Indexed OCR Text

Pages 341-360

صُوريا الأعور : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتدٍ . وقالت النصارى مثل
ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وقالُوا كُونوا هُودَاً أو نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [ البقرة: ١٣٥ ]
الآية(١) .
وسأل معاذ بن جبل وسعدُ بن معاذ وخارجةُ بن زيد نفراً من أحبار يهود عن بعض
ما في التوراة، فكتموهم إياه، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الذينَ يُكْتُمونَ ما أَنزَلْنَا من البِّنَاتِ والهُدى
من بعد ما بَّنَاه للناس﴾ [ البقرة: ١٥٩] الآية . ودعا عليه الصلاة والسلام اليهود إلى
الإِسلام ، فقال له رافع ومالك بن عوف : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فأنزلَ الله تعالى :
﴿وإذا قيلَ لهم اتَّبِعُوا ما أنزلَ الله قَالُوا بل تَتَّبِعُ ما وَجَدْنَا عليه آباءَنَا﴾ [ لقمان: ٢١ ]
ولما أصاب الله قريشاً يومَ بدر جمع رسولُ الله عَ لّه يهودَ في سوق بني قينقاع ، حين قدم
المدينة ، فقال: يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصابَ به قريشاً .
قالوا له : يا محمد ! لا يغرنّك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش ، كانوا أغماراً لا
يعرفون القتال ، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وإنك لم تلق مثلنا، فأنزل
الله تعالى: ﴿قُلْ للذينَ كَفَرُوا ستُغلبونَ وتُحشرونَ إلى جهنَّمَ وبِئْسَ المِهَاد ﴾ [ آل
عمران: ١٢] الآية والتي بعدها. ودخلَ رسولُ الله عَ ليه بيت المدراس على جماعة من
يهود ، فدعاهم إلى الله ، فقال له النعمان بن عمرو والحارث بن يزيد: وعلى أي دين أنت
يا محمد ؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه . قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً . فقال لهما رسولُ
الله عَّهِ: فهلمَّ إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه، فأنزل الله: ﴿ألم تَرَ إلى الذينَ
أُوتوا نَصِيباً من الكتابِ يُدعونَ إلى كتابِ الله لَيَحكُم بينَهم ثم يتولّى فريقٌ منهم وهم
مُعرضون﴾ [ آل عمران: ٢٣] الآية والتي تليها .
وقال أحبار يهود : وما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت نصارى نجران : ما كان إلا
نصرانياً ، فأنزل الله: ﴿يا أهلَ الكتابِ لم تُحاجُون في إبراهيمَ﴾ الآيات إلى ﴿ والله
ولِّ المؤمنين ﴾ [ آل عمران: ٦٥ - ٦٨ ] .
وقال عبدُ الله بن صَيف وعدتُّ بن زيد والحارثُ بن عوف ، بعضهم لبعض : تعالوا
(١) المصدر السابق ٥٤٩/١ .
- ٣٤١ -

نؤمن بما أنزل الله على محمد غُدوةً ونكفر به عشيّةً ، حتى تَلْبِسَ عليهم دينهم ، لعلّهم
يصنعون كما نصنع، فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله: ﴿يا أهلَ الكِتابِ لم تُلْبِسُون الحقّ
بالباطلِ وتَكتُمُون الحقَّ وأنْتُم تَعلمون﴾ إلى قوله ﴿والله واسع عليم﴾(١) [ آل عمران:
٧١ - ٧٣ ] .
وقال أبو رافع القُرظي حين اجتمعت الأحبارُ من يهود ، والنصارى من أهل نجران ،
عند رسول الله عَ ◌ّم ودعاهم إلى الإِسلام: أتريدُ منا يا محمد أن نعبدك كما تعبدُ النصارى
عيسى بن مريم ؟! وقال رجل من نصارى نجران مثلَه؟ قال رسول الله عَ له: معاذ الله
أن يُعبد غيرُ الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ ما كانَ لبشرٍ أَن يُؤْتَه اللهُ الكِتَابَ والحُكْمَ والنّةَ
ثم يقولَ للنَّاسِ كُونوا عِبَادًاً لي من دُونِ الله﴾ [ آل عمران: ٧٩ ] الآية. ثم ذكر ما
أخذ عليهم من الميثاق بتصديقه، فقال: ﴿وإذا أُخذَ الله ميثاقَ النبيّن لما آتيْتُكُم من كتابٍ
وحِكمة ثم جاءَكم رسولٌ مُصدّقٌ لما معكُم لتُؤْمِنُنَّ بَه ولتَنصُرُنَّه﴾ [آل عمران: ٨١ ]
إلى آخر القصة (٢).
ومَّ شاسُ بن قيس - وكان شيخاً قد عسا(٢) ، عظيم الكفر ، شديد الطعن على
المسلمين ، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله عَطّغم من الأوس
والخزرج يتحدثون ، فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم بعدما كان بينهم من العداوة ،
فقال : قد اجتمع ملأ بني قَيْلة بهذه البلاد ، لا والله مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار ،
فأمَرَ فتى شاباً من يهود كان معهم ، فقال : اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثم اذكر يوم
بُعاث، وما كان فيه ، وأنشدهم بعضَ ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار، ففعل ، فتكلُّم
القومُ عند ذلك ، وتنازعوا حتى توائب رجلان على الُكب : أوس بن قيظي من الأوس ،
وجَبَّارُ بن صخر من الخزرج، فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددتها الآن
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام
٥٥٠/١ - ٥٥٣ .
(٢) المصدر السابق ٥٥٤/١ .
(٣) (( عسا)): كبر وأسنَّ.
- ٣٤٢ -

جَذَعة(١) ، وغضب الفريقان جميعاً ، وقالوا : قد فعلنا ، موعدكم الظاهرة - والظاهرة :
الخَرَّة - السلاحَ السلاحَ، فخرجوا، وبلغ ذلك رسولَ الله عَّلِ، فخرج إليهم فيمن
معه من المهاجرين من أصحابه ، حتى جاءهم ، فقال : يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى
الجاهلية وأنا بين أظهركم ، بعد أن هداكم الله إلى الإِسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم
أمر الجاهلية ، واستنقذكم من الكفر، وأُلَّف به بينكم . فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان ،
وكيدٌ من عدوهم ، فبكَوْا ، وعانق الرجال من الأوس الرجالَ من الخزرج ، ثم انصرفوا
مع رسول الله عَ لّهِ، فأنزل الله في شاس بن قيس: ﴿قُلْ يا أهلَ الكِتابِ لم تَصْدُونَ
عن سبيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجَاً﴾ [ آل عمران: ٩٩ ] الآية. وفي أوس وجَبَّار:
﴿ يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فريقاً من الذينَ أُوتوا الكتابَ يَردُّوكم بعدَ إِيمانِكُم كافرين ﴾
إلى قوله ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾(٢) [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٥ ].
وكان رجال من المسلمين يُواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار ، فأنزل
الله تعالى: ﴿ يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تُتَخِذُوا بِطَانَةً من دُونِكم لا يأْلُونَكُم حَبَالاً﴾ إِلى
﴿ عليم بذاتِ الصُّدور﴾(٣) [ آل عمران: ١١٨ - ١١٩ ].
ودخل أبو بكر بيتَ المدراس ، فقال لفنخاص : اتق الله وأسلم ، والله إنك لتعلم أن
محمداً لرسولُ الله . فقال : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر ، وإنه إلينا لفقير. فغضبَ
أبو بكر وضربَ وجه فنحاص ضرباً شديداً ، وقال : لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت
عنقك. فشكاه فنخاص إلى رسول الله عَ له، فذكر له أبو بكر ما كان منه، فأنكر قولَه
ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لقد سمعَ اللهُ قُولَ الذين قالُوا إِنَّ الله فقيرٌ ونحنُ أغنياء﴾ [ آل
عمران: ١٨١ ] الآية. وأنزل في أبي بكر رضي الله عنه ﴿ولتَسْمَعُنَّ من الذينَ أُوتوا
الكتابَ من قَبْلِكُم ومن الذينَ أَشَرَكُوا أذىً كثيراً﴾(٤) [ آل عمران: ١٨٦ ] الآية .
(١) ((جَذَعة)): الجَذَعة: الفتية من الماشية، والمقصود بها هنا: رددتُها فتنة قوية كما كانت.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٥٥/١ - ٥٥٧.
(٣) المصدر السابق ٥٥٨/١.
(٤) المصدر السابق ٥٥٨/١ - ٥٥٩ .
- ٣٤٣ -

وكان كَرْدَم بن قيس وأسامة بن حبيب في نفر من يهود يأتون رجالاً من الأنصار
يتنصحون لهم ، فيقولون لهم : لا تُنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقرَ ، فأنزل الله فيهم :
الذينَ ييخلونَ ويأمرونَ النَّاسَ بالبخلِ ويَكْتُمونَ مَا آتَاهُم اللهُ من فضلِهِ - أي التوراة
التي فيها تصديقُ ما جاء به محمد - وأعْتَدْنَا للكافرين عذاباً مُهيناً﴾(١)
[ النساء : ٣٧ ] .
وكان رِفاعة بن زيد بنِ التابوت من عظماء يهود، إذا كلَّم رسولَ الله عَ لِّ لوى لسانه،
وقال أُرْعِنَا سَمْعَك يا محمد حتى نُفْهِمُك، ثم طعن في الإسلام وعابَه، فأنزل الله فيه: ﴿ألـ
تَرَ إلى الذينَ أُوتوا نَصِيْباً من الكتابِ يَشْتُرُونَ الصَّلاةَ وَيُريدونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ إلى
﴿ولكنْ لعنهم الله بُكفرهم فلا يُؤْمنونَ إلا قَلِيلاً ﴾ [ النساء : ٤٦ ]
وكلَّم رسولُ الله عَّله رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صُوريا الأعور وكعب
ابن أسد، فقال لهم : يا معشر يهود ! اتقوا الله وأسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي
جئتكم به لحّ. قالوا ما نعرف ذلك، فأنزل الله: ﴿ يا أيُّها الذينَ أُوتوا الكتابَ آمِنُوا بما:
نَزَّلْنَا مُصَدِّقَاً لما مَعَكُم مِنْ قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجوهاً فنردَّها على أدبارِهَا أو نلعنَهم كما لَعَنَّا
أصحابَ السبتِ وكانَ أمُرُ الله مَفعُولاً﴾(٢) [ النساء: ٤٧ ] .
وقال سُكَين بن عدي بن زيد : يا محمد ! ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء
بعد موسى ، فأنزل الله تعالى: ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، والنبيين من بعده ﴾
إلى قوله : ﴿وكانَ اللهُ عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥ ]
ودخلتْ على رسول الله عَ ل جماعة منهم ، فقال لهم: أما والله إنكم لتعلمون أني
رسول الله. قالوا: ما نعلمه وما نشهد عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿لكن اللهُ يشهدُ بما:
أَنزَلَ إليكَ أَنْزِلَه بعلمِه والملائكةُ يَشهدونَ وَكَفَى باللهِ شَهِيداً ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وأتى رسولَ الله عَ لِّ نُعمانُ بن أضا وبَحرُّ بن عمرو وشاس بن عديّ، فكلّموه
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ١
(٢) المصدر السابق ٥٦٠/١ - ٥٦١.
٥٦٠ .
- ٣٤٤ -

وكلَّمهم ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ، نحن أبناء الله
وأحبَّاؤه - كقول النصارى - فأنزل الله فيهم: ﴿وقالتِ اليهودُ والنَّصَارَى نحنُ أبناءُ الله
وأَحبَّاؤُه﴾ [المائدة: ١٨] الآية(١).
ودعاهم إلى الإِسلام مرة وحذَّرهم عقوبة الله ، فأبوا عليه ، فقال لهم معاذ بن جبل
وسعدُ بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود ! اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول
الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه بصفته ، فقال رافع بن حُريملة ووهب
ابن يهوذا : ما قلنا لكم هذا ، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى ، وما أرسلٍ بشيراً ولا
نذيراً بعدَه. فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿ يا أهلَ الكتابِ قد جاءَكُم رسولُنا يُبيِّنُ لكم
على فترةٍ من الرسلِ أن تَقُولوا ما جاءَنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءَكُم بشيرٌ ونذيرٌ ﴾
[ المائدة: ١٩ ] الآية (٢).
واجتمع أحبارُهم في بيت المدراس ، فأتوا برجل وامرأة زنيا بعد إحصانهما ، فقالوا :
حكِّموا فيهما محمداً ، فإن حكم فيهما بحكمكم من التجبية - وهو الجلد بحبل من ليف
مَطلي بقار ، ثم تسوَّد وجوههما ، ثم يحملان على حمارين وُجوههما من قبل أدبار
الحمارين - فإنما هو مَلِكٌ، وإن حكم فيهما بالرجم فهو نبِّي ، فاحذروه على ما في أيديكم
أن يَسلبكموه. ففعلوا، فمشى رسولُ الله عَ لّمِ حتى أتى بيتَ المدراس، فقال لهم:
أخرجوا إلَي علماءَكم . فأخرجوا له عبد الله بن صُوريا ، فخلا به يناشده : هل تعلم أن
الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ قال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا
القاسم إنهم يعرفون أنك نبِي مرسل، ولكنهم يحسدونك. قال: فخرج رسولُ الله عَ ◌ّ}
فأمَرَ بهما فرجما عند باب مسجده، ثم جحد ابن صوريا بعد ذلك نبوّةً رسول الله مٍَّ ،
فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْكَ الذينَ يُسَارِعُونَ في الكفرِ من الذينَ قَالُوا
آمنًّا بأفواهِهم ولم تؤمنْ قلوبُهم﴾ [المائدة: ٤١ ] الآية(٣) . وفي بعض طرق هذا
الحديث أن حَبْراً منهم جلسَ يتلو التوراة بين يدي رسول الله عَّله، فوضعَ يدَه على آية
(١) المصدر السابق ٥٦٢/١ - ٥٦٣ .
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٦٤/١ .
(٣) المصدر السابق ٥٦٥/١ .
- ٣٤٥ -

الرجم ، فضربَ عبدُ الله بن سلام يدَه ، وقال : هذه آية الرجم أبى أن يتلوها عليك.
الحدیث(١).
وقال كعبُ بن أسد وابن صَلُوبا وابن صوريا وشاس بن قيس بعضُهم لبعض : اذهبوا
بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فإنما هو بشر ، فأتوه فقالوا : قد عرفت أنَّا أحبارُ يهود
وأشرافُهم ، وأنا إن اتبعناك أتبعك يهود ، ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة.
فنحا کمھم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن بك ونُصدّقُك ، فأبى ذلك رسولُ الله ټ ٹے
فأنزل الله: ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهم بما أنزلَ اللهُ ولا تتبعْ أهواءَهم﴾ إلى قوله ﴿ومَنْ أَحسنُ
من الله حُكْماً لقومٍ يُوقنونُ﴾(٢) [المائدة: ٤٩ - ٥٠ ] ..
وأتى رسولَ الله عَ لمه جماعة منهم، فسألوه عمن يُؤمن به من الرسل، فقال: ﴿ آمنًّا
بالله وما أُنزلَ إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوب والأسباطِ وما أُوتي
مُوسى وعيسى وما أُوتِي النّبِّونَ من ربِّهم لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ منهم ونحنُ له مُسلمونَ ﴾
[ البقرة : ١٣٦ ] فلما ذكر عیسی جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعیسی ولا نؤمن
يمن آمن به، فأنزل الله: ﴿ قل يا أهل الكتابِ هْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أنْ آمنًّا بالله وما أنزل
إلينا وما أُنزلَ من قبلُ وأنَّ أُكثَرَكم فاسِقِون﴾(٢) [المائدة: ٥٩ ].
:
وأتى رسولَ الله عَ له رافعُ بن حارثة، وسلام بن مِشْكم ، ومالك بن الصَّف ، ورافع
ابن حُرُيملة ، فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا
من التوراة ، وتشهد أنها من الله حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما
أخذ عليكم من الميثاق ، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس ، فبرئتُ من إحداثكم .
قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ، ولا نؤمن بك ولا نتبعك ، فأنزل
الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهَ الكِتَابِ لِسْتُم على شيءٍ حتى تُقيمُوا التوراةَ والإِنجِيلَ وما أُنزل
إليكم من ربِّكم ﴾(٢) [ المائدة: ٦٨ ] الآية .
(١) المصدر السابق ٥٦٦/١ .
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٦٧/١ .
(٣) المصدر السابق ٥٦٨/١ - ٥٦٩.
- ٣٤٦ _

وكان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإِسلام ونافقا ، فكان
رجال من المسلمين يُوادُّونهما، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الذينَ
أَتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً ولَعِبَأْ من الذينَ أُوتوا الكتابَ من قِيلِكم والكُفَّارَ أولياءَ﴾ إلى قوله
﴿ واللهُ أعلمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمون﴾ [ المائدة: ٥٧ - ٦١ ]. وقال جبلُ بن أبي قُشير،
وشَمُويل ابن زيد: يا محمد متى الساعة إن كنت نبياً ؟ فأنزل الله: ﴿يَسئلونَكَ عن السَّاعَةِ
أَيَّنَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُها عند ربِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية (١).
وأتى رسولَ الله عَ لَّهِ سَلَّامُ بن مِشْكم، ونعمان بن أوفى ، ومحمود بن دحية، في
نفر منهم ، فقالوا له : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عُزيراً ابن الله ؟
فأنزل الله: ﴿وقالتِ اليهودُ عزيُرُ ابنُ الله وقالتِ النَّصَارَى المسيحُ ابنُ الله ذلكَ قولُهم
بأفواهِهم ﴾ [ التوبة: ٣٠] الآية .
وأتى رسولَ الله عَ لّله محمود بن سَيْحان وعُزير بن أبي عزير في جماعة منهم ، فقالوا :
إنا لا نرى ما جئت به متسقاً كما تتسق التوراة، أما يُعلِّمُكَ هذا إنس ولا جن؟ فقال
لهم : أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله ، وأني رسول الله تجدون ذلك مكتوباً عندكم
في التوراة . قالوا : فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ، فأنزل علينا كتاباً من السماء
نقرؤه ونعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به ، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لئن اجتمعتِ الإِنسُ
والجنُّ على أنْ يأْتُوا بمثلِ هَذا القُرآنِ لا يأتونَ بمثله ولو كانَ بعضُهم لبعضٍ ظَهِيراً ﴾(٢)
[ الإسراء : ٨٨].
وقال قوم منهم لعبد الله بن سلام حين أسلم : ما تكون النبوة في العرب ، ولكن
صاحبك ملك مُتُقوِّل ، ثم جاءوا فسألوه عن ذي القرنين ، فقصَّ عليهم ما جاءه من الله
فيه مما كان قصَّ على قريش، وهم كانوا ممن أمر قريشاً أن يسألوا رسولَ الله عَ لّم عنه
حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث وعقبةً بن أبي مُعيط، وأتى رهط منهم رسولَ الله عَ ليه
فقالوا : يا محمد ! هذا الله خلقَ الخلق فمن خلقَه ؟ فغضب حتى انْتُقِعَ لونه ، ثم ساورهم
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٦٨/١ - ٥٦٩ .
(٢) المصدر السابق ٥٧٠/١ - ٥٧١ .
- ٣٤٧ -

غضباً لربه ، فجاءه جبريل فسكنه، وأنزل عليه: ﴿قل هو الله أحد ﴾ السورة ، فلما
تلاها عليهم ، قالوا : فصف لنا كيف خلقه ؟ وكيف ذراعه ؟ وكيف عضده ؟ فغضب
أشدّ من غضبه الأولى، فأتاه جبريلُ من الله تعالى بقوله تعالى: ﴿ ما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ ﴾
[ الحج : ٧٤ ] الآية (١)
وكان الذين حزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حُبُّ بن أخطب ،
وسلَّام بن أبي الحُقَيْقِ أبو رافع ، والربيع بن الربيع بن أبي الحُقيْق، وأبو عمَّار، ووحوحُ
ابن عامر وهَوْذَة بن قيس ، فأما وحوح وأبو عمار وهوذة فمن بني واثلة ، وسائرهم من
بني النضير ، فلما قدموا على قريش ، قالوا : هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالکتاب الأوّل ، .
فاسألوهم أدينكم خيرٌ أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه وأنتم
أهدى منه وممن اتبعه ، فأنزل الله فيهم: ﴿ألمْ تر إلى الذينَ أُوتُوا نَصِيباً من الكتابِ يُؤمنونَ
بالجِبْتِ والطَّاغُوتِ وَيَقْوُلونَ اللذينَ كَفَروا هؤلاءٍ أُهدىَ من الذينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾ إلى قوله:
مُلْكَاً عَظِيماً﴾(٢) [النساء: ٥١ - ٥٤ ] .
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﴾﴾ وفد نصارى نجران ستون راكباً ، فيهم
أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم : العاقب
- أمير القوم وذو رأيهم - واسمه عبدُ المسيح، والسيِّدُ - ثمالُهم(٣) وصاحبُ رحلهم
- واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل - أُسْقُفَّهم وحَبرهم وإمامُهم -:
فكان أبو حارثة قد شرُف فيهم ودرس كتبَهم حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم
من أهل النصرانية قد شرَّفوه ومولوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، فبسطوا عليه الكرامات.
لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وُجُّهوا إلى رسول الله عَّ ◌ُلِ من نجران،
جلس أبو حارثة على بغلة له مُوجِّهاً(٤)، وإلى جنبه أخ له يقال له كُوز بن علقمة ، فعثرت
بغلة أبي حارثة، فقال كور: تعس الأبعد - يريد رسولَ الله عَّ له - فقال له أبو
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٧١/١ - ٥٧٢.
(٢) المصدر السابق ٥٦١/١ / ٥٦٢.
(٣) ((تمالهم)): يقال : ثمال القوم : أصلهم الذي يرجعون إليه ويسوسهم ويقوم بأمرهم
(٤) (( مُوجِّهاً)): يعني موجهاً وجهه إلى رسول الله عَطَّه.
- ٣٤٨ -

حارثة : بل أنت تعست . قال : ولم يا أخي ؟ قال: بلى والله ، إنه للنبي الذي كنا ننتظر .
فقال له كوز : فما يمنعُك منه وأنت تعلم هذا؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرفونا
ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، فلو فعلت نزعوا منا كلَّ ما ترى ، فأضمَرَ عليها
منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك ، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما
يُلغني. ودخلوا على النبي عَ لمه مسجده حين صلَّى العصر، عليهم ثياب الحِبَرَات، جُبَبٌ
وأردية في جَمَال رجال بني الحارث بن كعب ، قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب
النبي عَِّ يومئذ: ما رأينا بعدهم وفداً مثلَهم . وقد حانت صلاتُهم فقاموا في مسجد
رسول الله عَ لِ يُصلُّون. فقال رسول الله عَّهِ: دعوهم. فصلَّوْا إلى المشرق.
وكان تسمية الأربعة عشر: السيد ، والعاقب ، وأبو حارثة ، وأوس ، والحارث ،
وزيد، وقيس ، ويزيد ، ونَبيه، وخُويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنَّس ، فكلّم
رسولَ الله عَ لِ منهم أبو حارثة والعاقب والأيهم ، وهو من النصرانية على دين الملك ،
مع اختلاف من أمرهم ، يقولون : هو (١) الله، ويقولون : هو ولد الله ، ويقولون : هو
ثالث ثلاثة . وكذلك قول النصرانية .
فهم يحتجون في قولهم هو الله ، بأنه كان يُحيي الموتى ويبرىءُ الأسقام ، ويُخبرُ
بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخُ فيه فيكون طائراً ، وذلك كلُّه بأمر الله
تبارك وتعالى وليجعلَه آية للناس ، ويحتجون في قولهم بأنه ولدُ الله، بأنهم يقولون(٢):
لم يكن له أب يُعلم ، وقد تكلم في المهد ، شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله .
ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة ، بقول الله : فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا ،
فيقولون : لو كان واحداً ما قال إلا فعلتُ وأمرتُ وقضیتُ وخلقتُ ، ولكنه هو وعیسی
ومريم . ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن . فلما كلمه الحَبْران ، قال لهما رسول الله
عٍَّ: أسلما. قالا: قد أسلمنا . قال: إنكما لم تُسْلما فأَسْلِما. قالا: بلى قد أسلمنا
قبلَك . قال : كذبتما ، يمنعكما من الإِسلام دعاؤ كما الله ولداً، وعبادتكما الصليب ،
وأكلكما الخنزير . قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ فصمتَ فلم يجيهما ، فأنزلَ الله صدرَ سورة
(١) يعنون المسيح عليه السلام.
(٢) ((شيء لم يصنعه)): أي: وهذا شيء لم يصنعه أحد .
- ٣٤٩ -

: آل عمران إلى بضع وثمانين آبة. فلما أتى رسولَ الله عَّ الله الخبر من الله عنه والفصل من
: القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر من ملاعنتهم إِن رُّوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ،
فقالوا : يا أبا القاسم ! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتك بما تريد أن تفعل فيما دعوتنا إليه ،
فانصرفوا عنه ، ثم خَلَوا بالعاقب وكان ذا رأيهم ، فقالوا : يا عبد المسيح ! ما ترى ؟ فقال :
والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبِي مرسل ، ولقد جاءكم من خبر صاحبِكم ،
ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قطُّ فبقي كبيرُهم ولا نبتَ صغيرهم، وإنه لَّلاستئصالُ منكم
إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ،
فوادِعوا الرجلَ، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسولَ الله عَ ليه ، فقالوا: يا أبا القاسم!
قد رأينا أن لا نلاعتَكَ وأَنْ نترككَ على دينكَ ونرجعَ على ديننا ، ولكن ابعثْ معنا رجلاً
من أصحابك ترضاه لنا يحكمُ بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضی .
فقال رسول الله عَ له: ائتوني العشية أبعثُ معكم القويّ الأمين، فكان عمرُ بن الخطاب
رضي الله عنه يقول: ما أحببتُ الإِمارة قطُّ حبّ إياها يومئذٍ رجاء أن أكونَ صاحبَها ،
فرحت إلى الظهر مُهَجِّراً، فلما صلَّى بنا رسولُ اللهِ عَ لِّ الظهر سلَّم، ثم نظر عن يمينه
ويساره ، فجعلتُ أَتطاولُ له ليراني ، فلم يزل يلتمسُ ببصره حتى رأى أبا عبيدةً بن
الجراح ، فدعاه ، فقال : اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه . قال عمر :
. فذهب بها أبو عبيدة(١) .
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٧٣/١ - ٥٨٤ .
- ٣٥٠ -
٠

خبر عبد الله بن أبّ بن سَلول ،
وأبي عامر الفاسق ، وكان يُقال له : الراهب
قال ابن إسحاق: وقدمَ رسولُ الله عَ للِ المدينة - كما حدثني عاصم بن عمر بن
قتادة - وسيِّدُ أهلها عبدُ الله بن أَبِّي بن سَلول لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان ،
لم يجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء الإِسلام ؛
غيرِه ، ومعه في الأوس رجل هو في قومه من الأوس شريف مطاع ، أبو عامر عبد عَمْرو
ابن صيفيّ بن النعمان، أحد بني ◌َُبيعة بن زيد ، وهو أبو حنظلة ، الغسيلُ يوم أحد ،
وكان قد ترهَّبَ في الجاهلية ولبسَ المُسوحَ، فكان يُقال له: الراهب . فشقيا بشرفهما .
أما ابن أتّي ، فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوِّجوه ثم يُملِّكوه عليهم، فجاءهم الله
برسوله وهم على ذلك ، فلما انصرف قومه عنه إلى الإِسلام ضَغِن ، ورأى أن رسولَ الله
سَ لِّ قد سلبَه مُلكاً عظيماً، فلما رأى قومَه قد أبوا إلا الإِسلام، دخل فيه كارهاً مصراً
على نفاق .
وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإِسلام ، فخرج منهم
إلى مكة ببضعة عشر رجلاً مفارقاً للإسلام، فقال رسول الله عَ لٍ: ((لا تقولوا الراهب
ولكن قولوا الفاسق)) وكان قد قال لرسول الله عَّ له قبل أن يخرج إلى مكة: ما هذا الذي
جئتَ به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم عليه السلام . قال: فأنا عليها . قال له رسول
الله عَ لَّهِ : إنك لستَ عليها . قال : بلى ، إنك أدخلتَ يا محمد في الحنيفية ما ليس منها .
قال : ما فعلتُ ولكني جئت بها بيضاء نقية . قال : الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً .
فقال النبي عَّ له: أجل. فكان هو ذلك، خرج إلى مكة فلما افتتح رسولُ الله عَّه
مكة خرجَ إلى الطائف ، فلما أسلم أهلُ الطائف ، خرج إلى الشام فمات بها طريداً غريباً
وحيداً(١) .
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٨٤/١ - ٥٨٦.
- ٣٥١ -

جُمَّاع أبواب مغازي رسول الله عَي}
صَلى الله
وبعو ثه وسر ایاه
ولما أذن الله عز وجل لنبيه في القتال كانت أول آية نزلت في ذلك: ﴿أذنَ للذينَ
يُقاتِلونَ بأنَّهم ظُلموا وإنَّ اللَّ على نَصْرِهم لقَدير﴾ [الحج: ٣٩]. كما رويناً من طريق
أبي عَروبة ، حدثنا سلمة ، حدثنا عبدُ الرزاق ، أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمش، عن مسلم:
البَطِين، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كان يقرأ: ﴿أُذنَ للذينَ يُقْتَلُون
بأنّهم ظُلموا﴾ قال: وهي أوّل آية نزلت في القتال(١).
وروينا عن ابن(٢) عائذ، أخبرنا الوليد بن محمد ، عن محمد بن مسلم الزهري ،
قال : وكان أول آية نزلت في القتال قوله عز وجل: ﴿أُذنَ للذينَ يُقَاتَلُونَ بأنَّهم ظُلموا
وإن الله على نصرهم لقدير الذينَ أُخرجوا من دِيارِهم بغيرِ حَقّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ:
ولولا دفعُ اللهِ النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ لَهُدِّمَتْ صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكُّرٍ فيها
اسمُ الله كثيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُمَنْ ينصرُهُ إِنَّ الله لقوتٌ عزيزِ﴾ [ الحج: ٣٩ - ٤٠ ].
قرىء على أبي محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني وأنا أسمع ، أخبركم أبو علي بن
أبي القاسم بن الحُرَيْف حضوراً في الخامسة ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد
الأنصاري ، أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم الباقلاني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر
القطيعي ، أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري ، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن
مخلد ، عن ابن عجلان ، عنّ المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال :
قال رسول الله عَ له: ((أمرت أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالُوها
عَصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها وحسابُهم على الله تعالى))(٣).
(١) الأثر عن ابن عباس في أول ما نزل في القتال إسناده صحيح .
(٢) رواه ابن عائذ في مغازيه، وإسناده ضعيف، فيه الوليد بن محمد المُوَقّري ، أبو بشر البلقاوي ، قال :
أبو حاتم : ضعيف الحديث ، وقال ابن المديني : لا يُكتب حديثه، وكذبه ابن معين . انظر ميزان الاعتدال ..
٠٣٤٦/٤
(٣) الحديث من هذه الطريق ليس في الكتب الستة ولا في أحدها ، ورواه البخاري في كتاب الإِيمان رقم
- ٣٥٢ _

ذكر الخبر عن عدد مغازي
رسول الله عٍَّ وبعوثه
روينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي ، حدثنا عمر بن
عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع المخزوميّ ، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمي ، ومحمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري ، وموسى بن يعقوب بن عبد الله
ابن وهب بن زمعة بن الأسود ، وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة
الزهري ، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري ، وربيعة بن عثمان بن عبد الله بن
الهُدير التيمي ، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي حَبيبة الأشهليّ ، وعبد الحميد بن جعفر
الحَكَمي ، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد ، ومحمد بن صالح التَّار . قال ابن سعد : أخبرنا
رُويم بن يزيد المقرىء ، حدثنا هارون بن أبي عيسى ، عن محمد بن إسحاق . قال : أخبرنا
حسين بن محمد ، عن أبي مَعشر ، قال : وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني ،
عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، دخل حديث بعضهم في
حديث بعض. قالوا: كان عدد مغازي رسول الله عَ لّهِ التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين ،
وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية ، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع
غزوات : بدرُ القتال ، وأُحد ، والمريسيع ، والخندق ، وقريظة ، وخيبر ، وفتح مكة ،
وحُنين ، والطائف . فهذا ما اجتمع لنا عليه ، وفي بعض رواياتهم أنه قاتل في بني النضير
ولكن اللهَ جعلها له نفلاً خاصة ، وقاتل في غزاة وادي القرى مُنصرفه من خيبر ، وقُتل
بعض أصحابه ، وقاتل في الغابة(١).
= /٢٥/، ومسلم في كتاب الإيمان رقم /٢٢/ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأطول مما أورده المؤلف
رحمه الله تعالى .
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥/٢ - ٦ .
- ٣٥٣ -

غزوة وَدّان(١)
فأول مغازيه عَ لّه بنفسه : غزوة وَدَّان .
روينا عن أبي عروبة ، حدثنا سليمان بن سيف ، حدثنا سعيد بن بَزيع ، حدثنا ابن
إسحاق: قال خرجَ رسولُ الله عَ لَّه في صفر غازياً على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه
المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر صفر ، حتى بلغ وَدَّان ، و کان یرید قريشاً وبني
ضَمْرة، وهي غزوة الأبواء (٢)، ثم رجع إلى المدينة، وكان استعملَ عليها سعد بن عبادة
فيما ذكره ابن هشام . قال ابن إسحق : فوادعته فيها بنو ضَمْرة ، وكان الذي وأدعه منهم.
عليهم مَخْشِيُّ بن عمرو الضَّمْري، وكان سيدهم في زمانه ذلك ثم رجع رسول الله عَ اه
إلى المدينة ولم يلق كيداً (٣)
بعث حمزة وعُبيدة بن الحارث
روينا عن ابن إسحاق قال: فأقامَ رسولُ الله عَّ له بها بقية صفر وصدراً من شهر.
ربيع الأول ، وبعث في مقدمه ذلك عُبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في ستين
أو ثمانين راكباً من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز
(١) ((وَدَّان)): قرية جامعة من عمل الفرع، بينها وبين رابغ مما يلي المدينة ٢٩ ميلاً.
وهذه الغزوة هي أول مغازيه بنفسه عَ له، أما السرايا فقد بُدئت بسرية سعد بن أبي وقاص على رأس
تسعة أشهر، كما سيذكر ابن سيد الناس قريباً. وقال ابن هشام في السيرة ٦٠٠/١: ((ذكر بعض أهل
العلم أن بعث سعدٍ هذا كان بعد بعث حمزة)). وعليه تكون سرية سعد هى الثالثة بعد سرية عُبيدة
"ابن الحارث، وسرية حمزة بن عبد المطلب؛ اللتين عقد لواءَهما رسول الله عَ ليه بعد عودته من وَدَّان .
(٢) ((الأبواء)): قرية من عمل الفرع بينها وبين الجُحْفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً ، قيل : سُميت
بذلك لما كان فيها من الوباء، وهي على القلب، وإلا لقيل : الأوباء.
والأبواء ووَدَّان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية .
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٩١/١ .
- ٣٥٤ - .

بأسفل ثنية المرّة ، فلقي بها جمعاً عظيماً من قريش ، فلم يكن بينهم قتال ، إلا أن سعد
ابن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم ، فكان أوَّلَ سهم رمى به في الإِسلام ، ثم انصرف
القومُ عن القوم وللمسلمين حامية ، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو وعُتبة
ابن غزوان، وكانا مسلمين ، ولكنهما خرجا ليتوصلا(١) بالكفار ، وكان على القوم
عكرمة بن أبي جهل . وقال ابن هشام : مِكْرَز بن حفص بن الأخيف . قال ابن إسحاق :
فكانت راية عبيدة فيما بلغنا أوَّلَ راية عُقدت في الإِسلام . وبعض العلماء يزعم أن رسول
الله عَ لّله بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة ، وبعث في مقامه ذلك
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف (٢) البحر من ناحية العيص(٢) في ثلاثين راكباً
من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد ، فلقي أبا جهل بن هشام في ذلك الساحل في
ثلاثمائة راكب ، فحجزّ بينهم مجديّ بن عمرو الجهني ، وكان موادعاً للفريقين جميعاً ،
فانصرف بعضُ القوم عن بعض ، ولم يكن بينهم قتال . وبعض الناس يقول كانت راية
حمزة أول راية عقدها رسول الله عَ لله، وذلك أن بعثه وبعث عُبيدة كانا معاً فشُبِّه ذلك
على الناس (٣) .
وروينا عن موسى بن عُقبة أن أوّلَ البعوث بعثُ حمزة في ثلاثين راكباً ، فلقوا أبا جهل
في ثلاثين ومائة راكب من المشركين ، ثم كانت الأبواء على رأس اثني عشر شهراً ، ثم
بعث عبيدة فلقوا بعثاً عظيماً من المشركين على ماء يُدعى الأحياء ، من رابغ ، قال : وهو
أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال(٤).
وروينا عن ابن عائذ ، عن الوليد ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ؛ أن
رايةَ حمزة هي الأولى(٥) .
(١) ((ليتوصلا بالكفار)): أي اتخذا خروجهما معهم وسيلة للوصول إلى المسلمين.
(٢) ((سيف البحر)): ساحله. و((العِيص)): موضع بساحل البحر في ناحية ذي المروة.
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٩١/١ - ٥٩٦ .
(٤) الدرر في المغازي والسير لأبي عمر بن عبد البر ص ٩٦ .
(٥) رواه ابن عائذ في مغازيه ، وفي سنده ابن لهيعة، والعمل على تضعيفه .. نور النبراس .
- ٣٥٥ -

وروينا عنه أيضاً : عن محمد بن شُعيب ، عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ،
عن عكرمة ، عن ابن عباسُ : ذِكْرَ بعثِ عُبيدة ثم بعث حمزة بنحو ما ذكر ابنُ إسحاق.
وروينا عن ابن سعد: أن أوَّلَ لواء عقده رسولُ الله عَ ل لحمزة بن عبد المطلب في
شهر رمضان على رأس سبعة أشهر لواءً أبيض ، وكان الذي حمله أبو مَرْئِد كَتّاز بن الحصين
الغنوي في ثلاثين راكباً من المهاجرين. قال: ولم يبعث رسولُ الله عَظ له أحداً من الأنصار
مبعثاً حتى غزا بهم بدراً ، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم . وخرج حمزةُ يعرضُ
لعير قريش قد جاءت من الشام تُريد مكة وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل . ثم
سرية عبيدة في ستين من المهاجرين إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية أشهر عقد له
لواءً أبيض حمله مِسْطح بن أثاثة، فلقي أبا سفيان بن حرب في مائتين من أصحابه على
ماء يُقال له أحياء - وقال أبو عمر : أبنى(١) - من بطن رابغ على عشرة أميال من
الجحفة وأنت تريد قديداً عن يسار الطريق وإنما نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم (
سریة سعد بن أبي وقاص
إلى الخَرَّار في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر ، عقد له لواءً أبيض حمله المقداد بن
عمرو وبعثه في عشرين من المهاجرين .
ثم غزوة(٣) رسول الله عَ ليه الأبواء، وهي غزوة وَدَّان ، وكلاهما قد ورد. وبينهما
ستة أميال ، وكانت على رأس اثني عشر شهراً من الهجرة ، وحمل اللواء حمزة بن عبد
المطلب ، فكانت الموادعة على أن بني ضَمْرة لا يغزونه ولا يُكثِرِّون عليه جمعاً ، ولا يُعينون
عليه عدواً ، ثم انصرفَ عليه السلام إلى المدينة ، وكانت غيبته خمسَ عشرة ليلة.
(١) الدر في المغازي والسير ؛ لأبي عمر بن عبد البر ص ٩٦.
(٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢/٢.
(٣) انظر تعليقنا رقم (١) ص ١٣٥٤.
- ٣٥٦ -

غزوة بُوَاط (١)
قال ابن إسحاق : ثم غزا رسول الله مَّل في شهر ربيع الأول يُريد قريشاً حتى بلغ
بُوَاط من ناحية رَضْوَى(٢) ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيداً (٣).
واستعملَ على المدينة السَّائبَ بن مظعون فيما ذكر ابن هشام (٤).
وحمل اللواء - وكان أبيضَ - سعدُ بن معاذ فيما ذكر ابن سعد ، وقال : وخرج
في مائتين من أصحابه يعرض لعير قريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش
وألفان وخمسمائة بعير(٥) .
غزوة العُشَيّرة(٦)
قال ابن إسحاق : في أثناء جمادى الأولى يعني من السنة الثانية : ثم غزا قريشاً حتى
نزل العُشَيْرة من بطن ينبع ، فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ، ووادع
فيها بني مُدلج وحلفاءهم من بني ضَمْرة، وفيها كثَّى رسولُ الله عَّ ◌َلِ علياً أبا تراب حين
وجده نائماً هو وعمار بن ياسر ، وقد علق به تراب ، فأيقظه عليه الصلاة والسلام برجله ،
وقال له: «مالك أبا تراب ؟ لما يرى عليه من التراب . ثم قال : ألا أحدثكما بأشقى
الناس ؟ رجلين . قلنا : بلى يا رسول الله . قال : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي
(١) (( بُوَاط): جبل من جبال جُهينة، ويقع على يمين المصعد إلى مكة من المدينة.
(٢) ((رَضْوَى)): جبل على أربعة أبراد من المدينة.
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٩٩/١ .
(٤) المصدر السابق ٥٩٨/١ .
(٥) الطبقات الكبرى ، لابن سعد ٧/٢ .
(٦) قال النووي: في جميع نسخ صحيح مسلم العُسير أو العُشيرة - العين مضمومة ، والأول بالسين المهملة
والثاني بالمعجمة - وقال القاضي في المشارق : هي ذات العشيرة - بضم العين وفتح الشين المعجمة -
شرح صحيح مسلم ؛ للنووي ١٩٥/١٢ .
- ٣٥٧ -

يضربك يا عليّ على هذه - ووضعَ يدَه على قرنِه - حتى يَبُلَّ منها هذه. وأخذ
بلحيته)). واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، فيما ذكر ابن هشام(١).
وذكر ابنُ سعد أنها كانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهراً، وحملَ لواء
رسول الله عَ ليه فيها حمزة بن عبد المطلب - وكان أبيض - وخرج في خمسين ومائة
ويقال : في مائتين من قريش من المهاجرين ممن انتدب ، ولم يُكره أحداً على الخروج ،
وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها ، وخرج يعترض لعير قريش حين أبدأت(٢) إلى الشام،
فكان قد جاءه الخبر بفصولها(٣) من مكة ، فيها أموال قريش ، وهي لبني مُدْلج بناحية
الينبع ، وبين ينبع والمدينة تسعة برد ، فوجد العیر التي خرج إليها قد مضت قبل ذلك
بأيام ، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام ، فكانت بسببها وقعة بدر
الكبرى (٤) .
غزوة بدر الأولى
قال ابن إسحاق: فلم يقم رسول الله عَ ◌ّم بالمدينة حين قدم من غزوة العُشيرة إلا
ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كُرْز بن جابر الفِهْري على سَرْح(٥) المدينة، فخرج
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٩٨/١ - ٦٠٠ . وعند ذكر حديث عمار في هذه الغزوة قال السهيلي:
وأصح من ذلك ما رواه البخاري في جامعه .. فذكر حديث الصحيح ، ثم قال: وما ذكره ابن إسحاق
من حديث عمار مخالف له، أو أن يكون رسول الله عَ له كناه بها مرتين؛ مرة في المسجد ، ومرة في
هذه الغزوة .
وقال الحافظ ابن كثير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، له شاهد من وجه آخر في تسمية على
:
أبا تراب ؛ كما في صحيح البخاري ؛ أن علياً خرج مغاضباً فاطمة ، فجاء المسجد ، فنام فيه ، فدخل
رسول اللّه عَ ل، فسألها عنه، فقالت: خرج مغاضباً، فجاء إلى المسجد، فأيقظه، وجعل يمسحُ التراب
عنه ويقول: ((قم أبا تراب ، قم أبا تراب)).
وجعل الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية قصة الصحيح هي الصحيحة ، ولم يجمع ، والله أعلم . نور
النبراس لوحة ٠٣٣٢/١
(٢) ((أبدأت)): خرجت.
(٣) في جميع النسخ: بقفولها، والتصحيح من طبقات ابن سعد ١١/٢، قال في القاموس: فصلَ من البلد
فصولاً : خرج منه .
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٩٨/١، والطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٩/٢ - ١٠.
(٥) عبارة ابن سعد: وكان كُرْز بن جابر قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالجمَّاء، والسرحُ
- ٣٥٨ . _

رسول الله ګګ في طلبه حتى بلغ وادياً يقال له سَفوان من ناحية بدر ، وفاته کرز بن
جابر فلم یدر که .
واستعمل على المدينة فيما قال ابن هشام زيد بن حارثة .
وذكر ابن سعد أنها في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهراً من الهجرة ، وحمل
اللواء فيها علي بن أبي طالب ، قال: والسرح : ما رعوَاً من نعمهم(١).
سرية عبد الله بن جحش
وبعث عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى ، ومعه ثمانية رهط من
المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير
يومين ، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ، ولا يستكره أحداً من أصحابه .
وكان أصحابه : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وعكّاشة بن محصن
الأسدي ، وعتبة بن غزوان ، وسعد بن أبي وقاص ، وعامر بن ربيعة ، من عنز بن وائل ،
حليف بني عديّ ، وواقد بن عبد الله أحد بني تميم ، حليف لهم ، وخالد بن البُكير ،
وسُهيل بن بيضاء .
فلما سار عبدُ الله بن جحش يومين فتحَ الكتاب ، فنظر فيه ، فإذا فيه : إذا نظرتَ
في كتابي هذا فامض حتى تنزل تَخلة(٢) بين مكة والطائف ، فترصَّدْ بها قريشاً ، وتعلَّمْ لنا
من أخبارهم . فلما نظر في الكتاب قال : سمعاً وطاعة . ثم قال ذلك لأصحابه ، وقال :
قد نهاني أن أستكره أحداً منكم . فمضوا لم يتخلف عليه منهم أحد .
وسلكَ على الحجاز حتى إذا كان بمَعْدن فوق الفُرُع يقال له بُحْرَان(٣) ، أضلَّ سعد
ابن أبي وقاص وعُثْبَةُ بن غَزْوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه ، فتخلَّفا عليه في طلبه ، ومضى
= ما رعوا من نَعَمهم، والجمَّاء: جبل ناحية العقيق إلى الجُرْف بينه وبين المدينة ثلاثة أميال.
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠١/١، والطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٩/٢.
(٢) ((نخلة)): موضع على ليلة من مكة.
(٣) ((بَحْرَان)) بفتح الباء وضمها وسكون الحاء ، موضع بناحية الفرع من الحجاز .
- ٣٥٩ -

عبدُ الله بن جحش وأصحابُه حتى نزل بنخلة ، فمرت به عيرٌ لقريش فيها عمرو بن
الحضرمي ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل ، المخزوميان ، والحكم بن كيسان
مولى هشام بن المغيرة .
فلما رآهم القوم هابوهم ، وقد نزلوا قريباً منهم ، فأشرف عليهم عُكَّاشةُ بنَ مِحْصن ،
وكان قد حلقَ رأسَه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار(١) لابأس عليكم منهم. وتشاور
القومُ فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم في هذه
الليلة ليدخُلنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتُلنَّهم في الشهر الحرام. فتردَّدَ
القومُ وهابوا الإِقدامَ عليهم، ثم شجَّعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا قتلَ من قدروا عليه منهم
وأخذٍ ما معهم ، فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بُسهم فقتله، واستأسر.
عثمانُ بن عبد الله والحكَمُ بن كيسان، وأفلت القومَ نوفُ بن عبد الله فأعجزهم ، وأقبل.
عبدُ الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله عَ لّه المدينة.
وقد ذكرَ بعضُ آل عبد الله بن جحش أن عبدَ الله قال لأصحابه : إن لرسول الله
عَ لِّ مما غنمنا الخمسَ، وذلك قبل أن يَفْرِضَ الله الخمسَ من المغانم، فعزلَ لرسول الله
عَ ◌ّهِ خمسنَ الغير، وقسم سائرها بين أصحابه(٢).
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله مَ الله قال: ما أمرتُكم بقتال في الشهر
الحرام ، فوقف العيرَ والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فلما قال ذلك رسول
الله عَّلِ سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفَهم إخوانُهم من المسلمين.
فيما صنعوا ، وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ،
وأخذوا فيه الأموالَ ، وأسروا فيه الرجال . فقال من يردُّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكة :
إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان .
وقالت يهودُ - تفاعَلُ بذلك على رسول الله عَّ﴾ه وسلم -: عمرو بن الحضرمي
قتلَه واقدُ بن عبد الله، عمرو: عَمِرت الحربُ ، والحضرمي : حضرتِ الحربُ ، وواقد
(١) ((عُمَّار)): معتمرون.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠١/١ - ٦٠٣ .
- ٣٦٠ -