Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨٠
= الأثر من طريق الإمام البيهقي: ((وهذا إسناد صحيح)).
وقال في «جامع المسانيد)) له ١ : ٢٢٣: ((إسناده جيد قوي))، انتهى.
وقال ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)) ٢: ٥٧٥: ((وروى ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح .... ))، ثم ذكره.
فانظر رحمك الله إلى قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وتصحيح الحافظ ابن كثير
- تلميذ ابن تيمية - والحافظ ابن حجر العسقلاني الإمام في هذا الفن، فيأتي من يُعلِّق
على هذا الأثر بالقدح والرمي بالشرك لمن فعله فيقول: (( ... وإنَّ ما فعله هذا الرجل
منكر ووسيلة إلى الشرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك ... )). ولم يبين
لنا من هؤلاء أهل العلم الذين قالوا ذلك. وهل رجال السند، والأئمة الناقلون لهذا
الأثر ليسوا من أهل العلم؟ !!.
وهل فِعلُ سيدنا عمر رضي الله عنه ومعه جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وما
رواه مالك الدار - وهو: مالك بن عياض، مَولى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله
عنهما - يكون من باب إقرارهم على فعل الشرك، سبحان الله !!.
ثم هنا فائدة لم أر من تنَّه لها، وهي: أنَّ لهذا الأثر شاهداً آخر، وهو ما رواه الإمام
الطبري في «تاريخه)) ٢: ٥٠٨ بسنده إلى عبد الرحمن بن كعب، وفي ص٥٠٩ بسنده إلى
عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من طريق سيف، وكذا الحافظ ابن كثير -
تلميذ ابن تيمية - قد ذكر في («البداية والنهاية)) ١٠: ٧١ / ٧٢: أنَّ سيف بن عمر روى في
((الفتوح)) - كما بينه الحافظ ابن حجر - بسنده إلى عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنهما: أنَّ رجلاً من مُزينة عام الرَّمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة، فقال: ليس فيها شيء.
فألحوا عليه، فذبح شاة، فإذا عظامها حُمْرٌ، فقال: يا محمداه. فلما أمسى، أُري في المنام
أنَّ رسول الله وَّ يقول له: «أبشر بالحياة، إيت عمر فَأَقرِهُ مني السلام، وقل له: إنّ عهدي
بك وَفِيُّ العهد، شديد العقد، فالكَيْسَ الكَيْس يا عمر))، وذكر القصة.
وهذا الرجل من مُزَينةَ الذي قال عنه المُعلِّقُ على كتاب ((فتح الباري)) ٢: ٥٧٥ إنه
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨١
قال: أخبرنا أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم بن قاسم الأرتاحي قراءةً عليه
وأنا أسمع، أنا أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين البغدادي المعروف
بابن الطباخ، أنا الشيخ السديد أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد
البيهقي، أنا جَدّي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أنا أبو نصر
ابن قتادة، وأبو بكر الفارسي، قالا: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، ثنا إبراهيم
ابن علي الذهلي، ثنا يحيى بن يحيى، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن مالك الدار قال:
أصاب الناس قحطٌ في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء
رجل إلى قبر النبي وَله فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك، فإنهم قد
هلكوا.
= مجهول، ثم قال عقب ذكر الحافظ أنّ سيف بن عمر سَمّاه: بلال بن الحارث: ((ففي
صحة ذلك نظر، ولم يذكر الشارح سند سيف في ذلك ... )» إلخ.
وبلال بن الحارث المزني، صحابي مشهور، له ترجمة في كتب الصحابة.
فتحصَّل مما سبق: أنَّ هذا الأثر ورد بروايتين، ومن طريقين، عن صحابي
جليل، وتابعي معروف هو مالك بن عياض، المعروف بمالك الدار، وقد ذكر
الحافظ ابن حجر في «الإصابة)) ٣: ٤٨٤ أنه صحابي أدرك النبي وَّر، وذكره غيره أنه
من كبار ثقات التابعين. وَعَمِلَ بمقتضى أمر النبي ◌ََّ ـ في المنام - سيدنا عمرُ رضي
الله عنه الخليفة وجميع الصحابة رضوان الله عليهم، ولم نجد من أنكر ذلك منهم كما
يزعم المُعَلِّقُ على هذه القصة: بأنَّ عمل كبار الصحابة يُخَالِفهُ. فهل بعد سيدنا عمر،
وسيدنا العباس، وجمع الصحابة رضوان الله عليهم الذين خرجوا للاستسقاء؛ يوجد
كبارٌ غيرهم؟.
اللهم ارزقنا حسن الأدب مع صحابة نبيك وَّ، ورضوان الله عليهم أجمعين.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٢
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: ((ائت عمر،
فاقرأه السلام، وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكَيْسَ الكَيْس)).
فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر رضي الله عنه ثم قال: يا رب، ما
آلو إلاَّ ما عجزتُ عنه.
وَمحلُّ الاستشهاد من هذا الأثر: طَلبهُ الاستسقاء من النبي ◌ِِّ بعد
موته في مدة البرزخ، ولا مانع من ذلك، فإنَّ دعاء النبي ◌َّ لربه تعالى
في هذه الحالة غير مُمتنعٍ، وقد وردت الأخبار على ما ذكرنا، ونَذكُر طَرفاً
منه، وَعِلمُهُ صلى الله عليه وسلم بسؤال من يَسألُه؛ ورد أيضاً.
ومع هذين الأمرين؛ فلا مانع من أن يُسألَ النبي وَلِّ الاستسقاء كما
کان يسأل في الدنيا.
النوع الثالث من التوسل : أن يُطلبَ منه ذلك الأمر المقصود، بمعنى
أنه صلى الله عليه وسلم قادرٌ على التّسبُّب فيه؛ بسؤاله ربه وشفاعته إلیه،
فيعود إلى ((النوع الثاني)) في المعنى، وإن كانت العبارة مختلفة، ومن هذا
قول القائل للنبي وَّ: أسألك مُرافقتكَ في الجنة، قال: ((أَعِنِّي على نفسك
بكثرة السجود)»(١).
والآثار في ذلك كثيرة أيضاً، ولا يَقصدُ الناس بسؤالهم ذلك إلاَّ كون
النبيِ وَّهَ سبباً وشافعاً، وكذلك جَوابُ النبيِ وَّ وإن ورد على حسب
السؤال، كما رُوِّينا في ((دلائل النبوة))(٢) للبيهقي، بالإسناد إلى عثمان بن
(١) رواه الإمام مسلم (كتاب الصلاة) ((باب فضل السجود والحث عليه)) ١ :
٣٥٣ حديث (٢٢٦).
(٢) ٥: ٣٠٨. ورواه الإمام ابن ماجه ((السنن)) ٢: ١١٧٤ حديث (٣٥٤٨)،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٣
أبي العاصي رضي الله عنه قال:
شكوتُ إلى النبيِ وَ ل ◌َّ سُوء حفظي للقرآن، فقال: ((شيطان يقال له
خِنْزَب، أُدْنُ مني یا عثمان))، ثم وضع يده على صدري، فوجدت بردها
بین كتفي، وقال: ((اخرج يا شيطان من صدر عثمان)).
قال: فما سمعت بعد ذلك شيئاً إلاَّ حفظته.
فانظر أمر النبي وسلّ بالخروج للشيطان، للعلم بأنَّ ذلك بإذن الله تعالى
وخَلْقه وتيسيره، وليس المراد نِسبَةَ النبي ◌َِّ إلى الخَلقِ والاستقلال
بالأفعال؛ هذا لا يَقصِدِهُ مُسلم.
فَصرفُ الكلام إليه ومنعه من باب التلبيس في الدِّين، والتشويش على
عوام الموحدين.
وإذا قد تحررت هذه الأنواع والأحوال في الطالب من النبي تَّ،
وظهر المعنى؛ فلا عليك في تسميته: تَوَسُّلاً، أو تَشفُّعاً، أو استغاثةً، أو
تَجوُّهاً، أو تَوجُّهاً؛ لأنَّ المعنى في جميع ذلك سواء.
أما التَّشَفَّع فقد سبق في الأحاديث المتقدمة قول وفد بني فَزَارة
للنبي وَلير: ((تشفع لنا إلى ربك))، وفي حديث الأعمى ما يقتضيه أيضاً،
والتوسل في معناه.
وأما النَّوجُّه والسؤال؛ ففي حديث الأعمى، والتَّجَوُّه في معنىُ
التَّجُه.
= ولكن فيه شكاية سيدنا عثمان بن أبي العاصي رضي الله عنه: أنَّ الشيطان كان
يَعْرِضُ له في صلاته، فلا يدري ما صلَّى.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٤
قال تعالى في حَقِّ موسى عليه السلام: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾
[الأحزاب: ٦٩]، وقال في حَقِّ عيسى ابن مريم عليه والسلام: ﴿وَجِيهًا فِى
الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وقال المفسرون: وجيهاً، أي: ذا جَاهِ ومَنزلةٍ عنده.
وقال الجوهري في (فصل: وَجُهَ وَجيهاً): وجيهاً [أي] ذاجَاهِ وقدر،
وقال الجوهري أيضاً في (فصل: جوه): الجَاهُ: القدر والمنزلة، وفلان ذا
جَاهِ، وقد أوجهته ووجهته أنا، أي: جعلته وجيهاً.
وقال ابن فارس: فُلانٌ وجیه، ذو جاه.
إذا عُرِف ذلك، فمعنى: تَجَوَّه: تَوجّه بجاهه - وهو منزلته وقدره عند
الله تعالی ۔ إلیه.
وأما الاستغاثة؛ فهي طلب الغوث، وتارةً يطلب الغوث من خالقه
وهو الله تعالى وحده، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٨]،
وتارةً يطلب ممن يصح إسناده إليه على سبيل الكسب، ومن هذا النوع
الاستغاثة بالنبي ێ.
وفي هذين القسمين تعَدِّي الفعل تارة بنفسه كقوله تعالى: ﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، ﴿فَاسْتَغَتَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥]، وتارةً
بحرف الجرّ كما في كلام النحاة في المستغاث به.
وفي كتاب سيبويه رحمه الله تعالى: ((فاستغاث بهم ليشتروا له
كليباً)). فيصح أن يقال: استغثت النبي صلى الله عليه وسلم،
استغنت بالنبي ◌َّلر؛ بمعنى واحد، وهو طلب الغوث منه بالدعاء
ونحوه، على النوعين السابقين في التوسل من غير فرقٍ، وذلك في
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٥
حياته وبعد موته.
ويقول: استغثت الله، وأستغيث بالله؛ بمعنى طلب خَلْقِ الغوث منه،
فالله تعالى مُستَغاثٌ، والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي وَلّ مُستَغاث
والغوث منه تسبباً وكسباً، ولا فرق في هذا المعنى بين أن يستعمل الفعل
متعدياً بنفسه أو لازماً، أو تُعدِّي بـ ((الباء)).
وقد تكون الاستغاثة بالنبي وّ ر على وجه آخر وهو أن يقال: استغثت
الله بالنبي وَ ر، كما يقول: سألت الله بالنبي وَلّز، فيرجع إلى النوع الأول
من أنواع التوسل، ويصح قبل وجوده وبعد وجوده، وقد يحذف المفعول
به وتقول: استغئت بالنبي والتر، بهذا المعنى، فصار لفظ الاستغاثة به
بالنبي ◌ّر له معنيان، أحدهما: أن يكون مستغاثاً، والثاني: أن يكون
مستغاثاً به، و((الباء)) للاستعانة.
فقد ظهر جواز إطلاق الاستغاثة والتوسل جميعاً، وهذا أمر لايُشَكّ
فيه، فإنَّ الاستغاثة في اللغة: طلب الغوث، وهذا جائز لغة وشرعاً من كُلّ
من يقدر عليه بأي لفظ عُبِّر عنه، كما قالت أم إسماعيل: ((أغث إن كان
عندك غواث))(١).
وقد رُوّينا في ((المعجم الكبير)) للطبراني حديثاً ظاهره قد يقدح في
هذا.
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة المصري، ثنا
سعيد بن عفير، ثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن
(١) رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) (كتاب الأنبياء) ((باب يزفون)) ٢: ٤٦٢
حديث (٣٤٦٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٦
رباح، عن عبادة قال:
قال أبو بكر رضي الله عنه : قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه
وسلم من هذا المنافق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه لا يُستَغاثُ بي، إنما
يُستغَاثُ بالله عزَّ وجل)).
وهذا الحديث في إسناده عبد الله بن لهيعة، وفيه كلام مشهور. فإن
صَحَّ الحديث(١)؛ فيحتمل معاني:
(١) هذا الحديث لا يصح، ففي سنده: عبد الله بن لهيعة معروف بضعفه، ومن
حَسَّن له؛ ففي الشواهد والمتابعات، وهذا الحديث قد انفرد به، فلا يحتج به.
وأما من ناحية المتن: فإنّ الحديث لم يرد بهذا اللفظ إلاّ في رواية الإمام
الطبراني المذكورة - وليس هو في المطبوع من ((المعجم الكبير)) -، وقد ورد الحديث
بغير هذا اللفظ. فقد رواه الإمام ابن سعد في ((الطبقات)) ١: ٣٣، وفيه قول النبي ◌َّ:
((لا يقام لي، إنما يقام الله)). وكذا هو في رواية الإمام أحمد ((المسند)) ٦: ٤٣٣ حديث
(٢٢١٩٨) وفي سنده راوٍ لم يُسَمَّ، وأيضاً ذكر الحافظ ابن كثير - تلميذ ابن تيمية - في
«تفسيره)) ٥: ٣٣٣ نقلاً عن الإمام ابن أبي حاتم، وفيه ذكر راوٍ لم يُسَمَّ أيضاً، وَعَقَّبِهُ
الحافظ ابن كثير بقوله: ((وهذا الحديث غريب جداً».
وذكره الإمام الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٨: ٤٠ وعزاه للإمام أحمد، وذكره أنَّ
فيه راوٍ لم يُسَمْ. وذكره أيضاً ١٠: ١٥٩ بلفظ رواية الإمام الطبراني وقال: ((رجاله
رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث)). ولا حُجّة في قوله بأنّ ابن لهيعة
حَسنُ الحدیث، فهذا الحكم مُقیدٌ في غير ما انفرد به.
وقد قال الإمام الهيثمي عن ابن لهيعة ١٠: ٣٧٥: ((وابن لهيعة ضَعّفه
الجمهور)، وفي مواضع من کتابه ذکر ضعفه.
وقال أيضاً عقب ذكره لرواية الإمام الطبراني («مجمع الزوائد)) ١٠: ١٥٩: ((وقد
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٧
أحدها: أنَّ النبي ◌َّ كان قد أجرى على المنافقين أحكام المسلمين
بأمر الله تعالى، فلعلّ أبا بكر رضي الله عنه ومن معه؛ استغاثوا بالنبي وَالله
ليقتله، فأجاب بذلك.
بمعنى : أنَّ هذا من الأحكام الشرعية التي لم ينزل الوحي بها، وأمرها
إلى الله تعالى وحده، والنبي ◌َّوَ أَعرفُ الخلق بالله تعالى، فلم يكن يسأل
ربه تغيير حكم من الأحكام الشرعية، ولا يفعل فيها إلاَّ ما يُؤمر به.
فيكون قوله: ((لا يستغاث بي)) عاماً مخصوصاً، أي: لا يستغاث بي في
هذا الأمر، لأنه مما يستأثر الله تعالى به.
ولا شكّ أنَّ من أدب السؤال؛ أن يكون المسئول ممكنًا، فكما أنَّا لا
نسأل الله تعالى إلاَّ ما هو في ممكن القدرة الإلهية، كذلك لا نسأل
النبي ◌ّ﴾ إلاَّ ما يمكن أن یجیب إليه.
والثاني : أن يكون ذلك من باب قوله: ((ما أنا حَمَلتُكُم، ولكن الله
حَمَلكُم))، أي: أنا وإن استُغيث بي؛ فالمستغاث به في الحقيقة هو الله
تعالى، وكثيراً ما تجيء السُّنّة بنحو هذا من بيان حقيقة الأمر، ويجيء
= رواه أحمد بغير هذا السياق، وهو في ((الأدب)) في (باب القيام) ٨: ٤٠.
فتلخَّص مما سبق: أنَّ الحديث فيه علتان تبطل الاحتجاج به، وهي: ضعف
السند لكلا الروايتين، فرواية الإمام الطبراني مَعلولةٌ بابن لهيعة، وأما رواية الإمام
أحمد، وابن سعد، وابن أبي حاتم، فمعلولةٌ بالراوي المبهم.
والعلّة الأخرى: اضطراب المتن، فرواية الإمام الطبراني فيها قول النبي ◌َّ: («إنه
لا يُستغاث بي ... ))، ورواية الأئمة: ابن سعد، وأحمد، وابن أبي حاتم، ففيها قوله
وَلَى: ((لا يُقام لي ... ))، فصار الاحتجاج بالحديث ليس في بابه، لكونه يتعلق بمسألة
((القيام))، وليس ((الاستغاثة)) كما يورده كُلّ معترض، والله أعلم.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٨
القرآن بإضافة الفعل إلى مكتسبه، كقوله وَ له: «لن يُدْخِلَ أحداً منكم الجنة
عَمَلُه))(١)، مع قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
وقال ◌َّ لعلي رضي الله عنه: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً)(٢)
فسلك الأدب في نسبة الهداية إلى الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَبِنَّةُ يَهْدُونَ بِأَعْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٥]، فنسب الهداية إليهم، وذلك
على سبيل الكسب.
ومن هذا: قوله تعالى لنبيه وَّةِ: ﴿وَإِنَّكَ لَنَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[الشورى: ٥٢].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]،
فالأحسن أن يكون المراد به التسلية عن قلب النبي ◌ُّر في عدم إسلام عمه
أبي طالب، فكأنه قد قيل: أنت وفَيّت بما عليك؛ وليس عليك خَلْقُ
هدایته، لأنَّ ذلك ليس إليك، فلا تذهب نفسك علیه.
وبالجملة: إطلاق لفظ: ((الاستغاثة)) بالنسبة لمن يحصل منه غوث إما
خلقاً وإيجاداً، وإما تسبباً وكسباً؛ أمر معلومٌ لاشك فيه لغة وشرعاً، ولا
فرق بينه وبين السؤال، فتعين تأويل الحديث المذكور.
(١) (البخاري)) (كتاب الرقاق) ((باب القصد والمداومة على العمل)) ٤: ١٨٤
حديث (٦٤٦٤)، ((مسلم))، (كتاب صفات المنافقين) ((باب لن يدخل أحد الجنة
بعمله)) ٤: ٢١٧ حديث (٧٥).
(٢) ((البخاري)) (كتاب فضائل الصحابة) ((باب مناقب علي بن أبي طالب)) ٤:
١٨٧ حديث (٣٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨٩
وقد قيل: إنَّ في ((البخاري))(١) في حديث الشفاعة يوم القيامة:
((فبيناهم كذلك، استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد وَلَ﴾))، وهو حُجَّةٌ
في إطلاق لفظ: ((الاستغاثة))، ولكن ذلك لا يحتاج إليه، لأنَّ معنى
((الاستغاثة)) و((السؤال)) واحد، سواء عُبِّر عنه بهذا اللفظ أم بغيره، والنزاع
في ذلك نزاع في الضروريات، وجوازه شرعاً معلوم.
فتخصيص هذه اللفظة بالبحث؛ مما لا وجه له، وإنكار السؤال
بالنبي ◌َّ؛ مُخالفٌ لما قَدَّمناه من الأحاديث والآثار، وما أشرنا إليه مما
لم نذكره.
(١) (كتاب الزكاة) ((باب من سأل الناس تكثراً)) ١: ٤٥٧ حديث (١٤٧٥).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٩٠
الباب التاسع
في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
قد تَضمّنت الأحاديث المُتُقدِّمة: أنَّ رُوحَ النبيِ وَ لَّهِ تُرَدُّ عليه، وأنه
يَسمعُ ويرد السلام، فاحتجنا إلى النظر فيما قد قيل في ذلك بالنسبة إلى
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والشهداء، وسائر الموتى.
وقد رَتّبنا الكلام في هذا الباب على فصول :
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٩١
الفصل الأول
فيما ورد في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
صَنَّف الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله في ذلك جُزْءاً (١)، وَروى فيه
أحاديث منها: ((الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يُصَلُّون)) .
وَرَوَاه ابن عدي في ((الكامل)) (٢): أخبرنا غير واحد إذناً، عن ابن
المُقيّر، عن ابن الشهرزوري، أنا إسماعيل بن مَسْعَدة، أنا حمزة بن
يوسف، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: ثنا قسطنطين بن عبد الله
الرومي - مولى المعتمد على الله أمير المؤمنين -، ثنا الحسن بن عرفة،
حدَّثني الحسن بن قتيبة المدائني، ثنا المُستلم بن سعيد الثقفي، عن
الحجاج الأسود، عن ثابت البناني، عن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأنبياء أحياءً في قبورهم
يُصَلُّون)).
قال ابن عدي: وللحسن بن قتيبة هذا أحاديث غرائب حسان، وأرجو
أنه لا بأس به.
وَذكرهُ ابن أبي حاتم (٣)، ولم يذكر فيه جَرحاً ولا تعديلاً.
(١) عنوانه: ((حياة الأنبياء عليهم السلام بعد وفاتهم))، مطبوع متداول.
(٢) ٢ : ٣٢٧.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ٣: ٣٣ ترجمة (١٣٨)، لكن في المطبوع عن أبيه: أنه ضعيف.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٩٢
وذكره الخطيب في ((التاريخ)) (١) وقال عن البرقاني، عن الدارقطني:
إنه متروك الحديث.
وَروى البيهقي هذا الحديث في صدر الجزء الذي صَنَّفْهُ عن أبي سعد
أحمد بن محمد بن الخليل الصوفي، عن ابن عدي بسنده المذكور، ثم
قال البيهقي رحمه الله تعالى: هذا حَديثٌ يُعَدّ في أفراد الحسن بن قتيبة(٢).
وقد رُوي عن يحيى بن أبي بكير، عن المُستلم بن سعيد، وهو فيما:
أخبرنا الثقة من أهل العلم، أنا أبو عمرو بن حمدان، أنا أبو يعلى
الموصلي، ثنا أبو جهم الأزرق بن علي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا
المُستلم بن سعيد، عن الحجاج، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَله: ((الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يُصَلّون))(٣) .
قُلْتُ: ويحيى بن أبي بكير ثِقةٌ، والمُستلم بن سعيد ثقةٌ، والحجاج
- إن كان ابن أبي زياد - فثقة، وإن كان غيره؛ فلم أعرفه(٤).
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢: ٤٠٥.
(٢) ((حياة الأنبياء)) ص٦٩ حديث (١).
(٣) «مسند أبي يعلى)) ٣: ٣٧٩ حديث (٣٤١٢).
ورواه أيضاً: الإمام أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ٢: ٤٤، والإمام تمام الرازي
في ((فوائده)) ١: ٣٣ حديث (٥٨)، والإمام البزار في ((مسنده)) (كشف الأستار) ٣:
١٠٠ حديث (٢٣٣٩/ ٢٣٤٠)، وقال الإمام الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٨: ٢١١:
(رواه أبو يعلى، والبزار، ورجال أبي يعلى، ثقات)»، انتهى منه.
(٤) بل هو ابن أبي زياد، واسمه: حجاج بن أبي زياد الأسود، المعروف بـ: زقِّ
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٣
قال البيهقي رحمه الله تعالى(١): وَرُويَ كما أخبرنا أبو عبد الله
الحافظ، أنا أبو حامد أحمد بن علي الحسنوي إملاءً، ثنا أبو عبد الله
محمد بن العباس الحمصي بحمص، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا إسماعيل
ابن طلحة بن يزيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت،
عن أنس رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال:
((إنَّ الأنبياء لا يُتركُونَ في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يُصَلّونَ
بين يدي الله تعالى حتى يُنفِخَ في الصُّورِ)).
قال البيهقي رحمه الله تعالى(٢): وهذا إن صَحَّ بهذا اللفظ، فالمراد به
- والله أعلم -: لا يتركون لا يُصلّونَ إلاَّ هذا المقدار، ثم يكونون مُصَلِّينَ
فیما بين يدي الله تعالى.
قال البيهقي رحمه الله تعالى(٣): ولحياة الأنبياء عليهم السلام بعد
موتهم شَواهِدُ من الأحاديث الصحيحة.
ثم ذكر البيهقي بأسانيده حديث: ((مَررتُ بموسى وهو قائمٌ يُصلّي في
قبره)) .
وحديث: ((قد رأيتُني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قَائمٌ يُصلّي
= العسل. وقد ورد مصرحاً اسمه في رواية الإمام البيهقي في ((حياة الأنبياء)) ص ٦٩
حديث (١). وقد وثقه: الإمام أحمد، وابن معين، وابن حبان، كما في ((لسان
المیزان)» ٢: ٥٥٩ (٢١٤٣).
(١) ((حياة الأنبياء)) ص٧٥ حديث (٤).
(٢) المصدر السابق ص٧٦.
(٣) المصدر السابق ص٧٧.
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٤
فإذا رجلٌ ضَرْبٌ جَعدٌ كأنه من رجال شَنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قَائمٌ
يُصَلّي أَقربُ الناس به شَبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم ثَّائمٌ
يُصَلّي أشبهُ الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فَأَممُهم.
فلما فَرغتُ من الصلاة، قال قائل لي : يا محمد، هذا مَالِكٌ صاحب
النار فَسلِّم عليه، فَالتفتُّ إليه فبدأني بالسلام)، أخرجه ((مسلم))(١).
وفي حديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه، وغيره: أَنهُ لَقِيهُم في
(٢)
بیت المقدس(٢).
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه في صفة المعراج: ((أنه لقيهم في
السموات، وكلَّمُوه وكَلّمُهُم))(٣).
وَكُلُّ ذلك صَحيحٌ لا يُخالف بعضه بعضاً، فقد يَرى موسى عليه
السلام قائماً يُصلي في قبره، ثم يُسرى بموسى وغيره إلى بيت المقدس،
كما أُسرِي بنبينا وَّر، ثم يُعرج بهم إلى السموات كما عُرج بنبينا عليهم
الصلاة والسلام، فيراهم فيها كما أخبر، وَحُلولهم في أوقات بمواضع
مختلفات، فإنه ممكنٌ في العقل كما ورد به خبر الصادق، وفي كُلُّ ذلك
دلالةٌ علی حیاتھم.
ومما يَدلّ على ذلك - وساق إسناده إلى أوس بن أوس رضي الله
عنه - قال: قال رسول الله وَليّ: ((أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم،
(١) (كتاب الإيمان) ((باب ذكر المسيح عليه السلام)) ١ : ١٥٦ حديث (١٧٢).
(٢) ((البخاري)) (كتاب الأنبياء) «باب قوله تعالى ﴿وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ٢:
٤٧٣ حديث (٣٣٩٤).
(٣) ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب الإسراء)) ١: ١٤٨ حديث (١٦٣).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٥
وفيه قُبِض، وفيه النَّفخَةُ، وفيه الصَّعقَةُ، فأكثروا عَليَّ من الصلاة فيه، فإنّ
صلاتكم مَعْرُوضةٌ عَلَيَّ)).
قالوا: وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْتَ - يقولون: بليت -
فقال: ((إنَّ الله تعالى حَرّم على الأرض أن تَأْكُل أجساد الأنبياء)).
أخرجه أبو داود.
قال البيهقي رحمه الله تعالى : وله شواهد، منها: ما أخبرنا أبو عبد
الله، أنا ابن إسحاق الفقيه، أنا الأبار، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا أبو
رافع، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، عن
النبي ێ أنه قال:
(أكثروا الصلاة عَليَّ في يوم الجمعة، فإنه ليس يُصَلِي عَلَيَّ أَحدٌ يوم
الجمعة؛ إلاَّ عُرضت عَليَّ صَلاتُه)).
وأخبرنا علي بن أحمد، أنا أحمد بن عبيد، ثنا الحسين بن سعيد، ثنا
إبراهيم، ثنا حماد، عن برد، عن مكحول، عن أبي أمامة رضي الله عنه
قال:
قال رسول الله وَجَر: «أكثروا عَليَّ من الصَّلاةِ في كُلِّ يوم جمعة، فإنَّ
صلاة أمتي تُعَرض عَليَّ في كُلِّ يوم جمعة. فمن كان أكثرهم عَليَّ صلاةٌ؛
كان أقربهم مني مَنزِلةٌ)).
وأخبرنا الإسفراييني، حدثّني والدي، أنا أسامة - بمصر -، ثنا محمد
بن إسماعيل الصائغ، حدثتنا حكَّامَةُ بنت عثمان بن دينار، عن مالك بن
دينار، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَله: ((إنَّ أَقربكُم مني يوم القيامة في كُلِّ مَوطنٍ؛
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٦
أكثركم عَليَّ صلاةً في الدنيا، فمن صَلّى عَليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة،
قضى الله له مئة حاجة، سبعين من حوائج الاخرة، وثلاثين من حوائج
الدنیا، ثم يُوكِّل الله بذلك ملكاً يُدخلِهُ في قبري كما تدخل عليكم الهدايا،
يُخْبر من صَلّى عَليَّ باسمه ونسبه إلى عشيرته، فَأَتْبِتُهُ عندي في صحيفة
بيضاء)) .
ثم ذكر البيهقي حديث: ((فإنَّ صلاتكم تَبلُغني حيث مَا كُنتم)»،
وحديث: ((ما مِنْ أَحدٍ يُسلِّمُ عَلَيَّ؛ إلاَّ رَدَّ الله عَليَّ روحي حتى أَرد)).
قال البيهقي : وإنما أراد - والله أعلم - إلَّ وقد رَدّ الله عَليَّ روحي
حتى أَرُدَّ عليه.
قُلْتُ: وقد تَقدّم احتمالٌ آخر.
ثم ذكر البيهقي حديث: ((إنَّ لله ملائكةٌ سَّاحين يُبلغوني عن أمتي
السلام))، وقول ابن عباس رضي الله عنه: ليس أحدٌ من أُمّة محمد واله
صلّى عليه صلاةً؛ إلاَّ وهي تَبلُغه، يقول له المَلكُ: فُلانٌ يُصلّي عليك كذا
وكذا صلاة، وحديث: ((مَنْ صَلّى عَليَّ عند قبري سَمعته))، من طريق أبي
عبد الرحمن وقال: هو محمد بن مروان السُّدي فيما أُرئ، وفيه نظر، وقد
مضی ما يؤكده.
هذا قول البيهقي، وذكر ما قدَّمنَاهُ عن سليمان بن سُحَیم.
ثم قال : وممّا يَدُلّ على حياتهم، ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -
وساق إسناده وذكر حديث -: ((فإذا موسى بَاطِشٌ بجانب العرش، فلا
أدري أكان فيمن صُعِقٍ فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله عزّ وجل؟)).
رواه: ((البخاري)»، «ومسلم)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٩٧
قال البيهقي رحمه الله تعالى: وهذا إنما يَصِحُّ على أنَّ الله عزّ وَجلِ رَدّ
على الأنبياء صلوات الله عليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء،
فإذا نُفِخَ في الصُّورِ النفخةِ الأولىُ صُعِقُوا فيمن صُعِقِ، ثم لا يكون ذلك
موتاً في جميع معانيه؛ إلاَّ في ذهاب الاستشعار، فإن كان موسى عليه
السلام ممن استثنى الله بقوله: ﴿إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾، فإنه لا يذهب استشعاره
في تلك الحالة، فَيُحاسِبِهُ بِصَعْقِهِ يوم الطُّور.
ويقال: إنَّ الشهداء من جُملةٍ من استثنى الله عزّ وجل بقوله تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ اللّهُ﴾، وَرَوّنا في ذلك خبراً مرفوعاً.
هذا جُملَةُ ما ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «حياة الأنبياء في
قبورهم))(١)، لم نحذف منه إلاَّ بعض الأسانيد، أو بعض الزيادة في
الأسماء، وقد قَدّمنا حديثاً من ((سنن ابن ماجه)) فيه: ((فَنِيُّ الله حَيٌّ يُرزق)).
وقال البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢) وفي الحديث الصحيح عن سليمان
التيمي، وثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رسول الله
دَ ل ـ قال:
((أتيت على موسى ليلة أُسرِيَ بي عند الكثيب الأحمر، وهو قَائمٌ
يُصلّي في قبره)».
وَرُوِّينا في الحديث الصحيح عن أبي سَلمة، عن أبي هريرة رضي الله
عنه: أنَّ النبيِّوَ قال: ((وقد رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى
(١) قد استوعب المؤلف جزء الإمام البيهقي رحمهما الله تعالى بتصرف.
(٢) ٢ : ٣٥٤ - ٣٦٥.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٨
قَائِمٌ يُصَلّي)»، وذكر إبراهيم، وعيسى عليهما السلام ووصفهم، ثم قال:
((فحانت الصلاة؛ فَأَمَمتُهم)).
وَرُوِّينا في حديث ابن المسيب رضي الله عنه: أنه لَقِيُهم في بيت
المقدس.
وَرُوِّينا في حديث أنس رضي الله عنه: أنه بُعِثَ له آدم فمن دونه من
الأنبياء، فَأَمّهم رسول الله وَّو تلك الليلة.
وَرُوِّينا في الحديث الصحيح عن أنس، عن مالك بن صعصعة. وعن
أنس، عن أبي ذر رضي الله عنهم: أنَّ رسول الله وَّ رَأى موسى بن عمران
في السماء السادسة.
وليس بين هذه الأخبار مُنَافاةٌ، فقد يَراهُ في مسيره قائماً يُصَلّ في
قبره، ثم يُسَارُ به إلى بيت المقدس كما أُسريَ بالنبي ◌َّ فرآه فيه، ثم يُعْرج
به إلى السماء السادسة كما عُرِج بالنبي ◌َّر فرآه في السماء، وكذلك سائر
من رَآهُ من الأنبياء في الأرض، ثم في السماء صلوات الله عليهم أحياءٌ عند
ربهم کالشهداء، فلا يُنگرُ حلولهم في أوقات بمواضع مختلفات، كما ورد
خَبرُ الصادق به. هذا كلام البيهقي.
وقد ثبت في ((الصحيح))(١) في حديث الإسراء: أنه وَّ وجدَ آدم في
السماء الدنيا، وقال فيه: ((فإذا رجلٌ عن يمينه أَسْوِدةٌ وعن يساره أَسْوِدةٌ،
فإذا نظر قِبِلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى فقال: مرحباً بالنبي
(١) ((البخاري)) (كتاب الصلاة) ((باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء)) ١:
١٣٢ حديث (٣٤٩)، و((مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب الإسراء)) ١٤٨:١ حديث
(١٦٣).
والمكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٣٩٩
الصالح، والابن الصالح، ووجد إبراهيم في السابعة مُسِنِداً ظهره إلى البيت
المعمور)). وقال رَّ: ((مَرَرتُ ليلة أُسرِيَ بي على موسى بن عمران، رَجلٌ
آدم طُوَالٌ جَعدٌ كأنه من رجال شَنُؤة، وَرأيتُ عيسى ابن مريم مربوعَ الخلق
إلى الحُمرة والبياض، سَبطَ الرأس))(١) .
وقال في حديث آخر: ((لَقيت موسى فإذا رجلٌ - حَسِبتُه قال - :
مضطَربٌ، رَجِلَ الرأس كأنه من رِجَال شنؤة، ولقيت عيسى فإذا رَبعةٌ
أحمر، كأنما خرج من دِيَماس - يعني حمامًا، - ورأيت إبراهيم وأنا أَشبهُ
ولدِە به»(٢).
وفي حديث آخر: (٣) «أَراني ليلة عند الكعبة، فَرأيتُ رجلاً آدمَ
كأحسن ما أنت راءٍ من الرجال، من أُدْم الرجال، له لِمَّةٌ كأحسن ما أنت
رَاءٍ من اللِّمَم، قد رَجَّلها فهي تَقْطُر ماء، متكئًا على رَجُلَين، أو على
عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل : هذا المسيح ابن
مریم)).
وفي حديث آخر: (٤) ((لقد رأيتُني في الحِجْرٍ وقريش تُسَاءلُني عن
مَسْرَايَ، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبِتِها، فَكرِبِتُ كَرباً ما
كرِبتُ مثله قط، قال: فرفعه الله أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلاَّ
أنبأتهم، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قَائمٌ يُصلّي، فإذا
(١) ((مسلم)) (كتاب الإيمان) («باب الإسراء)) ١: ١٥١ حديث (١٦٧).
(٢) ((مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب الإسراء)) ١: ١٥٤ حديث (١٦٨).
(٣) المصدر السابق (كتاب الإيمان) ((باب الإسراء)) ١: ١٥٤ حديث (١٦٩).
(٤) المصدر السابق (كتاب الإيمان) ((باب الإسراء)) ١: ١٥٦ حديث (١٧٢).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾