Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤٠
المتحيز، وهو مذهب حُذّاقِ الفلاسفة.
والذي يظهر أنَّ هذا مذهب الغزالي أيضاً، وهكذا هو في ((المضنون به
على غير أهله)) الكبير، و((المضنون على غير أهله)) الصغير، ولكن الآمدي
نقل عنه ما ذكرت.
و((المضنون)) الكبير فيه أشياء من اعتقاد الفلاسفة خَارِجةٌ عن اعتقاد
المسلمين، ولذلك إنَّ بعض الفُضلاء كان يُنكر نِسبتَهُ إلى الغزالي رحمه الله.
وهو في ((الإحياء)) في (شرح عجائب القلب) لم يُفْصِح بذلك، وإنما
قال: إنها لطيفةٌ رَبّانيةٌ رُوحَانية، هي حقيقة الإنسان، وهي المُدرِكُ العالم
العارف من الإنسان، وهي المُخَاطَب المُطالب، ولهذه اللطيفة عَلاقةٌ مع
القلب الجسماني، وقد تحير أكثر العقول في إدراك وجه علاقته.
وقال: إنَّ هذه اللطيفة الربانية، يُطلَق عليها: الروح، والنفس،
والقلب، والعقل، وهي غير الروح الجسماني، وغير النفس الشهوانية،
وغير القلب الصنوبري، وغير العقل الذي هو العلوم، فالمعاني خمسةٌ
والألفاظ أربعة، كُلّ لَفظٍ لمعنيين.
هذا كلامه في ((الإحياء))(١) .
واتفق الأطباء على أنَّ في بدن الإنسان ثلاثة أرواح:
رُوحٌ طبيعي، وهو جِسمٌ لَطيفٌ مَعْدِنهُ الكبد، ثم يَنْبثّ في سائر البدن
ويحمل القُوى الطبيعية.
(١) ((إحياء علوم الدِّين)) ٤:٣ والمؤلف نقل هنا خلاصة كلام الإمام الغزالي ولم
يلتزم النَّص.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤١
وَرُوحٌ حَيواني، وهو جِسمٌ لَطيفٌ مَعْدِنهُ القلب، وَيَنْبِثَ في سائر
البدن ويحمل قوة الحياة.
وَرُوحٌ نَفساني، وهو جِسمٌ لَطيفٌ مَعَدِنهُ الدماغِ، وَيَنْبثَ في سائر
البدن، وفعله الحِسُّ والحركة.
وهذه الأرواح تشترك فيها الحيوانات، ولم يَتكلّمُوا في النفس الناطقة
الخاصة بالإنسان، التي هي غَرضُنا هنا.
إذا عُرِفَ ذلك: فالفلاسفة القائلون في النفس الناطقة: إنها جَوهرٌ
مُجرَّدٌ، فإنهم يقولون: إنه حَيٌّ عَالمٌ مُتكلِمٌ، سَميعٌ بصيرٌ قَادْرٌ مُريد،
ولكنه مُمكِنٌ مَوجودٌ بإيجاد الله تعالى، حَادِثٌ بعد العلومِ مَخْلُوق.
وقد يطلقون المخلوق على ماله كمية يَدخُل بسببها تحت المساحة
والتقدير، ويقولون: عَالمُ الخَلْق ما كان كذلك، وعَالمُ الأمر الموجودات
الخارجة عن الحِسِّ، والخيال، والجهة، والمكان، والتَّحيُّز، وهو مالا
يَدخُل تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه.
والمنتصرون لهذا: يَجعلُون قوله تعالى: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ جواباً
بأنها عالم الأمر، والمتكلمون من المسلمين لا يُثْتُونَ هذا الوصف إلاَّ لله
تعالىُ، وَيَقُولُونَ: كُلّ مُمكنٍ إما مُتُحيّزٌ، وإما حَالُّ في المُتْحيّز.
والفلاسفة يثْتُونَه، وهو أشرف الممكنات عندهم، لأنه لا يحتاج إلاَّ
إلىْ مُوجِده فقط.
ولكُلٌّ من المتكلمين والفلاسفة على نفيه وإثباته أدلةٌ ليست بالقوية،
والآية الكريمة ليس فيها دليلٌ لهم كما عُرفَ في التفسير، وظواهر الشريعة
تقتضي أنَّ الروح متحيزةٌ.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٢
فقد روى ابن ماجه(١) بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن النبي ◌َّلو قال: ((الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً
قالوا : اخرجي أيتها النفس المطمئنة، كنت في الجسد الطيب، اخرجي
حَمِيدةٌ وابشري بِرَوحٍ وريحان، وَرَبِّ رَاضٍ غيرِ غَضبان، فلا يَزالُ يقال لها
ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء فَتُفتَح لها فيقال: من هذا؟
فيقولون: فلان ابن فلان، فيقال: مرحباً بالنفس المطمئنة، كانت في
الجسد الطيب، ادخلي حميدةٌ وأبشري بروحٍ وَريحان، وَرَبِّ رَاضٍ غير
غَضبان، فلا يَزالُ يقال لها هذا حتى تنتهي)) - يعني إلى عليين - .
ووردت أحاديث كثيرة بمعنى هذا(٢).
أَرْجِعِّ إِلَى رَیِكِ
والقرآن يَشهدُ له قال تعالى: ﴿يَأَُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيِنَّةُ
رَضِيَّةً تَّهِيَّةٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَمُمْ أَوَبُ اَلسَّمَاءِ﴾، جاء أنها الأنفس
الخبيثة.
وقد يُقَال: إنَّ الإشارة بذلك إلى الروح الحيواني، ولعل الروح
الحيواني الموجود في الإنسان يَبقى بعد الموت، وينتقلُ إلى عَلّيين، أو
سِجِین.
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٤٢٣:٢ حديث (٤٢٦٢). ورواه الإمام أحمد أيضاً في
((المسند)) ٥٢:٣ حديث (٨٥٥١)، وأورده ضمن حديث ٢٠١:٧ -٢٠٢ حديث
(٢٤٥٦٦).
(٢) تقدّم ص٤٢١ وما بعدها ذكر شيءٍ منها.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٣
الباب العاشر
في الشفاعة
وَوَجهُ ذكرها شرح متن الحديث الأول، وهو قوله ◌َّ: ((من زار قبري
وجبت له شفاعتي))، وختمنا بها الكتاب، لتكون هي خاتمة أمرنا إن شاء
الله تعالى.
والقول الجُمْلي في الشفاعات الأخروية : أنها خمسة أنواع، وكلها
ثَابِتَةٌ لِنبينا وَِّ، وبعضها لا يَدْنُو أحدٌ إليه سواه، وفي بعضها يُشَارِكِهُ غيره،
ويكون هو المُتَّقَدِّم عليه الصلاة والسلام.
فاختصّ عليه الصلاة والسلام بعموم الشفاعة وببعض أنواعها، وأما
الباقي؛ فيصح نِسبتهُ إليه لمشاركته وَتَقدُّمهِ فيه، فالشفاعات كُلها رَاجعة
إلى شفاعته، وهو صاحب الشفاعة بالإطلاق.
فقوله: ((شفاعتي))، يَصحُّ أن تكون إشارةً إلى النوعِ المُختَصّ به، وإلى
العموم، وإلى الجنس، لنسبةٍ ذلك كُلّه إليه، فهذه لَطيفةٌ يَجِبُ التَّنَبُهُ لها.
وأما التفصيل: فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى، وغيره: الشفاعة
خمسة أقسام (١):
(١) ينظر ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى وَز)) للقاضي عياض ٢١٦:١، وكتاب
((إثبات الشفاعة)) للإمام الذهبي ص ٢٠-٢١. وذكر الحافظ ابن كثير في ((النهاية في
الفتن والملاحم» ص٣١٢ أحاديث الشفاعة، وبيّن أنها ثمانية، وذکر دلائلها.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٤
أولاها: مُخْتَصّةٌ بنبينا محمدٍ وَّهِ، وهي: الإراحَةُ من طُولِ الوقوف،
وتعجيل الحساب، لا يَدْنُو إليها غيره، وهي الشفاعة العُظمى، ولم يُنكِرِها
أحد.
الثانية : الشفاعة في إدخال قَوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وَردت
لنبينا محمد بَّه، كما نُبيّنُ في الأحاديث التي نذكرها إن شاء الله تعالى.
قال ابن دقيق العيد: ((ولا أَعلمُ الاختصاص فيها، أو عدم
الاختصاص)».
قُلْتُ: ولفظ الحديث الذي يأتي: «فأقول: يا رب، أمتي أمتي،
فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب
الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب».
وحديث دخول قَومِ الجنة بغير حساب رواه: ((البخاري))، و((مسلم))(١)
من طُرُقٍ عن النبي ◌َلّ.
في بعضها: ((يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب))(٢).
(١) ((البخاري)) (كتاب التفسير) ((باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ ٣: ٢٥٠ حديث
(٤٧١٢)، (كتاب الطب) ((باب من اكتوى أو كوى غيره)) ٣٧:٤ حديث (٥٧٠٥)، (كتاب
الرقاق) ((باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؟: ١٨٦ حديث (٦٤٧٢). ((مسلم)) (كتاب الإيمان)
(باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب)) ١٩٧:١ حديث (٣٦٧)
وحديث (٣٧٠).
(٢) ((البخاري)) (كتاب الرقاق) ((باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب))
١٩٩:٤ حديث (٦٥٤٢/٦٥٤١). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب الدليل على دخول
طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب)) ١٩٧:١ حديث (٣٦٧ - ٣٦٩) واللفظ له،
ورواه غیرهما.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٥
فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: ((اللهم
اجعله منهم))، والرجل عكّاشَة رضي الله عنه.
وفي حديث آخر: قالوا: من هم يا رسول الله؟
قال: «هم الذين لا يستَرقُونَ، ولا يَتطيّرون، ولا يَكتَوُون، وعلى ربهم
یتو کلون»(١).
وفي حديث آخر: ((عُرضت عَليَّ الأمم، فرأيت النّي ومعه الرهط،
والنّبي ومعه الرجل والرجلان، والنّي ليس معه أحد، ورُفعَ لِي سَوادٌ
عظيم؛ وتمنيت أنهم أمتي، فقيل لي : هذا موسى عليه السلام وقومه،
ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سَوادٌ عظيم، فقيل لي : انظر إلى الأفق
الآخر، فنظرت فإذا سَوادٌ عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون
ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب))(٢).
وفي حديث آخر: ((وهؤلاء سبعون ألفاً قُدّامهم لا حساب عليهم، ولا
عذاب))(٣).
وفي حديث آخر: ((يدخل من أمتي زُمْرةٌ هم سبعون ألفاً تُضِيءُ
(١) ((البخاري)) (كتاب الرقاق) ((باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب))
١٩٩:٤ (٦٥٤١). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب الدليل على دخول طوائف من
المسلمين الجنة بغير حساب)) ١٩٨:١ حديث (٣٧٣/٣٧١) واللفظ له. ورواه
غيرهما.
(٢) ((البخاري)) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ١٩٩:٤ حديث (٦٥٤١).
((مسلم)) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ١٩٩:١ حديث (٣٧٤).
(٣) المصادر السابقة.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٦
وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر))(١).
وهذه الأحاديث كلها في ((الصحیح)".
وفي حديث آخر في ((الصحيح))(٢): ((لا يدخل أولهم؛ حتى يدخل
آخرهم)»، وهو إشارة إلى سَعَةِ باب الجنة، وسيأتي التصريح به.
وقوله: ((أولهم، وآخرهم))، إما أن يُرادَ به في الدنيا، وأنَّ المتقدِّم في
الزمان والمتأخر يدخلون دفعةً واحدة، وإما أن تكون كناية عن سُرعة
تعاقبهم، فإنهم يدخلون متماسكين، وإلاَّ فيستحيل أن يكون لهم أولٌ
وآخرٌ في الدخول؛ ولا يدخل أَوَّلُهم قبل آخرهم حقيقة.
إذا عرفت ذلك : فلا شك أنَّ زُمرةً تدخل الجنة بغير حساب، وهم
بالصفة المذكورة في الحديث، وقد دخل فيهم عُكَّاشةُ رضي الله عنه
بدعوة النبي څێ.
والظاهر: أَنَّ كُلّ من حصلت له الصفة المذكورة في الحديث؛
استحق هذا الجزاء، ولكن دخولهم الجنة مُتوقفٌ على شفاعة النبي ◌ََّ،
فإذا شفع؛ أذن الله تعالى له بإدخالهم من الباب الأيمن، كما هو ظاهر
الحديث، فإنه جعل كونهم لا حساب عليهم؛ وصفاً ثابتاً لهم.
(١) ((البخاري)) (كتاب اللباس) ((باب البرود والحبر)) ٥٩:١ حديث (٥٨١١)،
(كتاب الرقاق) ((باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)) ١٩٩:١ (٦٥٤٢).
((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير
حساب)) ١٩٨:١ حديث (٣٧٠).
(٢) ((البخاري)) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ١٩٩:١ حديث (٦٥٤٣).
((مسلم)) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ١٩٨:١ حديث (٣٧٣)، واللفظ له.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٧
ويَحْتَمِلُ أنَّ ذلك الجزاء إنما يستحقونه بشرط الشفاعة؛ وإن اشتملوا
على الصفات المذكورة، لكن لم يَدُلَّ دَليلٌ على هذا، وأعني بالحديث
المذكور قوله تعالى: ((أَدْخِل الجنة من لا حساب علیه)).
وأما أنَّ شخصاً لا يتَصِفُ بالصفة المذكورة في الحديث، ويكون
ممن يَستحقُّ الحساب، فهل يشفعُ فيه حتى يدخل الجنة بغير حساب،
أو لا؟
لفظ الحديث لا يدل على ذلك بنفي ولا إثبات، وظاهر قوله: ((سبعون
ألفاً))، أنهم لا يَزِيدُونَ على ذلك(١)، وأنهم كلَّهم بالصفة المذكورة.
وهل من الأمم السالفة من غير الأنبياء عليهم السلام من يدخل الجنة
بغير حساب؟
لم يرد فيه شيء بنفي ولا إثبات.
وقال أبو طالب عقيل بن عطية رحمه الله: ((الظاهر أنَّ فيهم من
(١) يُشكِلُ عليه حديث أبي أمامة ﴾ قال: سمعت رسول الله ربَطُله يقول: ((وعدني
ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب وعذاب، مع كل
ألفٍ؛ سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل)).
رواه: الإمام أحمد في ((المسند)) ٣٥٩:٦ حديث (٢١٨٠٠)، والإمام ابن ماجه
((السنن)) ١٤٣٣:٢ حديث (٤٢٨٦)، والإمام الترمذي ((السنن)) ٤: ٥٤٠ حديث
(٢٤٣٧).
ويجاب: أنَّ((سبعين ألفا)) يدخلون الجنة أصالةٌ، ومع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفاً
وثلاث حثيات تبعٌ لهم - كما يدل عليه صريح لفظ الحديث - إكراماً، والله أعلم.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٨
هو كذلك))(١).
قُلْتُ: وعلى كُلُّ من التقادير المفروضة، فالخصوصية ثابتةٌ لنبينا وَه
في إدخال أوَّلِ زُمرةٍ من أمته الجنة بشفاعته، فإنَّ شفاعته المذكورة تكون
في أوّلِ مقام الشفاعة، قبل أن تَحِلَّ الشفاعة لغيره، وَيَتَرتَّبُ عليها الإذن
في إدخال الزُمرةِ المذكورة، وهي أوّلُ من يَدخُل الجنة كما سيأتي.
وهذا المعنىُ لا يُشاركه أحدٌ فيه، سَواءٌ كان في الأممِ المُتُقدّمة من
يدخل بغير حساب ويحتاج إلى شفاعة نبيه، أم لا.
وحينئذ تكون العبارة المحررة عن هذه الشفاعة: أنها شفاعة في
استفتاح الجنة، وإدخال أوّلِ زُمرةٍ تدخلها، وهي في الرتبة الثانية عن
الشفاعة العظمى التي لفصل القضاء، والإراحة من طول الوقوف في ذلك
المكان.
وعبارة القاضي عياض رحمه الله، ومن تابعه، تقتضي إثبات شفاعة
في إسقاط الحساب، وهو من الأمور الجائزة عقلاً، فإن ورد به سمعٌ
اتبع، والقاضي عياض وغيره لَمَّا ذكروا ذلك؛ أشاروا إلى الحديث
المذكور، وقد بَيّنا ما يقتضيه، وسنذكر في بعض أحاديث الشفاعة سؤال
(١) أبو طالب عقيل بن عطية، هو: عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر القضاعي
الطُّرطُوشي، ولد سنة ٥٤٩هـ بمراكش، قال عنه ابن الأبار في ((التكملة لكتاب الصلة))
٤ : ٣٣ (٩٣): ((كان من أهل الحفظ والاتقان والضبط، يبصر الحديث ويتقدم في
صناعته))، توفي سنة ٦٠٨ هـ رحمه الله تعالى.
ونصُّ عبارته في كتابه «تحرير المقال في موازنة الأعمال وَحُكمٍ غير المكلّفين في
العُقبى والمآل)) ١: ٩١.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٤٩
المؤمنين لآدم عليه السلام في استفتاح الجنة، ونتكلم على كون السؤال
مرتين، أو مرة.
وعلىُ كُلِّ تقدير: فالشفاعة في استفتاح الجنة مُتَأْخِرُ الرتبة عن
الشفاعة في فصل القضاء، فيصلح عَدّهُ شفاعة ثانية، وكلاهما خَاصٌ
بالنبي ◌َّه بغير شك.
ومن تأمل الأحاديث التي سنذكرها، عَرف أنَّ أوّل فَصلِ القضاء؛
تَميُّز الأمم، والأمر بأن تتبع كُلّ أُمةٍ ما كانت تَعبدُ، إلى أن لا يبقى إلاَّ
المؤمنون فيدخلون الجنة زُمراً، وجميع ذلك - والله أعلم - يُعطَاهُ النبي ◌ِوَل
في أَوّلِ مَرَّةٍ إذا رفع رأسه من السجود وشفَع، وقيل له: ((أَدْخِلْ الجنة من
لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شُركَاءُ الناس فيما سوى
ذلك من الأبواب».
وقوله: ((وهم))، يعودُ على الأُمة، فإمَّا أن يُحمل على من لا يدخل
النار، أو على الجميع، ويكون ذلك بُشرى للنبي وَلّ بدخولهم جميعهم
الجنة؛ وإن تأخّر بعضهم، ثم السجدات الباقية لإخراج المذنبين من النار.
ولعل السبعين ألفاً يدخلون بغير عَرْضٍ، فإنَّ ظاهر الحديث يقتضي
أنه لا حساب عليهم أصلاً، ومن يُحَاسب حساباً يسيراً خَارجٌ عنهم،
والحساب اليَسيرُ هو العَرضُ، كما جاء تفسيره في الحديث الصحيح،
وكِلاَ القسمين لا يُعذب، ومن نُوقِشَ الحساب عُذّبَ.
الشفاعة الثالثة: الشفاعة لِقَومِ استوجبوا النار، فَيشفعُ فيهم نبينا وَّل
ومن يشاء الله، هكذا ذَكرهُ القاضي عياض، وأشار بذلك إلى ما سنذكره
في حديث أبي سعيد رضي الله عنه من قوله: ((ثم يُضَرب الجِسر على جهنم
وتَحل الشفاعة، فيقولون: اللهم سَلّم سَلّم)).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٠
وظاهر هذا: أنها شفاعةٌ تَحِلَّ بعد وضع الصراط بعد الشفاعتين
الأوليين، وأنها في إجازة الصراط، وَيَلزَمُ من ذلك النجاة من النار، ولم
يرد تَصريحٌ بذلك، ولا بكونها مُختصَّة أو غير مُختصَّة، لكن سيأتي في
الأحاديث أنَّ النبي ◌َ ◌ّ يكون في ذلك اليوم إمام النبيين، وصاحب
شفاعتهم، فَكُلٌ ما يقعُ من شفاعتهم؛ يُنْسَبُ إليه بذلك، فلا يَخرجُ شيء
عن شفاعته؛ لا من أنواع الشفاعة، ولا من الأشخاص المَشفُوع فيهم من
مِلّتِهِ، ومن غير مَلَّته، لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء، والكُلّ تحت
لَوائه؛ فَكُلٌ من شفعُوا فيه؛ فبسببه صلى الله عليه وسلم تقدّموا للشفاعة
فيه، وإجابة شفاعتهم؛ إجابة له صلى الله عليه وسلم، فَكُلّ من تقعُ شفاعة
النبيين فيه؛ داخل تحت شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن شفع فيه
المؤمنون كذلك بطريق الأولى، فهو صلى الله عليه وسلم شَفيعُ الشفعاء.
الشفاعة الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فقد جاءت الأحاديث
الصحيحة بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا وَل جر، وسائر الأنبياء،
والملائكة، وإخوانهم من المؤمنين، ثم يُخْرِجُ الله تعالىُ كُلّ من قال: لا إله
إلاَّ الله، كما جاء في الحديث، ولا يبقى فيها إلاَّ الكافرون.
وهذه الشفاعة الأُولىُ العُظمى تواترت الأحاديث بها، واختصاص
النبي ێ بالعظمى كما سبق.
وأما هذه: فقد جاء فيها شفاعة: الملائكة، والأنبياء، والمؤمنين،
وأنَّ الله تعالى بعد ذلك يُخْرجُ برحمته من قال: لا إله إلاَّ الله، وفيه أقوال
سنذ کرها .
أحسنها : أنه من قال من غير هذه الأمة: لا إله إلاَّ الله، ولم يشمله
شفاعة أنبيائهم وغيرهم من الشّافِعين، أما هذه الأُمّة؛ فَكُلُها يَخرجُ بشفاعة
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥١
النبي ◌َّ؛ وإن وقع في بعضهم شفاعة لإخوانهم من المؤمنين، فهي في
طيّ شفاعة النبي ◌َّ؛ لما أشرنا إليه فيما سبق.
وإذا ثبت ذلك: فاختصاصه وَلّ من هذا النوع بإخراج عُمومٍ أُمّته حتى
لا يبقى منهم أحد، وهذا هو المُوافق لعموم قوله وَّر: ((شفاعتي لأهل
الكبائر من أمتي))(١)، وقوله ◌َّ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعوةٌ مُستجابة، فَتعجّلَ كُلُّ
نبيٌّ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةٌ لأمتي يوم القيامة، فهي نَائلةٌ إن
شاء الله تعالى، من مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئاً)).
رواه ((مسلم))(٢) من طُرُقٍ، وَرَوى ((البخاري))(٣) طرفاً منه.
وقوله وَّ: «أتاني آتٍ من عند ربي عزّ وَجل يُخَيِّرني بين: أن يَدخُلَ
الجنة نصف أمتي، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا
يشرك بالله شيئاً))، رواه ((الترمذي)) (٤).
وقوله وَله: ((خُيِّرتُ بين الشفاعة، وبين أن يُدخل نصف أمتي الجنة،
(١) رواه: الإمام أبو داود في ((السنن)) ٢٤٤:٥ حديث (٤٧٠٦)، والإمام
الترمذي في ((السنن)) ٥٣٩:٤ حديث (٢٤٣٥) وص ٥٤٠ حديث (٤٥٣٦)، والإمام
ابن ماجه في «السنن» ١٤٤١:٢ حديث (٤٣١٠)، والإمام أحمد في ((المسند)) ٧٨:٤
حدیث (١٢٨١٠).
(٢) (كتاب الإيمان) ((باب اختباء النبي ◌َ﴿ دعوة الشفاعة لأمته)) ١٨٨:١ - ١٩٠
حديث (٣٣٤-٣٤٥).
(٣) (كتاب الدعوات) ((باب لكل نبي دعوة مستجابة)) ١٥٣:٤ حديث (٦٣٠٤ -
٦٣٠٥).
(٤) (كتاب صفة القيامة) ٥٤١:٤)) حديث (٢٤٤١).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٢
فاخترت الشفاعة لأنها أَعمُّ وأكثر، ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها
للمذنبين الخَطَّائين المُتلوّثين))، رواه ابن ماجه (١).
فهذه العمومات كُلها، مُتُظافِرةٌ علىُ عُموم شفاعته لِكُلّ الأُمة،
وكذلك قوله ◌َ لولي بين يدي الله تعالى يوم القيامة: ((أُمّتي أُمّتي))، وهي دعوةٌ
يتحقّقُ استجابتها.
وقد قال العلماء في قوله: ((لِكُلّ نَبِيِّ دَعوةٌ مُستجابة)): إنه على يقين
من إجابتها، وباقي دَعواتِهِ يَرجُوها.
فقد ظهر بهذا اختصاصه وَ ل بعموم هذه الشفاعة لِكُلّ أُمّته.
الشفاعة الخامسة : في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، ذكرها
القاضي عياض وغيره، ولا يُنكِرُها المعتزلة أيضاً، ولم أجد في الأحاديث
تصريحاً بها.
لكن عبد الجليل القَصْري(٢) في كتاب ((شعب الإيمان)) له، ذكر في
تفسير ((الوسيلة)) التي اختُصّ بها النبي ◌َّ: أنها التوسل، وأنَّ النبي ◌َّلهُ
يكون في الجنة بمنزلة الوزير من المَلِك - بغير تمثيل - ، لا يَصِلَ إلى
ء
أحدٍ شيء إلاَّ بواسطته و9َّ، وإذا كان كذلك؛ فهذه أيضاً خاصةٌ به.
هذا تفصيلُ الشفاعات الخمس.
(١) ((السنن)) ٥٤١:٤ حديث (٢٤٤١).
(٢) هو: الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام، أبو محمد عبد الجليل بن موسى
ابن عبد الجليل الأنصاري القرطبي، توفي سنة ٨٠٦هـ، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢: ١١
(٥). ونصُ عبارته في کتابه ص ٦٠٨.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٣
ومن تأملها وعرف عموم شفاعة النبي ريّ لها، واختصاصه بما اختص
منها، وأمعن النظر في ذلك؛ عَرف عَلِيَّ قَدْرِ رُتبةِ هذا النبي الكريم وَِّ،
وكلما أمعن في ذلك؛ ازداد اعتقاداً، وهو كما قال القائل
يَزِيدُكَ وَجههُ حُسناً إذا ما زِدتهُ نَظرا
وقد رأيت أن لا أُخليَ هذا الكتاب من أحاديث الشفاعة، على سبيل
الاختصار:
فمن ذلك: ما رواه (البخاري))، و((مسلم)) رحمهما الله تعالى في
((صحيحيهما))(١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال:
((أنا سَيِّدُ الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين
والآخرين في صَعيدٍ وَاحدٍ، فَيُسمعهم الدّاعي وَينفذهُم البصر، وتَدنُو
الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكَرْب ما لا يُطيقون، وما لا يحتملون.
فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد
بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟
فيقول بعض الناس لبعض : ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون : يا آدم،
أنت أبُونا، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر
الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى
إلى ما قد بلغنا؟
(١) ((البخاري)) (كتاب أحاديث الأنبياء) ((باب الأرواح جنود مجندة)) ٤٥٣:٢
حديث (٣٣٤٠)، و(كتاب تفسير القرآن) ((باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَ﴾)) ٢٥٠:٣
حديث (٤٧١٢). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٨٠:١
حدیث (٣٢٢). ورواه غیرهما.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٤
فيقول آدم عليه السلام : إنَّ ربي غضب اليوم غضباً لم يَغضب قبله
غضباً مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، نفسي نفسي،
اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح .
فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، أنت أوّلُ الرُّسل إلى أهل الأرض،
وسمّاكَ الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا تَرى ما قد بلغنا؟
فيقول لهم: إنَّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن
يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دَعوةٌ دَعوتُ بها على قومي، نفسي
نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقولون : أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع
لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟
فيقول لهم إبراهيم عليه السلام: إنّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم
يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي، اذهبوا إلى
موسی.
فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فَضّلكَ الله
برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا تَرى إلى ما نحن
فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟
فيقول لهم موسى عليه السلام : إنَّ ربي قد غضب غضباً لم يغضب
قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قَتَلتُ نفساً لم أُؤْمَر بقتلها، نفسي
نفسي، اذهبوا الی عیسى.
فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلّمتَ الناس في
المهد، وكَلِمةٌ منه ألقاها إلى مريمَ وَرُوحٌ منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية)

٤٥٥
تَرى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟
فيقول لهم عيسى : إنَّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله
مثله، ولا يغضب بعده مثله - ولم يذكر له ذنباً -، نفسي نفسي، اذهبوا إلى
غيري، اذهبوا إلى محمد ێ .
فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفَر الله
لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟
ألا ترى ما قد بلغنا؟
فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقعُ ساجداً لربي، ثم يَفتَحُ الله عَلَيَّ
وَيُلِهِمُني من محامده وحُسن الثناء عليه؛ شيئاً لم يَفتحهُ لأَحدٍ قبلي، ثم
يُقال : يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشفع تُشفّع.
فأرفعُ رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا مُحمد، أَدْخِل من
أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شُركاء الناس
فيما سِوى ذلك من الأبواب، والذي نَفس مُحمدٍ بيده، إنَّ مابين المِصْراعَين
من مصاریع الجنة، لَكَمَا بین مكة وهَجَر، أو کما بين مكة وبُصرى».
هذا لفظ ((مسلم))، وذكره ((البخاري)) في مواضع مُقَطّعاً، وذكرهُ بِطُولِهِ
في سورة (بني إسرائيل)، وذكر فيه من قول آدم ومن دونه من الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام: ((نفسي نفسي نفسي))، ذكرها ثلاثاً، وقال: ((أمتي
یا رب، أمتي یا رب، أمتي يا رب)»(١) .
(١) تقدَّم ص ٤٤٤، لكن في طبعة المكتبة السلفية بالقاهرة تكررت لفظة: ((أمتي يا
رب))، مرتين فقط. وفي الطبعة الهندية ثلاث مرات كما بُيّن هنا، وعليه علامة نسخة.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٦
وَرَوى ((البخاري)) و((مسلم)»(١) أيضاً عن أنس رضي الله عنه، عن
النبي وَ شهر قال: ((إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون
آدم فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم
فإنه خَليلُ الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى،
فإنه كَليمُ الله تعالى، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم
بعيسى، فإنه رُوح الله وكَلِمتهُ، فيأتون عيسى فيقول : لست لها، ولكن
عليكم بمحمد ێڑ.
قالَ وَ له: فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فَيُؤْذَنُ
لِي، فأقوم بين يديه فَأحمدهُ بمحامد لا أَقدِرُ عليها الآن، يُلْهِمِنِيها الله، ثم
أَخِرُّ له ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يُسمَع لك، وسَلْ
تُعْطَه، واشفع تُشفّع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي : انطلق، فمن كان في
قلبه مِثقالُ حَبّةٍ من بُرَّةٍ، أو شعيرةٍ من إيمان، فأخرجه منها، فأنطلق
فأفعل .
ثم أرجع إلى ربي فأحمده، بتلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال
لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يُسمَع لك، وَسَلْ تُعطَه، واشفع تُشفّع
فأقول : يا رب أمتي أمتي، فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة
من خَردلٍ من إيمان، فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل .
ثم أعود إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال
(١) ((البخاري)) (كتاب التوحيد) («باب كلام الرّب ◌ّ يوم القيامة مع الأنبياء
وغيرهم)) ٤: ٤٠٥ حديث (٧٥١٠). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب أدنى أهل الجنة
منزلة فيها)) ١٨٢:١ حديث (٣٢٦).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٧
لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يُسمَع لك، وَسَلْ تُعطَه، واشفع تُشفّع،
فأقول : يا رب أمتي أمتي، فيقال لي : انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى
من مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل.
ثم أرجع إلى ربي الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخِرُ له ساجداً،
فيقال لي : يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمَع لك، وسَلْ تعطَه، واشفَع
تشفّع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلاَّ الله، قال: ليس
ذلك لك، أو قال: ليس ذلك إِليكَ، ولكن وَعزّتي وكبريائي، وعظمتي
وجبريائي، لأُخرِ جَنَّ من قال: لا إله إلاَّ الله))، هذا لفظ ((مسلم)).
وقال ((البخاري)) في الأول: ((مثقال شعيرة من إيمان))، وفي الثانية:
((مثقال ذرة أو خردلة من إيمان))، وفي الثالثة: ((أدنى أدنى مثقال حبة من
خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل))، ولم يقل فيه: ((ليس
ذلك إليك»، قال: ((وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجنَّ منها من
قال: لا إله إلاَّ الله)).
وَخرّجَ ((البخاري)) و((مسلم))(١) حديث أنس رضي الله عنه، من طريق
آخر، وفيه ذِكْرُ نوح بعد آدم عليهما السلام، كما في حديث أبي هريرة
رضي الله عنه، وفيه من قول عيسىُ الثُّ: ((ائتوا محمداً وَّه عَبْدٌ قد غُفِرَ
له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر)».
(١) ((البخاري)) (كتاب التفسير) ((باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾))
١٨٩:٣ حديث (٤٤٧٦)، وفى (كتاب الرقاق) ((باب صفة الجنة والنار)) ٢٠٢:٤
حديث (٦٥٦٥)، ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١: ١٨٠
حديث (٣٢٢).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٨
قال رسول الله وَله: ((فيأتوني، فأستأذن علي ربي، فَيُؤذَن لي، فإذا أنا
رأيته؛ وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك
وَقُلْ تُسمع لك، سَلْ تُعطَه، اشفع تُشفَع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي
بتحميد يُعَلِّمُنِيه، ثم أشفع فَيَحُدُّ لي حَدّاً، فأخرجهم من النار وأدخلهم
الجنة، ثم أعود فأقعُ ساجداً)).
وفيه - في الثالثة، أو الرابعة - : ((فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلاَّ
من حَبسهُ القرآن))، أي: وجب عليه الخلود، هكذا في رِوَاية(١).
وفي رِوَآيةٍ عند (البخاري))(٢) قال في الرابعة: ((ثم أرجع فأقول: يا
رب، ما بقي في النار إلاَّ من حَبسهُ القرآن، ووجَب عليه الخُلُود)).
وفي ((البخاري)) في روايةٍ، ذِكْرُ الشفاعة ثلاث مرات، وفيه في
الثالث: «فأستأذن على ربي في داره، فَيُؤْذَن لي عليه))(٣)، وفيه: ((ثم تلا
هذه الآية: ﴿عَسَىَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ قال: وهذا المقام المحمود
الذي وُعِدَهُ نبیکم ێ.
وفي رِوَايةٍ عند ((مسلم)) عن أنس رضي الله عنه: أنَّ نبي الله ◌ِّ
قال: ((يَجمعُ الله المؤمنين يوم القيامة فَيُلهمون لذلك، يقولون: لو
(١) «مسلم)) الحديث السابق، وقد تقدّم تخريجه.
(٢) قد تقدّم تخريجها ص ٤٥٧.
(٣) (كتاب التوحيد) ((باب ﴿وُجُوهٌ يُؤْمَيَذٍ نَاضِرً
﴾) ٣٩٢:٤ ٧٤٤٠. وأشار الحافظ
ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)» ٤٤٤:١١ إلى أنّ لفظة: ((في دار فيؤذن لي)»
من زيادة همام بن يحيى وقال: ((إنَّ استئذانه الأول، والإذن له؛ إنما هو في دخول
الدار وهي الجنة، وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف ... إلخ)).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٥٩
استشفعنا على ربنا».
وفي ((مسند أبي عَوانة))(١) عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنهما قال: أصبح رسول الله وَّم ذات يوم فَصلَى الغداة، ثم
جلس حتى إذا كان من الضُحى، ضحك رسول الله وَليل، ثم جلس مكانه
حتى صَلّى الأولىُّ والعصر والمغرب، كُلّ ذلك لا يَتكلّمُ، حتىْ صَلّى
العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله.
فقال الناس لأبي بكر رضي الله عنه: سَلْ رسول الله وَّل ما شأنه!،
صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط؟، فسأله.
فقال: ((نعم، عُرِضَ عَليَّ ما هو كائنٌ من أمر الدنيا وأمر الآخرة،
فَجُمعَ الأولون والآخرون في صعیدٍ واحد، ففظع الناس لذلك، حتى
انطلقوا إلى آدم والعرق كاد يُلْجِمُهم، فقالوا: يا آدم، أنت أبو البشر،
وأنت اصطفاك الله، اشفع لنا إلى ربك، قال : قد لَقيتُ مثل الذي لَقِيتم،
انطلقوا إلى أبیکم بعد أبیکم، انطلقوا إلى نوح)».
وذكر الحديث قريباً من رواية أنس رضي الله عنه، إلى أن انتهى إلى
عيسى قال: ((ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم))، وفيه
قال: ((فينطلق، فيأتي جبريل فيقول الله له: ائذن له وَبَشّرُهُ بالجنة، قال:
فينطلق به جبريل فَيَخرُّ ساجداً قدر جُمعةٍ، ثم يقول الله : يا محمد، ارفع
رأسك وقل تسمع، واشفع ◌ُشفّع، قال: فیرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه؛
خرَّ ساجداً قدر جمعةٍ أُخرى، فيقول الله : یا محمد، ارفع رأسك، وقل
(١) ((باب صفة الشفاعة)) ١٥١:١ حديث (٤٤٣). وفيه بلفظ: ((فينطلق فآتى
جبريل، فيأتي جبريل ... )).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾