Indexed OCR Text

Pages 681-700

رجل فقال لي: إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر خرجوا
من هذا الباب. فقالوا: إلى أين يارسول الله؟ قال: إلي أبي حازم نذهب به
معنا. قال ثم يقول أبو حازم : اللهم حقق وعجل.
حدثنا زيد أخبرني ابن وهب حدثنا ابن زيد أن أبا حازم حدثه قال:
والله إن كنا في مجلس أبيك لأربعين حبرا فقيها ما منهم إلا معدود، والله إن
أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، لئن أفاد الرجل فائدة ليلا ليغدونَّ بها،
ولئن أفادها بكرا ليروحنّ بها.
حدثنا سعيد بن منصور حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن قال: سمعت أبا
حازم يقول: يسير الدنيا يشغل عن كثير من الآخرة. وقال: إنك لتجد الرجل
ہتمّ بهمّ غيره حتى أنه أشد هماً من صاحب الهمِّ بهمِّ نفسه .
وقال: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وما كرهت
أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم. وقال: كل عمل تكره الموت من آجله
فاتركه ثم لا يضرك متى مت(١)، وذلك أنك لتجد الرجل يعمل بالمعاصي،
فإذا قيل له: أتحب أن تموت؟ قال يقول: وكيف وعندي ما عندي؟ فيقال
له: أفلا تترك ما تعمل من المعاصي؟ فيقول: ما أريد تركه وما أحب أن أموت
حتى اتركه(٢). وقال: شيئان إذا عملت بهما أصبت بهما خير الدنيا والآخرة لا
أطوِّل عليك. قيل وما هما يا أبا حازم؟ قال: تعمل ما تكره إذا أحبه الله وتترك
ما تحب إذا كرهه الله(٣).
(١) أوردها الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/ق ١٧٦ و٢.
(٢) أوردها الذهبي : سير أعلام النبلاء ٥ /ق ١٧٧ و١.
(٣) أوردها الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥ /ق ١٧٦ و٢.
- ٦٧٨ -

حدثنا محمد بن أبي عمر قال، قال سفيان، قال أبو حازم: إني لأعظ
وما أرى موضعا وما أريد إلا نفسي(١). وقال: اكتم حسناتك أفيد مما تكتم
سيئاتك. وقال سفيان: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: خير مالي ثقتي
بالله، وإياسي مما في أيدي الناس. قال سفيان: قال أبو حازم: يكون لي عدو
صالح أحب إلي من أن يكون لي صديق فاسد. قال سفيان: قال أبو حازم
لأنا من أن أُمنع الدعاء أخوف إلي من أمنع الإِجابة(٢). قال سفيان: قال
هشام بن عبدالملك لأبي حازم: يا أبا حازم ما النجاة من هذا الأمر؟ قال:
يسير. قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذن شيئا إلا من حله، ولا تضعن شيئا إلا
في حقه. قال: ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال: من طلب الجنة وهرب من
النار.
حدثنا ابن أبي عمر قال، قال سفيان، قال بعض الأمراء لأبي حازم :
ارفع إلّ حاجتك. قال: هيهات هيهات رفعتها إلى من لا تختزل
الحوائج دونه. فما أعطاني منها قنعت، وما زوى عني منها رضيت. قال: فقال
ابن شهاب: إنه لجاري وما علمت أن هذا عنده(٣). قال أبو حازم: فقلت لو
كنت غنيا لعرفتني ثم قلت في نفسي لا ينجو مني. فقلت: كان العلماء فيما
مضى يطلبهم السلطان وهم يفرون منهم، وإن العلماء اليوم طلبوا العلم حتى
إذا جمعوه بحذافيره أتوا به أبواب السلاطين والسلاطين يفرون منهم وهم
يطلبونهم. قال سفيان: قال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين شيء هو لي
وشيء هو لغيري، فأما الذي هو لي فلو طلبته قبل حله بحيلة السموات
(١) أوردها الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/ق ٧٦ و١.
(٢) أوردها الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/ق ١٧٧ و٢.
(٣) قارن بالذهبي : سير أعلام النبلاء ٥/ق ١٧٦ و١.
- ٦٧٩ -

والأرض لم أقدر عليه، وأما الذي هو لغيري فلم أصبه فيما مضى ولا أرجوه
فيما بقي، ويمنع رزقي(١) من غيري كما يمنع رزق غيري مني، ففي أي هذين
أُفني عمري !! .
[عمارة بن أكيمة الليثي]
حدثنا أبو بكر الحميدي عن سفيان عن الزهري عن ابن أكيمة .
قال: وسمعت الحميدي أو أخبرت عنه قال: لما قدم عبد الرزاق علينا
حدثنا عن معمر عن الزهري عن ابن اكيمة فقال عن ابن أكيمة (٢).
وحدثنا عبيدالله بن معاذ حدثنا أبي ثنا محمد بن عمر حدثنا عمر بن
مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول:
سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: من كان [عليه] ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا
يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي .
١٢٢٩
حدثني أبو صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن
أبي هلال عن عمر بن مسلم الجندعي اخبرني ابن المسيب: أن أم سلمة
أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أراد أن يضحي فلا
يقلم أظفاره ولا يحلق شيئا من شعره في العشر الأول من ذي الحجة)).
[أبو صالح]
حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير وأحمد بن أشكاب (٣) قالا: حدثنا يحيى
٠٠٠٠٠
(١) في الأصل ((رزق غيري من غيري)) وقد أوردها الذهبي: سير أعلام
النبلاء ٥/ق ١٧٧ و١.
(٢) يذكر ابن حجر (تهذيب التهذيب ٤١٠/٧) (قال يعقوب بن سفيان: هو
من مشاهير التابعين بالمدينة) .
(٣) في الأصل ((أشكيب)) وانظر ترجمته في (تهذيب التهذيب ١٦/١).
٠
- ٦٨٠ -

ابن اليمان حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: ما كنت أتمنى من الدنيا ألا
ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة.
[سعد بن إبراهيم ](١)
حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري قال: سمعت أبا
الأحوص قال سفيان : فقال سعد بن إبراهيم : من أبو الأحوص ؟ فقال
الزهري: أما رأيت الشيخ الذي، فجعل الزهري ينعته وسعد لا يعرفه. وقال ٢٢٩ ب
سفيان مرة أخرى: فقال سعد: من أبوالأحوص؟ - كالمغضب حين حدث
الزهري عن رجل مجهول لا نعرفه - فقال الزهري: أما رأيت الشيخ الذي
كان يصلي في الروضة مولى بني غفار، فجعل الزهري ينعته له. قال: فما
رأيت سعدا أثبته .
حدثنا أبو بكر حدثنا سفيان(٢) حدثنا مسعر قال: قال سعد بن
إبراهيم: لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات. ثم قال
سفيان: كان سعد شديد الاخذ ومن يأخذ عنه، وكنت عند الزهري يوما وأتاه
ابن جريج فقال له: يا أبا بكر إني أريد أن أعرض عليك كتابا. فقال
الزهري : إن سعدا قد کلمني في ابنیه وهو سعد - وربما قال سفيان: وسعد
سعد(٣) - ، فلما خرجت من عند الزهري ، قال ابن جريج : أما رأيته
يفرق من سعد .
قال سفيان: وكان مع سعد يومئذ ابناه. قال سفيان: فلما لقيت
(١) هو سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري قاضى المدينة (تاريخ
الاسلام ٧٧/٥).
(٢) هو ابن عيينة .
(٣) أوردها ابن حجر (تهذيب التهذيب ٤٦٥/٣).
- ٦٨١ -

إبراهيم بن سعد قلت له: رأيتك وأخا لك عند الزهري وأخبرته بكلام
الزهري لابن جريج. فقال: مات أخي ذاك الذي كان معي .
قال سفيان: وأتيت الزهري يوما وعنده سعد، فسألته فكأنه. فقال له
سعد: أجب الغلام وفرق سعد أن يكون الزهري حقرني حين لم يجبني. فقال
الزهري: إني لأعطيه حقه. فقال: أجل. فاشتهى ذلك الزهري.
أخبار مالك
حدثني محمد بن عبدالرحيم حدثنا علي عن الأصمعي عن شعبة قال:
قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة والحلقة لمالك. قال الأصمعي : فسألت
أهل المدينة، فقالوا: كانت لنافع ثم بعده لعبيدالله ثم بعده لمالك. فقال
علي: كان عبدالرحمن حدثنا عن الأصمعي عن شعبة، فلما سألت الأصمعي
٢٣٠ أ عنه قلت: سمعت من شعبة؟ قال: لا أدري.
حدثني يحيى بن عبدالله بن بكير حدثني إبراهيم بن صالح - وكان
ثقة - عن ابن لهيعة قال: قدم علينا أبو الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نوفل
سنة - قال ابن بكير اظنه - أربع وثلاثين ومائة او نحو ذلك، فقلنا له: هذا
يحيى بن سعيد بالعراق فمن يعدونه للفتيا بعد ربيعة؟ قالوا: شاب من ذي
أصبح يقال له مالك بن أنس(١).
حدثني عباس بن عبدالعظيم قال: قيل ليحيى بن سعيد القطان:
أمالك كان أحفظ أم سفيان(٢)؟ قال: مالك، ما سألت مالكا عن حديث
فقال انظر. قال: وقد كنت اسأل سفيان فيقول حتى انظر.
(١) قارن بابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/١٠ وذكر ((سنة ست وثلاثين)) بدل
((سنة أربع وثلاثين)).
(٢) يعني الثوري.
- ٦٨٢ -

حدثني محمد بن أبي زكير أخبرنا ابن وهب حدثني مالك قال: قال لي
يحيى بن سعيد: اكتب لي مائة حديث من حديث ابن شهاب انتقاها له،
وأعطاني رقا قديما قد اصفر. قال: أراه كان عنده وهو شاب. قال: فكتبت
له تلك الاحاديث حتى ملأته وبينته له. قال مالك(١): رجل كنت أتعلم منه
ما مات حتی کان يجيئني فيستفتيني .
حدثني ابن بكير قال: قال مالك: كان طلبة هذا الشأن ببلدنا أربعة؛
كثير بن فرقد عاجلته المنايا، وعبد الرحمن بن عطاء غرر بنفسه، وآخر وقع في
الأغاليط - قال ابن بكير يريد الماجشون - وسكت عن نفسه(٢).
سمعت شيخا من شيوخنا من أهل القناعة والرضا والفضل والمعرفة
والغاية في الثقة يذكر عن ابن الماجشون عبدالعزيز بن أبي سلمة قال: كنا
نجالس ربيعة، فلما اعتزل مالك ولزم بيته بلغني أنه يضع شيئا من الكتب،
فكنتُ إذا لقيته أمزح معه فأقول: قد خلا لك الجو. قال: فوالله ما زال يوما
بيوم يعلو ويعلو أمره وذكره حتى ساد ورأس. ثم يقول: ومن ساده ومن
رأسه ! - يريد أنه ساد أهل المدينة أبناء المهاجرين من قريش وغيرهم ٢٣٠ ب
والانصار -.
حدثني ابن بكير قال: سألت الدراوردي عن فقه (1)مالك بن أنس:
فقال: أخبرني أبو سهيل بن مالك: قال: إنا قوم من ذي أصبح(٣)، قدم
جدنا المدينة وحاله خفيف فتزوج مولاة للتيميين، فكان يحفظه ويكون
معهم، فنسبنا إليهم وليس لهم علينا نعم ولا غيرها.
(١) في الأصل بعد مالك ((وقال)) وهي زائدة فحذفتها.
(٢) قارن بترتيب المدارك ١٢٨/١.
(×) هكذا في الأصل ولعلّها ((قوم)).
(٣) ذو أصبح من حمير من اليمن.
(٤) انظر تفصيل نسب الامام مالك وتحقيقه في ترتيب المدارك للقاضى عياض
١٠٢/١ - ١٠٧.
- ٦٨٣ -

((حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني معن بن عيسى : كان مالك بن أنس
يقول: لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه
معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث
الناس إذا جُرِّب ذلك علیه وإن کان لا يُتهم أن یکذب على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ولا من صاحب هوى يدعو الناس الى هواه، ولا من شيخ
له فضل وعبادة اذا كان لا يعرف ما يحدث.
قال إبراهيم بن المنذر: فذكرت هذا الحديث لمطرف بن عبدالله
اليساري))(١) مولى زيد بن أسلم فقال: ما أدري ما هذا، ولكني أشهد
لسمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد - يعني المدينة - مشيخة
لهم فضل وصلاح وعبادة يحدثون ما سمعت من واحد منهم حديثا قط. قيل :
ولم يا أبا عبدالله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون(٢).
قال إسماعيل بن عبدالله: مالك بن أنس بن أبي عامر الاصبحي .
حدثني إبراهيم بن المنذر قال: قال محمد بن فليح: انتقل مالك عن
حلقة ربيعة، فأمرني أبي فانتقلت معه(٣).
حدثني إبراهيم حدثني يحيى بن الزبير بن عباد بن عبدالله بن الزبير
قال: قال لي مالك: أعتزلت انت(٤) وعبدالله بن عبدالعزيز؟ قال: قلت:
نعم. قال: عجلتم ليس هذا أوانه. قال: ثم لقيت مالكا بعد عشرين سنة
فقال: يا أبا محمد اعتزلتم؟ قلت: نعم. قال: هذا أوانه. قال: فلزم مالك
١٢٣١
(١) الخطيب: الكفاية ١١٦.
(٢) قارن بترتيب المدارك ١٢٣/١.
(٣) أوردها بأطول عياض في ترتيب المدارك ١٢٥/١.
(٤) في الأصل ((أنا)) والتصويب من ترتيب المدارك ١٨٠/١.
٠٫٠٠٠٠٠
- ٦٨٤ -

بيته واعتزل(١).
حدثنا إبراهيم حدثنا مطرف قال: كان ابن أبي حازم من جلساء ابن أبي
سلمة وكان منقطعا إليه. قال: فلما أرسل إلى ابن أبي سلمة فرفع الى العراق.
قال عبد العزيز بن أبي حازم قلت لعبدالعزيز بن أبي سلمة: قد علمت ودي
لك وانقطاعي إلى ناحيتك، وأنا أحب أن تأمرني برجل أتعلم منه وألزمه وأنت
شاخص خارج من المدينة. قال لي: ما أعلم أحدا آمرك به تعلم منه إلا هذا
الأصبحي مالك بن أنس. قلت: كيف تأمرني به وبيننا وبينه ما قد علمت
من التباعد وانما ذلك فيك ؟ قال ابن أبي سلمة : إن كنت إنما تلزمه لنفسه فلا
ولا كرامة، وإن كنت إنما تلزمه لنفسك لتنتفع به في دينك وتعلم منه فالزمه .
قال ابن أبي حازم: فلما خرج ابن أبي سلمة ودعته [و] شهدت الصبح
وصليت إلى جنب مالك، فلما أن اسفر - وأنا عن يمينه - نظر في وجهي فرآني
فقال: خرج صاحبك؟ فقلت: نعم يا أبا عبدالله. قال: فسكت ما زادني.
((حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني معن عن مالك قال: لما لقيت أبا
جعفر قال لي: يا مالك من بقي بالمدينة من المشيخة؟ قلت: يا أمير المؤمنين
ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة(٢). (٣)
حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني مطرف عن مالك قال: كنا نأتي
عبدالله بن يزيد بن هرمز فيلقي بعضنا على بعض ونتكلم، ومعنا ربيعة وابن
أبي سلمة، فجئنا يوما فكثر كلامنا - وداود بن قيس الفراء صامت لا يتكلم -
فقلت لابن هرمز: يا أبا بكر ما تقول؟ قال: ما أدري ما يقولون أما أنا فأحب
(١) الرواية في ترتيب المدارك ١٨٠/١.
(٢) هو أبو بكر بن عبدالله بن محمد بن أبي سبرة القرشي (تهذيب التهذيب
٢٧/١٢).
(٣) الخطيب: تاريخ بغداد ١٤ / ٣٦٩.
- ٦٨٥ -

أن أكون مثل هذا - وأشار الى داؤد بن قيس كأنه أعجبه صمته -.
:
((قال: قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل مالك
٢٣١ ب
أحب الي من مرسل سفيان))(١).
((وسمعت جعفر بن عبدالواحد الهاشمي يقول لأحمد بن صالح: قال
يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء. فغضب أحمد وقال: ماليحيى
ومعرفة علم الزهري، ليس كما قال يحيى))(٢).
حدثني الفضل بن زياد عن أحمد بن حنبل قال: بلغ ابن أبي ذئب أن
مالكا لم يأخذ بحديث ((البيعين بالخيار)) فقال: يستتاب وإلا ضربت عنقه -
ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك - فقال له ...... (٣) ((من
أعلم مالك أو ابن أبي ذئب؟ قال: ابن أبي ذئب في هذا أكثرمن مالك، وابن
أبي ذئب أصلح في بدنه وأورع ورعا وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين.
وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهوله أن قال له الحق. قال: الظلم
فأش ببابك وأبو جعفر أبو جعفر !! ))(٤).
وقال حماد بن خالد: كان يشبه ابن أبي ذئب سعيد بن المسيب في
زمانه، وما كان ابن أبي ذئب ومالك في موضع عند سلطان الا تكلم ابن أبي
ذئب بالحق والأمر والنهي ومالك ساكت، وإنما كان يقال ابن أبي ذئب وسعد
(١) الخطيب: الكفاية ٣٨٦.
(٢) الخطيب: الكفاية ٣٨٦ وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١١ /٧٩ أ.
(٣) الفراغ كلمة رسمها «سعامى)) ولم أتبينها .
(٤) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٣٠٦/٩ لكنه يحذف ((ابن أبي ذئب في هذا
أكثر من مالك)) ويحذف ((ورعا)) الأولى.
- ٦٨٦ -

ابن إبراهيم أصحاب أمرونهي ((فقيل له: ما تقول في حديثه ؟ قال : كان ثقة
في حديثه صدوقا رجلا صالحا ورعا))(١).
قال أبو يوسف: ابن أبي ذئب قرشي، ومالك عماني.
رسالة الليث بن سعد الى مالك بن أنس (٢)رحمهما الله(٣)
٨٦ ١
حدثنا أبو يوسف حدثني يحيى بن عبدالله بن بكير المخزومي قال:
هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس(٤).
((سلام عليك، فأني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد -
عافانا الله واياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة - فقد بلغني كتابك
تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم وأتمه بالعون
على شكره والزيادة من إحسانه ، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت بها اليك
وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها
خيرا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها،
(١) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٣٠٦/٩ وينسب سائر الكلام لأحمد بن
حنبل مما يوضح أن السؤال ((فقيل له ما تقول في حديثه؟)) موجه لأحمد
ولیس حماد بن خالد الذي يروي عنه الإِمام أحمد.
٠٠
(٢) وردت هذه الرسالة في الأصل بعد نهاية تراجم الصحابة وقد أخرتها إلى
موضعها المناسب هنا.
(٣) في الأصل العنوان في الحاشية، ولا شك أن ذكر رسالة الليث إلى مالك
ثم رسالة مالك إلى الليث بعد ذكر تراجم الصحابة - التي من المحتمل
أنها لم تكمل - يدل على وجود سقط في نهاية قسم الصحابة من الكتاب،
كما قد يدل على وقوع اضطراب في ترتيب مادة الكتاب أو أن المؤلف لم
ينظم المادة بصورة جيدة .
(٤) أورد هذه الرسالة ابن القيم في كتابه ((أعلام الموقعين)) ٩٤/٣ - ١٠٠
حيث نقلها ابن القيم من هذا الكتاب نفسه.
- ٦٨٧ -

وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي
بالنصيحة، ورجوت أن يكون لها عندي موضع ، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا
- إلا أن(١) لا يكون رأيك فينا جميلا - إلا لأني لم أذاكرك مثل هذا، وأنه بلغك أني
أفتي بأشياء مخالفة(٢) لما عليه جماعة الناس عندكم، وإني يحق علي الخوف على
نفسي لاعتماد من قِبَلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تَبَعُ لأهل المدينة
[التي](٣) إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من
ذلك ان شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أعد(٤) أحدا(٥) قد (٦)
٨٦ ب ينسب إليه العلم أكره الشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلا(٧) لعلماء أهل المدينة الذين
مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك
له. وأما ما ذكرت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ونزول
القرآن [بها](٨) عليه بين ظهري أصحابه وما علّمَهم الله منه وأن الناس
صاروا به تبعا لهم فيه فكما ذكرت. وأما ما ذكرت من قول الله عز وجل
﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى
الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها
(١) في الأصل ((إلا)) والتصويب من أعلام الموقعين ٩٥/٣.
(٢) في الأصل ((مختلفة)) وفي أعلام الموقعين لابن القيم ٩٥/٣ ((مخالفة)).
(٣) الزيادة من أعلام الموقعين ٩٥/٣.
(٤) في أعلام الموقعين ((أجد)).
(٥) في الأصل ((أبدا)) والتصويب من أعلام الموقعين.
(٦) لا توجد في أعلام الموقعين.
(٧) في الأصل بالصاد المهملة والتصويب من أعلام الموقعين.
(٨) الزيادة من أعلام الموقعين.
- ٦٨٨ -

أبدا ذلك الفوز العظيم﴾(١). فإن كثيرا من اولئك السابقين الأولين خرجوا
إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله فجندوا الأجناد واجتمع إليهم
الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيهم ولم يكتموهم شيئا
علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون - لله(٢) - كتاب الله وسنة نبيه
ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، ويقوموهم(٣) عليه أبو بكر
وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة
مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير
لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم، فلم يتركوا أمراً فسره القرآن أو عمل به النبي صلى الله عليه وسلم أو
ائتمروا فيه بعده الا أعلموهموه، فاذا جاء أمر عملوا(٤) به أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان
[9] لم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز للأجناد
المسلمين أن يحدثوا اليوم أمراً لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم والتابعين لهم حين ذهب العلماء وبقي منهم من لا يُشبه من
مضي(٥)، مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا بعده في ٨٧ أ
الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفت أن قد علمتَها لكتبتُ بها إليك، ثم
اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) سورة التوبة آية ١٠٢ .
(٢) لا توجد في أعلام الموقعين.
(٣) في أعلام الموقعين ((وتقدمهم)) بدل ((ويقومهم)) وقد جاءت في الأصل على
لغة أكلوني البراغيث.
(٤) على لغة أكلوني البراغيث.
(٥) لا يوجد في أعلام الموقعين ((حين ذهب ... مضى)).
- ٦٨٩ -

سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم
فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورايتهم(١) يومئذ في الفتيا ابن شهاب وربيعة بن أبي
عبدالرحمن(٢)، فكان من خلاف(٣) ربيعة لبعض ما مضى ما عرفت
وحضرتَ، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن
سعيد وعبيدالله بن عمر وكثيربن فرقد وغير كثير ممن هو أسن منه حتى
اضطرك ما كرهت من ذلك الى فراق مجلسه. وذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن
عبدالله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك فكنتما لي موافقين (٤) فيما أنكرت،
تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل
أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإِسلام، ومودة
صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له وجزاه بأحسن من
عمله. وکان یکون من ابن شهاب اختلاف کثیر إذا لقیناه، واذا کاتبه بعضنا
فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه - بثلاثة أنواع ينقض
بعضها بعضا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني
الى ترك ما أنكرتَ تركي (٥) إياه. وقد عرفتُ مما عِبتَ(٦) إنكاري إياه أن يجمع
أحد من(٧) أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر - ومطر الشام أكثر من مطر
(١) في أعلام الموقعين ٩٦/٣ ((رأسهم)).
(٢) في الأصل يوجد هنا ((عليهما)) وهي زائدة.
(٣) في الأصل ((اختلاف)) وما أثبته من أعلام الموقعين ٩٦/٣.
(٤) في أعلام الموقعين ٩٦/٣ ((من الموافقين)).
(٥) في الأصل ((بتركي)) والتصويب من أعلام الموقعين ٩٦/٣.
(٦) في أعلام الموقعين ٩٦/٣ ((أيضا عيب)) بدل ((مما عبت)).
(٧) في الأصل ((الأرض)) بدل ((أحد من)) والتصويب من أعلام الموقعين
٩٦/٣.
- ٦٩٠ -
٠٠

المدينة بما لا يعلمه إلا الله - لم يجمع(١) منهم إمام قط في ليلة مطر، وفيهم أبو
عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص
ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أعلمهم(٢) بالحلال والحرام معاذ بن جبل)). وقال(٣): ((يأتي معاذ يوم القيامة
بين يدي العلماء برَتْوة))(٤). وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح،
وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون
من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها والعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان
وعمران بن الحصين، ونزلها علي بن أبي طالب(٥) سنين بمن كان معه من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء
قط .
ومن ذلك القضاء بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت
أنه لم يزل يُقضى بالمدينة [به](٦)، ولم يَقض به أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالشام وبحمص ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء
الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم [ولي](٧) عمر بن عبدالعزيز فكان
كما علمت في إحياء السنن، وقطع اليد(٨)، والجدِّ في إقامة الدين، والإِصابة
(١) في الأصل ((يخرج)) والتصويب من أعلام الموقعين ٩٦/٣.
(٢) في أعلام الموقعين ((أعلمكم)).
(٣) في الأصل ((ويقال)) والتصويب من أعلام الموقعين ٦٩/٣.
(٤) الرتوة: الخطوة.
(٥) في أعلام الموقعين ٩٧/٣ زيادة ((أمير المؤمنين)) قبل علي و ((كرم الله وجهه
في الجنة)) بعد ((طالب)).
(٦) الزيادة من أعلام الموقعين ٩٧/٣.
(٧) الزيادة من أعلام الموقعين ٩٧/٣.
(٨) لا يوجد في أعلام الموقعين ((وقطع اليد)).
- ٦٩١ -

:
في الرأي، والعلم بما مضى من أمر الناس، فكتب إليه زريق بن الحكم:
إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق، وكتب
إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على
غير ذلك، فلا نقض إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، ولم يجمع
بين المغرب والعشاء قط ليلة المطر، والسماء تسكب عليه في منزله الذي كان
فيه بخُناصرة(١) ساكناً.
ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت
أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلمت فدفع اليها، وقد وافق أهل العراق أهل
المدينة على ذلك وأهل الشام وأهل مصر، ولم يقض أحد من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق
٨٨ أ بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها .
ومن ذلك قولهم في الإِيلاء إِنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن
مرت الأربعة الأشهر ، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر - وعبد الله بن
عمر الذي كان يُروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر- أنه كان يقول في
الإِيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولي اذا بلغ الأجل إلا أن يفيء
كما أمره الله أو يعزم الطلاق. وأنتم تقولون: إن لبث بعد الأربعة الأشهر التي
سمى في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا عن عثمان بن عفان
وزيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيبٍ وأبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف أنهم
قالوا في الإِيلاء : إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة ثانية (١)، وقال
(١) في الأصل ((تحفاصرة)) وما أثبته من أعلام الموقعين، وخناصرة: بليدة من
أعمال حلب تحاذي قنسرين نحو البادية (ياقوت: معجم البلدان).
(٢) في أعلام الموقعين ٩٨/٣ ((بائنة).
- ٦٩٢ -

سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن هشام وابن شهاب: إذا مضت
الأربعة أشهر فهي تطليقة وله الرجعة في العدة.
ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملّك الرجل امرأته أمره
فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلقت نفسها ثلاثا فهي تطليقة، وقضى
بذلك عبدالملك بن مروان، وكان ربيعة بن أبي عبدالرحمن يقوله، وقد كاد
الناس يجتمعون على أنها [إن] اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن
اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها رجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثا
بانت منه، ولم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها،
إلا أن يردَّ عليها في مجلسه فيقول: انما ملَّكتُك واحدة، فيستحلف ويخلّى بينه
وبین امرأته.
ومن ذلك ان عبدالله بن مسعود كان يقول: ايما رجل تزوج أمة ثم
اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك وإن
تزوجت المرأة الحرة عبدا فاشترته فمثل ذلك .
٨٨ ب
وقد بلغنا عنكم أشياء من الفتيا مستكرها(١)، وقد كنت كتبت اليك في
بعضها فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت
الكتاب اليك في شيء مما انكرت(٢) وفيما أوردت(٣) فيه على رأيك، وذلك أنه
بلغني أنك أمرت زفربن عاصم الهلالي - حين أراد أن يستسقي - أن يقدم
الصلاة قبل الخطبة، فأعظمتُ ذلك، لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم
الجمعة إلا أن الإِمام إذا دنا فراغه من الخطبة حول وجهه إلى القبلة فدعا،
وحول رداءه ثم نزل فصلى، [و] وقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن
(١) في الأصل ((نستكرها)) والتصويب من أعلام الموقعين ٩٨/٣.
(٢) في أعلام الموقعين ٩٨/٣ ((أنكره).
(٣) في الأصل ((أردت)) والتصويب من أعلام الموقعين ٩٨/٣.
- ٦٩٣ -

محمد بن عمروبن حزم وغيرهما، فكلهم يقدم الخطبة و(١) الدعاء قبل
الصلاة، فأشهر(٢) الناس فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجب عليهما
الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن
الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به
في ولاية عمر بن عبدالعزيز قبلكم وغيره، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم
يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره.
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة
فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها انه يأخذ ما وجد من
متاعه، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئا أو أنفق المشتري
منها شيئا فلیست بعينها .
ومن ذلك أنك تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبيربن
العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم
٨٩ أ بفرسين(٣) ومنعه الفرس الثالث، والأمة كلهم ((على هذا الحديث أهل الشام
وأهل مصر وأهل العراق وأهل أفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي
لك - وإن كنت سمعته من رجل مرضى - أن تخالف الأمة أجمعين. وقد تركت
أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك؛ لما أرجو
للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع
(١) في الأصل ((في)).
(٢) في أعلام الموقعين ((فاستهتر).
(٣) في أعلام الموقعين ٩٩/٣ ((لفرسين)).
- ٦٩٤ -

استئناس بمكانك، وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك
فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن
كانت لك أو لأحد يوصل بك ، فإني أُسرُّ بذلك، كتبت اليك ونحن صالحون
معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم
به علينا، والسلام عليك ورحمة الله.
رسالة مالك(١)
بسم الله الرحمن الرحيم
حدثنا أبو يوسف حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير قال: هذه رسالة
مالك بن أنس إلي الليث بن سعد: سلام عليك، فإني أحمد الله اليك الذي
لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا
وإياك(٢) من كل مكروه :.
كتبتُ اليك وأنا من قِبلي من الولدان والأهل على ما تحب والله محمود.
جاءني كتابك تذكر من حالك ونعم الله عليك الذي أنا به مسرور، وأسأل
الله أن يستمر علينا وعليك صالح ما أنعم به علينا وعليك وأن يجعلنا له ٨٩ ب
شاكرين. وفهمت ما ذكرتَ في كتب بعثت بها لأعرضها لك وأبعث بها
إليك، فقد فعلت ذلك وغيَّرتُ منها حتى صح أمرُها على ما تحب، وختمت
على كل فُنداق منها بخاتمي ونقشه: حسبي الله ونعم الوكيل. وكان حبيبٌ
إلي حفظك وقضاء حاجتك وأنت لذلك أهل، وصبرت لك نفسي في ساعات
(١) نقل القاضى عياض بعض هذه الرسالة في المدارك ص ٣٤ وحذف منها
من قوله ((كتبت إليك)) إلى قوله ((ولا تكتب فيه إليَّ)).
(٢) في المدارك ((وإياكم)).
- ٦٩٥ -

لم أكن أعرض فيها لأن الحج فيها فتاتيك مع الذي جاءني بها حيث(١) دفعتها
إليه وبلغت من ذلك الذي رأيتُ أنه يلزمني في حقك وحرمتك، وقد نشطني
ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوت لك أن
يكون لها عندك موضع، ولم يكن يمنعني من ذلك قبل اليوم أن لا يكون رأيي
لم يزل فيك جميلا إلا أنك لم تكن تذاكرني شيئا من هذا الامر ولا تكتب فيه
إلّي .
· واعلم - رحمك الله - أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة
الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك، ومنزلتك
من أهل بلدك، وحاجة من قِبَلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك
حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو(٢) النجاة باتباعه، فإن الله عز
وجل يقول في كتابه ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين
اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري من
تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ﴾(٢).
وقال الله عز وجل ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك
الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾(٤).
وإنما الناس تبعٌ لأهل المدينة: إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن،
وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم،
يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويبين لهم فيتبعونه، حتى
٩٠ أ توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته،
(١) في الأصل ((حتى)) والتصويب من المدارك ص ٣٤.
(٢) في المدارك ص ٣٤ ((نرجو).
(٣) التوبة آية ١٠١ .
(٤) الزمر آية ١٨.
- ٦٩٦ -

ثم قام من بعده أتبعُ الناس له من أمته، فما(١) نزل بهم مما علموا أنفذوه وما(٢)
لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، في(٣)
اجتهادهم، وحداثة عهدهم، فإن خالفهم مخالف، أو قال امرؤ غيره ما
[هو](٤) أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل ويتبعون تلك(٥)
السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به، لم أر لأحد خلافه؛ للذي
في أيديهم من تلك(٦) الوراثة التي لا يجوز لأحدٍ انتحالها ولا ادعاؤها، ولو
ذهب كل أهل الأمصار يقولون : هذا العمل ببلدنا ، وهو الذي مضى
[عليه ](٧) من مضى منا لم يكونوا فيه من ذلك على ثقة ، ولم يجز لهم من
ذلك مثل الذى جاز لهم .
فانظر - رحمك الله - فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني أرجو أن
لا يكون دعاني الى ما كتبت به إليك الا النصيحة لله وحده والنظر لك والضن
بك، فأنزل كتابي منك منزله، فإنك إن تفعل تعلم(٨) أني لم آلك نصحاً،
وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام
عليك ورحمة الله .
وكتب يوم الأحد لسبع مضين من صفر.
(١) في المدارك ص ٣٤ بعد ((أمته)) قوله ((ممن ولي الأمر من بعده بما نزل بهم
فما علموا أنفذوه)».
(٢) في الأصل ((ومما)) والتصويب من المدارك.
(٣) في الأصل ((و)) والتصويب من المدارك.
(٤) الزيادة من المدارك.
(٥) و(٦) في الأصل ((ذلك)) وما أثبته من المدارك.
(٧) الزيادة من المدارك.
(٨) في الأصل ((بعلمه)) وفي المدارك ((فإنك إن تعلمت تعلم أني)).
- ٦٩٧ -