Indexed OCR Text

Pages 1-20

السِِّرةُ الْتَّبَوَيَّة
عيون الأثر
في فُنون المغَازيْ وَالشَمَائِلِ وَالسِّيْرَ
تأليف
الْحَافِظِ أَبِ الفَتْحِ مَّنْ مُحَمَّدِ بْنِ مٍَّ بن سَيِّدِ النَّاسِالْيَعْمُرى
المتوفى سنة ٧٣٤ هـ
الجزء الأوّل
حقّ نصوصه وفّج أحاديثه وعلَّن عليه
د. محمدالعبد الخطراوي محي الدين يتو
دار ابن كثير
دمشق - بيروت
مكتبة دار التراث
المدينة المنورة

-

(١)
مقدّمَة التحقيق
!
الحمد لله الذي أرسل محمد بن عبد الله بالهدى ودين الحق ؛ وأظهره على الدين كله ،
اصطفاه لنفسه من أكرم أرومة وأشرف محتد ، ورعاه في طفولته ، وربَّاه على عينه ، وأدبه
فأحسن تأديبه ، وبعثه ليتمم مكارم الأخلاق ، فكان خلقه القرآن .
وجعل سيرته وحياته بداية التاريخ المجيد للأمة الإسلامية ، ومدرسة تربوية لمجتمعاتها
الفاضلة وأجيالها الصالحة .
فصلواتُ الله وسلاماته وبركاته عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن اقتفى أثره ، وتفيَّاً
ظلال هديه ، وتأسى بسنته .
وبعد :
فقد سبق أن مَنَّ الله علينا بتحقيق كتاب ((الفصول في سيرة الرسول عَ لَه)) للحافظ
ابن كثير ، الذي هيأ لنا - بحمد الله تعالى - أن نعيش في أجواء السيرة النبوية المباركة ،
وأن نتعرف على الكثير من الكتب المؤلفة فيها ، ونضع أيدينا على أوجه التشابه(١)
والاختلاف بينها ، إذ أن تلك السِّير برغم مظاهر التشابه الكبير بينها ، لاتحاد منابعها
ومواردها، ولنظرتهم - رحمهم الله - لها على أساس حديثي معتمدٍ على الرواية
والإسناد ؛ فإن المنهج المتبع في تناول أحداث السيرة وموضوعاتها تختلف من مصنف لآخر ،
ويبقى لكل مؤلف خصوصيته وشخصيته العلمية المتميزة ؛ مما يكون سبباً بينهم للتفاضل
والتفاوت في الاختصار أو البسط ، أو مناقشة الأخبار ، أو تعليل الأحداث وتمحيص
الأسانيد ، أو ذكر التنبيهات والفوائد .. مما يجعل من جهة أخرى هذه الكتب يكمل بعضها
بعضاً ، ويضيف للمهتمين بالسيرة النبوية ما لا غنى لهم عنه .
(١) انظر ((الفصول)) طبعة دار التراث الخامسة ص ٢٥، بتحقيقنا.
- ٥ -

وقد كنا نلمسُ ذلك جلياً في تعاملنا مع تلك الكتب حينما كنا نرجع إليها في توثيق
نص ، أو تحقيق عبارة ، أو نقد رواية ، ولعل من أبرز ما لفت نظرنا منها ، وحفزنا إلى
التعلق بها سيرة ((عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير)) لابن سيد الناس المتوفى
سنة ٧٣٤ هـ ، فعقدنا العزم على تحقيقها بعد أن قلبنا النظر فيها ، وأدر كنا كثيراً من جوانب
تميزها ، مما يجعلها جديرة بأن تخدم وتقدم للناس ، ذلك أنها وإن سبق طبعها: منذ ستين
عاماً تقريباً ، وعلى وجه التحديد سنة ١٣٥٦ هـ بعناية مكتبة القدسي بالقاهرة ؛ لم تخل
من بعض الأسقاط والتصحيفات المؤثرة على السياق التاريخي ، وما تضمنته من روايات
وأخبار ؛ ربما كان سببها التطبيع أو الرغبة في سرعة إنجاز العمل ، وتوفيره كنص مطبوع
لأول مرة بين أيدي الناس، وقد أشرنا إلى بعض من ذلك في أماكنه . وفي اعتقادنا أن
هذه السيرة تميزت بمجموعة من الخصائص التي تجعل من حقها علينا أن نهتم بها ، ونوليها
الجهد والوقت ، وننتفع بما فيها من وقفات ومشاهد ، وتوثيقات وفوائد ، ويمكننا إنجاز.
دوافع اختيارنا لها فيما يلي :
١ - أنها جاءت وسطاً بين السير المطولة والمختصرة ، وهذه الميزة تجعل قراءتها
والانتفاع بها ميسرين للعامة والخاصة ، وقد كانت هذه الوسطية من أهم دوافع تأليف
· ابن سيد الناس - رحمه الله تعالى - للسيرة؛ ومن أبرز الأسس التي بنى عليها منهجه فيها :
حيث قال في المقدمة :
((فلما وقفت على ما جمعه الناس قديماً وحديثاً في المجاميع في سير النبي علية ومغازيه
وأيامه إلى غير ذلك مما يتصل به ؛ لم أر إلا مطيلاً مملاً أو مقصراً بأكثر المقاصد
محلاً(١) .... )).
٢ - أنه برغم أن معالم التأليف في السيرة النبوية تحددت أو کادت على ید من سبق
ابنَ سيد الناس من الرواة والمؤلفين ؛ فإنه استطاع أن ينهج لنفسه خطة خاصة تمثلت في
طريقة أهل الحديث :
فعمد أولاً إلى بسط الكلام عن علمين من أعلام السير والمغازي ، وهما ابن
(١) انظر تتمة كلام المؤلف فيما يأتي من مقدمته ص ٥٢ .
- ٦ -

إسحاق والواقدي(١) ، والاعتذار عن طعن الطاعنين عليهما ؛ باعتبارهما أساساً لكل من
جاء بعدهما ، والناس عالة عليهما في هذا الجانب العلمي الهام .
• وحرص في توثيق أخبار السيرة على ما أُنزل من القرآن ، وما ورد في السنة ،
وما لم يجد فيه شيئاً من ذلك رجع إلى كتب السير والمغازي المروية عنده سماعاً أو إجازة
بالأسانيد، وبعض هذه الكتب لم تصلنا؛ فسدَّت ((عيون الأثر)) مَسدَّها .
• وقد دفعته الروح الحديثية التي تناول بها موضوعاته إلى طلب الأسانيد العالية
- وهو شيء يحرص عليه جُلُّ المحدثين ، ويعدونه من مفاخرهم ، ويتكبدون من أجله
مشاق الرحلة والطلب - وهذا وإن كان يُحسب لابن سيد الناس ويُعدُّ في حسناته ، لا
يمنعنا من أن نذكر أن ذلك كان يصرفه أحياناً عن كتب أعلى منزلة حديثية إلى كتب أقل
منها ، ليس له من دافع وراء ذلك غيرُ إثبات فضل علو الإِسناد(٢).
• وإمعاناً منه في إضفاء صيغة الطريقة الحديثية على هذه السيرة النبوية ؛ ختم كتابه
بأسانيده إلى المراجع الأساس التي اعتمد عليها ؛ سواء في ذلك الكتب الستة وغيرها من
كتب الحديث ؛ أم كتب السير والمغازي والأنساب ؛ مما تلقاه عن مشايخه الأثبات سماعاً
أو إجازة (٣).
٣ - ثناء العلماء على هذه السيرة والإشادة بها؛ للفت انتباه الناس إليها من بين
كتب السيرة ، ولا يعرف الفضل إلا ذووه :
يقول التاج السبكي المتوفى سنة ( ٧٧١ هـ ) في كتابه «طبقات الشافعية
الكبرى )): وصنّف الشيخ فتح الدين كتاباً في المغازي والسِّير سماه ((عيون الأثر)) أحسن
فيه ما شاء (٤) .
(١) استوفى الحافظ ابن سيد الناس أقوال علماء الجرح والتعديل فيهما ، ووفق في الدفاع عنهما، حتى أصبح
هذا المبحث في عيون الأثر مرجعاً للعلماء وحجة للدارسين .
(٢) وقد تتبعه الشيخ سبط ابن العجمي رحمه الله تعالى في ذلك ، وأشرنا إليه في تخريجنا للأحاديث .
(٣) انظر ذلك في خاتمة الكتاب ص ٤٥٥، من الجزء الثاني .
(٤) طبقات الشافعية الكبرى ٢٦٩/٩.
- ٧ -

• ويقول الحافظ ابن كثير المتوفى سنة (٧٧٤ هـ ): وقد جمع سيرة حسنة في
مجلدين(١) .
• ويقول الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ( ٨٥٢ هـ ): وصنف في السيرة كتابه
المسمى ((عيون الأثر ))وهو كتاب جيد في بابه (٢) .
• ويقول الشوكاني المتوفى سنة (١٢٥٠ هـ ): له تصانيف ؛ منها السيرة النبوية
المشهورة ، التي انتفع بها الناس من أهل عصره فمن بعدهم (٣) .
وقد اعتمد عليها من جاء بعده من المؤلفين في السيرة ، واستفادوا منها في كثير من
الأبواب ؛ كالشيخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة ( ٩٤٢ هـ ) في كتابه
((سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد))، المعروفة بالسيرة الشامية ، والشيخ علي بن
إبراهيم بن أحمد الحلبي الشافعي المتوفى سنة (١٠٤٤ هـ ) في كتابه ((إنسان العيون في :
سيرة الأمين المأمون )) المعروفة بالسيرة الحلبية .
ولم يقف الأمر عند بعضهم على الثناء عليها أو الاستفادة منها ، بل ظفرت بما ظفرت .
به سيرة ابن إسحاق من عناية واهتمام :
فقد قام بشرحها عالم کبیر ومحدث حافظ ثبت هو الإِمام إبراهيم بن محمد بن خلیل
الحلبي الشافعي ، المعروف بسبط ابن العجمي ، المتوفى سنة (٨٤١ هـ ) ؛ شرحاً مطولاً
في مجلدين بخط يده، سماه ((نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس)) (٤).
ونظمها الشمس محمد بن يونس الشافعي المتوفى سنة ( ٨٤٥ هـ ) .
وشرح غريبها الشيخ يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي المتوفى سنة ( ٩٠٩ هـ )
(١) البداية والنهاية ١٦٩/١٤ .
(٢) الدرر الكامنة ٣٣١/٤ .
(٣) البدر الطالع ٢٥٠/٢ .
(٤) لقد عقدنا العزم على تحقيق هذا الكتاب وطبعه بهامش السيرة؛ كالروض الأنف ؛ ولدينا صورة عن نسخة:
تامة بخط المؤلف ، وعدد من الأجزاء يُكمل بعضها بعضاً من الهند والمغرب ودمشق ، ونسأل الله تعالى :
أن يمدنا بعونه وتوفيقه .
- ٨ -

في كتاب سماه « اقتباس الاقتباس لحل مشكل سيرة ابن سيد الناس)).
ونظمها أيضاً القاضي فتح الدين النابلسي في أرجوزة سماها «الفتح القريب في سيرة
الحبيب)) وهي في ثلاث مجلدات، قال في خطبتها: ((نظمت منها في خمسين نهاراً تسعة آلاف
بيت، استوفت هذه الجملة متون ((عيون الأثر)). ثم كمل تطريراً لله الحمد وله الشكر
وعنده المزيد والمنة بتاريخ نهار الاثنين ١٧ من المحرم أول شهور العام المكمل ١٠٨٠ هـ
أرانا الله خيره وكفانا شره آمين )) .
ونحن نسأل الله تعالى أن يكون عملنا في تحقيق هذا الكتاب وتقديمه لعشاق السيرة .
النبوية؛ إسهاماً في إعادة هذه السيرة إلى موقعها الجديرة به ، وجهداً موصولاً بجهود هؤلاء
العلماء المحققين الذين أشادوا بها أو تولوها بالنظم والشرح والتعليق ، إنه سبحانه وتعالى
أكرم مسؤول .
*
#
#
- ٩ -

١)
هذه السيرة
١ - التوثيق :
تقتضي أصول وقواعد التحقيق العلمي التأكد من صحة عنوان الكتاب ، الذي يراد
تحقيقه ، ثم التأكد من صحة نسبته إلى مؤلفه ، وبخاصة حينما يُحيط بهذين الأمرين الجهالة
والشك ، أو محاولة بعض الجهات التغيير بغية التدليس أو التلبيس ، أو في بعض حالات
أخرى ناتجة من التشابه في أسماء الكتب والمصنفين .
ولكننا في هذه السيرة التي بين أيدينا إزاء كتاب بلغ من الشيوع والانتشار في عصر
المؤلف وما بعده حدَّ التواتر ؛ مما لا يجعل في اسمه ولا في صحة نسبته إلى صاحبه أدنى
شك أو ريب . وقد حافظ النساخ والرواة ، ومنهم المؤلف نفسه على اسم الكتاب كما وُضع
أول مرة ؛ علماً بأن أسماء بعض الكتب كانت تتعرض للتغيير طلباً للاختصار ، أو
الاستحسان عنوان وتفضيله على عنوان آخر ؛ كما فعل ابن سيد الناس نفسه في كتابه الذي
شرح فيه سنن الترمذي ولم يتمه ، فقد كان سماه ((العَرْف الشذي)) ثم غيره بإشارة من
تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ( ٧٦٤ هـ) إلى ((النَّفْح الشذي في شرح جامع
الترمذي)) بغية إحداث التجانس اللفظي بين كلمتي النفح والشرح(١).
أما ما وقع في ((الوافي بالوفيات)) على لسان تلميذه وصديقه الصفدي : وصنف :
((عيون السير في فنون المغازي والشمائل والسير)) سمعت بعضه من لفظه(٢)، وتابعه ابن
(١) الوافي بالوفيات ٢٩٢/١.
(٢) المصدر السابق ٢٩٢/١ وبها مش الأصل بخط الحافظ ابن حجر: ((الأثر)) وهو الصواب.
والحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - إنما يصوب جازماً؛ لأنه تلقى ((عيون الأثر)) سماعاً عن
شيخين كبيرين هما : الحافظ ابن الملقن والإِمام الفرسيسي ؛ اللذان تلقياها سماعاً من مؤلفها مباشرة .
- ١١ -

تَغْري بردي المتوفى سنة (٨١٣ هـ) في ((النجوم الزاهرة)) (١) على ذلك ؛ فهو سبق قلم
أو تحريف من النساخ .
وقد تلقى هذه السيرة لمشافهة أو إجازة مكتوبة من المؤلف تلاميذُه ، والعلماء :
المعاصرون له ؛ إذ كان رحمه الله تعالى يعكف في كثير من الأحيان على كتابتها بخط يده ،
فيتم له ذلك في عشرين يوماً (٢).
وحصل لنا من التوفيق والتوثيق ونحن نجمع صور النسخ المخطوطة للسيرة ((عيون
الأثر)) ولشرحها ((نور النبراس))؛ حقائق ثابتة كانت تملأ نفوسنا غبطة وتدفعنا إلى العمل
دفعاً ، فالنسخة المدنية المحفوظة في مكتبة عارف حكمة ، مقروءة على الشيخ البابلي المتوفى
سنة ١٠٧٧ هـ ، وعلى هامشها تعليقات وتصحيحات منه ومن نور النبراس ، والنسخة
الدمشقية المحفوظة في المكتبة الظاهرية مروية بالإسناد عن المؤلف ، وفي إسنادها الشيخ
البابلي ، وعلى هامشها تعليقات وتصحيحات مقتبسة من (( نور النبراس)) . والنسخة
القاهرية المحفوظة في دار الكتب المصرية ، قد قرئت على الشيخ جلال الدين البُلْقِيني المتوفى
سنة ٨٤٢ هـ، وعلى هامشها تعليقات منه ومن ((نور النبراس)). والنسخة المدنية من
(((نور النبراس)) مكتوبة بخط مؤلفها سبط ابن العجمي رحمه الله تعالى سنة ٨٢٦ هـ،
وهو تلقى السيرة بالسماع (٣) من شيخه الشمس الفرسيسي ، والذي تلقاها سماعاً من
مؤلفها الإِمام الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس . وهذا النقل المسطور يكفي ((هذه السيرة ))
في اسمها ونسبتها إلى مؤلفها توثيقاً ليس بعده إلا اليقين .
فالحمد لله على توفيقه ، وله المِنَّة على الدوام .
٢ - المنهج والأسلوب :
لقد رسم المؤلف طريقته التي اتبعها في تصنيفه لكتابه بوضوح تام ، واجتهد في جميع
الموضوعات التي حشدها في أن يلتزم بها ويسير على هديها ، ونستطيع أن نتلمس تلك
(١) النجوم الزاهرة ٣٠٣/٩: وبهامشه: في الأصل ((السير))، والتصحيح من شذرات الذهب وغيره.
(٢) الدرر الكامنة ٣٣٣/٤. والوافي بالوفيات ٢٩١/١.
(٣) وقد ذكر كثيراً أثناء شرحه أنه يملك نسخة صحيحة من السيرة ((عيون الأثر)).
- ١٢ -

الطريقة من خلال مقدمته ، التي تتلخص فيما يلي :
١ - أنه رتب السيرة النبوية على أساس زمني حسب تتابعها التاريخي ، فهو يقول :
(( ... سالكاً في ذلك ما اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى ، لا ما اقتضاه الترتيب
من ضم الشيء إلى شكله ومثله))(١) . ولم يخالف هذا المنهج إلا في بعض الحالات التي
أحسَّ أن لها مقتضيات تخصها ، فأفصح عن بعضها وأمسك عن الآخر ، يقول :
( ... حاشا ذكر أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام، فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه
التاريخ ، بل دخل ذلك كله فيما أتبعت باب المغازي والسير من باب الحِلَى والشمائل ،
ولم أستثن من ذلك إلا خبر تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة ؛ لما وقع في أمرها من
أعلام النبوة)) (١). وقد نبه الحافظ سبط ابن العجمي إلى هذه النقطة في مقدمة ((نور
النبراس)) فقال: ((وقد اشترط فيها أن يذكر ما اقتضاه التاريخ إلا ما استثناه ، ولم يخالف
ذلك إلا في أماكن يسيرة يعرفها الأنباه))(٢). ثم حدد مهمته في حالة مخالفة المؤلف لشرطه
هذا، فقال: ((وإن وقع له وَهَم أو خالف شرطه في الترتيب ذكرته إن نبهني الله له))(٢)
فالمخالفة الواقعة إذاً في عمومها قليلة لا تكوّن ظاهرة تخدش المنهج أو تنال منه .
٢ - البعد عن التكرار في ذكر أسانيده إلى موارده من الكتب الستة والمصنفات التي
تكررت استفادته منها بنقل أو ترجيح ؛ بل اكتفى بذكر هذه الأسانيد مرة واحدة في آخر
الكتاب ، كما ابتعد عن التكرار في ذكر الأنساب ، فهو يستوعب نسب الرجل عند وروده
لأول مرة ، ثم لا يرفع نسبه إذا تكرر مرة أخرى ، بل يكتفي برمز مرسوم بالحمرة ينبه
به على أن هذا العَلَم تقدم نسبه مرفوعاً إلى منتهاه في السابقين الأولين ، أو المهاجرين إلى
الحبشة، أو المهاجرين إلى المدينة ... إلخ . وقد التزم المؤلف بذلك ، غير أن تلك الرموز
التي أشار إليها في مقدمته لم تصادفنا في النسخ الخمسة التي بين أيدينا ؛ إلا في ذكر من
شهد بدراً من المسلمين ، وهي ليست بخط المؤلف لنحكم أن إسقاطها بعد ذلك كان منه
أو من النساخ بعده .
(١) مقدمة المؤلف ٥٣/١.
(٢) مقدمة ((نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس)) لوحة (٢) خ عارف حكمة.
- ١٣ -

٣ - لم يغفل الأشعار ذات الصلة بأحداث السيرة ، ولم يكثر منها إلى الحد الذي
يجعلها مقصداً من مقاصده ، ومع قدرته الظاهرة على النقد والتمحيص ؛ فإن بعض تلك
القصائد والأشعار لم يخل من سمات الوضع والانتحال .
٤ - الاهتمام بشرح ما يرد في بعض الأخبار من ألفاظ غريبة ، وحل ما قد يُشكل
في متونها وأسانيدها، دون أبسط أو إفاضة، ويضع ذلك في آخر كل موضوع مستقل
تحت عنوان ((ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر)) وقد يسميه عندما يكون بارزاً ومتميزاً .
وهذه هي العناصر البارزة في منهجه الذي تحدث عنه في مقدمته ، وبقيت مظاهر أخرى
لهذا المنهج يمكن رصدها من خلال القراءة المتأنية للكتاب ، وهي :
أ - إيراد الآيات القرآنية المتصلة بالأحداث التاريخية؛ شاهد إثبات ، وإظهار
الترابط القائم بين القرآن الكريم والسيرة النبوية ، وبخاصة عندما تكون الوقائع أسباباً لنزول
الآيات والأحكام .
ب - إيراده الأحاديث والآثار بالأسانيد المتصلة ، يسلك ذلك في الأخبار الكبيرة
والصغيرة على حد سواء ، وذلك إحساساً منه بالمسؤولية العلمية والأمانة التاريخية ، وأن
السيرة النبوية جزء لا يتجزأ من علم الحديث رواية ودراية ..
ج - لم يكن أبو الفتح ابن سيد الناس في أغلب أحواله بالناقل الحرفي الذي يأخذ
من هنا وهنا ، ويقول ألفت أنا ، بل يختصر ويتصرف في العبارة حسبما يقتضيه منهجه من
التوسط بين البسط والاختصار ، وكأنه بذلك ينتقي من الخبر عناصره المهمة ؛ التي يرى
أنها تكفي لتصوير الموقف والحَدَث ، ونراه مرةً أخرى يلتزم بحرفية النص للغرض ذاته .
د - لم يكن الرجل حاطب ليل ، ولم يكن همه حشو كتابه بأمور ليست بذات
صلة وثيقة بموضوعات السيرة ، بل کان یشرع منضعه النقدي بکل وعي وصدق في تزييف
بعض الروايات ، ومناقشتها مناقشة حديثية هادئة ، مع الإقرار لمن تقدمه بالريادة
والأسبقية ، وهذا ما طبع كتابه بشخصيته الحديثية المتميزة ، وأعطاه مكانته المتفردة بين
کتب السير .
هـ - لم يُثقل كتابه بأسلوب السجع والمحسِّنات، الذي كان سائداً في عصره ، بل
----
- ١٤ _

أطلق عبارته من كل قيد ، وربما كان ذلك راجعاً إلى تأثره بالموارد التي استقى منها كتابه ،
بالإِضافة إلى إحساسه بأنه يُعالج موضوعات تاريخية مهمة ، تتطلب الدقة والوضوح ،
ولذلك رأيناه حين أحسَّ بغياب هذه المسؤولية ؛ لجأ إلى أسلوب عصره في المقدمة والخاتمة ؛
فسجعَ وجانسَ وطابقَ وأغربَ .
٣ - الموارد :
وكما قدَّمَ الحافظ ابن سيد الناس لكتابه بخطته التي رسم فيها منهجه في التأليف لكتاب
السيرة ؛ فإنه وضع في آخره ثبتاً بموارده الرئيسة ؛ التي كانت الأساس لأكثر موضوعاته ،
وهو بذلك يلتقي مع ما يفعله الباحثون اليوم ، وزاد عليهم - رحمه الله تعالى - بالأسانيد
التي رافقت هذا الثبت ، ويمكن تصنيف هذه الموارد في ثلاثة اتجاهات :
أ - كتب الحديث ، وتشمل :
صحيح البخاري - صحيح مسلم - سنن أبي داود - سنن الترمذي - سنن
النسائي - سنن ابن ماجه - معاجم الطبراني الثلاثة - مسند أبي يعلى الموصلي - الفوائد
( الغيلانيات ) - معجم ابن جُميع الغسانيّ .
ب - كتب الطبقات والمغازي والسير ، وتشمل :
طبقات أبي عروبة - سيرة ابن إسحاق - مغازي موسى بن عقبة - مغازي ابن
عائذ - الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد - الدرر في اختصار المغازي والسير ؛ لأبي عمر
ابن عبد البر - الشفا بتعريف حقوق المصطفى عَجِ؛ للقاضي عياض - الروض
الأنف ؛ لأبي القاسم السهيلي .
ج - كتب الأنساب :
اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار(١)؛ لعبد الله بن علي
الرّشاطي .
د - وهناك موارد أخرى لم يشملها هذا الثبت ، استفاد منها المؤلف في سيرته ،
وذكرها بأسمائها أو أسماء مؤلفيها ، وترددت موضوعاتها بين كتب الحديث والتراجم واللغة
(١) الرشاطي متوفى سنة ٥٤٢ هـ، ويُعرف كتابه بـ ((الأنساب)).
- ١٥ -

والأدب والبلدان ، وذلك لقلة المادة المنقولة منها، أو لعدم تكرر مواطن النقل ، أو لأنه
لا يملك الأسانيد إليها كسابقتها ؛ ومنها :
الموطأ؛ للإمام مالك - تاريخ المدينة ؛ لابن شبة - المستدرك على الصحيحين
وغيره ؛ للحاكم - تاريخ الطبري؛ لأبي جعفر الطبري - سنن الدار قطني وغيره ؛
للدار قطني - مغازي الأموي - الأموال وغريب الحديث ؛ لأبي عبيد القاسم بن
سلام - جمهرة أنساب العرب ؛ لابن حزم - المخصص ؛ لابن سيده - الفصول ؛ المحمد
ابن الحسن بن فُورَك - التاريخ الأوسط ؛ للبخاري - المعارف وغيره ؛ لابن قتيبة -
غريب السيرة ؛ لأبي ذر الخشني - تاريخ بغداد وغيره ؛ لأبي بكر الخطيب - التاريخ
الكبير ؛ لأحمد بن زهير بن أبي خيثمة - معجم الصحابة وغيره ؛ لأبي القاسم عبد الله
ابن محمد بن عبد العزيز البغوي - المختصر في سيرة خير البشر ؛ لعبد المؤمن بن خلف
الدمياطي(١).
(١) الدمياطي متوفى سنة ٧٠٥ هـ وهو من شيوخ ابن سيد الناس - رحمه الله تعالى -.
- ١٦ -

(٣)
وصف النسخ المخطوطة
وعملنا في تحقيق الكتاب
١ - وصف النسخ المخطوطة :
أ - نسخة ((مكتبة عارف حكمة)) بالمدينة المنورة، ورمزنا إليها بحرف ((أ)) رقمها
٤٢/٧٣ سيرة، كتبت سنة ١١٦٩ هـ في ٤٢٠ ورقة، مسطرتها ٢٤ - ٢٥ قياس
٩,٥ × ١٨ سم، الخط فيها نسخ واضح وكُتبت بالحبر الأسود، فرغ من نسخها محمد
خليل الحنفي ، وعلى هامشها تعليقات وتصحيحات ، وعناوين الموضوعات مبدوءة دائماً
بكلمة (( مَطْلَب)) وبخط مغاير قليلاً، وقد اخترنا هذه النسخة لتكون أصلاً؛ لأنها تامة
ومقابلة ومصححة ، وعلى هوامشها تعليقات وتقريرات للشيخ البابلي المتوفى سنة
١٠٧٧ هـ، فكثير من التقريرات انتهت بعبارة: ((هكذا قرره شيخنا البابلي)) وعرفنا من
النسخة الدمشقية أن الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي أحد رواة السيرة النبوية « عيون
الأثر)) بالإِسناد إلى مؤلفها - وقد رجحنا أن نسخة ( عارف حكمة)) رحمه الله تعالى
كُبت عن نسخة قُرتَت على الشيخ البابلي - رحمه الله تعالى، كما توجد على الهامش
تعليقات مستفادة من (( نور النبراس .. ))؛ لسبط ابن العجمي رحمه الله تعالى .
ب - نسخة ((دار الكتب المصرية)) ورمزنا إليها بحرف (( ب)) رقمها
٢٣١٧٤/ب، كتبت سنة ١٠٢٧ هـ في ٢٦٨ ورقة، مسطرتها ٢٧ قياس
٩ × ١٥٫٥ سم والخط فيها نسخ واضح، وكتبت بالحبر الأسود ، ما عدا عناوين
الموضوعات فكتبت بالخط المثقل ، فرغ من نسخها علي بن أحمد بن علي البهيشي بلداً ،
الشافعي مذهباً ، في يوم السبت المبارك عاشر شهر جمادى الأولى ، وختمها بهذين البيتين :
ولا بد من عيب فإن تجدثَّه فسامح وكن بالستر أكرم مفضل
- ١٧ -

محاسن قد تمت سوى خيرِ مُرسل
فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له الـ
ج - نسخة (( المكتبة الظاهرية)) بدمشق، ورمزنا إليها بحرف ((ج)) رقمها
١٨٠٤ سيرة، كُتبت سنة ١٠٨٠ هـ في ٤٤٥ ورقة، مسطرتها ٢٥ قياس
٩ × ١٥ سم، وكتبت بالحبر الأسود، والخط فيها نسخ واضح ، فرغ من نسخها أبو
بكر الدلجي بلداً ، الشافعي مذهباً ، يوم السبت من شهر ربيع الأول . وعليها تصحيحات
وحواشي وتعليقات مأخوذة من نور النبراس ، وفي أولها فهرس للموضوعات .
وهذه النسخة مقابلة على نسخة مغربية للأمير عبد القادر الجزائري ، كما أثبت ذلك
عز الدين التنوخي بخطه في أولها في ١٧ رجب من عام ١٣٥٥ هـ .
د - نسخة ((الخزانة الملكية)) بالرباط، ورمزنا إليها بحرف ((د))، كتبت سنة
١٠٧١ هـ في ٤٤٢ ورقة، مسطرتها ٢٣ قياس ١٠ × ١٦ سم وكتبت بالحبر الأسود
والخط فيها مغربي واضح، وأولها: ((قال الشيخ الإمام العالم العلامة النسَّابة أبو الفتح ... ))
وناسخها مجهول ، فرغ منها ظهر يوم الأحد المبارك وهو العشرون من شهر جمادى الآخرة
سنة إحدى وسبعين وألف .
وعلى هوامش صفحاتها تعليقات وفوائد مستفادة من تور النبراس تنتهي بعبارة (( هـ .
حلبي))وأحياناً: ((قاله الحلبي))، ومقابلة على أكثر من نسخة ، ومشكولة شكلاً
صحيحاً ؛ يلتقي غالباً مع ضبط الحافظ سبط ابن العجمي ، وقد وجدنا تشابهاً كبيراً بين
هذه النسخة والنسخة الدمشقية ..
هـ - وهي نسخة مجهولة المصدر، وناقصة من أولها ، صورناها من الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة. ورمزنا إليها بحرف ((هـ))، تبدأ بالجزء الأخير من ((ذكر شهداء
أحد)) ثم ما قيل من الشعر يوم أحد .. ١٨٩ ورقة مسطرتها ٢١ قياس ٨٫٥ ×١٤٠
وخطها نسخ واضح ، وهوامشها خالية من أي تصحيح أو تعليق ، وفي بعض صفحاتها
مسح وآثار تلف ظاهر . فرغ منها عبد الله بن محمد أبو اليسر الكتبي ، في سابع عشر
ربيع الثاني سنة ١١٠٢ هـ .
- ١٨ -

٢ - عملنا في تحقيق الكتاب :
لقد أمضينا في إنجاز هذا العمل أربع سنوات ؛ نلتقي ثلاثة أيام في الأسبوع ، وفي كل
جلسة تستمر القراءة والمقابلة والكتابة أربع ساعات تقريباً ، وكان العمل يتوقف خلال
الإجازة الصيفية ، وينشط في أيام الإجازات الرسمية وأيام الجمع أحياناً .. وكانت شخصية
رسول الله عَ لَّه الجامعة، وأنفاسه الحبيبة، وأطياف أصحابه المتفانين في حبه وطاعته،
تدفع فينا الحماسة والنشاط ، والثبات والمثابرة ، واشتمل عملنا من أول السيرة إلى نهايتها
على الخطوات التالية :
١ - المقابلة بين النسخ ، واختيار العبارة الصحيحة ؛ كما وضعها المؤلف ابن سيد
الناس رحمه الله أو أرادها؛ وتخليص النص بقدر الاستطاعة من تصحيفات النساخ
وتحريفاتهم، وكان الحكم الفصل عند اختلاف النسخ ((نور النبراس))؛ لأن مؤلفه سبط
ابن العجمي رحمه الله تعالى تلقى السيرة بالسماع ، وكانت عنده نسخ منها ، وكان يشير
إلى إحداها بأنها (( صحيحة))، مما أضفى على العمل موضوعية ظاهرة في المقابلة، والتوصل
إلى النص الأكمل بحول من الله تعالى .
٢ - ترجمة بعض الأعلام من الرواة أو المؤلفين ، أو ممن وقع في اسمه أو موقعه من
الرواية أو الحدث وهم أو اشتباه .
٣ - شرح بعض الغريب الذي أغفله المؤلف ، أو تقريب ما شرحه من لغة العصر،
وتحديد مواقع بعض الأمكنة ، وضبط بعض الأعلام والألفاظ المتشابهة بالحركات أحياناً ،
وبالألفاظ والكلمات أحياناً أخرى .
٤ - الرجوع إلى الموارد المطبوعة ، والمطابقة بينها وبين النص المنقول منها ، وتثبيت
الفروق إن كانت جوهرية من حيث التأثير في المضمون والمعنى .
٥ - تخريج الأحاديث في مصادرها والحكم عليها صحة وضعفاً إن كانت مروية في
غير الصحيحين ؛ مسترشدين بأقوال علماء الجرح والتعديل القدماء والمعاصرين .
٦ - صنع بعض العنوانات ووضعها ضمن أقواس هكذا ( )، وإبراز فقرات
الموضوعات وأجزائها ببدايات مناسبة عن طريق دوائر سوداء ، أو تثقيل الخط ؛ للفت انتباه
- ١٩ -

القارىء ، وبخاصة في فوائد المؤلف ، وذكر المبايعين أو الشهداء من الصحابة الكرام .
٧ - الاستفادة من ((ثور النبراس)) للحافظ الحلبي سبط ابن العجمي، وبخاصة في
استدراكه على المؤلف أحياناً ، وتخريجاته لبعض الأحاديث ونقده لأسانيدها ، والتعريف.
بترجمة الرواة والأعلام .
٨ - صنعنا للسيرة فهارس للأحاديث النبوية ، والأعلام المترجمين ، والموضوعات .
٩ - أرجعنا رموز المحدِّثين إلى مدلولاتها اللفظية في جميع ((روايات السيرة، فحيثما
وردت (( ثنا)) كتبناها: ((حدثنا))، وحيثما وردت ((أنا)) كتبناها ((أخبرنا))؛ وذلك
تسهيلاً لعامة الناس أن ينتفعوا بأخبار السيرة ؛ بعيداً عن الرموز العلمية ، ونحن لا ندعو
إلى إهمالها أو إلغائها ، وإنما ندعها للدارسين المتخصصين ، وفي أمهات الكتب المتخصصة
أيضاً .
كما جمعنا للرسول علَّ ، الصلاة مع السلام كلما ورد ذكره، والله نسأل أن يجعل
ذلك في صحائف أعمالنا، وأن يدخره لنا إلى يوم نلقى الأحبةً: محمداً عَ له وصحبه،
والحمد لله أولاً وآخراً .
-٠
- ٢٠ -