Indexed OCR Text
Pages 101-120
قالت : تتابعت على قريش سنون ذهبن بالأموال وأشفين(١) على الأنفس . قالت : فسمعت قائلاً يقول في المنام : يا معشر قريش ! إن هذا النبّي المبعوث : منكم ، وهذا إِنَّانُ خروجه. وبه يأتيكم الحيا والخِصب ، فانظروا رجلاً من أوسطكم نسباً طُوالاً (٢) عُظَاماً، أبيضَ ، مقرونَ الحاجبين، أهدبَ الأشفار ، جعداً (٣) ، أسهل (٤) الخدين ، رقيق العرنين(٥) ، فليخرج هو وجميع ولده ، وليخرج منكم من كل بطن رجلٌ ، فتطهروا وتطيبوا ، ثم استلموا الركن ، ثم ارقَوْا إلى رأس أبي قُبيس ، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون ، فإنكم ستُسقون . فأصبحتْ فقصت رؤياها عليهم ، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب ، فاجتمعوا إليه ، وخرج من كل بطن منهم رجل ، ففعلوا ما أمرتهم به ، ثم علَوا على أبي قبيس، ومعهم النبي عَّمِ وهو غلام . فتقدم عبد المطلب وقال : لاهم (٦)! هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو (٧) إمائك ، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون ، فذهبت بالظّلف والخف والحافر(٨)، وأشفت على الأنفس ، فأذهبْ عنا الجدب وائتنا بالحيا والخصب ، فما برحوا حتى سالت الأودية ، وبرسول الله عَّلِ سُقوا، فقالت رُقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف : بشيبةً الحمدِ أسْقَى الَّلهُ بلدتنا وقد فقدْنَا الحَيا واجْلَوَّذ المطرُ (٩) (١) ((وأشفينَ على الأنفس)): أشرفن على الهلاك. (٢) ((طوالاً عُظَاماً)): على وزن فُعال، بالغ الطول. و(( عُظاماً)»: بالغ العظم ، فكلاهما من أبنية المبالغة ومثلهما : طوّالاً وعظّاماً بالتشديد . (٣) ((جَعْدَاً)) هي هنا تعني أنه شديد الأسْر والخَلْقِ. (٤) (( أُسْهَل الخدين)): سائل الخدين، وفي ( جـ)) و(( د)): (( أسيل)). (٥) ((رقيق العِزْنِيْن)): بكسر العين؛ الأنف، وقيل : رأسه. (٦) أي : اللهم . (٧) وفي هامش (( ب)): ((وبنات إمائك)) ولعلها الأنسب. (٨) والحافر، كذا في ((أ)) . (٩) ((واجْلَوَّذَ المطر)»: تأخر نزوله، وامتدَّ وقتُ انقطاعه. - ١٠١ - دانٍ فعاشتُ به الأنعامُ والشجر(١) فجادَ بالماءِ جَوْنِّي له سَبَلٌ مَنّاً مِن الله بالميمون طائِرُهُ وخيرٍ مِن بُشْرَتْ يوماً به مُضْرٌ ما فِي الأَنامِ له عِدْلٌ ولا خَطَرُ(٢) (٢) مُباركُ الأمرِ يُستبقى الغمامُ به (١) جونّي: نسبة إلى الجون، وهو السحاب الأسود المحمَّل بالمطر. و((سَبْلٌ)): السبل: المطر النازل المتواصل بين السماء والأرض. (٢) ((عِدْ ولا خَطَر)): لا نظير له ولا عوض. : (٣) خبر استسقاء أهل مكة بجدّه، وهو عَّة معهم، وسقياهم ببركته؛ رواه ابن سعد ٩٠/١ ، والبلاذري ، وابن أبي الدنيا، والطبراني، والبيهقي ١٥/٢ - ١٩، والسيرة الشامية . ١٧٨/٢ - ١٧٩. - ١٠٢ - ذكر وفاة عبد المطلب صِّل الله وكفالة أبي طالب للنبي عليه ثم إن عبد المطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف في حقيقتها ، قال أبو الربيع ابن سالم : أدناها فيما انتهى إلَّ ووقفتُ عليه: خمس وتسعون سنة ، ذكره الزبير ، وأعلاها فيما ذكره الزبير أيضاً عن نوفل بن عمارة ، قال : كان ◌ُبيد بن الأبرص ◌ِرْبَ عبد المطلب ، وبلغ عُبيد مائة وعشرين سنة ، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة . وكانت وفاته سنة تسع من عام الفيل، وللنبي عَ ◌ّةٍ يومئذ ثمان سنين ، وقيل : بل توفي عبد المطلب وهو ابن ثلاث سنين . حكاه أبو عمر(١) . وبقي رسولُ الله عَ لّه بعد مَهلك جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون ، وذلك أن عبدَ الله أبا رسول الله عَ لّه وأبا طالب أخوان لأب وأم؛ فكان أبو طالب هو الذي يلي رسولَ الله عَ لِه بعد جده ، فكان إليه ومعه . وذكر الواقدي أن أبا طالب كان مُقِلاَّ من المال ، وكانت له قطعة من الإِبل تكون بعُرَنة(٢)، فيبدو (٣) إليها فيكون فيها، ويُؤْتى بلبنها إذا كان حاضراً بمكة، فكان عِيالُ أبي طالب إذا أكلوا جميعاً أو فُرادى لم يشبعوا، وإذا أكلَ معهم النبُّ حَّ ◌ُلِ شبعوا، فكان أبو طالب إذا أرادَ أن يُغدِّيهم أو يُعَشِّيهم يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني. فيأتي رسولُ الله عَّله فيأكل معهم فيُفْضلون من طعامهم، وإن كان لبناً شربَ رسول الله عَ لِ أَوَّلَهم، ثم يُناول القَعْبَ(٤) فيشربون منه فيروَوْنَ من عند آخرهم من القعْب الواحد ، وإن كان أحدُهم ليشربُ قَعْباً وحدَه ، فيقول أبو طالب : إنَّك لمبارك . وكان الصبيان يُصبحون (١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢٢/١ على هامش الإصابة . (٢) (( عُرَنة)): مسيل الوادي الواقع في مدخل عرفات مما يلي مكة، والمسجد واقع فيها . (٣) ((فيبدو)): من بدا ؛ أي نزل البادية. (٤) ((القعب)) : القدح . - ١٠٣ - شُعْئاً رُمْصَاً (١)، ويصبح رسول الله عَ ليه دهيناً كحيلاً . وقالت أم أيمن - وكانت تحضنه - ما رأيتُ رسولَ الله عَِّ شكا جُوعاً قطُّ ولا عطشاً ، وكان يغدو إذا أصبحَ فيشربُ من ماء زمزم شَرْبَةٌ ، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول : أنا شبعان . (١) (( رُمْصَاً)): جمع أرمص، والرَّمَص؛ وسخ يجتمع في مُوق العين . - ١٠٤ - ذكر سفره عَ لّم مع عمه أبي طالب إلى الشام وخبره مع بحيرا الراهب وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام قبل النبوة قال أبو عمر : سنة ثلاث عشرة من الفيل . وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار(١) سنة إحدى وعشرين(٢). وقال أبو الحسن(٣) الماوردي: خرج به عليه الصلاة والسلام عمه أبو طالب إلى الشام في تجارة له وهو ابن تسع سنين . وذكر ابن سعد بإسناد له عن داود(٤) بن الحصين: أنه كان ابن اثنتي عشرة سنة (٥). قال ابن إسحاق : ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام فلما تهيأً للرحيل صَبَّ به رسول الله عَ لِّ فيما يزعمون فرقُّ له أبو طالب، وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً أو كما قال . فخرج به معه ، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام ، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له ، وكان انتهى إليه علمُ أهل النصرانية ، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قَطُ (٦) راهبٌ، إليه يصيرُ علمهم عن كتاب فيها - فيما يزعمون - يتوارثونه كابراً عن كابر . فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا ، وكانوا كثيراً مايمُون به قبل ذلك فلا يُكلِّمُهم ولا يعرض لهم ، حتى كان ذلك العام ، فلما نزلوا به قريباً من صومعته صنعَ لهم طعاماً كثيراً ، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته ، يزعمون أنه رأى رسولَ الله عَّله في الركب حين أقبلوا وغمامةٌ تُظِلُّه من بين (١) ((الفِجار)): بكسر الفاء بمعنى المفاجرة ، سميت بذلك لوقوع القتال في الشهر الحرام. (٢) الاستيعاب ١٥/١ مع الإصابة. (٣) أبو الحسن الماوردي : هو علي بن محمد بن حبيب القاضي البصري الشافعي ، له تصانيف كثيرة منها ((الحاوي)) و(( الأحكام السلطانية))، توفي سنة ٤٥٠ هـ. شذرات الذهب ٢٨٥/٣. (٤) داود بن الحصين : هو مولى عمرو بن عثمان بن عفان ، روى عن عكرمة وعبد الرحمن الأعرج ، وروى عنه مالك وابن إسحاق وغيرهما ، وثقة ابن معين وضعفه غيره . الجرح والتعديل ٤٨٠/٣ . (٥) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٢٠/١ - ١٢١ وفي سنده الواقدي . (٦) (( قَطُّ)): بتشديد الطاء وكسرها ، بمعنى الدهر ، مخصوصاً بالماضي. - ١٠٥ - : القوم ، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة منه ، فنظرَ إلى الغمامة حتى أظلَّت الشجرة وتهصرت(١) أغصانُ الشجرة على رسول الله عَ لِه حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام فصُنع ، ثم أرسل إليهم : إني قد صنعت لکم طعاماً يا معشر قريش وأُحبُّ أن تحضروا کلُّکم صغيرُ کم و کبیرُ کم ، وعبيدُ کم وحر ◌ُم ، فقال له رجل منهم : والله يا بحيرا إن بك اليوم لشأناً ، ما كنتَ تُصنعُ هذا بنا وقد كنا ثمّ بك كثيراً ، ما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرا : صدقتَ ، قد كان ما تقول ، ولكنّكم ضيفٌ ، وقد أحببتُ أن أكرمَكم وأصنعَ لكم طعاماً فتأكلوا منه كلَّكم ، فاجتمعوا إليه. وتخلَّفَ رسولُ الله عَّ له من بين القوم لحداثةٍ سنِّهِ في رِحَال القوم ، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفُ ويجدُ عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفنَّ أحدٌ منكم عن طعامي . قالوا له : يا بحيرا ما تخلَّف عن طعامِك أحدٌ ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثُ القوم سِنّاً ، فتخلَّف في رحالهم . قال : لا تفعلوا ، ادعُوه فليحضرِ هذا الطعام معكم . فقال رجل من قريش : واللات والعزى إن كان للؤماً بنا أن يتخلَّف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا . ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسّه مع القوم، فلما رآه بحیرا جعل يلحظُه حظاً شديداً ، وينظر إلى أشیاء من جسده قد کان يجدها عنده من صفته ، حتى إذا فرغَ القومُ من طعامهم وتفرَّقوا ، قام إليه بحيرا ، فقال له: يا غلام ! أسألُك بحقّ اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمعَ قومَه . يحلفون بهما - فزعموا أن رسولَ الله عَل قال: لا تسألني باللات والعزى شيئاً،. فوالله ما أبغضتُ شيئاً قطُّ بعضَهما . فقال له بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه . فقال له : سلني عما بدًا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله : من نومه ، وهيئته ، وأموره. ويخبرُه رسولُ الله ◌ِّ له فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده ، فلما فرغ أقبلَ على عمِّه أبي طالب فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . قال : ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكونَ أبوه حيّاً. قال: فإنه ابن أخي . قال: فما فعلَ أبوه ؟ قال: ماتَ وأمُّه حُبلى به . قال : صدقتَ ، فأرجعْ بابن أخيك إلى بلده واحذرْ عليه يهود ، فوالله لئن رأوه .... (١) ((تَهصُرُتْ)): تهدلت. - ١٠٦ - وعرفوا منه ما عرفتُ لَبْغُنَّه شراً ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم، فأسرعْ به إلى بلاده . فخرجَ به عمُّه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ، فزعموا أن نفراً من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله عَ ليه مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمِّه أبي طالب ، فأرادوه فردّهم عنه بحيرا في ذلك ، وذكَّرَهم الله تعالى ، وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفاته ، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه ، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه(١). • قوله: فصبَّ به رسول الله عَ ◌ّله، الصبابة: رقّةُ الشوق، وصببت أصَبُّ. وعند بعض الرواة فضَبَثَ به : أي لزمَه . قاله السهيلي(٢). وروينا من طريق الترمذي : حدثنا الفضلُ بن سهل أبو العباس الأعرج البغدادي ، حدثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح ، قال : أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بكر ابن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرجَ أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبّ ◌َ له في أشياخٍ من قريش ، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلّوا رِحَالَهم ، فخرج إليهم الراهب ، وكانوا قبل ذلك يُون به فلا يخرجُ إليهم ولا يلتفتُ. قال(٣): فهم يَحلَّون رحالهم ، فجعلَ يتخلَّلهم الراهبُ حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ، ثم قال : هذا سيّد العالمين ، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال الأشياخُ من قريش: ما عِلمُكَ ؟ فقال : إنكم حين أشرقتُم على العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرّ ساجداً ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غُضروف كتفه مثل التفاحة ، ثم رجعَ فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رِغْيَةِ (٤) الإِبل. قال: أرسلوا إليه . فأقبل وعليه غَمامَةٌ تُظِلُّه ، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيء الشجرة ، فلما جلس مال فَيُ الشجرة عليه ، فقال: انظروا إلى فَيء الشجرة مالَ عليه . قال: فبينما هو قائمٌ عليهم (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٨٠/١، ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٥/١، ودلائل النبوة ؛ للبيهقي ٢٤/٢ - ٢٩ وشرح المواهب ١٩٠/١، والخصائص الكبرى ٨٥/١. (٢) الروض الأنف ٢٠٦/١. (٣) أي : قال راوي الحديث . (٤) ((رعية الإبل)): أي كان في رعيها. - ١٠٧ - وهو يُناشدُهم أن لا يذهبوا إلى الروم، فإن الرومَ إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه . فالتفتَ فإذا سبعةٌ قد أقبلوا من الروم ، فاستقبلَهم فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا ، إن هذا النبّ خارجٌ في هذا الشهر فلم يبقَ طريقٌ إلا بُعث إليه بأناس ، وإنا قد أُخبرنا خبرَه بَعْتَنا إلى طريقك هذا . فقال هل خلفكم أحد هو خيرٌ منكم ؟ قالوا : إنما اخترنا(١) خِيرَة ◌ُعثنا لطريقك هذا . قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيَه، هل يستطيع أحدٌ من الناس ردَّه ؟ قالوا : لا . قال : فبايعوه وأقاموا معه. قال : أنشدُكم بالله أيُّكم وليه ؟ قالوا : أبو طالب. فلم يزل يُناشدُه حتى ردَّه أبو طالب ، وبعثَ معه أبو بكر بلالاً ، وزوده الراهبُ من الكعك والزيت . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن(٢) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قلت : ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في الصحيح ، وعبد الرحمن بن غزوان أبو نوح لقبه قراد انفرد به البخاري . ويونس بن أبي إسحاق انفرد به مسلم . ومع ذلك ففي متنه نكارة وهي إرسال أبي بكر مع النبي عَ فِ بلالاً. وكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين فإن النبّ يَّهِ أسنُّ من أبي أبكر بأزيد من عامين، وكانت للنبي عَ لله تسعة أعوام على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره ، أو اثنا عشر على ما قاله آخرون ، وأيضاً فإن بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً ، فإنه كان لبني خلف الجمحيين ، وعندما عُذِّبَ في الله على الإِسلام اشتراه أبو بكر رضي الله عنه رحمة له واستنقاذاً له من أيديهم ، وخبره بذلك مشهور ، وقوله : فبايعوه، إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي عَ لِ فقريب، وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو . رجع إلى خبر ابن إسحاق: وكان ◌َّ لم يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره أنه قال : (( لقد رأيتني في غلمان من قريش، ننقلُ حجارةً لبعض ما يلعبُ به الغلمان، كلنا قد (١) كذا في (( ب)) و((ج)) و (( د))، وفي ((أ)) وسنن الترمذي ٢٢٤/٩ (( إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا)) وبهامشه : في ب [ إنما اخترثا خيرة لطريقك هذا ] . (٢) رواه الترمذي في المناقب (باب ما جاء في بدء نبوة النبي عٌَّ) رقم /٣٦٢٤/، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة : الحديث رجاله ثقات ، وليس فيه منكر سوى اللفظ، فيحتمل أنها مدرجة فيه من حديث آخر وَهَماً من أحد رواته . - ١٠٨ - تعرَّى وأخذَ إزاراً وجعلَه على رقيتِه يحملُ عليها الحجارةَ ، فإني لأُقبَلُ معهم كذلك وأُدبر إذ لكمني لاكمّ ما أراه لكمةً وجيعةُ ، ثم قال: شدَّ عليكَ إزارك . قال: فأخذتُه فشددتُه علّ ثم جعلتُ أحملُ الحجارةَ على رقبتي، وإزاري علَّ من بين أصحابي))(١) . قال السهيلي : وهذه القصة إنما وردت في الحديث الصحيح (٢) في خبر بُنيان الكعبة ، كان عَّه يحملُ الحجارةَ وإزارُه مشدودةٌ عليه، فقال له العباس: يا ابن أخي، لو جعلتَ إزارَك على عاتِقك، ففعلَ، فسقطَ مغشياً عليه، ثم قال: ((إزاري إزاري)) فشدُّ عليه إزارَه ، وقام يحملُ الحجارة . وفي حديث آخر : أنه لما سقط ضمَّه العباسُ إلى نفسه ، وسأله عن شأنه، فأخبره أنه نودي من السماء : أن اشْدُدْ عليكَ إزارَكَ يا محمد . قال : وإِنَّه لأوَّل ما نُودي . قال: وحديث ابن إسحاق إن صَّح محمولٌ على أنَّ هذا الأمر كان مرتين : في حال صِغَره ، وعند بنيان الكعبة(٣). وذكر البخاري عنه عَ لَه أنه قال: (( ما هممتُ بسوءٍ من أمر الجاهلية إلا مرتين ))(٤) . وقد قرأتُ على أبي عبد الله بن أبي الفتح الصُّوري بمرج دمشق : أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني سماعاً عليه ، قال : أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل ابن بشر بن أحمد الإِسفرايني ، قال : أخبرنا أبو الحسين محمد بن مكي بن عثمان الأزدي ، أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق الحلبي ، حدثنا أبو عبد الله الحسين ابن إسماعيل المحاملي ببغداد ، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق . قال : وحدثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة ، عن الحسن بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : (١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ١٩٧/١. (٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار (باب بنيان الكعبة) رقم /٣٨٢٩/، ومسلم في الحيض (باب الاعتناء بحفظ العورة ) رقم /٣٤٠/. (٣) الروض الأنف ٢٠٨/١ . (٤) قال سبط ابن العجمي في ((نور النبراس)) لوحة ٩٢/١ : هذا ذكره البخاري في غير الصحيح فاعلمه ، وما كان ينبغي للمؤلف أن يطلق هذه العبارة ؛ لأن المتبادر إلى أفهام الناس أن ذلك في الصحيح ، والله أعلم . - ١٠٩ - سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((ما هممت بقبيح مما يَهُمُّ به أهُ الجاهلية إلا مرتين من الدهر، كلتاهما عَصمني الله عزَّ وجلَّ منهما : قلتُ ليلةً لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنمِ لأهله يرعاها : أبصرْ لي غنمي حتى أسمَرَ هذه الليلة بمكةً كما يسمرُ الفتيانُ. قال: نعم. فخرجتُ فلما جئتُ أدنى دار من دور مكة سمعتُ غِناءً وصوتَ دفوفٍ ومَزامير ، فقلت : ما هذا؟ فقالوا : فلانٌ تزوَّجَ فلانة لرجل من قريش تزوَّجَ امرأةٌ من قريش ، فلهوتُ بذلك الغِناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمتُ ، فما أيقظني إلا مَسُّ الشمس، فرجعتُ إلى صاحبني. فقال: ما فعلتَ؟ فأخبرتُه. ثم فعلتُ الليلة الأُخرى مثلَ ذلك ؛ فخرجتُ فسمعتُ مثل ذلك ، فقيل لي مثل ما قيل لي ، فسمعتُ كما سمعتُ حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعتُ إلى صاحبي فقال لي ما فعلتَ ؟. فقلت : ما فعلت شيئاً . قال رسولُ الله عَ له والله ما هممتُ بغيرهما بسوء مما يعملُهُ أَهُلُ الجاهلية حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته))(١) . وذكر الواقديّ عن أمّ أيمنَ قالت : كانت بوانة(٢) صنماً تحضره قریش ، وتعظمه وتنسكُ له ، وتحلقُ عنده ، وتعكف عليه يوماً إلى الليل في كل سنة ، فكان أبو طالب يحضُرُه مع قومه، ويُكلِّم رسولَ الله عَّهِ أن يحضرَ ذلك العيد معهم، فيأبى ذلك. قالت : حتى رأيتُ أبا طالب غضبَ عليه ، ورأيتُ عماتِه غضبن يومئذ أشدَّ الغضب وجعلنَ يقلن: إنا لنخافٌ عليك مما تصنعُ من اجتنابِ آلهتنا ، ويقلنَ : ما تريدُ يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثّر لهم جمعاً ؟! فلم يزالوا به حتى ذهبَ ، فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجعَ مرعوباً فزعاً ، فقلنا:ما دهاك ؟ قال : إني أخشى أن يكون بي لَمَمِّ(٣). فقلنا: ما كان: (١) الحديث رواه ابن إسحاق)، وابن راهويه في ((مسنده))، والبزار، والبيهقي في دلائل النبوة. ٣٣/٢ - ٣٤ وأبو نعيم في دلائل النبوة ٢٣٦/١، وابن كثير في البداية والنهاية ٨٧/٢، والسيوطي في الخصائص الكبرى ٨٩/١، والسيرة الشامية ٢٠٠/٢ . قال الحافظ ابن حجر : إسناده حسن متصل ، ورجاله ثقات ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٦/٨: رواه البزار ورجاله ثقات . : وقال ابن کثیر : وهذا حديث غريب جداً ، وقد یکون عن علي نفسه ، ویکون قوله في آخره ( حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته)) مقحماً. (٢) بُوَانة : بفتح الباء وضمها ، وتخفيف الواو . (٣) (( لم)): مٌّ من الشيطان - ١١٠ - الله عز وجل ليبتليك بالشيطان ، وكان فيك من خصال الخير ما كان ، فما الذي رأيتَ ؟ قال : كلما دنوتُ من صنم منها تمثّلَ لي رجلٌ أبيضُ طويلٌ يصيحُ بي: وراءَك يا محمد لا تمسّه. قالت: فما عادَ إلى عيد لهم حتى تنبأ (١) عَلَ}. (١) الطبقات الكبرى ١٥٨/١، وأبو نعيم في دلائل النبوة ٢٣٧/١ - ٢٣٨، والسيوطي في الخصائص الكبرى ٢٢١/١ عن أبي بكر العامري ، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : حدثني أم أيمن .. وإسناده ضعيف جداً ، فيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي سبرة العامري : رُمي بالوضع . ورواية الواقدي عن أم أيمن معضلة، لأنه وُلد سنة ١٣٠ هـ، وأم أيمن توفيت على أبعد الأقوال في خلافة عثمان . انظر نور النبراس لوحة ٩٣/١ . - ١١١ - ذكر رعيته عَ لل الغنم روينا عن محمد بن سعد : أخبرنا سُويد بن سعيد وأحمد بن محمد الأزرقي ، قالا : حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي ، عن جده سعيد يعني ابن عمرو، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ الله: ((ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم . قال له أصحابه : وأنتَ يا رسولَ الله ؟ قال : وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط (١))) . وروینا عن ابن سعد قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهیر ، حدثنا أبو إسحاق (٢) قال: كان بين أصحاب الإِبل وأصحاب الغنم تنازع ، فاستطالَ أصحاب الإِبل، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن النبِّ عَ لمه قال: (( بُعث موسى وهو راعي غنم، وبُعث داود وهو راغي غنم، وبُعثت وأنا راعي غنمِ أهلي بأجياد))(٣). (١) رواه البخاري في الإجارة (باب رعي الغنم على قراريط) رقم /٢٢٦٢/، وابن ماجه في التجارات ( باب الصناعات ) رقم /٢١٤٩ /، وابن سعد في الطبقات الكبرى ١٢٥/١. والقراريط: جمع قيراط، وهو أحد أجزاء الدينار، والمراد أنه عَ ل كان يأخذ أجرة في مقابل رعيه الغنم. (٢) أبو إسحاق: هو السَّبيعي عمرو بن عبد الله، المتوفى سنة ١٢٦ هـ وتعتبر روايته هذه عند ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٢٦/١ بلاغاً . والحديث رواه الإمام أحمد في المسند ٤٢/٣، ٩٦ ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : افتخر أهُلُ الإِبل والشاء، فقال رسول الله عَّه: (( بُعث موسى وهو راعي غنم، وبُعث داود وهو راعي غنم ، وبُعثتُ وأنا راعي غنم لأهلى بأجياد )» . قال سبط ابن العجمي : وهذا أحسن مما ذكره المؤلف؛ لأن هذا مسند وذاك بلاغ ، والله تعالى أعلم . نور التبرأس . لوحة ١٩٤/١ . (٣) قال في نور النبراس لوحة ٩٤: فائدة: إنما جُعل هذا - أعني رعي الغنم - في الأنبياء صلوات الله: وسلامه عليهم ، تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق ، ولتكون أممهم رعاياهم ، ولغير ذلك من المعاني ، والله تعالى أعلم . ۔۔ - ١١٢ -: شهوده عَِّ يوم الفِجار ثم حلف الفُضُول قال السُّهيلي : والفِجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال والمقاتلة ، وذلك أنه كان قتالاً في الشهر الحرام ، ففجروا فيه جميعاً ، فسُمِّي الفِجار ، وكانت للعرب فِجارات أربعة ذكرها المسعودي ، آخرُها فِجار البَرَاض ، وهو هذا، وكان لكِنانة ولقيس فيه أربعة أيام مذكورة : يوم شَمِظَة ويوم العَبْلاء ، وهما عند عكاظ . ويوم الشَّرب وهو أعظمها يوماً وفيه قيَّد حرب بن أمية وسفيانُ وأبو سفيان ابنا أمية أنفسَهم كي لا يفروا فسُمُّوا العنابس(١). ويوم الحُرَيْرة عند نخلة. ويوم الشَّرب انهزمت قيس إلا بني نصر منهم فإنهم ثبتوا . وكان انقضاء أمر الفجار على يدي عتبة بن ربيعة ، وذلك أن هوازن تواعدوا مع كنانة للعام المقبل بعكاظ فجاؤوا للوعد ، وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة ، وكان عتبة بن ربيعة يتيماً في حجره ، فضنَّ به حربٌ وأشفقَ من خروجه معه ، فخرجَ عتبةٌ بغير إذنه فلم يشعروا إلا وهو على بعيره بين الصفين يُنادي : يا معشر مضر ، علام تفانون ؟ فقالت له هوازن : ما تدعو إليه ؟ قال : الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا . قالوا: وكيف ؟ قال: ندفع لكم رُهُناً منا ، قالوا : ومن لنا بهذا ؟ قال : أنا . قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فرضوا به ورضيت به كنانة ، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلاً فيهم حكيم بن حزام ، فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرُّهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت حرب الفجار، وزُعم أن النبي عَ لَه لم يقاتل فيها (٢). وروينا عن ابن سعد: أن النبي عَّلم شهدها وله عشرون سنة وقال : قال عليه الصلاة والسلام : ((قد حضرته مع عمومتي ورميتُ فيه بأسهم، وما أُحبُّ أني لم أكنْ (١) ((العنابس)): الأسود، مفردها عَنْبس، وهو فعل من العبوس. (٢) الروض الأنف ٢٠٩/١، وقال السهيلي: وإنما لم يُقاتل لأنها كانت حرب فجار، وكانوا أيضاً كلهم كفار، ولم يأذن الله لمؤمن أن يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا . - ١١٣ - فعلتُ))(١) . وشهد رسول الله عَّهِ حلف الفضول منصرفَ قريش من الفِجار. قال محمد بن عمر : وكان الفِجار في شوال ، وهذا الحلف في ذي القعدة وكان أشرف خلف كان قطّ ، وأوّل من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب ، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى في دار ابن جدعان ، فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يُؤُدَّی إلیه حقُّه ما بلَّ بحر صوفة . وقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أحبُّ أنّ لي بحلفٍ حضرتُه في دارِ ابنِ جُدْعَانِ حُمْرَ النَّعَم وأني أَغدرِ به - بعينه ـ))(٢). قال محمد بن عمر : ولا نعلم أحداً سبق بني هاشم بهذا الحلف (٢). (١) طبقات ابن سعد ١٢٨/١، وتتمته ((وكنت أُثَبِّلُ على أعمامي)). وهو مرسل رواه ابن سعد عن محمد: ابن عمر الواقدي .. (٢) رواه ابن إسحاق عن طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري ١٣٤/١، وابن سعد ١٢٩/١، والبيهقي ٣٨/٢ عن جُبير بن مطعم رضي الله عنه. وسنده قوي في أحد طرقه عند البيهقي في الدلائل. (٣) الطبقات الكبرى ١٢٩/١ . - ١١٤ - ذكر سفره عليه الصلاة والسلام إلى الشام مرة ثانية وتزويجه خديجة بعد ذلك قال ابن إسحاق : ولما بلغ رسولُ الله عَ لِ خمساً وعشرين سنة تزوَّج خديجةً بنت خويلد فيما ذكره غيرُ واحد من أهل العلم(١). وقال ابن عبد البر: وخرجَ رسولُ الله عَ لَه إلى الشام في تجارة لخديجة سنة خمس وعشرين ، وتزوَّج خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوماً في عقبِ صفرَ سنة ست وعشرين ، وذلك بعد خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل(٢). وقال الزهري: كانت سنُّ رسول الله عَ ◌ّله يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة. قال أبو عمر : وقال أبو بكر بن عثمان وغيره ، كان يومئذ ابن ثلاثين سنة . قالوا : وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة . وروينا عن أبي بشر(٣) الدولاني، قال: وحدثني ابن البُرُقي(٤) أبو بكر ، عن ابن هشام، عن غير واحد، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: تزوَّج رسول الله مَ ◌ّلِ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة . وروينا عن أبي الربيع بن سالم ، قال : وذكر الواقدي بإسناد له إلى نفيسة بنت(٥) مُنْيَةً أُخت يعلى بن مُنية ، قال وقد رويناه أيضاً من طريق أبي علي بن السكن ، وحديث أحدهما داخلٌ في حديث الآخر مع تقارب اللفظ ، وربما زاد أحدُهما الشيء اليسيرَ على (١) السيرة النبوية ١٨٧/١. (٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢٣/١ على هامش الإصابة . (٣) أبو بشر الدولابي : هو محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري ، تقدمت ترجمته . (٤) ابن البرقي: هو أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ، صاحب التاريخ وراوي السيرة عن ابن هشام ، منسوب إلى برقة . نور النبراس لوحة ١٠٠ . (٥) نفيسة بنت مُنية: قال أبو عمر: لها صحبة ورواية، وقال ابن سعد: أمها مُنْيَة بنت جابر بن وهب ، أسلمت نفيسة بنت مُثْية، وهي التي مشت بين خديجة والنبي عَظُ حتى تزوجها . الإصابة ٤١٩/٤ . - ١١٥ - الآخر، وكلاهما ينمي إلى نفيسة قالت: لما بلغ رسولُ الله عَ لِ خمساً وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين ، لما تكاملَ فيه من خصال الخير ، قال أبو طالب : يا ابن أخي ! أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمانُ علينا وألحَّت علينا سنون منكرة ، وليس لنا مادة ولا تجارة ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرانها (١) فيتجرون لها في مالها ويُصيبون منافع ، فلو جئتها فوضعتْ(٢) نفسك عليها لأسرعتْ إليك وفضلتك على غيرك؛ لما يبلُغها عنك من طهارتِك ، وإن كنتُ لأكره أن تأتي الشام وأخافُ عليك من يهود ، ولكن لا نجد من ذلك بدّاً ، وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة ، وتبعث بها إلى الشام ، فتكون عيرُها كعامة عير قريش ، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربةٌ ، وكانت قريش قوماً تجاراً ، ومن لم يكن تاجراً من قريش فليس عندهم بشيء . فقال رسول الله عَّه : فلعلَّها ترسلُ إِلَّ في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخافُ أن تولِّي غيّرَك، فتطلبَ أمراً مُدبراً ، فافترقا . وبلغَّ خديجةً ما كان من مُحاورةِ عمِّه له ، وقبل ذلك ما بلغها من صدقِ حديثه وعِظَمِ : أَمانِه وكرم أخلاقه ، فقالت : ما علمتُ أنه يريد هذا ، ثم أرسلتْ له فقالت : إنه دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعِظَمِ أمانتك وكرم أخلاقك ، وأنا أعطيك ضعفَ ما أُعطي رجلاً من قومك . ففعلَ رسولُ الله آلِ ، ولقي أبا طالب فذكر له ذلك ، فقال : إِنَّ هذا الرزقٌ ساقه الله إليك. فخرجَ مع غلامها مَيْسَرَةَ حتى قدمَ الشَّامِ ، وجعل عمومته يُوصون به أهل العیر حتى قدم الشام ، فنزلا في سوق بُصرى في ظلّ شجرةٍ قريباً من صومعة راهب يُقال له تُسطورا، فاطَّلِع الراهبُ إلى ميسرةً وكان يعرفُه ، فقال : يا ميسرةُ ! من هذا الذي نزلَ تحتَ هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : رجل من قريش من أهل الحرم . فقال له الراهب : ما نزلَ تحت هذه الشجرة إلا نبّ. ثم قال له: في عينيه حمرةٌ ؟ قال ميسرةُ: نعم لا تُفارقه. قال الراهب: هُوَ هُوَ، وهوآخرُ الأنبياء، ويا ليتَ أني أُدرِكُه حين يُؤمر بالخروج . فوعى ذلك ميسرة . (١) ((غَيْرَانها)): جمع عِير، وهي الدواب والإبل التي كانوا يُتاجرون لخديجة عليها. (٢) ((فوضعتّ)): عرضتَّ: - ١١٦ - ثم حضرَ رسولُ الله ◌ُ ﴾ سوقَ بُصری فباع سلعته التي خرج بها ، واشتری فکان بينه وبين رجل اختلاف في سِلْعة ، فقال الرجل : احلفْ باللات والعزى . فقال رسول الله عَِّ: ما حلفتُ بهما قطُّ . فقال الرجل : القول قولُك. ثم قال لميسرة - وخلا به - يا ميسرة! هذا نبّ ، والذي نفسي بيده ، إنه لهو تجدهُ أحبارُنا منعوتاً في كتبهم . فوعى ذلك ميسرة. ثم انصرفَ أهل العير جميعاً، وكان ميسرةُ يرى رسولَ الله عَ ◌ّهِ إِذا كانت الهاجرة واشتدَّ الحُرّ يرى ملكين يُظلانه من الشمس وهو على بعيره، قال: وكان الله عز وجل قد ألقى على رسول الله عَّه المحبَّةَ من ميسرةَ، فكان كأنَّه عبدٌ لرسول الله عَ ◌ّه. فلما رجعوا وكانوا بمر الظَّهْران(١) تقدم رسولُ الله عَ لِ حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجةُ في عِلِيَّةٍ لها، معها نساءٌ فيهن نفيسةُ بنت مُنْية، فرأتْ رسولَ الله عَ ◌ّه حين دخل وهو راكبٌ على بعيره ومَلكان يُظلاّن عليه، فأرته نساءَها فعجبنَ لذلك ، ودخل عليها رسولُ الله عَ لِ فخبرها بما ربحوا، فسُرَّتْ بذلك، فلما دخلَ عليها ميسرةُ أخبرته بما رأت ، فقال لها ميسرة : قد رأيتُ هذا منذ خرجنا من الشام ، وأخبرَها بقول الراهب نسطورا ، وقول الآخر الذي خالفه في البيع . قالوا: وقدم رسولُ الله عَِّ بتجارتها، فربحتْ ضعفَ ما كانت تربح ، وأضعفت له ما سمَّتْ له ، فلما استقرّ عندَها هذا، وكانت امرأةً حازمةً شريفةً لبيبةً مع ما أرادَ الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذٍ أوسطُ نساء قريش نسباً ، وأعظمهُنَّ شرفاً ، وأكثرهُنَّ مالاً ، وكلُّ قومها كان حريصاً على نكاحِها لو يقدرُ عليه ، فعرضتْ عليه نفسَها ، فقالت له فيما يزعمون : يا ابن عم ! إني قد رغبتُ فيك لقرايتِك وسِطِتِكَ(٢) في قومِك وأمانتك وحسنٍ خُلقِك وصدقٍ حديثك ، فلما قالت ذلك له ، ذكر ذلك لأعمامه فخرجَ معه عمُّه حمزةُ بن عبد المطلب رضي الله عنه ، حتى دخل على خويلد ابن أسد فخطبَها إليه ، فتزوجها . (١) ((مُّ الظهران)): هو وادٍ بين مكة وعُسفان الذي تسميه العامة ببطن مر، وهو المشهور الآن بوادي فاطمة . (٢) ((ميطِّكَ)): السِّطة: مصدر من الوسط ، كالعِدة من الوعد ، وهي الفضلُ والمكانة . - ١١٧ - : قال أبو الربيع : هکذا ذکر ابن إسحاق(١) . وذکر الواقدي وغيره من حديث نفيسةً ؛ أن خديجةً أرسلتها إليه دسيساً (٢) فدعتْه إلى تزويجها . قلت : وقد روينا ذلك عن ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي ، حدثنا موسى بن شيبة ، عن عُميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع ، عن نفيسة بنت مُّنْيَةً ، قالت : كانتْ خديجةُ بنتُ خويلد امرأةً حازمةً جلدةً شريفة ، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسطُ نساء قريش نسباً ، وأعظمُهم شرفاً ، وأكثرُهم مالاً ، وكلُّ قومِها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام ، فقلت : يا محمد ! ما يمنعك أن تزوَّج؟ قال: ما بيدي ما أتزوَّجُ به . قلت : فإن كفيت . ذلك، ودُعِيتَ إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ، ألا تجيب ؟ قال: فمن هي ؟ قلت :- خديجة . قال : فكيف لي بذلك ؟ قالت : قلتُ عليَّ . قال: فأنا أفعل . فذهبت فأخبرتها ، فأرسلت إليه أن ائتِ لساعةٍ كذا وكذا، فأرسلتْ إلى عمِّها عمرو بن أسد ليزوّجَها، فحضرَ ودخلَ رسولُ اللهِ عَّه في عمومتِه، فزوَّجه أحدُهم، فقال عمرو بن أسد : هذا الفحُلُ لا يُقدعُ أنفه(٣). وتزوجها رسول اللهِ عَله وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة ، وهي يومئذ بنتُ أربعين سنة ، ولدتْ قبل الفيل بخمس عشرة سنة(٤). وذكر ابن إسحاق أن أباها خويلد بن أسد هو الذي أنكحها من رسول الله محمد في (٥) وكذلك وجدته عن الزهري وفيه : وكان خُويلد أبوها سكران من الخمر ، فلما كُلِّم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حلةً وضمَّخَتْه مخلوق، فلما صحا من سُكْره قال : ما هذه الحُلَّةَ والطِّيب ؟ فقيل له : أنكحتَ محمداً خديجة ، وقد ابتنى بها . فأنكر ذلك ثم رضيَه وأمضاه(٦). (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٨٧/١ - ١٩٠، والطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٣١/١ - ١٣٣ (٢) ((دسيساً)): خفية. (٣) ((لا يُقدع أَنفُه)): كريم لا يرد، من قولهم: قدع فلان الفحل ؛ أي ضربَ أنفه بشيء ليرتد . (٤) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٣١/١ - ١٣٢ وفيها ((هذا الْبُضْعُ لا يُقْرَعُ أنفه)) . (٥) السيرة النبوية ١٩٠/١. (٦) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٣٣/١. - ١١٨ - وقال محمد بن عمر : الثبتُ عندنا المحفوظُ من أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفِجَار وأن عمَّها عمرو بن أسد زوَّجها رسولَ الله عَلَّهِ(١). ورأيتُ ذلك عن غير الواقدي . وقد قيل إنَّ أخاها عمرو بن خويلد هو الذي أنكحها منه ، والله أعلم . وروينا عن أبي بشر الدولابي ، قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يُونس بن يزيد ، عن ابن شهاب الزهري ، قال : فلما استوى رسولُ الله عَّهِ وبلغ أشدَّه، وليس له كبير مال، استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حُبَاشة ، وهو سوق بتهامة. واستأجرت معه رجلاً آخر من قريش، فقال رسولُ الله عَ ◌ّه وهو يُحدِّث عنها: ما رأيتُ من صاحبةٍ لأجير خيراً من خديجة ، ما كنا نرجعُ أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تُحفةٌ من طعام تَخْبُوُّه لنا . وروينا عن أبي بشر محمد بن أحمد بن حماد ، قال : وحدثني أبو أسامة الحلبي ، حدثنا حجَّاج بن أبي منيع ، حدثنا جدي ، عن الزهري قال : تزوَّجتْ خديجةُ بنتُ خُويلد بن أسد قبلَ رسول الله عَ لّله رجلين: الأول منهما عتيق بن عايد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فولدت له جاريةٌ ، وهي أم محمد بن صيفي المخزومي ، ثم خلفَ على خديجةً بعد عتيق بن عايذ أبو هالة التميمي ، وهو من بني أُسَيِّد بن عمرو ، فولدت له هند بن هند . كذا وقع في هذه الرواية : عتيق بن عايذ. والصواب عابد (٢)، قاله الزبير. وسمَّى الزبيرُ الجاريةَ التي ولدتها منه : هنداً . واسم أبي هالة : هند بن زرارة بن النّاش بن غُذَي(٢) بن خُبيب بن صُرد بن سلامة ابن جروة بن أُسيّد بن عمرو بن تميم ، فيما رويناه عن الدولابي : حدثنا أبو الأشعث أحمد ابن المقدام العجلي ، حدثنا زهير بن العلاء ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة بن دعامة ، فذكره . قال ابن إسحاق : وكانت خديجةُ قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٣٣/١. (٢) ((عابد): بالباء الموحدة والدال المهملة. (٣) ((غُذي)): بالمعجمتين . - ١١٩ - وكان ابن عمها ، وكان نصرانياً قد تتبع الكتبَ ، وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرةُ من قول الراهب ، وما كان يرى منه إذا كان المَلكان يُظلاَّنه . فقال ورقةُ : لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن محمداً لنبُّ هذه الأمة، قد عرفتُ أنه كائن لهذه الأمة نبّي يُنتظر ، هذا زمانه . أو كما قال(١). قال : فجعلَ ورقةُ يستبطىءُ الأمر ، وله في ذلك أشعارٌ ، منها ما رواه يُونس بن بُکیر ، عن ابن إسحاق : وفي الصَّدرِ من إضمارِكَ الحزنَ قادحُ أَتُبْكِرُ أم أنتَ العشيةَ رائِحُ الفرقةٍ قومٍ لا أحبُّ فِرَاقَهم كأنَّكَ عنهم بعدَ يومين نازحُ يُخَبِّرُهَا عنه إذا غابَ نَاصِحُ وأخبارٍ صدقٍ خَّرَتْ عن محمّدٍ إلى كلٍّ من ضَمَّتْ عليه الأباطحُ بأن ابنَ عبد الله أحمدَ مرسلٌ كما أُرسِلَ العَبْدانِ هودٌ وَصَالحُ وظني به أنْ سوفَ يُبعثُ صادقاً في أبيات ذكرها(٢). (١) السيرة النبوية ١٩١/١. (٢) الروض الأنف ؛ للسهيلي ٢٢٠/١ وقد بلغت اثني عشر بيتاً . - ١٢٠ -