Indexed OCR Text

Pages 121-140

ذكر بنيان قريش الكعبة شرَّفَها الله تعالى
. ولما بلغ رسول الله مَ الِ خمساً وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة . قال موسى
ابن عقبة : وإنما حمل قريشاً على بنائها أن السيل كان أتى من فوق الردم الذي صنعوه ،
فأخربه ، فخافوا أن يدخلَها الماء ، وكان رجل يُقال له مُلْيْح سرقَ طِيْبَ الكعبة ، فأرادوا
أن يشيدوا بنيانها ، وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخل إلا من شاؤوا، وأعدُّوا لذلك نفقةً
وعمّالاً ، ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر من أن يمنعهم الله الذي أرادوا .
قال ابن إسحاق : ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنياتها(١)، كل قبيلة تجمع
على حدة ، ثم بَنَوْها حتى بلغَ البنيان موضع الركن(٢)، فاختصموا فيه ، كلُّ قبيلة تُريد
أن ترفعَه إلى موضعه دونَ الأخرى ، حتى تحاوروا(٣) وتخالفوا وأعدوا للقتال ، فقرّبت بنو
عبد الدار جفنةٌ مملوءةً دماً ، ثم تعاقدوا هم وبنو عديّ على الموت ، وأدخلوا أيديهم في
ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسُمُّوا لعَقَة الدم ، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً .
ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا ، فزعمَ بعضُ أهل الرواية أن أبا أميَّةً
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكان عامئذٍ أُسنَّ قريشٍ كلِّها ، قال : يا معشر
قريش ؛ اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوَّلَ من يدخلُ من باب هذا المسجد يقضي بينكم .
ففعلوا، فكان أوَّلَ داخلٍ رسولُ الله عَّلِ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين ، رضينا، هذا
محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبرَ. قال ◌َ له: هلمّ إلَي ثوباً. فأتي به، فأخذ الركن
فوضعَه فيه بيده . ثم قال لتأخذ كلُّ قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعاً ، ففعلوا
حتى إذا بلغوا به موضعَه وضعَه هو بيده عَلِه ، ثم بنى عليه .
(١) في (( ب)) والسيرة النبوية ١٩٦/١: لبنائها.
(٢) ((الركن)): الحجر الأسود، وسُمي ركناً ؛ لأنه مبني في الركن .
(٣) ((تحاوروا)): من المحاورة، وهي المجاوبة والمجادلة، وفي السيرة النبوية ١٩٦/١( حتى تحاوزوا وتحالفوا))
أي : صاروا فرقاً ، واتحازت كل قبيلة إلى جهة .
- ١٢١ -

وحکی السھیلی : أنها كانت تسع أذرع من عهد إسماعيل ، يعني ارتفاعها ، ولم یکن
لها سقف ، فلما بنتها قريشٌ قبل الإسلام زادوا فيها تسعَ أذرع ، فكانت ثماني عشرة ذراعاً ،
ورفعوا بابها عن الأرض ، فكان لا يُصعدُ إليها إلا في درج أو سُلّمٍ ، وأوَّلُ من عمل لها
غَلَقاً(١) تُبَّعُ ، ثم لما بناها ابنُ الزبير زاد فيها تسع أذرع، فكانت سبعاً وعشرين ذراعاً ،
وعلى هذا هي إلى الآن(٢).
وكان بناؤها في الدهر خمسَ مراتٍ ، الأولى : حين بناها شيث بن آدم ، والثانية: حين
بناها إبراهيم على القواعد الأولى ، والثالثة حين بنتها قريش قبل الإِسلام بخمسة أعوام ،
والرابعة : حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبي قُبَيْس ، فوقعت في
أستارها ، فاحترقت . وقيل: إن امرأة أرادت أن تجمِّرَها فطارتْ شرارةٌ من المجمرة في
أستارها فاحترقت ، فشاورَ ابن الزبير في هدمها من حضره ، فهابوا هدمها ، وقالوا : نرى
أن تصلحَ ماوهَى ولا تهدم ! فقال : لو أن بيتَ أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل
إصلاح ، ولا يكمل إصلاحُها إلا بهدمها ، فهدمَها حتى انتهى إلى قواعد إبراهيم ، فأمرهم
أن يزيدوا في الحفر، فحرَّكوا حجراً منها فرأوا تحته ناراً وهولاً أفزعهم، فأمرهم أن يُقِرُّوا
القواعد وأن يبنوا من حيث إنتهى الحفر . وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد ،
فطاف الناس بتلك الأستار ، فلم تخلُ من طائف ، حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير.
اشتدت الحربُ واشتغلَ الناسُ فلم يُر طائفٌ يطوف بالكعبة إلا جملٌ يطوف بها . فلما
استتمَّ بنيانَها ألصق بابها بالأرض وعمل لها خَلْفاً، أي باباً آخر من ورائها، وأدخَلَ الحِجْر
فيها ، وذلك لحديث حدَّثته بُه خالتُه عائشة، عن رسول الله عَ لِ أنه قال: ((ألم تري
قومَك حين بنوا الكعبةَ اقتصروا على قواعد إبراهيم حين عجزتْ بهم النفقةُ ؟. ثم قال عليه
الصلاة والسلام: لولا حِدْثَان(٣) قومِك بالجاهلية لهدمتها وجعلت لها خَلْفاً، وألصقتُ
(١) ((غَلَقَأْ)): المِغْلاق، وهو ما يُغلق به الباب.
. (٢) الروض الأنف ٢٢١/١.
. (٣) ((حِذثان)): بكسر الحاء وسكون الدال ، أي قرب عهدهم بها . وهو مصدر حدث ، يقال : حدث
حدوثاً وحدثاناً ، كوجد وجداً ووجداناً .
- ١٢٢ -

بابها بالأرض ، ولأدخلت الحِجْرَ فيها (١))) أو كما قال عليه الصلاة والسلام . قال ابن
الزبير : فليس بنا اليوم عجز عن النفقة ، فبناها على مقتضى حديث عائشة .
فلما قام عبد الملك بن مروان قال : لسنا من تخليط أبي حُبيب بشيء ، فهدمَها وبناها
على ما كانت عليه في عهد رسول الله عَ له: فلما فرغَ من بنائها جاءه الحارثُ بن أبي
ربيعة المعروف بالقُبَاع ، وهو أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر ومعه رجل آخر ، فحدَّثاه
عن عائشة عن رسول الله عَّه بالحديث المتقدم، فندم وجعلَ ينكت في الأرض
بِمِخْصَرة(٢) في يده ويقول : وَدِدْتُ أني تركتُ أبا خبيب وما تحمُّلَ من ذلك. فهذه المرة
الخامسة .
فلما قامَ أبو جعفر المنصور أراد أن يبنيها على ما بناها ابنُ الزبير ، وشاورَ في ذلك .
فقال له مالك بن أنس ، أُنشُدك الله يا أمير المؤمنين وأن تجعل(٣) هذا البيت ملعبةً للملوك
بعدكَ ، لا يشاءُ أحدٌ منهم أن يُغيِّرِه إلا غيَّرَه ، فتذهبَ هيبتُه من قلوب الناس ، فصَرَفه
عن رأيه فيه(٤) .
وقد قيل : إنه بُني في أيام جُرهم مرة أو مرتين ؛ لأن السيل كان قد صدعَ حائطَه
ولم يكن ذلك بنياناً ، وإنما كان إصلاحاً لما وهى منه وجداراً يبنى بينه وبين السيل ، بناه
عامر الجادر .
وكانت الكعبةُ قبل أن يبنيها شيت عليه السلام خيمةً من ياقوتة حمراء يطوفُ بها آدم
ويأنس بها ؛ لأنها أُنزلت إليه من الجنة . وكان قد حجَّ إلى موضعها من الهند . وقد قيل
أيضاً : إن آدَمَ هو أوَّلُ من بناها . ذكره ابن إسحاق في غير رواية البكَّائي . وفي الخبر
(١) رواه البخاري في الحج ( باب فضل مكة وبنيانها) رقم /١٥٨٥/، ومسلم في الحج (باب نقض الكعبة
وبنائها) رقم /١٣٣٣/، والموطأ في الحج (باب ما جاء في بناء الكعبة) ٣٦٣/١، والنسائي في الحج
(باب بناء الكعبة) ٢١٤/٥ - ٢١٦، وهو عند أحمد في المسند ١١٣/٦ - ١٧٧.
(٢) ((مِخْصَرة)): ما يُتوكأ عليها كالعصا ونحوها، وقضيب يُشار به في أثناء الخطابة والكلام.
(٣) ((وأن تجعلَ)): معطوف على منفي محذوف، والتقدير: أنشدك الله أن لا تفعل وأن تجعلَ ... إلخ.
(٤) الروض الأنف، للسهيلي ٢٢١/١ - ٢٢٢.
- ١٢٣ -

أن موضعها كان غُثَاءةً(١) على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فلما بدأ الله يخلق
الأشياءَ خلقَ التربةَ قبل السماء ، فلما خلق السماءَ وقضاهنَّ سبعَ سماواتٍ دَحَى الأرْضِ ،
أي: بسطها، وذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿والأرضَ بعدَ ذلك دَحَاهَا ﴾
[ النازعات: ٣٠]، وإنما دخَاهَا من تحت مكة، ولذلك سُميت أم القرى . وفي
التفسير: أن الله سبحانه حين قال السماواتِ والأرض ﴿انتيا طَوْعاً أو كَرْهاً قالتَا أَتَيْنَا.
طَائِعِين﴾ [ فصلت: ١١] لم يُجبْه بهذه المقالة إلا أرض الحرم، فلذلك حرّمها . وفي
الحديث ((أن الله حَرّم مكة قبلَ أن يخلق السماوات والأرض))(٢) الحديث(٣).
(١) ((غثاءة)): ما يحمله السيل من رغوة ومن فتات الأشياء على وجه الأرض، وجمعها: أغثاء.
(٢) رواه البخاري في العلم (باب ليبلِّغ العلمَ الشاهد الغائبَ) رقم /١٠٤/، ومسلم في الحج ( باب تحريم
مكة وصيدها .. ) رقم /١٣٥٣/، والترمذي في الحج ( باب ماجاء في حرمة مكة) رقم /٨٠٩/ ،
وابن ماجه في المناسك (با فضل مكة) رقم /٣١٠٨/، وهو عند أحمد في المسند ٢٥٣/١، ٢٥٩.
(٣) الروض الأنف ؛ للسُهيلي ٠٢٢٢/١
- ١٢٤ -
۔

ذكر شيء مما حُفظ عن الأحبار والرهبان والكهان
وعبدة الأصنام من أمر رسول الله عَّةٍ سوى ما تقدم
قال ابن إسحاق : وكانت الأحبارُ من يهود ، والرهبان من النصارى ، والكهان من
العرب، قد تحدَّثوا بأمر رسول الله عَ لَّم قبلَ مبعثه لما تقارب من زمانه . أما الأحبار من
يهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه ، وما كان من
عهد أنبيائهم إليهم فيه . وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين فيما تسترق من السمع ؛
إذا كانت لا تُحجبُ عن ذلك، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض
أموره ، ولا تُلقي العرب لذلك فيه بالاً ، حتى بعثه الله ووقعت تلك الأمور التي كانوا
يذكرون فعرفوها، فلما تقاربَ أمر رسول الله عَ لِ وحضرَ مبعثُه حُجبت الشياطين عن
السمع وحِيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعدُ فيها لاستراقه ، فُرُموا بالنجوم ، فعرف
الجنّ أن ذلك الأمر حدث من أمر الله في العباد. يقول الله تعالى لنبيُّه محمد عَ له حين
بعثه يقصُّ عليه خبرهم إذا حُجبوا: ﴿قل أُوحِي إِلَّي أنه استمعَ نفرٌ من الجنّ فقالوا إنَّا
سمعنا قرآناً عجباً . يهدي إلى الرُشْدِ فآمنا به ولن نُشركَ بربِّنا أحداً. وأَنَّه تعالى جَدُّ رَبِّنَا
ما أَتَّخَذَ صاحبَة ولا وَلَداً. وأنه كان يقولُ سفيهُنا على الله شَطَطَاً. وأنا ظَنّنا أن لن تقولَ
الإِنسُ والحِنُّ على الله كَذِباً . وأنه كانَ رجالٌ من الإِنسِ يَعوذُون برجالٍ من الجِنِّ فزادُوهم
رَهَقاً . وأنَّهم ظَنُّوا كما ظنتُم أن لن يبعثَ الله أحداً. وأنا لَمَسْنَا السماءَ فوجدناها مُلِئَتْ
حَرَسَاً شديداً وشُهُبَاً. وأنَّا كُنَّا نقعدُ منها مقاعدَ للسَّمع فمنْ يَستمعِ الآنَ يجد له شهاباً
رَصَدَاً. وأَنَّا لا ندري أشرّ أُرِيدَ بمن في الأرضِ أم أرادَ بهم ربُّهم رَشَداً ﴾
[ الجن: ١- ١٠ ] .
فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك لئلا يُشكلَ الوحي
بشيءٍ من خبر السماء فيُلبس على أهل الأرض ما جاءَهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطعٍ
الشبهة، فآمنوا به وصدَّقوا ثم ﴿وَلَّوا إلى قومِهِم مُنذرين. قالوا يا قومَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كتاباً
أُنزلَ من بعد مُوسى مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يديْه يهدي إلى الحقِّ وإلى طَريقٍ مُستقيم﴾
- ١٢٥ -

[ الأحقاف: ٢٩ - ٣٠](١). وقول الجنّ ﴿وَأَنَّه كانَ رِجالٌ من الإِنسِ يَعوذونَ
برجالٍ من الجِنِّ﴾ الآية [الجن: ٦] هو أنَّ الرجلَ من العرب من قريش وغيرهم كان
إذا سافر فنزلَ بطنَ وادٍ من الأرض ليبيتَ فيه قال : إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجِنّ
الليلة من شرِّ ما فيه .
وذكر أن أُوَّلَ العرب فزعً للرمي بالنجوم حین رُمي بها ثقيف ، وأنهم جاؤوا إلى رجل
منهم يُقال له عمرو بن أمية أحد بني عِلاج، وكان أدهى العرب وأمكرها(٢) رأياً . فقالوا
له : يا عمرو ! ألم ترَ ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ؟ قال: بلى ، فانظروا
فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البِرِّ والبحر، ويُعرف بها الأنواء من الصيف
والشتاء لما يُصلح الناس في معايشهم هي التي يُرمى بها ، فهو والله طُ هذه الدنيا وهلاكُ
هذا الخلق الذي فيها ، وإن كانت نجوماً غيرَها وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمرٍ أرادَ الله
بهذا الخلق(٣).
وقد روى أبو عمر التمري من طريق أبي داود ، حدثنا وهب بن بقية ، عن خالد ،
ح(٤) وحدثنا محمد بن العلاء، عن ابن إدريس(٥)، كلاهما عن خُصين ، عن عامر
: الشعبي، قال: لما بُعث النبّ عَ لِ رُجمتِ الشياطينُ بنجوم لم يكن يُرجم بها قَبْلُ. فَأُتُوا
عبدَ يا ليل بن عمرو الثقفي ، فقالوا : إنّ النَّاسَ قد فَزعوا ، وقد أعتقوا رقيقَهم وسِّبوا
أنعامَهم لما رأوا في النجوم. فقال لهم : وكان رجلاً أعمى، لا تعجلوا وانظروا، فإن
كانت النجومُ التي تُعرف فهي عند فناء الناس ، وإن كانت لا تُعرف فهو من حدثٍ .
(١) الآيتان من سورة الأحقاف رقم ٢٩ و٣٠ وأولهما: ﴿وإذْ صَرَفْنَا إليكَ نَفَرَأْ من الجِنِّ يستمعون القرآنَ
فلمَّا حَضَرُؤُه قالوا أنصتوا فلما قُضِي وَلَّوا إلى قومهم مُنذَرين ... ﴾.
(٢) كذا في الأصل وفي ((ب))، أما في ((ج) و(( د)) والسيرة النبوية ٢٠٦/١ (( وأنكرها رأياً)) من قولهم:
تَكِرَ فلان نَكَرَاً وتُكراً ونكارةٌ : فَطِن وجاد رأيه .
:
(٣) السيرة النبوية ٢٠٤/١ - ٢٠٠٧ وفي نهاية الخبر ((فهذا لأمرٍ أرادَ اللهُ بهذا الخلق، فما هو؟)).
(٤) (( ح )) تحويل السند.
(٥) ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أحد الأعلام، روى عن أبيه، وعن داود وحصين
وهشام بن عروة ، وروى عنه أحمد وإسحاق والعطاردي وغيرهم ، روى له الجماعة . توفي سنة ١٩٣ هـ.
نور النبراس لوحة ١١٧/١ .
- ١٢٦ -

فنظروا فإذا هي نجومٌ لا تُعرف . فقالوا : هذا من حدثٍ . فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبِّ
منّ اللّهِ (١).
وروينا من طريق مسلم ، حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، وعبد بن حُميد ، قال
حسن : حدثنا يعقوب ، وقال عبد : حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبي ،
عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال: حدثني علّي بن حُسين أنَّ عبدَ الله بن عباس قال :
أخبرني رجلٌ من أصحاب النبي عَّلِ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول
الله عَظَِّ رُمي بنجمٍ فاستنار، فقال لهم رسول الله عَ له: ((ما كنتُم تقولون في الجاهلية
إذا رُمي بمثل هذا؟ )) قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، كنَّ نقولُ: وُلد الليلةَ رجلٌّ عليمٌ وماتَ
رجلٌ عظيم. فقال رسول الله عَ ليه: ((فإنها لا يُرمى بها لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّ
ربَّا تباركَ اسمُه إذا قضى أمراً سبَّح حملةُ العرش ، ثم سبَّح أهل السماء الذين يَلونهم، حتى
يبلغَ التسبيحُ أهلَ هذه السماءِ الدنيا ، ثم قال الذين يَلُون حملةَ العرش لحملةِ العرشِ : ماذا
قالَ ربُّكم ؟ فُيُخبرونَهم ماذا قال . فيستخيرُ بعضُ أهل السماوات بعضاً حتى يبلغَ الخبرُ
هذه السماء الدنيا ، فتخطفُ الجِنُّ السمعَ فَيقذفونَ إلى أوليائهم ، ويُرمون ، فما جاؤوا
به على وجهه فهو حقٌّ ، ولكنَّهم يَقذفونَ فيه ويزيدون)»(٢) .
أخبرنا أبو محمد بن إسماعيل المسكي قراءةً عليه وأنا أسمعُ ، أخبرنا أبو عبد الله بن أبي
المعالي بن محمد بن الحسين نزيل الاسكندرية سماعاً ، أخبرنا أحمد بن محمد الشافعي قراءة
عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا عبد الله
ابن جعفر ، أخبرنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا يوسف بن حماد(٣) المَعْنِي ، حدثنا
(١) الخبر مرسل من كلام الشعبي، قال في ((نور النبراس)): وهذا ليس في شيء من الكتب الستة ، ولا
في مراسيل أبي داود، والله أعلم . لوحة ١١٨ .
(٢) رواه مسلم في كتاب السلام ( باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ) رقم /٢٢٢٩/ والترمذي في التفسير
( باب ومن سورة سبأ) رقم /٣٢٢٢/، وهو عند أحمد في المسند رقم /١٨٨٢/ و/١٨٨٣/ تخريج
وشرح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى .
(٣) يوسف بن حماد: المَعْني، نسبة إلى مَعْن بن زائدة ، وهو جدَّه، روى عن حماد بن زيد وعبد الوارث،
وعنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة ، ثقة توفي سنة ٢٤٨ هـ . نور النبراس لوحة
١١٨/١.
- ١٢٧ -

--
عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، ح وروينا من طريق البكّائي ، عن ابن إسحاق، ومعناهما
واحد ، وهذا اللفظ للبكّائيّ عن ابن إسحاق ، قال: وحدثني صالح(١) بن إبراهيم ، عن
محمود بن(٢) لبيد، عن سلمةً بن سلامة بن وَقَش(٣)، وكان من أصحاب بدر، قال : .
كان لنا جارٌ من يهود من بني عبد الأشهل، فذكرَ القيامةَ والبعثَ والحسابَ والميزانَ والجنَّةَ
والنَّار ، فقال ذلك لقومٍ أُهلِ شركٍ أصحابِ أوثانٍ لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت .
فقالوا له : ويحك يا فلان ! أوترى هذا كائناً أن النَّاسَ يُبعثون بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنّة
ونار يُجزون فيها بأعمالهم ؟! قال : نعم والذي يُحلف به، ولودُّ أن له بحظِّه من تلك
النَّار أعظمَ تنور في داره يَحْمُونه ثم يُدخلونه إياه فيُطبقونَه عليه بأن ينجوّ من تلك النَّار
غداً . فقالوا له : ويحك يا فلان ! وما آيةُ ذلك ؟ قال : نبِّ مَبعوثٌ من نحو هذه البلاد
وأشار بيده إلى مكة واليمن. فقالوا: ومتى (٤) نراه؟ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سِنَّاً،
فقال : إن يستنفذ هذا الغلامُ عمَرَه يُدركْه . قال سلمة : فوالله ما ذهبَ الليل والنَّهار
حتى بعثَ الله رسوله محمداً عَ الِ وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغياً وحَسَداً ، فقلنا
له : ويحك يا فلان : ألستّ الذي قلتَ لنا فيه ما قلتَ؟ قال: بلى ولكنْ ليس به (٥).
وروينا عن محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني الحجاج بن
صفوان ، عن أبي حسين ، عن شهر بن حَوْشب ، عن عمرو بن عَبّسة السُّلَمي قال :
رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية ، وذلك أنَّها باطلٌ ، فلقيتُ رجلاً من أهل الكتاب من
(١) صالح بن إبراهيم: بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة ، روى له البخاري
ومسلم ، توفي قبل سنة مائة وعشرين ، في ولاية إبراهيم بن هشام . تقريب التهذيب ص ٢٧١ .
(٢) محمود بن لبيد: أخي بني عبد الأُشْهل ، أبو نعيم المدني، صحابي صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة ،
توفي سنة ٩٦ هـ . تقريب التهذيب ص ٥٢٢ .
(٣) وَقَش : بفتح الواو والقاف، وإسكانها ، وبالشين المعجمة ، وسلمة : صحابي عقّبِّ بدريّ مشهور رضي
الله عنه . نور التبراس لوحة ١١٨/١.
(٤) في ( ج)) و((.د)) : قالوا له : ومتى نراه ؟
(٥) السيرة النبوية ٢١٢/١، ودلائل النبوة؛ للبيهقي ٧٨/٢ - ٧٩، وأخرجه أحمد في المسند ٤٦٨/٣ عن:
يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق ، فذكره .. كما أخرجه الحاكم في المستدرك ٤١٧/٣
وقال : صحيح على شرط مسلم ، وأقره الذهبي .
- ١٢٨ -

أهل تَيْمَاءِ ، فقلت : إني امرؤ ممن يعبدُ الحجارةَ ، فينزلُ الحُّيّ ليس معهم إلّه ، فيخرجُ
الرجلُ منهم فيأتي بأربعةِ أحجارٍ فينصبُ ثلاثةً لقدرِهِ ويجعلُ أحسنَها إِلَهاً يعبدُه ، ثم لعلّه
يجدُ ما هو أحسنَ منه قبل أن يرتحلَ فيتركَه ويأخذَ غيرَه إذا نزلَ منزلاً سواه ، فرأيتُ أنه
إِلَه باطٌ لا ينفعُ ولا يضرُ ، فدلّني على خير من هذا . فقال: يخرجُ من مكة رجلٌ يرغبُ
عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها ، فإذا رأيتَ ذلك فاتَّبِعْه ، فإنه يأتي بأفضل الدين . فلم
يكن لي همّة منذ قال لي ذلك إلا مكة ، فآتي فأسأل هل حدثَ فيها حدثٌ ؟ فيقال لا .
ثم قدمت مرة فسألت ، فقالوا : حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها ،
فشددت راحلتي برحلها ، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزل بمكة ، فسألت عنه فوجدته
مستخفياً ، ووجدت قريشاً عليه أشداء ، فتلطفت له حتى دخلت عليه ، فسألته فقلت :
أي شيء أنت ؟ قال: نبي . قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله. قلت: وبم أرسلك؟
قال : بعبادة الله وحده لا شريك له ، وبحقن الدماء ، وبكسر الأوثان ، وصلة الرحم ،
وأمان السبيل . فقلت : نعم ما أُرسلت به ، قد آمنت بك وصدقتك . أتأمرني أن أمكث
معك أو أنصرف ؟ فقال : ألا ترى كراهة الناس ما جئتُ به ، فلا تستطيع أن تمكث ،
كن في أهلك ، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجاً فاتبعني ، فمكثت في أهلي حتى إذا خرج
إلى المدينة سرت إليه فقدمت المدينة، فقلت: يا نبي الله ! أتعرفني؟ قال: نعم أنت السُّلَمي
الذي أتيتني بمكة وذكر باقي الحديث(١) .
وروينا عن ابن إسحاق قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة(٢)، عن رجال من
قومه قالوا : إن مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله لنا وهداه ، ما كنا نسمعُ من أحبار
يهود ، كنَّا أُهَ شرك أصحابَ أوثان ، وكانوا أهلَ كتاب ، عندهم علم ليس لنا ، وكانت
لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعضَ ما يكرهون قالوا لنا : إنه قد تقاربُ زمان
نبِّ يُبعث الآن يقتلُكُم قتلَ عاد وإرم، فكنّا كثيراً ما نسمعُ ذلك منهم ، فلما بعثَ الله
(١) الطبقات الكبرى ٢١٤/٤.
(٢) عاصم بن عمر بن قتادة : بن النعمان ، أبو عمر الظَّفْري الأنصاري المدني، جده من فضلاء الصحابة ،
حدث عن ابن إسحاق ، وكان عارفاً بالمغازي، وثقه أبو زرعة والنسائي وغيرهما، توفي سنة ١١٩ هـ .
انظر سير أعلام النبلاء ٢٤٠/٥.
- ١٢٩ -

رسولَه محمداً مَّ ل أجبناه حين دعانا إلى الله عز وجل، وعرفنا ما كانوا يتواعدُوننا به،
فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا ، ففي ذلك نزلت هذه الآيات في البقرة ﴿ ولما جَاءَهم
كتابٌ من عند الله مُصَدِّقٌ لما معهم وكانُوا من قبلُ يستفتحونَ على الذين كفروا فلما جاءَهم
ما عَرفوا كفروا به فلعنةُ الله على الكافرين﴾(١) [البقرة: ٨٩].
i
وذكر الواقديّ عن عطاء بن يسار ، قال : لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت :
أخبرني عن صفة رسول الله عَ له في التوراة. قال : أجل ، والله إنه لموصوفٌ في التوراة
ببعض صفته في القرآن ، يا أيُّها النبّ إنا أرسلناكَ شاهداً ومُبَشِّراً ونذيراً وحِرِزَاً للأميين ،
أنت عبدي ورسولي ، سمَِّتك المتوكل ، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سَخَّبٍ في الأسواق ،
ولا يدفعُ السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يُقِيمَ به المِلَّةِ العَوْجَاءَ
بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتحُ بها أعيناً عمياً، وآذاناً صُمَّاً، وقُلوباً غُلْفاً. قال عطاء:
ثم لقيتُ كعب الأحبار فسألتُه فما اختلفا في حرف(٢) .
وروينا عن ابن إسحاق قال : وحدثني عاصم بن عمر ، عن شيخ من بني قريظة ،
قال : قال لي : هل تدري عمَّ كان إسلامُ ثعلبة بن سَعْيَة، وأسيد بن سعية(٣)، وأسيد
·ابن عُبيدٍ، نفر من هَدْل (٤)، إخوة قريظة ، كانوا معهم في جاهليتهم ، ثم كانوا ساداتهم
في الإسلام ؟ قال : قلت لا . قال : فإن رجلاً من يهود من أهل الشام يقال له ابن
الهَيِّبان ، قدم علينا قبل الإِسلام بسنين ، فحلّ بين أظهرنا ، لا والله ما رأينا رجلاً قط
لا يُصلِّي الخمسَ(٥) أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قَحِط المطر قلنا له : اخرج يا ابن
(١) السيرة النبوية ٢١١/١ - ٢١٢
(٢) طبقات ابن سعد ٣٦٢/٢، وفي إسناده الواقدي ضعيف، وفي مسند الإمام أحمد أن وَهْبَ بن عبد الله
سأل عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي الإسناد ابن لهيعة ضعيف أيضاً، وعَلَّق البخاري في البيوع سؤال:
عطاء لعبد الله بن سلام ، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق ٢٣٤/٣ وقال : وحديث ابن سلام شاهد
رواه ابن سعد في الطبقات. وانظر المسند ١٧٤/٢ .
(٣) أسيد بن سعية: كذا في الأصول، وقيل أسد ، أو أُسَيْد. نور النبراس لوحة ١٢١
(٤) بنو هَذْل : فرع مستقل من يهود ، كانوا على حلفٍ مع بني قريظة .
(٥) ((لا يُصلِّي الخمس)): يريد ما رأينا رجلاً غير مسلم أفضل منه .
- ١٣٠ -

الهَيِّان فاستسق لنا . فيقول : لا والله حتى تقدموا بين يدي نجواكم صدقة . فنقول له :
كم ؟ فيقول : صاعاً من تمر أو مدين من شعير ، فنخرجها ، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا
فيستسقي لنا ، فوالله ما يبرح مجلسَه حتى يمرّ السحابُ ونُسقى ، قد فعل ذلك غير مرة
ولا مرتين ولا ثلاث ، ثم حضرته الوفاة عندنا ، فلما عرف أنه ميت قال : يا معشر يهود !
ما ترونه أخرجني من أمر الخمر(١) والخمير إلى أرض البؤس والجوع ، فقلنا : أنت أعلم .
قال : فإنما قدمت هذه البلدة أتوَكَّفُ(٢) خروج نبي قد أظلَّ زمانه، وهذه البلدة
مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد أُظلكم زمانه ، فلا تسبقن إليه يا معشر
يهود ، فإنه يُبعث بسفك الدماء ، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعنكم ذلك
منه، فلما بعث الله رسوله محمداً عَ له وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية - وكانوا
شباناً أحداثاً - : يا بني قريظة؛ والله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهَيِّبان . قالوا :
ليس به . قالوا : بلى والله إنه لهو بصفته ، فنزلوا وأسلموا ، فأحرزوا دماءهم وأموالهم
وأهليهم(٣) .
وذكر الواقدي عن النعمان السََّئي(٤)، قال : وكان من أحبار يهود باليمن ، فلما سمع
بذكر النبي عَّله قدم عليه، فسأله عن أشياء. ثم قال: إن أبي كان يختم على سِفْرٍ يقول:
لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنيِّ قد خرج بيثربَ ، فإذا سمعت به فافتحه . قال نعمان :
فلما سمعت بك فتحت ذلك السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة ، وإذا فيه ما تُحِلُّ
وما تُحَرِّم ، وإذا فيه أنك خيرُ الأنبياء ، وأمتك خير الأمم ، واسمك أحمد صلى الله عليك
(١) (( الخمَر)): بفتح الميم، ومثلها: الخَمَار: الجماعة الكثيرة من الناس، والعبارة تشير إلى ما كان عليه
في بلاده في وَفْر ووفرة .
(٢) ((أَتُوَكَّفُ)): من قولهم : توكَّف فلان الخبر: توقعه وسأل عنه .
(٣) السيرة النبوية ٢١٣/١ - ٢١٤. ودلائل النبوة؛ لأبي نُعيم ٢٣/٢ - ٢٤ وللبيهقي ٨٠/٢ - ٨١
عن ابن إسحاق ، وفي إسناده انقطاع ، فهو ضعيف .
(٤) (( السَّبْتَّ)): نسبة إلى سيا بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
- ١٣١ -

وسلم ، وأمتك الحمَّادون ، قربانهم(١) دماؤهم ، وأناجيلهم(٢) صدورهم ، لا يحضرون
قتالاً إلا وجبريل معهم ، يتحنن الله عليهم كتحنن الطير على أفراخه، ثم قال لي : إذا سمعت
به فاخرجْ إليه وآمن به وصدق به ، فكان النبي عَلِ يحب أن يسمع أصحابُه حديثَه ،
فأتاه يوماً فقال له النبي عَ له: يا نعمان! حدثنا. فابتدأ النعمان الحديث من أوله ، فرئي
رسولُ الله عَّه يتبسم ثم قال: أشهد أني رسول الله. ويُقال: إن النعمان هذا هو الذي
قتله الأسود العنسي ، وقطّعه عضواً عضواً وهو يقول : أشهد أن محمداً رسول الله وأنك
كذاب مفتر على الله عز وجل ، ثم حرَّقه بالنار(٣) ..
أخبرنا الشيخان أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى المَوْصلي، وأبو الهيجاء
غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب قراءة على الأول وأنا أسمع ، وبقراءتي على الثاني ،
قالا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزذ الدارَقِّي(٤) قراءةً عليه ، قال
الأول : وأنا في الخامسة ، وقال الثاني: وأنا أسمعُ . قال : أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن
محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، قال : أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن
إبراهيم بن غيلان البزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ،
حدثنا محمد بن يونس ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، عن
عبد الله بن جعفر ، عن أبي عون ، عن المسور بن مخرمة ، عن ابن عباس ، عن أبيه العباس
ابن عبد المطلب ، قال : قال لي أبي عبد المطلب بن هاشم : خرجتُ إلى اليمن في رحلة
الشتاء والصيف ، فنزلت على رجل من اليهود يقرأ الزبور(٥)، فقال: يا عبد المطلب بن
(١) ((قربانهم دماؤهم)): يتقربون إلى الله تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد .
(٢) في (( ج)) و((د)) وهامش ((ب)): أناجيلهم في صدورهم.
(٣) الطبقات الكبرى ٥٣٥/٥ .
(٤) الدارَقَزَّي: نسبة إلى دار القز ، محلة ببغداد، لبيع القز؛ كالدار قطنّي منسوباً إلى دار القطن ، وهو عمر
ابن محمد بن معمر بن أحمد بن يحيى ، أبو حفص البغدادي ابن طبرزذ. انظر سير أعلام النبلاء ٥٠٧/٢١ .
(٥) ((الزبور)): هو في اللغة بمعنى الكتاب، والمراد به هنا: التوراة كتاب اليهود، لا زبور داود عليه السلام.
- ١٣٢ -

هاشم ! ائذن لي أنظر في بعض جسدك . قال : قلت انظر ما لم يكن عورة . قال : فنظر
في مَنْخِري ، قال : أجد في إحدى منخريك مُلْكاً وفي الأخرى نبوّة ، فهل لك من شاعة ؟
قال : قلت : وما الشاعة ؟ قال : الزوجة . قال : قلت : أما اليوم فلا . قال : فإذا قدمت
مكة فتزوج . قال : فقدم عبد المطلب مكة فتزوج هالة بنت وهيب بن زُهرة ، فولدت
له حمزة وصفية، وتزوج عبد الله آمنة بنت وهب، فولدت له رسولَ الله عَ هم ، فكانت
قريش تقول : فلج(١) عبد الله على أبيه .
(١) ((فَلَجَ)): ظهرَ وفازَ .
- ١٣٣ -

خبر إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه(١)
روينا عن ابن إسحاق ، قال: حدثني عاصم(٢) ، عن محمود ، عن ابن عباس قال ::
حدثني سلمان الفارسي من فِيه ، قال : كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان من قرية يُقال.
لها جيّ(٣) ، و کان أبي دهقان(٤) قریته ، و کنتُ أُحبَّ خلق الله إليه ، ولم يزل حبُّه إياي
حتى حبسني في بيت كما تُحْبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطِنَ(٥) النار
الذي يُوقدها ، لا يتركها تخبو ساعة ، وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، فشغل في بنيان له يوماً ،
فقال لي : يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطْلُعها (٦) ،
وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي : ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت
أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل أمر من أمري . فخرجتُ أزيد ضيعته التي بعثني :
إليها ، فمررت بكنيسة من کنائس النصارى ، فسمعت أصواتھم فیها وهم يُصلّون ، وكنت
لا أدري ما أمُرُ الناس ، لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعتُ أصواتَهم دخلتُ عليهم أَنْظُرُ
ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ، ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خبر من
الذي نحن عليه ، فوالله ما برِحتُهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ،
ثم قلت لهم أين أصل هذا الدین ؟ قالوا : بالشام . فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي ،
وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : أي بني ! أين كنتَ ؟ ألم أكن عهدتُ إليك
ما عهدتُ ؟ قلت : يا أبت ؛ مررت بالناس يُصلُّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيتُ من
(١) كذا في ((ج)) وفي ((أ)) و (ب)): خبرُ سلمان الفارسيّ. وفي ((د)) ونور النبراس: إسلامُ سلمانَ
الفارسي .
(٢) عاصم : هو عاصم بن عمر بن قتادة الإِمام العلامة في المغازي ، تقدمت ترجمته .
(٣) ((جي)): في معجم البلدان ٢٠٢/٢ اسم مدينة في ناحية أصبهان القديمة، وتسمى الآن ((شهرستان)).
(٤) ((دِهقانُ قريته)): رئيس القرية، وهو صاحب أملاك زراعية وأتباع.
(٥) ((قَطِنَ النار)): خادمها.
(٦) ((فَاطْلُعْها)): انظر فيها .
- ١٣٤ -

دينهم ، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس . قال : أي بني ! ليس في ذلك الدين
خيرٌ ، دينك ودين آبائك خيرٌ منه . فقلت له : كلا والله ، إنه لخير من ديننا . قال :
فخافني ، فجعلَ في رجلَي قيداً ، ثم حبسني في بيته .
(رحلته في طلب الحق) :
وبعثت إلى النصارى ، فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركبٌ من الشام فأخبروني بهم .
فقدم عليهم تجارٌ من النصارى فأخبروني ، فقلت لهم : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة
إلى بلادهم فآذنوني بهم . قال : فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم ، فألقيتُ الحديدّ من
رجلَّ، ثم قدمتُ معهم حتى قدمتُ الشام .
(مع أسقف الشام) :
فلما قدمتُها قلت : مَنْ أفضلُ أهل هذا الدين علماً ؟ قالوا الأسقف(١) في الكنيسة .
فجئتُه فقلت له : إني قد رغبت في هذا الدين ، وأحببت أن أكونَ معك ، فأخدمَك في
كنيستك، وأتعلَّم من علمك، وأصلِّي معك . قال : ادخل فدخلت معه . فكان رجلَ
سوءٍ يأمُرُهم بالصدقة ويرغِّبُهُم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنزَه لنفسه ولم يعطِه
المساكين ، حتى جمعَ سبعَ قِلالٍ من ذهبٍ وورِق ، فأبغضتُه بغضاً شديداً لما رأيته يصنع ،
ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه . قلت لهم إن هذا كان رجلَ سوء يأمرُكم بالصدقة
ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئاً . فقالوا لي :
وما علمُك بذلك ؟ قلت : أنا أدلكم على كنزه . فأريتُهم موضعَه ، فاستخرجوا سبعَ قلال
مملوءةٍ ذهباً وورِقاً ، فلما رأوها قالوا : والله لا ندفنه أبداً ، فصلبوه ورمَوْه بالحجارة .
وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه ، فما رأيت رجلاً لا يصلى(٢) الخمس أُرى أنه
أفضلُ منه، وأزهدُ في الدنيا ، ولا أرغبُ في الآخرة ولا أدْبُ ليلاً ونهاراً منه ، فأحببته
حباً لم أحبّه شيئاً قبله ، فأقمت معه زماناً ، ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : يا فلان ! إني
(١) ((الأسقفُّ)): بتشديد الفاء وتخفيفها، عالم رئيس ، من علماء النصارى ورؤسائهم.
(٢) انظر تعليقنا رقم (٥) ص ١٣٠ في شرح مثل هذه العبارة .
- ١٣٥ -

قد كنت معك وأحببتُك حباً شديداً لم أحبه شيئاً قبلك، وقد حضرك من الأمر ما ترى
فإلى من تُوصي بي ؟ وبم تأمُرُني؟ فقال: أي بني ! والله ما أعلم أحداً على ما كنتُ عليه،
ولقد هلك الناس ، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالمَوْصل ، وهو فلان ،
وهو على ما كنتُ عليه .
(مع أسقف الموصل) :
فلما مات وغُيِّبَ لحقتُ بصاحب الموصل ، فقلت له : يا فلان ! إن فلاناً أوصاني
عند موته أن ألحقَ بك ، وأخبرني أنك على أمره . فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده ،
فوجدته خيرَ رجلٍ ، على أمر صاحبه ، فلم يلبث أن مات ، فلما حضرته الوفاةُ قُلت :
يا فلان ! إن فلاناً أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ،
فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه.
إلا رجلاً بنَصِيبين ، وهو فلان ، فالحق به .
(مع أسقف نصيبين) :
فلما مات وغيِّب لحقبث بصاحب نَصيبين ، فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي .
فقال أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجدته على أمر صاحبه ، فأقمت مع خير رجل ، فوالله
ما لبث أن نزل به الموت، فلما حُضِرَ قلت له : يا فلان ؟ إن فلاناً كان أوصى بي إلى
فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني والله
ما أعلم بقي أحدٌّ على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمُّوريّة من أرض الروم فإنه على مثل
ما نحن عليه ، فإن أحببت فأته .
(مع أسقف عمّورية) :
فلما مات وغيِّب لحقب بصاحب عمّورية فأخبرته خبري . فقال : أقم عندي ،
فأقمتُ عند خير رجل ، على هدي أصحابه وأمرهم ، واكتسبت حتى كانت لي بقرات
وغُنيمة ، ثم نزل به أمر الله، فلما حُضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي
إلی فلان ، ثم أُوصی بي فلان إلى فلان ، ثم أوصى بې فلان إليك ، فإلى من توصي بي ؟ويم
- ١٣٦ -

تأمرني ؟ قال: أي بني ! والله ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس ، آمرك
أن تأتيه ، ولكنه قد أظلّ زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب ، مُهاجره
إلى أرضٍ بين حرتين بينهما نخل ، به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ،
بين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحقَ بتلك البلاد فافعل . ثم مات وغيِّب .
(إلى وادي القرى) :
فمكثت بعمّورية ما شاء الله أن أمكثَ ، ثم مرَّ بي نفر من كلب تجار ، فقلت لهم :
احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ، فقالوا: نعم . فأعطيتهموها
و حملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني ، فباعوني من رجل يهوديّ ، فكنت
عنده ، فرأيتُ النخلَ ، فرجوتُ أن يكون البلدة التي وصف لي صاحبي ولم يحقَّ في
نفسي(١)
( في المدينة ) :
فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عمٍّ له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فحملني
إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمتُ بها .
وبُعث رسولُ الله عَ لله، وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل
الرق ، ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ(٢) لسيدي أعمل له فيه بعض
العمل ، وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ، فقال : يا فلان !
قاتل الله بني قَيْلة ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون
أنه نبّ . فلما سمعتها أخذتني العُرَوَاءِ(٣) ، حتى ظننت أني ساقط على سيدي ، فنزلت عن
النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك : ما تقول ؟ فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ،
ثم قال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شيء ، إنما أردت أن أستثبته عما قال.
(١) في (( ج)) و( د)): ولم يحقّ عندي.
(٢) ((عَذَق)): بفتح العين: النخلة، وبكسرها : اسم للعرجون.
(٣) (( العُرَوَاء)): الرُّعدة من البرد أو الحمَّى، وفي ((ج)) و(د)): فأخذتني الرِّعدةُ العَرَوَاءُ.
- ١٣٧ -

(لقاؤه مع رسول الله عَ ◌ّهِ):
وقد كان عندي شيء جمعته ، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله عَ ليه
وهو بقباء ، فدخلت عليه، فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب
لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحقُّ به من غيركم ، فقريته
إليه . فقال رسول الله عَّه لأصحابه : كلوا، وأمسك يده فلم يأكل . فقلت في نفسي
هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئاً، وتحول رسول الله عَ لَه إلى المدينة، ثم
جثته ، فقلت : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها ، فأكل رسول
الله عَّه وأمر أصحابه فأكلوا معه ، فقلت في نفسي ، هاتان ثِنْتان . ثم جئت رسول الله
عَطِّ وهو ببقيع الغرقد قد تبعَ جنازة رجل(١) من أصحابه، علّ (٢) شملتان لي ، وهو
جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ثم استدرتُ أنظرُ إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف
لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ الله عَ له استدبرته عرفَ أني أستثبت في شيءٍ وُصف لي ،
فألقى الرداءَ عن ظهره فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُه ، فأكببتُ عليه أُقَبِّلُه وأبكي . فقال (٣).
لي رسولُ الله ګ : تحوّل ، فتحولت فجلست بین یدیه ، فقصصت علیه حدیثی کا
حدثتك يا ابن عباس. فأعجب رسولَ الله عَ لِ أن يسمع ذلك أصحابه .
(مكاتبته) :
ثم شغل سلمانَ الرُّ حَتَى فاتَّه مع رسول الله عَ لِّ بدر وأحد قال سلمان: ثم قال
لي رسولُ الله عګ : کاتب یا سلمان ! فکاتبتُ صاحبي علی ثلثمائة نخلة أُحییها له
بالفقير(٤)، وأربعين أوفيّة، فقال رسول الله عَ ليه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل ،
الرجل بثلاثين ودِيّة (٥)، والرجل بعشرين ودِيّة ، والرجل بخمس عشرة ، والرجل بعشر ،
(١) سقطت كلمة (( رجل)) من (( ب)) ..
(٢) في ((ج)) و(( د)): وقد تبعّ جنازة رجلٍ من أصحابه، وعلَّ شملتان ..
(٣) (لي)) سقطت من (( ج )) و( د)).
(٤) ((الفقير)): البئر، وفم الوادي. وكل حفرة تُحفر للفسيلة لتغرسَ فيها تُسمَّى فُقْرة وفقير .
(٥) ((وَدِيّة)): الفسيلة من النخل.
- ١٣٨ -

يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودِيّة. فقال لي رسول الله عَّهِ:
اذهب يا سلمان ففقْ(١) لها، فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعُها بيدي ، فَفَقُّرْتُ ، وأعانني
أصحابي ، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج معي إليها ، فجعلنا نُقرِّبُ إليه الودِيّ
ويضعُه رسول الله عَّ لمه بيده حتى فرغت ، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتَ منها وديّة
واحدة، فأديتُ النخلَ وبقي علّ المال، فأُتي رسولُ الله عَ لَه بمثل بيضة الدجاجة من
ذهب من بعض المعادن ، فقال : ما فعل الفارسيّ المكاتب ؟ فدُعيت له ، فقال : خذ هذه
فأدها مما عليك يا سلمان . قلت : وأين تقع هذه يا رسول الله مما علَّي؟ قال : خذها
فإن الله سيؤدي بها عنك . فأخذتُها فوزنت لهم منها ، والذي نفس سلمان بيده أربعين
أُوقّة، فأوفيتُهم حقَّهم، فشهدتُ مع رسول الله عَ لِ الخندق (حُرّاً)(٢) ثم لم يفتني معه
مشهد(٣)
وذكر أبو عمر في خبر سلمان ، من طريق زيد بن الحباب ، قال : حدثني حسين
ابن واقد ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن سلمانَ أتى رسول الله عَ ◌ّهِ ، وفيه :
فاشتراه رسولُ الله عَ لله من قوم من اليهود بكذا وكذا درهماً، وعلى أن يغرسَ لهم كذا
وكذا من النخل، يعمل فيها سلمان حتى تدركَ (٤)، فغرسَ رسولُ الله عَ لَّلِ النخل كلّه
(١) (( فَفَقّر لها )) : احفر لها موضعاً.
(٢) ((حُرّاً )) زيادة من ((ج)) و((د)) والسيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢١/١.
(٣) خبر إسلام سلمان الفارسي في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٧/١ - ٢٥٢، وطبقات ابن سعد
٧٥/٤ - ٨٠، وصفة الصفوة ٥٢٣/١ - ٥٣٣، ودلائل النبوة؛ للبيهقي ٨٢/٢ - ١٠٠، وحلية
الأولياء ١٩٣/١ - ١٩٥، وتاريخ بغداد ١٦٥/١ - ١٦٩، وتهذيب تاريخ دمشق
١٩١/٦ - ١٩٣، وسير أعلام النبلاء ٥٠٦/١ - ٥١١، وأسد الغابة ٤١٧/٢ - ٤١٩، ومجمع
الزوائد ٣٣٢/٩ - ٣٣٧. وأخرجه الإمام أحمد في «المسند)) ٤٤١/٥ - ٤٤٤، والطبراني في
((المعجم الكبير)) ٢٧٢/٦ - ٢٧٧ رقم (٦٠٦٥) عن ابن إسحاق ، وإسناده قوي ، رجاله ثقات .
ورواه ابن حبان في صحيحه (٥٥٨) و (٥٥٩) موارد ، عن قرة الكندي من غير طريق ابن إسحاق ،
ورجاله ثقات . والحاكم في المستدرك ٥٩٩/٥/٣ - ٦٠٢ من غیر طريق ابن إسحاق ، عن زيد بن
صوحان وصححه ، وتعقبه الذهبي فقال : بل مجمع على ضعفه .
(٤) ((حتى تُدركَ)): حتى تبلغَ الإِثمار والإنتاج.
- ١٣٩ -

إلا نخلة غرسها عمر ، فأطعم النخل كلُّه إلا تلك النخلة التي غرسها عمر ، فقال رسول:
الله عٍَّ: من غرسَها؟ قالوا: عمر. فقلعَها وغرسَها رسولُ الله عَ له فأطعمتْ من
عامها(١) .
وذكر البخاري(٢) رحمه الله حديث سلمان كما ذكره ابن إسحاق ، غير أنه ذكر أن
سلمان غرسَ بيده وَديّة واحدة، وغرسَ رسول اللهِ عَ له سائرها، فعاشت كلُّها إلا التي
غرسَ سلمان . هذا معنى حديث البخاري رحمه الله .
(عود للحديث عن رحلته إلى المدينة) :
وعن سلمان أنه قال لرسول الله عَ له حين أخبره بخيره: أن صاحب عمّوريّة قال
له : إنت كذا وكذا من أرض الشام فإن بها رجلاً بين غيضتين(٣)، يخرج في كل سنة
من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزاً ، يعترضه ذوو الأسقام ، فلا يدعو لأحد منهم
إلا شفي ، فسله عن هذا الدين الذي تبتغي فهو يخبرك عنه . قال سلمان : فخرجت حتى
جئت حيث وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك ، حتى خرج لهم
تلك الليلة مستجيزاً من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيَه الناسُ بمرضاهم لا يدعو
لمريض إلا شفي ، وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل
إلا منكبه ، فتناولته . فقال: من هذا ؟ والتفت إلي ، فقلت : يرحمك الله ! أخبرني عن
الحنيفية دين إبراهيم ؟ قال : إنك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم ، قد أظلَّكَ
نبِّي يُبعث بهذا الدين من أهل الحرم فأته فهو يحملك عليه . ثم دخل . فقال رسول الله
عَّلِ: لئن كنتَ صدقتني لقد لقيتَ عيسى بن مريم(٤) ...
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند٠ ٣٥٤/٣، والاستيعاب ٥٧/٢. وإسناده حسن. قال في نور النبراس:
كان ينبغي للمؤلف عزوه للمسند لا لأبي عمر. لوحة ١٣١.
(٢) روى البخاري قصة إسلام سلمان في المغازي ( باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب) رقم /٤١١٣/،
. وذكر حديث سلمان كما ذكره ابن إسحاق في غير الصحيح .
(٣) ((غيضتين)): الغيضة: الشجر الملتف.
(٤) السيرة النبوية، لابن هشام ٢٢١/١ - ٢٢٢، وقال السهيلي: إسناد هذا الحديث مقطوع، وفيه
رجل مجهول ، ويقال : إن الرجل هو الحسن بن عمارة ، وهو ضعيف بإجماع منهم ..
- ١٤٠ __