Indexed OCR Text

Pages 621-640

إليه . فقال رجل من الأنصار: يا أمير المؤمنين ذاك والله أسرع مما نكره ابسط
يديك فلنبايعك. قال: فكان أول من بايعه الأنصاري هذا. ولا أدري عن
اسماعيل هو أو عن غيره. قال: وأظنه عن إسماعيل قال: ومشى عمر في جنازة
سليمان. قال: ودخل قبره فلما أن فرغ من دفنه قال: وقد جيء بمراكب
الخلفاء فلم يركب شيئا منها، وقال: بغلتي. فركضر إنسان إلى العسكر وقعد
حتى جيء ببغلته. قال: وقد ضربت أبنية الخلفاء قال: فأحسبه أنه لم
يستظل في شيء منها حتى جيء ببغلته فركبها ثم رجع .
قال: وقد كان سليمان أمر أهل مملكته أن يقودوا الخيل سبق سهم فما
١٢٠٤
من قدمة من المسلمين إلا كان قد أخذهم ليعودوا إليه بالخيل، فمات من قبل
أن تجري الحلبة .
قال: فلما ولي عمر أبى أن يجريها (١). فقيل له: يا أمير المؤمنين: تكلف
الناس مؤونات عظاما، وقادوها من بلاد بعيدة وفي ذلك غيظ للعدو. قال:
فلم يزالوا يكلمونه حتى أجرى الحلبة، وأعطى الذين سبقوا، ولم يخيب الذين
لم يسبقوا أعطاهم دون ذلك. قال: وقد كان الناس لقوا جهدا شديدا من
القسطنطينية من الجوع وأقفل الناس وبعث إليهم، بالطعام .
((حدثنا سعيد بن أسد قال: حدثنا ضمرة عن الريان بن مسلم قال:
بعث عمر بن عبدالعزيز بآل أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - الى صاحب
اليمن وكتب إليه : أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في
(١) انظر رأيه أيضاً في سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبدالحكم ص ٥٦.
-٦١٨ -

العرب ففرقهم في عملك على قدر هوانهم على الله وعلينا وعليكم السلام -
وإنما نفاهم -))(١).
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا عمر بن علي عن عبد ربه عن میمون بن
مهران قال: كنت في سمر عمر بن عبدالعزيز ذات ليلة فقلت: يا أمير
المؤمنين ما بقاؤك على ما أرى؟ أنت بالنهار مشغول في حوائج الناس، وبالليل
أنت معنا هاهنا ثم الله أعلم بما تخلو به. قال: فعدل عن جوابي، ثم قال:
إليك عني يا ميمون فإني وجدت لقاء الرجال تلقيحا لألبابهم(٢).
حدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم حدثنا أيوب - يعني ابن سويد - عن
عبدالعزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يعدل بعراك بن مالك.
حدثني أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا سعيد بن عامر عن أحمد بن
الأشعث عن سعيد بن أبي عروبة قال: قال له رجل: رأيت فلانا لم يقبّل
الحجر. فقال: قد رأيت من هو خير منه يقبله. قيل له: من يا أبا النضر؟
قتادة؟ قال: خير منه. قيل: الحسن؟ قال: خير منه. قال: رأيت عمر بن
عبدالعزيز يقبّل الحجر(٣).
٢٠٤ ب
حدثنا محمد بن أبي عمر ((حدثنا سفيان قال: سألت عبدالعزيز بن
عمر بن عبدالعزيز: ما آخر شيء تكلم به أبوك عند موته؟ قال: كان له من
الولد عبدالعزيز وعبدالله وعاصم وإبراهيم . قال عبدالعزيز: وكنا أغيلمة
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣٦/٩ لكنه يذكر ((العمل)) بدل ((العرب))
وهو تصحيف. وأوردها ابن عبدالحكم: سيرة عمر بن عبدالعزيز
١٢٤، وابن الجوزي : سيرة عمر ص ٩٠.
(٢) ابن الجوزي: سيرة عمر ص ٦٤ من هذا الوجه وص ٢٤٠، وقارن
ابن عبدالحكم : سيرة عمر ص ١٢٤ .
(٣) أوردها ابن الجوزي بألفاظ مقاربة من هذا الطريق ولم يذكر مصدره
(سيرة عمر بن عبدالعزيز ص ٢٩).
- ٦١٩ -

فجئنا له کالمسلمین علیه والمودعين له، وکان الذي ولي ذلك منه مولی له.
فقيل له: تركت ولدك هؤلاء ليس لهم مال، ولم تولهم إلى أحد . فقال: ما
كنت لاعطيهم شيئا ليس لهم، وما كنت لآخذ منهم حقا لهم، أو تّ فيهم
الذي يتولّ الصالحين، إنما هؤلاء أحد رجلين؛ رجل أطاع الله عز وجل،
ورجل ترك أمر الله وضيعه))(١).
آخر أخبار عمر بن عبدالعزيز
أول أخبار الزهري
ابن شهاب واسمه محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري .
حدثنا محمد بن أبي عمر قال: قال سفيان: رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية
وفي حمرتها انكفاء(٢) قليل كأنه يجعل فيه كتما(٣). قال سفيان: كان الزهري"
أعيمش وعليه جميعة.
قال سفيان: رأيت ابن جدعان جلس عند الزهري، وكان ابن
جدعان يعجبه الطيب، فقال: يا أبا بكر ألا أمرت بثوبيك هذين فأجمرا.
وكان الزهري قد غسلهما فوجد ابن جدعان ريح الغسالة - وربما قال ريح
الحُرُض
قال سفيان: وسمعت الزهري اذا حدث عن الرجل قال: حدثني
فلان وكان واعيا، وحدثني فلان وكان من أوعية العلم - ولا يقول كان
عالما _(٤).
(١) ابن الجوزي: سيرة عمر بن عبدالعزيز ص ٢٧٩ ولم يذكر ((عبدالله)).
(٢) انكفاء اللون: تغيره.
(٣) أوردها الذهبي: تاريخ الاسلام ١٣٦/٥.
(٤) أورد بعضها ابن كثير: البداية والنهاية ٣٤٥/٩، والحُرُض: الأُشنان
- ٦٢٠ -

حدثني العباس بن عبدالعظيم قال: حدثنا عبد الرزاق قال: قال
مالك: مربنا ابن شهاب على برذون. قال: فقمت إليه فسألته عن أحاديث
فحدثني بها. قال: فقال لي: قد حدثتك إن حفظت. قال: قلت: أعيد
عليك؟ قال: هات. قال: فأعدت عليه. قال: ثم قلت له: يا أبا بكر: ٢٠٥ أ
طلبتَ العلم حتى إذا كنتَ وعاء من أوعيته تركت المدينة وخرجت عنها.
قال: انما كنت أنزل المدينة والناس إذ ذاك ناس.
قال علي بن المديني: كان هؤلاء الستة ممن يعتمد عليهم الناس في
الحديث: الزهري لأهل المدينة وعمرو بن دينار لأهل مكة وأبو إسحق
والأعمش لأهل الكوفة ويحي بن أبي كثير وقتادة لاهل البصرة .
وقال علي عن ابن عيينة قال قال أيوب: ما أجد بعد الزهري ابن
شهاب أعلم بحديث المدينة والحجازيين من يحي بن أبي كثير. قال: يحي من
أهل البصرة سكن اليمامة .
حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان عن الهذلي قال: جالست
الحسن وابن سيرين فما رأيت مثل هذا الرجل بقول الزهري. قال الهذلي : لا
يزال بالمدينة علم(١) ما بقي هذا الرجل - يعني ابن إسحق وهو صاحب
السيرة -.
((حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: كان يرون الزهري مات يوم
مات وليس أحد أعلم بالسنة منه))(٢).
((حدثني عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي حدثنا مالك قال: حدثني ابن
شهاب بحديث فيه طول، وأنا آخذ بلجام دابته، فقلت له: أعد عليَّ.
(١) في الأصل ((علي)) ..
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١١ /٧٦ أ.
- ٦٢١ -
,

فقال: لا. قلت له: أرأيت أنت أما كنت تحب أن يعاد عليك؟ قال: لا.
فقلت له: كنت تكتب؟ قال: لا))(١).
حدثني محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب عن مالك قال: لقد
أخذت بلجام ابن شهاب وهو على بغلته، فسألته عن حديث. فقال: الذي
أعجبني منه قد حدثتكه. قلت: أجل. قال مالك: وأعجبني منه ما قال(٢).
قلت له: فأعده على. قال: لا. فقلت - وأنا أريد أن أخصمه -: أما كنت
تكتب؟ قال: لا. فقلت: ولا تسأل أن يعاد عليك الحديث(٣)؟ فقال: لا
فأرسلت (٤) الحديدة))(٥).
((حدثنا ابن بكير وعبد الله بن صالح أبو صالح قالا: ثنا الليث عن
٢٠٥ ب جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما
أعلمهم بقضایا رسول الله صلی الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان
وأفقههم فقها وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب، وأما
أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير، ولا تشأ أن تفجر من عبيدالله بن عبدالله
بحراً الا فجرته. قال: ثم يقول لي عراك بن مالك: وأعلمهم عندي جميعا
(١) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧١/١١ ب. وأوردها الذهبي:
تاريخ الاسلام ١٣٧/٥.
(٢) أي تذکره أنه حدث به.
(٣) أوردها الذهبي: تاريخ الاسلام ١٤٣/٥ - ١٤٤. وسير أعلام النبلاء
٥/ ق ٩٦ الثانية و ١.
(٤) في الأصل ((فقال: ولا أرسلت الحديدة)) (انظر ابن عساكر: تاريخ
مدينة دمشق ١١ / ٧٢ أ).
(٥) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧١/١١ ب لکنه یذکر «فأرسلت
الحديث)) بدل ((فأرسلت الحديدة)).
- ٦٢٢ -

ابن شهاب فأنه جمع علمهم جميعا الى علمه))(١).
((حدثنا ابن بكير قال: حدثنا الليث قال ابن شهاب: ما صبر أحد على
العلم صبري، ولا نشره أحد نشري))(٢).
قال أبو صالح عبدالله بن صالح: وسمعت الليث بن سعد يقول: ما
رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، ولو سمعت من ابن
شهاب يحدث في الترغيب [فتقول لا يحسن الا هذا، وإن حدث عن
العرب](٣) والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، فإن حدث عن الأنبياء وأهل
الكتاب قلت: لا يحسن الا هذا. قال: وإن حدث عن القرآن والسنة كان
حديثه، ثم يتلوه بدعاء جامع(٤) يقول: اللهم إني أسألك من كل خير أحاط
به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا
والآخرة .
(١) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٤/١١ أ. وأوردها الذهبي : تاريخ
الإِسلام ١٣٧/٥ باختصار. وسير أعلام النبلاء ٥/ق ٩٧ الأولى و ٢
من هذا الوجه. وبعضها عند ابن حجر: تهذيب التهذيب ٤٤٨/٩
- ٤٤٩.
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٧/١١ ب. وأوردها ابن كثير:
البداية والنهاية ٣٤٥/٩. والذهبي: تاريخ الاسلام ١٣٧/٥.
(٣) الزيادة من الذهبي: تاريخ الاسلام ١٣٧/٥ حيث أوردها بهذا
الإِسناد أيضا وفي ابن كثير ٣٤٢/٩ ((في الترغيب والترهيب لقلت: ما
يحسن غير هذا، وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت لا يحسن
إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب قلت: لا يحسن إلا
هذا».
---------.
(٤) أورد الدعاء الذهبي: تاريخ الإِسلام ١٤٨/٥ مثل الأصل. وفي ابن
كثير: البداية والنهاية ٣٤٢/٩ ((كان حديثه بدعاً جامعاً وكان يقول)»
بدل «کان حدیثه، ثم يتلوه بدعاء جامع یقول» وقارن بابن حجر:
تهذيب التهذيب ٤٤٩/٩.
- ٦٢٣ -

قال الليث: وكان ابن شهاب من أسخى من رأيت، كان يعطي كل
من جاء وسأله حتى إذا لم يبق معه شيء فيستلف من عبيده، فيقول
لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرف، وأضعف لك كما تعلم، فيسلفونه ولا
يرى بذلك بأسا. قال: وربما جاءه سائل فلا يجد ما يعطيه فيتغير عند ذلك
وجهه ويقول للسائل أبشر فسوف يأتي الله بخير. قال: فقضى الله لابن
شهاب على قدر صبره واحتماله [إما] رجلاً يهدي له ما يسعهم وإما رجلا يبيعه
٢٠٦ أ فينظره. قال: وكان يطعم الناس بالثريد في الخصب وغيره، ويسقيهم
العسل، وكان ابن شهاب يسهر على العسل كما يسهر أصحاب الشراب على
شرابهم ويقول: اسقونا وحدثونا، فاذا رأى بعض أصحابه قد نعس قال له :
ما أنت من سمار قريش الذين قال الله ((سامراً تهجرون))(١). قال: وكان له
قبة معصفرة وعليه ملحفة معصفرة وتحته مجلس معصفر(٢).
قال: سمعته يبكي على العلم بلسانه ويقول: يذهب العلم وكثير ممنٍ
كان يعمل به، فقلت له: ووضعت من علمك عند من ترجو أن يكون خلفاً
في الناس بعدك؟ قال: والله ما نشر أحد العلم نشري، ولا صبر عليه
صبري، ولقد كنا نجلس إلى ابن المسيب فما يستطيع أحد منا أن يسأله عن
شيء إلا أن يبتدي(٣) الحديث أو يأتي رجل فيسأله عن أمر قد نزل به، قد
(١) المؤمنون آية ٦٧ .
(٢) أورد هذه الرواية من حديث الليث أيضا الذهبي: تاريخ الاسلام
١٣٧/٥ وابن كثير: البداية والنهاية ٣٤٣/٩. وابن حجر: تذهيب
التهذيب ٤٤٨/٩ .
(٣) في الأصل ((يبتدروني)) وما أثبته من ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق
١١/ ٧٤ أ. والذهبي: سير أعلام النبلاء ٩٧/٥ الأولى و١ (حسب
ترقيم النسخة المصورة في مكتبة الأوقاف ببغداد).
- ٦٢٤ -
....---

:
طالت مجالستنا إياه حتى ما كنا نسمع منه إلا الجواب .
قال الليث: وسمعته يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته(١).
قال : وكره التفاح وسوس الغار وقال إنه يُنسي ، وكان يشرب العسل
ويقول انه يذكِّر))(٢).
حدثنا ابن بكير قال: حدثني الليث قال: جئت ابن شهاب يوما بشيء
من الرأي، فقبض وجهه [و] قال: الرأي ! - كالكاره له - ثم جئته بعد ذلك
يوما آخر بأحاديث من السنن فتهلل وجهه وقال : إذا جئتني فأتني بمثل هذا.
((حدثنا عبدالعزيز بن عمران حدثنا ابن وهب حدثني الليث عن ابن
شهاب: أنه كان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته. قال: وكان يكره
التفاح وسوس الغار ويقول إنه يُنسي . قال: وقد كان يشرب العسل ويقول
إنه يُذكِّر))(٣).
((وحدثني الليث قال: جئت ابن شهاب يوما بشيء من الرأي فقبض
وجهه وقال: الرأي ! - كالكاره له -، ثم جئته بعد ذلك يوما آخر بأحاديث
من السنن فتهلل وجهه وقال: إذا جئتني فأتني بمثل هذا))(٤).
٢٠٦ ب
«حدثنا ابن بکیر حدثني اللیث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب
أنه كان يكون معه في السفر قال: فكان يعطي من جاءه وسأله حتى إذا لم
يبق معه شيء [تسلف من أصحابه فلا يزالون يسلفونه حتى لا يبقى معهم
شيء]، فيحلفون أنه لم يبق معهم شيء فيستسلف من عبيده، فيقول: أي
(١) أوردها الذهبي: تاريخ الاسلام ١٣٨/٥.
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٤/١١ أ - ب.
(٣) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧١/١١ أ. وأوردها الذهبي: تاريخ
الإسلام ١٣٨/٥ .
(٤) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١١ /٧٧ أ.
- ٦٢٥ -

فلان اسلفني فأضعف لك كما تعلم، فيسلفونه ولا يرى بذلك بأسا، فربما
جاءه السائل فلا يجد له شيئا يعطيه فيتغير وجهه عند ذلك ويقول للسائل:
ابشر فسيأتي الله بخير، فيقضي(١) الله لابن شهاب أحد رجلين؛ إما رجل
يهدي له ما يسعهم، واما رجل يبيعه وينظره. قال: وكان يطعمهم الثريد
ويسقيهم العسل مع ذلك قال: وكان ابن شهاب يسهر على العسل كما يسهر
أهل الخمر.
قال : فكان يحدثنا ثم يقول اسقونا حدثونا .
قال عقيل: وكان اذا رآني قد نعست قال: ما أنت من سُمَّار قريش
الذين قال الله ((سامراً تهجرون))(٢)، وكانت له قبة معصفرة، وعليه ملحفة
معصفرة، وتحته مجلس معصفر))(٣).
حدثنا ابن بكير قال الليث: قال ابن شهاب: ذانيك العجلين أفسدا
أهل تلك النجدة - يعني أهل المدينة - كأنّه يقول من قِبَل الرأي.
((حدثني سعيد بن عفير قال: حدثني عطاف بن خالد عن عبد
الاعلى بن عبدالله بن أبي فروة عن ابن شهاب أنه قال: أصاب أهل المدينة
حاجة زمان فتنة عبدالملك بن مروان، فعمت أهل البلد، فقد خيِّل اليَّ أنه
قد أصابنا من ذلك - أهل البيت - مالم يصب أحدا من أهل البلد لخبرتي
بأهلي، فتذكرت هل من أحد أمتُ إليه برحم أو مودة أرجو ان خرجت اليه
أن أصيب منه شيئا، فما علمت أحدا أخرج إليه ، ثم قلت: إنما الرزق بيد
الله، ثم خرجت حتى قدمت دمشق، فوضعت رحلي، ثم غدوت إلى
المسجد فاعتمدت إلى أعظم مجلس رأيته في المسجد وأكثره أهلا، فجلست
(١) في ابن عساكر ((فیقیض)).
(٢) المؤمنون آية ٦٧ .
(٣) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٩/١١ ب والزيادة منه.
- ٦٢٦ -

إليهم فبينا نحن على ذلك خرج رجل من عند عبد الملك بن مروان، كأحشم(١) ٢٠٧ أ
الرجال وأجمله وأحسنه هيئة، فأقبل إلى المجلس الذي أنا فيه فتحتحثوا(٢) له
حتى أوسعوا له، فجلس ثم قال: لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه
مثله منذ استخلفه الله. قالوا: وما هو؟ قال: كتب إليه عامله بالمدينة
هشام بن إسماعيل يذكر أن ابنا لمصعب بن الزبير من أم ولد مات، فأرادت
أمه أن تأخذ ميراثها منه فمنعها عروة بن الزبير، وزعم أن لا ميراث لها،
فتوهم أمير المؤمنين [في ذلك](٣) حديثا سمعه من سعيد بن المسيب يذكر(٤)
عن عمر بن الخطاب في أمهات الاولاد، لا يحفظ أمير المؤمنين ذلك الحديث.
قال: ابن شهاب: فقلت(٥): أنا احدثكه. فقام اليَّ قبيصة(٦) حتى أخذ
بیدي، ثم خرج بي معه حتى دخل بي الدار على عبدالملك، ثم جاء البيت
الذي فيه عبدالملك فقال: السلام عليك، فقال له عبدالملك مجيبا: وعليكم
السلام. فقال: ادخل؟ قال: ادخل. فدخل وهو آخذ بيدي. فقال: [هذا](٧)
يا أمير المؤمنين يحدثك الحديث الذي سمعت من سعيد بن المسيب في أمهات
الأولاد. قال: إيه. قال: قلت: سمعت سعيد بن المسيب يذكر: أن
(١) في ابن كثير: البداية النهاية ٣٤٦/٩ ((كأجسم)) وفي ابن عساكر: تاريخ
مدينة دمشق ٦٥/١١ أ «كأحسن)).
(٢) أي أوسعوا.
(٣) الزيادة من ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٦٥/١١ أ.
(٤) في ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١١/ق ٦٥ أ ((يذكره)).
(٥) في الأصل ((فقال)) والتصويب من ابن عساكر ١١/ق ٦٦ ب.
(٦) قبيصة بن ذؤيب الخزاعي كان على خاتم عبدالملك وكان آثر الناس
عنده وكان البريد إليه (تهذيب التهذيب ٣٤٦/٨).
(٧) الزيادة من ابن عساكر ١١/ق ٦٦ ب.
- ٦٢٧ -

عمر بن الخطاب أمر بأمهات الأولاد أن يُقَوَّمْنَ في أموال أبنائهن بقيمة عدل
ثم يُعتقن، فمكث(١) بذلك صدرا من خلافته، ثم توفي رجل من قريش كان
له ابن لأم ولد، قد كان [عمر](٢) يعجب بذلك الغلام، فمر ذلك الغلام
على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال، فقال له عمر: ما فعلت يا ابن أخي
في أمك؟ قال: قد فعلت يا أمير المؤمنين خيرا، خيرني إخوتي أن يسترقوا أمي
أو يخرجوني من ميراثي من أبي، وكان ميراثي من أبي أهون عليّ من أن تسترق
أمي. قال عمر: أولستُ انما أمرت في ذلك بقيمة عدل؟ ما أرى رأيا أو آمر
بشيء إلا قلتم به، ثم قام فجلس على المنبر، فاجتمع إليه الناس حتى إذا
٢٠٧ ب رضي جماعتهم قال: يا أيها الناس أني قد كنت أمرت في أمهات الأولاد بأمر
قد علمتموه، ثم قد حدث لي رأي غیر ذلك، فأیما امريء كانت عنده أم ولد
فملكها بيمينه ما عاش، فاذا مات فهي حرة لا سبيل عليها (٣). ثم قال(٤):
من أنت؟ قلت: أنا محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب. قال: أما والله
ان كان لك لأب نعارٌ في الفتنة مؤذٍ لنا فيها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين قل
كما قال العبد الصالح. قال: أجل ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾(٥). قال: قلت:
يا أمير المؤمنين افرض لي فإني منقطع من الديوان. قال: إن بلدك لبلد ما
فرضت لأحد فيها منذ كان الأمر، ثم نظر إلى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه،
فكأنه أومأ إليه أن افرض له. قال: قد فرض لك أمير المؤمنين. قلت: وصلة
(١) في ابن كثير ((فكتب)) وفي ابن عساكر ((فعل)).
(٢) الزيادة من ابن عساكر وابن كثير.
(٣) أخرجه إلى هنا البيهقي من طريق الفسوي (سنن ٣٤٣/١٠) وهو في
كنز العمال ٣٤٣/١٠ - ٣٤٤.
(٤) القائل عبد الملك بن مروان .
(٥) يوسف آية ٩٢.
---
- ٦٢٨ -

يا أمير المؤمنين وصلك الله تصلنا بها، فإني والله لقد خرجت من أهلي وإن
فيهم لحاجة ما يعلمها إلا الله، ولقد عمت (١) الحاجة أهل البلد، قال: وقد
وصلك أمير المؤمنين. قلت: وخادم يا أمير المؤمنين يخدمنا فإني والله لقد
تركت أهلي ومالهم من خادم إلا أختي إنها التي تخبز لهم وتعجن وتطبخ لهم .
قال: وقد أخدمك أمير المؤمنين. قال: ثم كتب إلى هشام بن إسماعيل: أن
ابعث إلى ابن المسيب فسله عن الحديث الذي سمعه يحدث في أمهات
الاولاد عن عمر بن الخطاب. فكتب إليه هشام مثل حديثي ما زاد حرفا ولا
نقص حرفا))(٢).
((حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد - مصري(٢) - حدثنا أبي عن
يونس قال: قال ابن شهاب: قدمت دمشق زمان تجري(٤) ابن الأشعث.
قال : وعبد الملك يؤمئذ مشغول بشأنه ، فجلست في مجلس لا أعرفهم ،
وذكر نحوا من قصة أم الولد. فقال عبد الملك: مامات رجل ترك مثلك)).
((حدثني سعيد بن عفير قال: حدثنا حفص بن عمران بن الوسام عن
السري بن يحي عن ابن شهاب قال: قدمت دمشق وأنا أريد الغزو، فأتيت ٢٠٨ أ
(١) في الأصل ((علمت)) والتصويب من ابن عساكر ١١ /٦٧ أ.
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٦٦/١١ ١ - ٦٦ ب، وأوردها ابن
كثير: البداية والنهاية ٣٤٥/٩ - ٣٤٧ من طريق عطاف بن خالد أيضا
إلى قوله ((وقد أخدمك أمير المؤمنين)). واختصرها الذهبي من هذا
الطريق أيضاً في تاريخ الاسلام ١٣٧/٥، ومن طريق آخر ١٣٨/٥
- ١٣٩ .
(٣) في ابن حجر (تهذيب التهذيب ٣٠٦/٤) ((البصري)) ويذكر رحلته إلى
مصر في تجارة .
(٤) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٦٧/١١ ب لكنه يذكر ((تحرك)) بدل
«تجري)).
- ٦٢٩ -

عبدالملك لأسلم عليه، فوجدته في قبة على فرش يفوق القائم والناس تحته
سماطان فسلمت وجلست، فقال: يا ابن شهاب أتعلم ما كان في بيت
المقدس صباح قتل ابن أبي طالب؟ قلت: نعم. قال: هلم. فقمت من وراء
الناس حتى أتيت خلف القبة، وحوّل وجهه فأحنى عليّ فقال: ما كان؟ قال
فقلت: لم ترفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. قال: لم يبق أحد يعلم
هذا غيري وغيرك ولا يُسمعنَّ منك. قال فقال: فما تحدثت به حتى توفي))(١).
حدثني عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه :
أن هشام بن عبدالملك قضي دین ابن شهاب ثمانين ألف درهم. وسمعت أبي
وهو يعاتب ابن شهاب في الدين ويقول: قد قضى عنك هشام بن عبدالملك
ثمانين ألفا، وقد عرفت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين.
فقال ابن شهاب لأبي: إني أعتمد على مال الله لو بقيت لي هذه المشربة ثم
ملئت لي أسفلها ذهبا أو ورقا ــ قال ابراهيم أنا أشك أي ذلك قال ـــ ما رأيته
عوضا من مالي. قال إبراهيم : وهو إذ ذاك في مشربة .
حدثني محمد بن أبي أسامة الحلبي حدثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة
قال: قضى هشام بن عبدالملك عن الزهري أربعة آلاف دينار ثم قال:
لعلك عائدا للدين يا ابن شهاب؟ قال: لا يا أمير المؤمنين سمعت سعيد بن
المسيب يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. قال رجاء فحدثني يونس عن
(١) البيهقي: دلائل ٦ /٤٤٠ - ٤٤١ وفيه ((الوشاح)) بدل ((الوسام)). وابن
عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٦٧/١١ ب وقارن بالذهبي : تاريخ
الإسلام ١٤٧/٥ .
- ٦٣٠ -

الزهري: أنه عاد الى الدين، ولكن كانت له عقدة وفاء لدينه(١).
حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا داؤد بن عبدالله بن أبي الكرام
الجعفري قال: سمعت مالك بن أنس يقول: كان ابن شهاب من أُسخى
الناس، فلما أصاب تلك الأموال قال له مولى له - وهو يعظه -: قد رأيت ما ٢٠٨ ب
مرَّ عليك من الضيق والشدة فانظر كيف تكون وأمسك عليك مالك. فقال
ابن شهاب: ويحك إني لم أرَ الكريم تحكمه التجارب(٢).
-....--
((حدثنا محمد بن أبي زكير(٣) أخبرنا ابن وهب حدثني مالك عن ابن
شهاب: أنه كان يشق الزق الذي فيه العسل فيلعق الناس.
((قال مالك: ولم يكن ابن المسيب ولا غيره يفعل مثل هذا))(٤).
((حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا سعيد بن عامر عن سلام
ابن أبي مطيع قال: سمعت أيوب يقول: لو كنت كاتبا عن أحد لكتبت عن
ابن شهاب))(٥).
حدثنا الحسين بن الحسن حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن الزهري
قال: مست ركبتي ركبة ابن المسيب ثمان سنين .
(١) قارن بالذهبي: تاريخ الإِسلام ١٤١/٥.
(٢) ابن عساكر ٨٠/١١ ب، وأوردها الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/ق
٩٧ الأولى و ٢، وقارن تاريخ الاسلام ١٥٠/٥.
(٣) في الأصل ((بكير)) وهو تصحيف.
(٤) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١٨١/١١.
(٥) المصدر السابق ١١ /٧٩ أ.
- ٦٣١ -

((حدثنا يحي بن عبدالله بن بكير حدثني الليث قال: قال يحي بن
سعيد: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب))(١).
((حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد قال:
سمعت ابن شهاب يحدث أبي قال: أرسل إلي هشام بن عبدالملك: أن اكتب
لبنيَّ بعض أحاديثك. فقلت: لو سألتني عن حديثين ما تابعت بينهما، ولكن
ان كنت تريده فادعُ كاتبا فإذا اجتمع إلَّ الناس يسألوني كتبتَ لهم ما تريد.
قال: فأرسل كاتبا ومكث سنة، ما يأتي يوم إلا ملأته. قال: فلقيني بعض بني
هشام فقال لي: يا أبا بكر ما أرانا الا قد أنقصناك (٢). قال ابن شهاب: فقلت
له: إنما كنت في عزاز(٣) الارض إنما هبط بطون الأودية اليوم)) (٤).
حدثنا أبو عمير(٥) ثنا ضمرة عن ابن أبي سلمة، قال: قضى هشام بن
عبد الملك عن الزهري أربعة آلاف دينار، ثم قال له: ويحك يا ابن شهاب
أترك عائدا في الدين؟ قال: لا يا أمير المؤمنين سمعت سعيد بن المسيب
يقول ((لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين)).
قال رجاء(٦): حدثني يونس: أن الزهري عاد. قال: فكان في ضياعه
ما قضى دينه. قال ضمرة: كان يشتري تمر الصدقة، ثم يدعوا اليه الأعراب
فيقسمه بينهم. قال ضمرة: أصحب هشام عقيلا ابن شهاب أربع سنين.
٢٠٩ أ
(١) المصدر السابق ٧٤/١١ ب، وأوردها ابن كثير: البداية والنهاية ٣٤٣/٩
من طريق الليث أيضاً.
(٢) في تاريخ الإِسلام للذهبي ١٤٣/٥ ((أنفضنا بك)).
(٣) عزاز الأرض: ما أشتد منها وصلب وخشن (لسان العرب مادة عزز).
(٤) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٢/١١ أ، وأوردها الذهبي: تاريخ
(٥) الإِسلام ٤٠٩/٥ وسير أعلام النبلاء ٥/ق ٩٦ الثانية و١ من طريق.
إبراهيم بن سعد أيضاً. وفي الأصل ((الآن)) بدل ((اليوم)).
في الأصل ((عمير) وإنما هو ((عيسى بن محمد النحاس الرملي)).
(٦) هو رجاء بن أبي سلمة .
- ٦٣٢ -

حدثني عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن
عكرمة قال: كنا نأتي الأعرج ويأتيه ابن شهاب، قال: فنكتب ولا يكتب ابن
شهاب. قال: فربما كان الحديث فيه طول. قال: فيأخذ ابن شهاب ورقة
من ورق الأعرج - وكان الأعرج يكتب المصاحف، فيكتب ابن شهاب ذلك
الحديث في تلك القطعة، ثم يقرأه ثم يمحو(١) مكانه، وربما قام بها معه
فيقرأها ثم يمحوها))(٢).
حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني معن عن ابن أخي ابن شهاب قال:
جمع ابن شهاب القرآن في ثمانين يوما .
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: قال ابن شهاب: كنا لا نرى الكتاب
شيئا فأكرهتنا عليه الأمراء فأحببنا أن نواسي بين الناس.
حدثني عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد: إن أول من
وضع للناس هذه الأحادیث ابن شهاب .
حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبدالعزيز بن أبي ثابت عن محمد بن
عبدالله بن عبيد بن عمير قال: سمعت ابن شهاب يقول: ما أكلت تفاحا
ولا أكلت الخل منذ عالجت الحفظ.
((حدثني عبدالعزيز بن عمران قال: حدثنا ابن وهب حدثني
يعقوب بن عبدالرحمن قال: رأيت ابن شهاب رجلا فقراً قليل اللحية له
شعيرات طوال خفيف العارضين(٣).
حدثنا محمد بن أبي زكير حدثنا ابن وهب حدثني مالك عن ابن شهاب
(١) في الأصل ((يمحوه)).
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٠/١١ أوالخطيب: تقييد العلم
٥٩.
(٣) ابن عساكر: مدينة دمشق ١١/ق ٦٩ أ.
(٤) في الأصل ((مما)) وما أثبته من الفقيه والمتفقه ٨/٢ -٩.
- ٦٣٣ -

قال: كنا نأتيه في بيته من بني الديل وكان يشتكي عينيه، قال: وكان ناس
يأتونه بأكحال في أصداف. قال: ويحدثونه عن تلك الأكحال .قال: فكان
يشتهي الحديث ويزيله منه فشق ذلك عليه .
((حدثني زيد بن بشر وعبدالعزيز بن عمران قالا : حدثنا ابن وهب عن
٢٠٩ ب موسى بن علي: أنه سأل ابن شهاب عن شيء؟ فقال ابن شهاب: ما سمعت
فيه بشيء مما نزل بنا. فقلت: انه قد نزل ببعض اخوانك . فقال: ما سمعت
فيه بشيء وما نزل بنا وما أنا بقائل فيه شيئا))(١).
حدثنا محمد بن أبي زكير أخبرنا ابن وهب حدثني مالك قال: قال لي
ربيعة قلت لابن شهاب: اجلس للناس في المسجد - كأنه يقول لتفتيهم -.
((قال: وقال ربيعة لابن شهاب: اذا أخبرت الناس بشيء من رأيك فأخبرهم
أنه من رأيك))(٢).
((حدثني زيد بن بشر وعبدالعزيز بن عمران قالا: أخبرنا ابن وهب
حدثني يونس عن ابن شهاب أنه قال: إنما هذا العلم خزائن وتفتحها
المسألة)» (٣).
((حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو(٤) قال: ما رأيت
أحدا أنص(٥) للحديث من ابن شهاب، وما رأيت الدينار والدرهم أهون منه
(١) الخطيب: الفقيه والمتفقه ٢ /٨ - ٩، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق
١١/ ٧٧ أ.
(٢) الخطيب: الفقيه والمتفقه ١٤٨/٢ - ١٤٩ بنفس الإسناد المذكور أعلاه
لكنه يذكر ((زكريا)) بدل ((زكير)) وهو تصحيف والصواب ما أثبته.
(٣) الخطيب: الفقيه والمتفقه ٣٢/٢.
(٤) هو ابن دینار.
(٥) في الأصل ((أبصر)) وما أثبته من ابن عساكر: مدينة دمشق ١١/ق ٧٣ أ
والذهبي : سير أعلام النبلاء ٥/ق ٩٦ ب الثانية وابن كثير: البداية
والنهاية ٣٤٢/٩.
- ٦٣٤ -

على ابن شهاب))(١).
((حدثني محمد بن يحي عن سفيان قال: قال ربيعة للزهري في آخر
زمانه: لو أنك سكنت المدينة وجلست في مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأفتيت الناس. فقال: إني لو فعلت ذلك لوطيء الناس عقبي، ولا
ينبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة)).
((قال: وقال سفيان: مات الزهري يوم مات وليس أحد أعلم بالسنة
منه))(٢). قال: وسئل الزهري عن الزهد في الدنيا؟ فقال: هو من لم يمنع
الحلال شكره، ولم يغلب الحرام صبره.
قال: وقال سفيان: قالوا للزهري في حديث ذكره: أعده علينا. قال:
إعادة الحديث أشد من نقل الصخر .
((حدثنا زيد بن بشر أخبرنا ابن وهب قال: سمعت الليث يحدث: ان
ابن شهاب كان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته))(٣).
قال : وكان يكره أكل التفاح وسوس الغار ويقول إنه يُنسي . قال :
٢١٠ أ
وكان يشرب العسل ويقول إنه يذكر .
وأخبرني الليث عن الجمحي قال: ما رأيت أحدا أقرب شبهًامن ابن
شهاب من يحي بن سعيد ولولا ابن شهاب لذهب كثير من السنن.
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن رجل عن الزهري قال: كان
(١) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧٣/١١ أ، وأوردها ابن كثير:
البداية والنهاية ٣٤٢/٩ وبعضها عند الذهبي: تاريخ الإِسلام
١٣٨/٥.
(٢) ابن عساكر ٧٨/١١ أ، وأوردها الذهبي: تاريخ الإِسلام ١٤١/٥ إلى
قوله ((الآخرة)».
(٣) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٧١/١١ أ، وأوردها ابن کثیر من هذا
الطريق أيضا (البداية والنهاية ٣٤٢/٩).
- ٦٣٥ -

يقول لأصحابه : هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجّةٌ
٢١٣ أ والقلب خُض.
((حدثني حيوة بن شريح حدثنا بقية عن شعيب(١) بن أبي حمزة قال:
قيل لمكحول: من أعلم من لقيت يا أبا عبدالله؟ قال: ابن شهاب. قيل:
ثم من؟ قال: ابن شهاب. قيل: ثم من؟ فقال: ابن شهاب))(٢).
((حدثنا(٣) حيوة حدثنا أبي عن شعيب عن الزهري قال: مكثت خمسا
وأربعين سنة أختلف من الحجاز إلى الشام ومن الشام إلى الحجاز فما كنت
أسمع حديثا أستطرفه))(٤).
قال: وسمعت الحجاج بن أبي منيع الرصافي يقول: أقام الزهري
بالرصافة عشرين سنة الا أربعة أشهر خلافة هشام كلها الا أن يكون حج
فاستمكنوا منه .
حدثني مسلمة بن شبيب حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: قلت
للزهري: انهم ليقولون لم ترو عن أحد من الموالي. قال: بلى قد رويت عنهم،
ثم ذكر سليمان بن يسار وعبدالرحمن الأعرج وأبا عبيدة مولى عبدالرحمن بن
(١) في الأصل ((سعيد عن ابن أبي حمزة)) والتصويب من ابن عساكر:
٧٥/١١ أوالذهبي: تاريخ الاسلام ١٤٠/٥ وابن حجر؛ تهذيب
التهذيب ٤ / ٣٥٠.
(٢) ابن عساكر: ٧٥/١١ ب، وأوردها ابن كثير: البداية والنهاية
٣٤٢/٩، والذهبي: تاريخ الإِسلام ١٤٠/٥.
(٣) من هنا يبدأ الجزء السابع عشر من تجزئة الأصل وأوله ((أخبرنا الشيخ أبو
الحسين محمد بن الحسين محمد بن القطان البغدادي بها قال أخبرنا أبو محمد
عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي حدثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان .
(٤) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ١١ / ٧٤ أ.
- ٦٣٦ -

عوف وندبة مولاة ليمونة وعطاء مولى سباع. ثم قال: لِمَ أروى عنهم وأنا أجد
أبناء المهاجرين والانصار أتكيء على أيهم شئت فما حاجتي إلى غيرهم ؟
حدثنا محمد بن عبدالله بن عمار حدثنا عبدالرحمن بن منذر عن وهيب
قال: سمعت أيوب يقول: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري. قال: فقال
صخر بن جويرية: يا أبا بكر ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من
الزهري(١).
حدثني سلمة حدثني عبدالرزاق حدثنا معمر عن صالح بن كيسان
قال: اجتمعت أنا والزهري - ونحن نطلب العلم - فقلنا: نكتب السنن،
فكتبت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: نكتب ما جاء عن
أصحابه فانه سنة. قال: قلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه. قال: فكتب ولم
أکتب فأنجحَ وضيَّعتُ(٢).
حدثنا أبو بكر بن عبدالملك حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: لم أرمثل
الزهري في الوجه الذي كان فيه - يعني في الحديث - ولم أر مثل حماد بن أبي ٢١٣ ب
سلیمان في وجهه - يعني في الفتيا -.
حدثني العباس بن عبدالعظيم حدثنا أبو أيوب سليمان الهاشمي عن
ابراهيم بن سعد عن ابن أخي الزهري قال: سمعته - يعني الزهري - يقول :
لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حرفا، ولا أذنت
في کتابته .
حدثني أبو بكر بن عبدالملك حدثنا عبدالرزاق قال: قال معمر: كنا
(١) أوردها ابن كثير: البداية والنهاية ٣٤٣/٩.
(٢) أوردها ابن كثير: البداية والنهاية ٣٤٤/٩، والذهبي: تاريخ الإِسلام
١٤٥/٥، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٤٤٨/٩ وكنز العمال ٢٩٠/١٠
- ٢٩١ وفيه ((فكتبنا)) بدل ((فكتبت)).
- ٦٣٧ -