبي حسي . قال : وخرجناً
وكان عبد الله بن عُتيك رجلاً سيء البصر ، فوقع من الدرجة ، فوُثبت(٣) يدُه وَثْئاً شديداً ،
ويقال: رجله - فيما قال ابن هشام وغيره -. قال: وحملناه حتى نأتي منهراً(٤) من عيونهم فندخل
(١) ((عَجَلة)): درج من جذوع النخل، منقور وغير منقور. (( فأسندوا فيها)): صعدوا .
(٢) في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٧٥/٢: (أن تكون دونه مُجاوِلةٌ تحولُ بيننا وبينه)).
(٣) (( وثقتْ يده)): ووتكت ــ بالتاء -: وجع عظمها وجعاً لم يبلغ الكسر، أو حصل فيها انفكاك.
(٤) ((مَنْهَراً)) : خرق في الحِصْن يدخل منه الماءِ.
- ١٢٠ -