Indexed OCR Text

Pages 241-260

ذكرُ الحديث عن مسرى رسول الله عَ ◌ّه
ومعراجه وفرض الصلاة
قرأت على أبي عبد الله بن أبي الفتح الصوري ، أخبركم الشيخان أبو مسلم المؤيد
ابن عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن الإخوة، وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر القرشية
إجازة ، قالا : أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي قراءةٌ عليه ونحن نسمع
بأصبهان ، أخبرنا أبو نصر إبراهيم بن محمد بن علي الأصبهاني الكسائي ، أخبرنا أبو بكر
محمد بن إبراهيم بن المقرىء ، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى ، حدثنا محمد بن
إسماعيل بن علي الوساوسي ، حدثنا ضَمْرة بن ربيعة ، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ،
عن أبي صالح مولى أم هانىء، عن أم هانىء، قالت: دخلَ علَّ رسولَ الله عَلِ بِغْلَس
وأنا على فراشي ، فقال : أشعرتِ (١) أني نمتُ الليلةَ في المسجد الحرام ، فأتاني جبريلُ عليه
السلام فذهبَ بي إلى باب المسجد ، فإذا دابة(٢) أبيضُ فوق الحمار ودون البغل ،
مضطربُ الأذنين ، فركبتُه ، فكان يضع حافرَه مَدَّ بصرِه ، إذا أخذ في هبوط طالت يداه
وقَصُرت رجلاه ، وإذا أخذ في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه ، وجبريلُ عليه السلام
لا يفوتني ، حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، فأوثقتهُ بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِق بها ،
فتُشِرَ لي رهْطٌ من الأنبياء ، فيهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فصَلّيتُ بهم
وكلّمتهم ، وأُتيتُ بإِناءين أحمر وأبيض، فشربتُ الأبيضَ ، فقال لي جبريل عليه السلام :
شربتَ اللبن وتركت الخمر ، لو شربتَ الخمرَ لارتدت أمّتُك . ثم ركبتُه فأتيتُ المسجدَ
الحرامَ فصّلّيت به الغداةَ .
فتعلّقتُ برادئِه وقلتُ أنشدُك الله ابنَ عمّ إن تحدث(٣) بهذا قريشاً، فيكذِّبَك من
(١) (أشعرتِ)): أعلمتِ.
(٢) ((دابة)): قال في القاموس: والدابة ما دبُّ من الحيوان، وغلب على ما يُركب ، ويقع على المذكر.
(٣) ((إن تحدث بهذا)): لا تتحدث.
- ٢٤١ -

صدَّقَك. فضربَ بيده على ردائه فانتزعَه من يدي، فارتفعَ عن بطنه فنظرتُ إلى عُكَنِهِ (١).
فوق ردائه، وكأنه طُّ القراطيس وإذا نورٌ ساطعٌ عند فؤاده كاد يخطَّفُ بصري ، فخررتُ
ساجدةٌ ، فلما رفعتُ رأسي إذا هو قد خرجَ ، فقلت لجاريتي نبعة : ويحك ! اتبعيه فانظري
ماذا يقول؟ وماذا يُقال له؟ فلما رجعتْ نبعةُ أخبرتني أنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلِّ انتهى إلى نفرٍ
من قريش في الحطيم ، فيهم المطعم بن عدي بن نوفل ، وعمرو بن هشام ، والوليد بن
المغيرة . فقال : إني صَلَّيتُ الليلةَ العِشاءَ في هذا المسجد، وصلَّيتُ به الغداةَ ، وأتيتُ فيما
بين ذلك بيت المقدس ، فنُثِيرَ لي رهطٌ من الأنبياء ، منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم
السلام ، فصلّيت بهم وكلّمتُهم . فقال عمرو بن هشام كالمستهزىء ، صفهم لي . فقال :
أما عيسى ففوقَ الرّبعة ودون الطويل، عريضُ الصدر، ظاهرُ الدَّم ، جَعْدُ الشعر ، يعلوه .
صُهْبَةٌ كأنه عروة بن مسعود الثقفي ، وأما موسى عليه السلام فضخمٌ آدم ، طويلٌ كأنه
من رجال شنوءة، كثيرُ الشعر ، غائر العينين، متراكبُ الأسنان ، مُقلّصُ الشفتين ،
خارج اللّة ، عابس ، وأما إبراهيمُ عليه السلام فوالله إنه لأشبه الناس بي خَلْقاً وتُخُلقاً ،
فضجُوا وأعظموا ذلك ، فقال المُطعم بن عدي بن نوفل : كل أمرك قبل اليوم كان
أيماً (٢)، غيرَ قولك اليوم، أشهدُ أنك كاذبٌ، نحنُ نضربُ أكبادَ الإِبل إلى بيت المقدس
مُصْعِداً شهراً ومُنحدِراً شهراً ، تزعمُ أنك أتيتَه في ليلةٍ، واللاتِ والعزى لا أُصدّقُك ،
وما كان هذا الذي تقولُ قط . وكان للمطعم بن عدي حوض على زمزم ، أعطاه إياه
عبدُ المطلب فهدمَه ، فأقسم باللات والعزى لا يسقي منه قطرة أبداً ، فقال أبو بكر رضي
الله عنه : يا مطعم، بئس ما قلتَ لابن أخيك، جبَّهْتَه(٢) وكذبته ، أنا أشهدُ أنه صادق .
فقال : يا محمد ، صف لنا بيت المقدس. قال: دخلتُه ليلاً وخرجت منه ليلاً . فأتاه
جبريل عليه السلام فصوَّره في جناحه ، فجعل يقولُ باب منه کذا في موضع كذا ، وباب
منه كذا في موضع كذا ، وأبو بكر رضي الله عنه يقول : صدقت صدقت. قالت نبعةُ .
فسمعتُ رسولَ الله عَ لِ يقول يومئذٍ: يا أبا بكر إن الله عز وجل قد سمَّاك الصدِّيقَ.
(١) ((عُكنه)): جمع مُكنة، وهي ما تثنى من لحم البطن.
(٢) (( أمماً)): يسيراً، يُقال: ما سألتَ إلا أيماً .
(٣) (( جَبَّهْتَه)): استقبلته بالمكروه .
- ٢٤٢ -

قالوا : يا مطعم دعنا نسأله عما هو أغنى لنا من بيت المقدس ، يا محمد أخبرنا عن غيرنا .
فقال: أتيتُ على عيرٍ بني فلان بالَّوْحَاءِ قد أضلُّوا ناقةً لهم ، وانطلقوا في طلبها ، فانتهيتُ
إلى رِحالهم ليس بها منهم أحد ، وإذا قدحُ ماءٍ فشربتُ منه ، فسلُوهم عن ذلك . فقالوا :
هذه واللات والعزى آيةٌ ، ثم انتهيتُ إلى عير بني فلان فنفرتْ مني الإِبلُ، وبركَ منها جمُلّ
أحمرُ عليه جوالق، مخطّط ببياض ، لا أدري أُكُسر البعيرُ أم لا؟ فاسألوهم عن ذلك .
فقالوا: هذه والآلهة آيةٌ . ثم انتهيتُ إلى عير بني فلان بالأبواء، يقدمها جملٌ أورق ، ها
هي تطلعُ عليكم من الثنية . فقال الوليد بن المغيرة : ساحر . فانطلقوا فنظروا فوجدوا
كما قال ، فرموه بالسحر . وقالوا : صدقَ الوليد بن المغيرة فيما قال ، وأنزل الله تبارك
وتعالى ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس والشجرةَ الملعونةَ في القرآن﴾. قلت
يا أم هانىء ما الشجرة الملعونة في القرآن؟ قالت : الذين خُوِّفوا فلم يزدهم التخويف إلا
طغياناً كبيراً (١) .
وروينا من طريق البخاري ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن
ابن شهاب ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال سمعتُ جابر بن عبد الله ، أنه سمعَ
النبَّ عَ ◌ّهِ يقول: ((لما كذبتني قريش قمتُ في الحِجْر، فجلَّى الله لي بيتَ المقدس فَطِفِقْتُ
أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه))(٢).
وقرأتُ على أبي حفص عمر بن عبد المنعم بن القواس بعِرْبيل بغوطة دمشق ، أخبركم
أبو القاسم بن الحرستاني في الرابعة ، فأثّ به . قال أخبرنا جمالُ الإِسلام أبو الحسن علي
ابن المُسَلَّم السُّلمي ، قال أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد بن طَلَّاب الخطيب
سماعاً ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جمیع ، حدثنا محمد بن صالح بن زكريا
ابن يحيى بن داود بن زكريا العثماني ، حدثنا أحمد بن العلاء ، حدثنا زيد بن أسامة ، عن
(١) رواه الطبراني وأبو يعلى وابن عساكر من طريق أبي صالح، وابن إسحاق بلفظ آخر ، ورواه الذهبي في
السيرة النبوية من تاريخ الإسلام ص ٢٤٥ - ٢٤٦ وأورد قسماً منه، ثم قال : وهو حديث غريب ،
الوساوسي ضعيف تفرد به .
(٢) رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي ( باب الإسراء) رقم /٣٨٨٦/، ومسلم في الإيمان ( باب ذكر
المسيح بن مريم ... ) رقم /١٧٠/ والترمذي في التفسير (باب من سورة بني إسرائيل) رقم /٣١٣٢/.
- ٢٤٣ -

سفيان، عن مِسْعَر، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ◌َّ ◌َلِ؛ أُتي بدايةٍ فوقَ الخمارِ ودُون
البغل ، خطوُه مدُّ البصر ، فلما دنا منه اشمازَّ، فقال جبريل: اسكنْ، فما ركبَك أحدٌ
أكرم على الله من محمد(١).
وعن عائشة وأم سلمة وأم هانيء وابن عمرو وابن عباس رضي الله عنهم ، قالوا :
أُسري برسول الله عَ ليه ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب
أبي طالب إلى بيت المقدس. قال رسولُ الله عَّهِ: ((حُمِلْتُ على دايةٍ بيضاءً بين الحمار
وبين البغل، في فخذيها جناحان تَحْفِزُ(٢) بهما رجليها، فلما دنوتُ لأركبَها
شَمَسَتْ))(٣)، فوضع جبريلُ يدَه على مَعْرَفتها(٤)، ثم قال : ألا تستحيين يا براق مما
تصنعین ؟ والله ما ر کب عليك أحد قبل محمد أكرم على الله منه . فاستحيَّتْ حتى
ارْفَضَّتْ(٥) عرقاً، ثم قَرَّتْ حتى ركبتُها .. الحديث(٦) .
وفي رواية يُونس بن بُكير : عن ابن إسحاق في هذا الخبر أنه عليه السلام وعدَ قريشاً
بقدوم العير الذين أرشدهم إلى البعير ، وشرب إناءهم ، أن يقدموا يوم الأربعاء ، فلما كان
ذلك اليوم لم يقدموا حتى كَرِبَتْ الشمسُ أن تغرب ، فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا
كما وصف. قال: ولم تُحبس الشمسُ إلا له ذلك اليوم وليُوشَعَ بن نون(٧)
(١) لم نجده بهذا الإسناد في المصادر الحديثية، ويشهد له ما رواه قتادة عن أنس في الصحيحين وغيرهما بلفظ
قريب مما ورد فيه من استصعاب البراق . وشموسه أول الأمر .
(٢) ((تخفز بهما رجليها)): تدفعهما من الخلف.
(٣) ((شَمَسَتْ)): منعت ظهرها.
(٤) ((مَعْرَقتها)): موضع عرف الفرس ، وهو منبت شعر رقبتها .
(٥) (((رْفَضَّتْ عرقاً)): تساقط عَرَقُها من جسمها وتناثر.
(٦) رواه ابن سعد ٢١٣/١ - ٢١٥ في الطبقات الكبرى بهذا السياق عن عدة من الصحابة وقال : دخل
حدیث بعضهم في حدیث بعض .
(٧) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٠٣/١ من رواية البكاني بتخوه ، دون ذكر حبس الشمس.
- ٢٤٤ -

حديث المعراج
روينا من طريق مسلم ، حدثنا شيبانُ بن فُرُوخ ، حدثنا حمَّادُ بن سلمة ، حدثنا ثابت
البُناني، عن أنس بن مالك؛ أن رسولَ الله عَ لّم قال: ((أُتيت بالبراق وهو دابة أبيضٌ طويلٌ،
فوق الحمار ودون البغل ، يضعُ حافَرَه عند منتهى طَرَّفه ، قال : فركبته حتى أتيتُ بيتَ
المقدس . قال : فربطته بالحَلْقة التي تربطُ بها الأنبياء . قال : ثم دخلت المسجد فصليت
فيه ركعتين ، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترتُ
اللبن. فقال جبريلُ عَ له: اخترتَ(١) الفطرة، ثم عرجَ بنا إلى السماء فاستفتحَ جبريلُ
عليه السلام، فقيل: من أنت ؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد عَ لَه .
قيل: وقد بُعث إليه؟ قال : قد بُعث إليه . ففُتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّب بي ودعا لي
بخير ، ثم عَرَجَ بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتحَ جبريلُ فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: وقد بُعث إليه ؟ قال: قد بُعث إليه. قال: ففتح
لنا ، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما ، فرحبا بي
ودعوا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتحَ جبريلُ ، فقيل : من أنت ؟ قال :
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بُعث إليه .
ففُتح لنا ، فإذا أنا بيوسف عَّه وإذا هو قد أعطي شطر الحسن. قال: فرحَّبَ بي ودعا
لي بخير ، ثم عَرَجَ بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتحَ جبريلُ . قيل : من هذا ؟ قال : جبريلُ.
قيل : ومن معك ؟ قال: محمد . قال وقد بعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه. ففُتح لنا،
فإذا أنا بإدريس فرحَّبَ بي ودعا لي بخير. قال الله عز وجل: ﴿ورفعناه مكاناً علياً ﴾
[ مريم: ٥٧ ] ثم عَرَجَ بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتحَ جبريلُ. قيل: من هذا؟ قال:
جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بُعث إليه . قال: قد بُعث إليه .
(١) (الفطرة)): فسر العلماء الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة. والمعنى: اخترت علامة الإسلام والاستقامة،
وجَعَل اللبن علامة؛ لكونه سهلاً طَيِّباً سائغاً للشاربين ، سليم العاقبة . وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة
لأنواع من الشر في الحال والمآل .
- ٢٤٥ _

----
فَقُتِحَ لنا فإذا أنا بهارون عَ لِ، فرحَّب بي ودعا لي بخير، ثم عَرَجَ بنا إلى السماء السادسة،
فاستفتحَ جبريلُ . قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل: ومن معك ؟ قال : محمد . قيل :
وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه. فقُتح لنا، فإذا أنا بموسِى عَ لِ فَرحَّبَ بي ودعاء
لي بخير. ثم عَرَجَ بنا إلى السماء السابعة، فاستفتحَ جبريلُ . فقيل: من هذا؟ قال :
جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال : قد بُعث إليه ..
ففُتِحَ لنا، فإذا أنا بإِبراهيم عَ لِ مُسنداً ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم
سبعون ألفَ ملك لا يَعودون إليه، ثم ذَهَبَ بي إلى سِدْرة المنتهى، فإذا ورقُها كآذان الفِيَلَة
وإذا ثمُرُها كالقِلال. قال: فلما غَشِيَها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحدٌ من خلق
الله يستطيعُ أن ينعتَها من ◌ُسنها ، فأوحى الله إِلَّي ما أوحى ، ففرضَ علي خمسين صلاة
في كل يوم وليلة ، فنزلتُ إلى موسى، فقال: ما فرضَ ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين
صلاة . قال: ارجعْ إلى (١) ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تُطيق ذلك ، فإني قد بلوتُ:
بني إِسرائيل وخَبَرْتُهم . قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت : يا رب ، خَفِّفْ عن أمتي .
فحطَّ عني خمساً ، فرجعتُّ إلى موسى. فقلت: حَطَّ عني خمساً . قال: إن أمتّك لا
يُطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف . قال : فلم أزل أرجعُ بین ربي تبارك
وتعالى وبين موسى حتى قال : يا محمد ، إنهن خمسُ صلواتٍ في كل يوم وليلة ، بكل صلاة
عشر ، فذلك خمسون صلاة . ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها
بـ
(١) اختص موسى عليه الصلاة من بين الأنبياء الذين لقيهم النبي عَ لّم في معراجه بالتعرض له عند هبوطه،
وسؤاله عما عَهد إليه ربه ، ومناصحته له بعد ذلك بمراجعة الله تعالى، وطلب التخفيف عنه وعن أمته
عَ لّم ، لما علم موسى عليه السلام من تفضيل الله محمداً عليه بتقريبه إليه ورفع مكانته لديه، فما دفعه
إلى التعلق به تعلّق المفضول بالفاضل، والتعرض له، وتقديم النصح له، بما يزيده فضلاً وعلو مكانة .
قالوا : ولأن أمة موسى عليه السلام أكثر من أمة غيره، ولأن كتابة التوراة أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن
الكريم تشريعاً وأحكاماً . وقد يكون أيضاً ؛ لأن الصلاة هي العبادة الوحيدةُ المتكررة التي قد تثقل على
الناس ويسري إليها التهاون، وهو الذي عرف ذلك من قومه ، ولذلك قال في معرض كلامه للرسول
عَ ◌ُّ« لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه)). انظر كتاب ((المقاصد
السنية في الأحاديث الإلهية)) لعلي بن بَلبَان المقدسي ص ٧٤ - ٧٦ تحقيق وتعليق : محيي الدين مستوٍ
ود . محمد العيد الخطراوي. مكتبة دار التراث - المدينة المنورة - الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ
- ٢٤٦ -

مسـ
كتبت له عشراً . ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب عليه شيئاً ، فإن عملها كُتبت سيئة
واحدة . قال : فنزلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى، فأخبرته . فقال : ارجعْ إلى ربِّك فسله
التخفيف . فقلت : قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييتُ منه))(١) .
قال الشيخ : أبو أحمد (٢) ، حدثنا أبو العباس الماسرجسي(٣) حدثنا شيبان بن فروخ،
حدثنا حماد بن سلمة بهذا الحديث .
وقد روينا من طريق ابن شهاب عن أنس بن مالك قال : كان أبو ذر يُحدِّث أن رسول
الله عَلِ قال: (( فُرج سقفُ بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريلُ عليه السلام ففرجَ صدري
ثم غسَلَه من ماء زمزمَ ، ثم جاء بطِستْ من ذهب ممتلىءٍ حكمةٌ وإيماناً فأفرغَها في صدري ،
ثم أطبقَه، ثم أخذ بيدي فعرجَ بي إلى السماء .. )) الحديث (٤).
قال ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم(٥) أن ابنَ عبَّاس وأبا حَبَّة الأنصاري يقولان: قال
رسولُ الله عَّهُ: ((ثم عُرج بي حتى ظهرتُ لمستوى أسمع فيه صريفَ الأقلام)) وفيه:
((ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابُها المسك))(٦).
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان (باب الإِسراء برسول الله عَظ له) رقم /١٦٢/.
(٢) أبو أحمد: هو محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن عمرو الجُلُودي، المتوفى سنة ٣٢٨ هـ ، منسوب
إلى سكة الجلود بنيسابور . نور النبراس لوحة ٢٣٩/١ .
(٣) الماسَرْجَسِي : أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى، سبط الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس النَّيْسَابوري،
الإمام المحدّث الثقة. توفي سنة ٣١٣ هـ. سير أعلام النبلاء ٤٠٥/١٤.
(٤) رواه البخاري في كتاب الصلاة ( باب كيف فُرضت الصلوات في الإسراء ) رقم /٣٤٩/، وفي كتاب
الحج ( باب ما جاء في زمزم ) رقم /١٦٣٦/ وفي كتاب الأنبياء ( باب ذكر إدريس عليه السلام ) رقم
/ ٣٣٤٢ /٠
(٥) ابن حزم : هو أبو بكر محمد بن حزم بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان ... قاضي المدينة زمان الوليد ،
وأميرها زمان ابن عمِّه عمر بن عبد العزيز ..
(٦) رواه مسلم في كتاب الإِيمان (باب الإسراء برسول الله عَظيم ... ) رقم /١٦٣/، و((جنابذ)): هي
القباب ، واحدتها جُنْبُدَة .
- ٢٤٧ -

وفي حديث مالك بن صعصعة: (( فلما جاوزتُه ـ يعني موسى - بكى ، فتُودي ما
يبكيك ؟ قال: ربِّ هذا غلام بعثته بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي )).
وفيه: ((ثم رُفع لي البيتُ المعمورُ. فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال هذا البيتُ المعمور.
يدخلهُ كلَّ يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يَعودوا إليه آخرُ مَا عليهم)) (١).
وفي حديث أبي هريرة: « وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فحانت الصلاة فأممتُهم ،
فقال قائل : يا محمد : هذا مالك خازن النار فسلِّم عليه، فالتفتُ ، فبدأني بالسَّلام))(٢).
وكلُّها في الصحيح ، وحديث ثابت عن أنس أحسنُها مساقاً .
وروينا من طريق الترمذي ، حدثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو تميلة(٣)،
عن الزبير بن جُنادة، عن ابنُ بُرَيْدة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله عَ له: (( لما انتهينا
إلى بيت المقدس، قال جبريل بأصبعه فخرقَ بها الحجرَ وشدَّ به البراق))(٤).
وذكر ابن إسحاق في حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي عَ ◌ّه رؤيته آدم في سماء
الدنيا تُعرض عليه أرواح بنيه فُيُسُ بمؤمنيها ، ويعبس بوجهه عند رؤية كافريها، ثم قال :
رأيتُ رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل ، في أيديهم قطع من نار كالأفهار (٥)، يقذفونها في
أفواههم فتخرج من أدبارهم قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة أموال اليتامى
ظلماً. قال : ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثلها قط ، بسبيل آل فرعون ، يمرون عليهم
كالإِبل المهيومة (٦)، حين يُعرضون على النار يطؤونهم ، لا يقدرون على أن يتحولوا من
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ( باب ذكر الملائكة) رقم /٣٢٠٧/، ومسلم في كتاب الإيمان ( باب
الإسراء برسول الله عَ ل): رقم /١٦٤/، والترمذي في كتاب التفسير (باب ومن سورة ألم نشرح )
رقم / ٣٣٤٣/ والنسائي في كتاب الصلاة (باب فرض الصلاة) ٢١٧/١ - ٢١٨.
(٢) رواه مسلم في كتاب الإِيمان (باب الإِسراء برسول الله عَط) رقم /١٦٨/، وهو عند أحمد في المسند
٥٢٨/٢ .
(٣) أَبو ثُمَيِّلَة: يحيى بن واضح، روى له الجماعة ، وهو حافظ مروزي ، مولى الأنصار، ثقة.
(٤) رواه الترمذي في كتاب التفسير (باب ومن سورة بني إسرائيل) رقم /٣١٣١/، وقال الترمذي : هذا
حديث غريب .
(٥) ((كالأفهار)): جمع فهر، وهو الحجرُ ملء الكف.
(٦) ((المهيومة)): الإِبل المُصَابةُ بالهُيام، وهو داء يكسبها العطش، فتمصُّ الماء مصاً ولا تَروى.
- ٢٤٨ -

مكانهم ذلك . قال : قلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء أكلة الربا . قال : ثم
رأيتُ رجالاً بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث مُنتَن يأكلون من الغثّ المنتن ،
ويتركون السمين الطيب . قال: قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يتركون
ما أحلّ الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حَّم الله عليهم منهن . قال : ثم رأيتُ نساءً
معلقاتٍ بتُدِيّهن . فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال
ما ليس من أولادهم(١) .
وقد اختلف العلماء في المعراج والإسراء هل كانا في ليلة واحدة أو لا ؟ وأيُّهما كان
قبل الآخر ؟ وهل كان ذلك كله في اليقظة أو في المنام . أو بعضه في اليقظة وبعضه في
المنام ؟ وهل كان المعراج مرةً أو مراتٍ ؟ واختلفوا في تاريخ ذلك .
والذي روينا عن ابن سعد في المعراج ، عن محمد بن عمر ، عن أبي بكر بن عبد الله
ابن أبي سبرة وغيره من رجاله ، قالوا : كان عليه الصلاة والسلام يسألُ ربَّه أن يريَه الجنَّة
والنَّارَ ، فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر
شهراً، ورسول الله عَ لّه نائم في بيته ظهراً، أتاه جبريلُ وميكائيلُ، فقالا: انطلق إلى ما
سألتَ الله . فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم ، فأُتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظراً ،
فعرجا به إلى السموات سماءً سماءً .. الحديث(٢) .
وذكر السهيلي رحمه الله خلافَ السلف في الإِسراء : هل كان يقظة أو مناماً ؟ وحكى
القولين وما يُحتج به لكل قول منهما ، ثم قال : وذهبتْ طائفةٌ ثالثةٌ منهم شيخنا أبو بكر
ابن العربي إلى تصديق المقالتين وتصحيح المذهبين ، وأن الإسراء كان مرتين إحداهما في
نومه توطئةً له وتيسيراً عليه ؛ كما كان بدء نبوته الرؤيا الصالحة ليسهلَ عليه أمر النبوة فإنه
عظيم تضعف عنه القوى البشرية ، وكذلك الإِسراء سهَّله عليه بالرؤيا ؛ لأن هولَه عظيم
فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقاً من الله بعبده وتسهيلاً عليه(٣). ورجّح هذا القولَ
أيضاً للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك ، فإن في ألفاظها اختلافاً ، وتعدد الواقعة أقرب
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤٠٥/١ - ٤٠٦ .
(٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢١٣/١.
(٣) الروض الأنف ١٤٨/٢ .
- ٢٤٩ -

لوقوع جميعها . وحكى قولاً رابعاً، قال : كان الإِسراء بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة
ثم أُسري بروحه عليه السلام إلى فوق سبع سماوات ، ولذلك شنَّع الكفّار قولَه : أتيتُ
بيت المقدس في ليلتي هذه، ولم يُشنِّعوا قولَه فيما سوى ذلك(١).
قال: وقد تكلّم العلماءُ في رؤية النبي عَ له لربّه ليلة الإسراء، فروي عن مسروق
عن عائشة أنها أنكرت أن يكون رآه ، قالت : ومن زعمَ أن محمداً رأى ربَّه فقد أعظم
الفِرْية على الله، واحتجَّت بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لا تدركه الأبصارُ وهو يُدرك
الأبصارَ﴾(٢) [الأنعام: ١٠٣].
وروينا من طريق الترمذي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن
الشعبي ، قال : لقي ابنُ عباسُ كعباً بعرفة ، فسأله عن شيء ، فكبَّر حتى جاوبته الجبالُ .
فقال ابن عباس : إنا بنو هاشم نقولُ إن محمداً رأى ربَّه. فقال كعب : إن الله قسم رؤيته
وكلامَه بين محمد وموسى، فكلّم موسى مرتين(٣) ورآهُ محمد مرتين(٤).
وروينا من طريق مسلم عن أبي ذر ، قلت : يا رسول الله ، هل رأيتَ ربَّك ؟ قال:
: (رأيتُ نوراً))(٥). وفي حديث آخر عند مسلم قال: ((نورٌ أَنَّى أراه))(٦) ..
وفي تفسير النّقَّاش عن ابن عباس : أنه سُئل هل رأى محمد ربَّه ؟ فقال : رآه رآه.
حتى انقطع صوته .
وفي تفسير عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزهري وذكر إنكار عائشة أنه رآه ، فقال
(١) الروض الأنف ١٤٨/٢.
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة المائدة (باب يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من
ربك)، ومسلم في كتاب الإيمان ( باب معنى قول الله عز وجل: ولقد رآهُ نزلةً أخرى.) رقم /١٧٧/،
والترمذي في كتاب التفسير ( باب ومن سورة الأنعام) رقم / ٣٠٧٠/.
(٣) كذا في (( أ)) وفي (( جـ )) و( د)): رؤيتين.
(٤) قال سبط ابن العجمي: لم أر أنا ذلك في أطراف المزي، فإن كان ذلك في جامع الترمذي ، فلعله سقط
:
من نسختي ، وإن كان ذكره الترمذي في غير جامعه فلا أدري أين هو ، والله أعلم ، وفي روض السهيلي
ما لفظه : وفي مصنف الترمذي عن ابن عباس وكعب أنه رآه .. وكأنه أخذه من السهيلي .
(٥) و (٦) رواهما مسلم في كتاب الإِيمان (باب قوله عليه السلام: نورٌ أَنَّى أراه) رقم /١٧٨/.
- ٢٥٠ -.

الزهري : ليست عائشةُ أعلمَ عندنا من ابن عباس(١).
وفي تفسير ابن سلام(٢) عن عروة، أنه كان إذا ذُكر إنكار عائشة يشتدُّ ذلك
عليه(١) .
وقول أبي هريرة في هذه المسألة كقول ابن عباس أنه رآه(١) .
قال أبو القاسم : والمتحصل من هذه الأقوال أنه رآه لا على أكمل ما تكون الرؤية ،
على نحو ما يراه في حظيرة القدس عند الكرامة العظمى والنعيم الأكبر ، ولكن دون ذلك ،
وإلى هذا يُومىء قوله : رأيت نوراً(١) .
قلت : وقوله تعالى ﴿ لا تُدركُه الأبصارُ﴾ لا يُعارض هذا لأنه لا يلزم من الرؤية
الإدراك .
وأما فرضُ الصلواتِ الخمسِ فكان ليلة المعراج ، وقد ذكرنا عن الواقدي من طريق
ابن سعد : أنه كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً
من مكة إلى السماء(٣) . ومن يرى أن المعراجَ من بيت المقدس وأنه هو والإِسراء في تاريخ
واحد ، فقد ذكرنا في الإسراء أنه ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة ، وبعد
المبعث بتسعٍ ، أو اثنتي عشرة على حسب اختلافهم في ذلك ، وهذا هو المشهور .
قال أبو عمر : وقد روى الوقَّاصي(٤) عن الزهري ؛ أن الإِسراء وفرض الصلاة كان
بعد المبعث بخمس سنين . وأبعدُ من ذلك ما حكاه أبو عمر أيضاً ، قال : وقال أبو بكر
محمد بن علي بن القاسم في تاريخه : ثم أُسري بالنبَّ معَ له من مكة إلى بيت المقدس، وعُرج
به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً . قال : ولا أعلم أحداً من أهل السير قال ذلك ،
ولا أسندَ قولَه إلى أحد ممن يُضاف إليه هذا العلم .
(١) الروض الأنف ١٥٦/٢ .
(٢) ابن سَلَّام: هو يحيى بن سَلَّام البصري، نزيل مصر، شيخ صدوق ، ذكره ابن حبان في الثقات. نور
النبراس لوحة ٢٤٣/١ .
(٣) انظر ص ٢٤٩ هامش رقم (٢) .
(٤) الوقَّاصي: بفتح الواو وتشديد القاف ، هو عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهري
المدني ، ضعفه الجماعة ، وقال البخاري: تركوه. نور النبراس لوحة ٢٤٤/١.
- ٢٥١ -

وفي صبيحة ليلة المعراج كان نزول جبريل وإمامته بالنبي عَهْ لِيُريَه أوقات الصلوات
الخمس ؛ كما هو مروئي من حديث ابن عباس وأبي هريرة وبُريدة وأبي موسى وأبي مسعود
وأبي سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وغيرهم(١). وكان ذلك عند البيت وأُمَّ به
مرتين ، مرة أول الوقت ومرة آخره ليعلمه بذلك كله .
وأما عدد ركعاتِها حين فُرضت ، فمن الناس من ذهبَ إلى أنها فُرضت أول ما فرضت
ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعاً وأقرت صلاة السفر على ركعتين ،
روي ذلك عن عائشة والشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق وغيرهم .
ومنهم من ذهب إلى أنها فرضت أول ما فرضت أربعاً إلا المغرب ففرضت ثلاثاً والصبح
ركعتين . كذلك قال الحسن البصري ونافع بن جبير بن مطعم وابن جُريخ .
ومنهم من ذهب إلى أنها فُرضت في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين ويُروى ذلك عن
ابن عباس .
وقال أبو إسحاق الحربي: أوّل ما فُرضت الصلاة بمكة فُرضت ركعتين أول النهار
وركعتين آخره ، وذكر في ذلك حديث عائشة: فرضَ رسولُ اللهِ عَ لَّمِ الصلاةَ ركعتين
ركعتين ، ثم زاد فيها في الحضر(٢) .. هكذا حدَّث به الحربي، عن أحمد بن الحجاج ، عن
ابن المبارك ، عن ابن عجلان ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة . احکی
ذلك أبو عمر . قال : وليس في حديث عائشة دليل على صحة ما ذهب إليه الحربي ،.
ولا يُوجد هذا في أثر صحيح ، بل فيه دليل على أن الصلاة التي فُرضت ركعتين ركعتين
هي الصلوات الخمس ، لأن الإِشارة بالألف واللام في الصلاة إشارة إلى معهود .
وروينا عن الطيراني ، حدثنا الحسن بن علي بن الأشعث المصري ، حدثنا محمد بن
يحيى بن سلام الإفريقي ، حدثني أبي ، حدثني عثمان بن مقسم ، عن يحيى بن سعيد
(١) انظر جامع الأصول؛ لابن الأثير ٢٠٦/٥ - ٢١٥ .. والسيرة الشامية ٢٤٣/٣.
(٢) حديث عائشة رضي الله عنها رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ( باب صلاة المسافرين وقصرها )
رقم /٦٨٥/، وهو في البخاري .
- ٢٥٢ -

الأنصاري ، عن سعيد بن يسار ، عن عمر بن عبد العزيز ، حدثني عروة بن الزبير ، عن
عائشة رضي الله عنها ، قالت : فُرضت الصلاة ركعتين ، فزيد في صلاة المقيم ، وأثبتت
صلاةُ المسافر كما هي(١) .
وقد ورینا عن السائب بن يزيد مثل ذلك ؛ روینا عن أبي العباس بن السرّاج ، حدثنا
قتيبة ، حدثنا عبد العزيز ، عن سعيد بن سعيد ، عن السائب بن يزيد ، أنه قال : فرضت
الصلاة ركعتين ، ثم زيد في صلاة المقيم وأقرت صلاة المسافر(٢).
قال أبو عمر : قول الشعبي في هذا ، أصلُه من حديث عائشة ، ويمكن أن يكون
قد أخذه عن مسروق أو الأسود عنها ، فأكثر ما عنده عن عائشة فهو عنهما .
قلت : قد وقع لنا ذلك من حديثه عن مسروق كما ظن أبو عمر . روينا من طريق
السرَّاج ، حدثنا أحمد بن سعيد الرباطي ، حدثنا محبوب بن الحسن ، حدثنا داود عن
الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : فُرضت صلاةُ الحضر والسفر ركعتين
ركعتين، فلما أقام رسولُ الله عَ له بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان. وتُركت
صلاةُ الفجر لطول القراءة ، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار(٢).
وأما ابن إسحاق فخبر عائشة عنده عن صالح بن كيسان ، عن عروة ، عنها . فيمكن
أن يكون أخذَه من هناك(٤).
وأماميمون بن مهران فروي ذلك عنه من طريق سالم مولى أبي المهاجر ، وسالمٌ غيرُ
سالم. من الجرح ، ومن قال بهذا من أهل السير قال : إن الصلاة أتمت بالمدينة بعد الهجرة
بشهر وعشرة أيام ، وقيل بشهر .
(١) رواه النسائي في الصلاة (باب كيف فُرضت الصلاة) ٢٢٥/١ بنحوه عن الزهري، عن عروة ، عن
عائشة ، وهو في الصحيحين .
(٢) ذكره الهيئمي في مجمع الزوائد ١٥٨/٢ وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من طريق الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها . انظر
السيرة الشامية ٢٤٦/٣ .
(٤) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٢٤٣/١.
- ٢٥٣ -

وأما من قال : فُرضت أربعاً ثم خفف عن المسافر ، فأخبرنا الإِمام الزاهد أبو إسحاق
إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي قراءةً عليه وأنا أسمع بسفح قاسيون ، أخبركم الشيخان
: أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب قراءة عليه وأنت تسمع بدمشق ، وأبو
علي الحسن بن إسحاق بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي سماعاً عليه ببغداد .
قال الأول : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامة بن الُّطبي قراءةً عليه وأنا أسمع . وقال :
الثاني : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني ، قالا : أخبرنا أبو القاسم علي بن
أحمد بن محمد بن البُسْري ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص ، حدثنا يحيى
- يعني ابن محمد بن صاعد . حدثنا لُوَیْن بن محمد بن سلیمان ، حدثنا حماد بن زيد ،
عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن رجل من بني عامر، قال: والرجل حِي فاسمعوه منه، يُقال
له أنس بن مالك ، قال ابن صاعد: هو القُشيريّ : أن النبي ێ بعثَ خیلاً فغارت على
إبل جار لي ، فانطلق في ذلك أبي وعمي أو قرابة(١) لي قريبة . قال : فقدمت إلى رسول الله
عَظُلٍ وهو يَطعم فقال: هلم إلى الغداء. قال: إني صائم. قال عَ ◌ّه: هلم أحدثك
عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر شطرَ الصلاةِ والصيامَ وعن الحبلى والمرضع(٢) ..
الحديث . خالف أيوب يحيى بن أبي كثير ، فرواه عن أبي قلابة ، عن جعفر بن عمرو
ابن أمية الضَّمْري، عن أبيه، عن النبي عَّ}.
وقد رويناه من طريق السَّراج ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن
الأوزاعي ، عنه .
ومع صحة الإسنادین فتصویب الأول أولى من جعلهما حدیثین عند أبي قلابة ، لا شتهار
هذا الخبر من طريق أنس القشيري ، وبعد تعدد هذه الواقعة والله أعلم .
(١) كذا في جميع النسخ، وفي نور النبراس ((وقرابة)) بالواو فقط، ولعله هو الصواب.
(٢) رواه الترمذي في كتاب الصوم ( باب الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع ) رقم /٧١٥٪، وأبو داود
في كتاب الصوم ( باب اختيار الفطر) رقم /٢٤٠٨/، والنسائي في كتاب الصوم ( باب وضع الصيام
عن المسافر) ١٨٠/٤ - ١٨٢ وابن ماجه في كتاب الصيام (باب ما جاء في الإفطار للحامل
والمرضع) رقم /١٦٦٧/. قال الترمذي: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف
لأنس بن مالك هذا عن النبّي عَ لَّه غير هذا الحديث الواحد .
- ٢٥٤ _

قالوا : ووضع ، لا يكون إلا من فرض ثابت ، وبما روينا من طريق أبي العباس الثقفي ،
حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن إدريس ، حدثنا ابن جريج ، عن ابن أبي
عمار ، عن عبد الله بن بَابَيْه، عن يَعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب : ليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ؟ فقد أمِنَ النَّاسُ . فقال عمر : عَجبتُ
مما عجبتَ منه، فسألت رسولَ الله عَّلِ عن ذلك. فقال: ((صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم
فاقبلوا صدقته))(١) . رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم ، فوقع لنا موافقة عالية له .
قالوا: ولم يقصرْ رسولُ الله عَّ له آمناً إلا بعد نزول آية القصر في صلاة الخوف، وكان
نزولها بالمدينة ، وفرض الصلاة بمكة . فظاهر هذا يقتضي أن القصر طارىء على الإتمام .
وأما قولُ ابن عباس إنها فرضت في الحضر أربعاً ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف
ركعة ، فقرأْتُ على أبي العباس أحمد بن هبة الله بن عساكر بجامع دمشق ، أخبرتكم زينبُ
بنت عبد الرحمن الشَّعْري إجازة ، قالت : أخبرنا الشيخان أبو محمد إسماعيل بن القاسم
ابن أبي بكر القارىء سماعاً ، وأبو عبد الله الفَراوي إجازةً ، قالا : أخبرنا عبد الغافر
الفارسي ، أخبرنا بشر بن أحمد الإِسفرايني ، أخبرنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي ،
حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا أبو عوانة ، عن بُكير بن الأخنس ، عن مُجاهد ، عن ابن
عباس ، قال : فرضَ الله عز وجل الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً ، وفي السفر
ركعتين ، وفي الخوف ركعة (٢) . رواه مسلم عن يحيى فوافقناه بعلو .
وقرأت على الشيخة الأصيلة مؤنسة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر
ابن أيوب إجازة ، أخبرتُكِ أم هانىء عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الفَارْقانية إجازة ، أخبرنا
أبو طاهر عبد الواحد بن محمد الصباغ ، أخبرنا أبو نُعيم الحافظ ، أخبرنا ابن الصواف ،
أخبرنا بشر بن موسى ، حدثنا محمد بن سعيد - يعني ابن الأصبهاني - ، حدثنا شَريك
(١) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين (باب صلاة المسافرين وقصرها) رقم /٦٨٦/.
(٢) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ( باب صلاة المسافرين وقصرها) رقم /٦٨٧/، وأبو داود في
كتاب الصلاة ( باب من قال يُصلي بكل طائفة .. ) رقم /١٢٤٧/، والنسائي في التقصير ( باب تقصير
الصلاة في السفر ) ١١٨/٣ و١١٩.
- ٢٥٥ -

وأبو وكيع، عن زُبيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر، قال : صلاة السفر
ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، وضلاة العيد ركعتان ، تمامّ غير قصر على لسان
رسول الله عَ ◌ّةٍ(١). وقال أبو وكيع: على لسان نبيّكم عَطّله ..
وروینا عن الطبراني ، حدثنا محمد بن سهل الرباطي ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا:
شريك ، عن قيس بن وهب، عن أبي الكُنُود ، سألتُ ابنَ عمر عن صلاة السفر ، فقال :
ركعتان نزلت من السماء فإن شئتم فردوها(٢).
وأما قول الحربي فبعيد ، غير أنه قد قيل: إن الصلاة قبل فرضها كانت كذلك
وسيأتي .
:
قال أبو عمر : وقد أجمعَ المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربعاً إلا المغرب
والصبح، لا يعرفون غير ذلك عملاً ونقلاً مستفيضاً ، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان
أصل فرضها إذ لا خلاف بينهم فيما آل إليه أمرها واستقر عليه حالها .
وأما الصلاة طرفي النهار: فروينا عن ابن الصواف بالسند المذكور آنفاً ، حدثنا أبو علي
بشر بن موسى ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الضبي ، حدثنا محمد بن أبان ، عن أبي إسجاق ،
عن عمارة بن رُويبة الثقفي، قال: سمع أذناي ووعى قلبي من رسول الله عَ لّه يقول:
((من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة))(٣) ومن ذلك قوله تعالى
﴿وسبِّح بحمدٍ رَبِّك بالعشِي والإِبكار﴾ [ غافر: ٥٥ ].
(١) رواه النسائي في الجمعة ( باب عدد صلاة الجمعة ) وفي تقصير الصلاة ، وفي العيدين ( باب عدد صلاة
العيدين) ١١٣/٣ و١١٨ و١٨٣، ورواه ابن ماجه في إقامة الصلاة (باب تقصير الصلاة في السفر)
رقم / ١٠٦٣/. قال النسائيّ: ابن أبي ليلى لم يسمعه عن عمر ، ورواه ابن ماجه عن ابن أبي ليلى، عن:
کعب بن عجرة ، عن عمرا .
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٥٤/٢، وقال: رواه الطبراني في الصغير ورجاله موثقون .
(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١٨/١ وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقوان .
- ٢٥٦ _

ذكرُ عرضٍ رسولِ اللهِ عَ طله نفسَه
على قبائل العرب
أخبرنا محمد بن إبراهيم المقدسي الإِمام قراءةً عليه وأنا حاضر في الرابعة ، وعبدُ الرحيم
ابن يوسف المِزي قراءة عليه وأنا أسمع بالجامع الأزهر ، قال الأول : أخبرنا أبو اليمن زيد
ابن الحسن الكندي قراءة عليه وأنا أسمع . وقال الثاني : أخبرني أبو حفص عمر بن محمد
ابن طبرزذ سماعاً عليه في الخامسة ، قالا : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد
الأنصاري ، أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عيسى الباقلاني ، أخبرنا أبو بكر محمد
ابن إسماعيل الورَّاق، حدثنا أبو أحمد إسماعيل بن موسى بن إبراهيم الحاسب ، حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي ، حدثنا إسرائيل يعني ابن يونس ، عن
عثمان بن أبي المغيرة الثقفي ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان
النبِّ عَ لِ يعرضُ نفسَه على الناس في الموقف ويقول: ((ألا رجلٌ يعرض علَي قومه ،
فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي))(١) .
وأخبرنا عبد الرحيم بن يوسف الموصلي بقراءة والدي عليه وغازي بن أبي الفضل بن
عبد الوهاب الدمشقي بقراءتي عليه ، قالا : أخبرنا ابن طبرزذ ، أخبرنا ابن الحصين . أخبرنا
ابن غيلان ، أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي ،
حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحسام ، حدثنا محمد بن المُكندر
أنه سمعَ ربيعةً بن عِبَاد - أو عبَّد - الدُّؤلي يقول: رأيتُ رسولَ الله عَ لِ يطوفُ على
الناس في منازلهم(٢) قبل أن يُهاجر إلى المدينة يقول: (( يا أيها الناس إن الله يأمركم أن
تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً)). قال: ووراءه رجلٌ يقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن
تتركوا دينَ آبائكم . فسألتُ من هذا الرجل ؟ فقيل : أبو لهب(٣).
(١) رواه أبو داود في كتاب السنة (باب في القرآن) رقم /٤٧٣٤/، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة رقم
/٢٠١/ وهو عند أحمد في المسند ٣٢٢/٣ و٣٣٩ و٣٩٠. وقال الذهبي في ((السيرة النبوية)) من تاريخ
الإسلام ص ٢٨٢ : أخرجه أبو داود وهو على شرط البخاري .
(٢) ((في منازلهم)): يعني مكان نزولهم في منى .
(٣) تقدم الحديث وتخريجه في باب دعاء رسول الله عَ ل قومه وغيرهم إلى الإِسلام ص ١٩٠.
- ٢٥٧ -

وذكر ابنُ إسحاق عرضه عليه السلام نفسَه على كِندة ، وعلى كَلْب ، وعلى بني
حنيفة . قال : ولم يكُ أحدٌ من العرب أقبحَ ردّاً عليه منهم ، وعلى بني عامر بن
صعصعة (١).
وذكر الواقدي دعاءَه عليه السلام بني عبس إلى الإِسلام ، وأنه أتى غسَّان في منازلهم .
وبني مُحارب كذلك(٢)
وذكر قاسم بن ثابت فيما رأيته عنه من حديث عبد الله بن عباس عن علي بن أبي
طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله عَّ ◌ٍ لذلك ، قال علي: وكان أبو بكر:
في كل خير مقدّماً . فقال: ممن القوم ؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفتَ أبو بكر
إلى رسول الله عَ لِّه فقال بأبي أنت وأمي هؤلاء غُرَرٌ(٣) في قومهم، وفيهم مفروق بن
عمرو ، وهانيء بن قبيصة، ومُثَّى بن حارثة ، والنعمان بن شريك . وكان مفروق بن
عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً ، وكانت له غديرتان ، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر
رضي الله عنه . فقال له أبو بكر رضي الله عنه : كيف العدد فيكم ؟ فقال له مفروق:
إنا لنزيد على الألف ، ولن تُغلب الألفُ من قلة. فقال أبو بكر : كيف المَتَعة فيكم ؟
فقال مفروق : علينا الجَهد ولكل قوم جَد . فقال أبو بكر : فكيف الحرب بينكم وبين
عدوكم؟ فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى وإنا لأشد ما نكون لقاء حين
نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح، والنصرُ من عند الله،
يُديلنا (٤) مرة ، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر : أو قد بلغكم أنه
رسول الله ؟ فها هو ذا . فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلامَ تدعو يا أخا قريش ؟!
فتقدم رسول الله عَ لّه ، فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
وأني رسول الله ، وإلى أن تؤوني وتنصروني ، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله وكذَّبت
رسلَه ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد. فقال مفروق إلام تدعو أيضاً:
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤٢٤/١.
(٢) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٢١٦/١ - ٢١٧.
(٣) ((غُرَرٌ)): جمع غرة، وهو السيد ، يقال: فلان غرة قومه : أي سيدهم .
(٤) (( يُديلنا مرة)): ينصرنا على أعدائنا، من الإِدالة: وهي الغلبة والنصر.
- ٢٥٨ -

يا أخا قريش؟ فقال: رسولُ الله عَ له: ﴿قل تعالَوْا أَثُ ما حرّم ربُّكم عليكم أَلَّ
تُشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحنُ نرزقكم وإِيّاهم
ولا تقربُوا الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ ، ولا تقتلُوا النفسَ التي حَّم الله إلا بالحقّ
ذلكم وَصَّاكم به لعلَّكم تعقلون﴾ [الأنعام: ١٥٠] فقال مفروق: وإلام تدعو
أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله عَ لِ: ﴿إِنَّ الله يأمُرُ بالعدل والإحسانِ وإيتاءٍ ذي
القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكُم تَذَكَّرون﴾ [النحل: ٩٠] فقال
مفروق : دعوتَ والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد
أفكَ(١) قومٌ كذبوك، وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يَشْرَكَه في الكلام هانىُ بن
قَبيصة ، فقال : وهذا هانىء بن قَبيصة شيخُنا وصاحب ديننا . فقال هانىءُ: قد سمعنا
مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا
ليس له أوّل ولا آخِر : زَلَّةٌ في الرأي وقِّة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزَّلة مع العجلة ،
ومن ورائنا قومٌ نكره أن نعقد عليهم عَقْداً ، ولكن نرجعُ وترجعُ ، وننظُرُ وتنظرُ . وكأنه
أحبَّ أن يَشْرُكه في الكلام المثنى بن حارثة . فقال : وهذا المثنى بن حارثة شيخنا ،
وصاحبُ حربنا . فقال المثنى : قد سمعتُ مقالتَك يا أخا قريش ، والجوابُ هو جوابُ
هانيء بن قبيصة : في تركنا ديننا ، واتباعنا دينَك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ،
وإنا إنما نزلنا بين صَرَيّ (٢) اليمامة والسمامة. فقال رسول الله عَ لِ ما هذان الصَّرَتَيْن؟
فقال أنهار كسرى ومياه العرب . فأما ما كان من أنهار كسرى فذنبُ صاحبه غيرُ مغفور
وعذره غير مقبول ، وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول ،
وإنا إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نُحدث حَدَثاً ولا نُؤوي مُحدثاً ، وإني
(١) (( أُفَكَ)): يأْفِكُ أَفْكاً: انقلب وانصرف.
(٢) (( صَرْبَّ اليمامة والسمامة)): الصَّرَّبَي: تثنية صرى، وهو الماء المجتمع. ويروى ((الصيرين)): تثنية
صِيْر، وهو الماء الذي يحضره الناس، وقد صار القوم يصيرون إذا حضروا الماء. ويروى بين ((صيرتين)):
تثنية صیرة ، على وزن فِعلة ، مؤنث صِيْر .
- ٢٥٩ -

أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت ، هو مما تكرهه الملوك ، فإن أحببت أن نؤويَك
ونتصرّك، مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله عَ له: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم
بالصدق ، وإن دينَ الله لن ينصره إلا من حاطه (١) من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا(٢)
إلا قليلاً حتى يُورثَكم الله أرضهم وديارَهم وأموالهم ويُفْرشَكم نساءَهم؟ أتسبجون الله
وتقدسونه؟ فقال النعمانُ بن شريك: اللهم لك ذا. فتلا رسولُ الله عَ ◌ّهِ ﴿يا أيها النبي
إِنَّا أرسلنَاكَ شاهداً ومُبَشِّراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً مُنيراً﴾ [ الأحزاب:
٤٥ - ٤٦ ] ثم نهضَ رسول الله عَ لله فأخذ بيدي فقال: يا أبا بكر يا أبا حسن أية
أخلاق في الجاهلية ؟! ما أشرفَها ! بها يدفع الله بأسَ بعضهم عن بعض ، وبها يتحاجزون
فيما بينهم .
قال : ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبِّ عَّهِ، وكانوا
صُدُقاً صُبُراً(٣) .
ولم يزلْ رسولُ الله عَ ◌ِّ في ذلك كله يدعو إلى دين الله، ويأمر به كلّ من ◌َقِيَهِ.
ورآه من العرب ، إلى أن قدم سُويد بن الصامت(٤)، أخو بني عمرو بن عوف من الأوس ،
فدعاه رسولُ الله عَّهِ إلى الإِسلام فلم يُبعد ولم يُجبْ، ثم انصرفَ إلى يثرب فقُتل في
بعض حروبهم(٥) .
(١) ((حَاطَه)): كلأه ورعاه
(٢) في (( ب)): يلبثوا .
(٣) الروض الأنف ١٨٢/٢
(٤) سُويد بن الصامت: كان من حنفاء الأوس وشعرائهم ، قُتل في حرب بُعاث. وقد أشار الذهبي في
((تجريده)) إلى أنه لم يقع منه إسلام بل قارب، والمقاربة ليست إسلاماً، وقال ابن عبد البر في
((الاستيعاب)): أنا شاكٌّ في إسلام سُويد بن الصامت كما شكَّ فيه غيري ثمن ألف في هذا الشأن قبلي ،
والله أعلم . نور النبراس لوحة ٢٥١/١.
(٥) نقل المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة من الدرر في المغازي والسير ، لابن عبد البرص ٦٦.
- ٢٦٠ _