Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤٠
وأياً ما كان، فاستعماله فيه مجازٌ، لأنَّ الخبر غير مَوضُوعٍ له، فإنْ
رُجُحَ استعماله في التحريم لبعض المُرجِّحَات، كان ذلك من باب ترجيح
بعض المجازات على بعض، وقد يكون ذلك الترجيح مُعَارضاً بترجيح
آخر، فلأبي محمد أن يمنع كون اللفظ المذكور حقيقة في التحريم، أو
ظاهراً فيه، فإنَّ الخبر ليس مُستعملاً في لفظ النهي؛ بل في معناه، ومعناه
مُنْقسمٌ إلى الحقيقي والمجازي.
فإن قيل: النَّيُ والنَّهيُ النفساني شيء واحدٌ، وهو طلب الترك الجازم
المانع من النقيض، وما سواه ليس بنهيٌّ حقيقة، فإذا ثبت أنَّ المراد بالخبر
النّھيُ؛ ثبت التحریم.
قلنا : حينئذ يَمنعُ أنَّ المراد بالخبر: النَّهي.
وقوله: ((إنَّ ما ذَكروهُ من الأحاديث في زيارة قبر النبي ◌َّ، فكلها
ضَعِيفةٌ باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي مَوضُوعةٌ، لم يروِ أحدٌ من
أهل السنن المعتمدة شيئاً منها)).
قد بَيّنا بُطلانَ هذه الدّعوى في أول هذا الكتاب.
وما رُويَ عن مَالكِ من كراهية قوله: ((زرت قبر النبي ◌َّ))؛ بِيّنا مراده
في ((الباب الرابع)).
قوله: ((ولو كان هذا اللفظ مشروعاً عندهم))، إلى آخره.
كلامٌ في غير مَحلّ النزاع، لأنَّ النزاع ليس في اللفظ، ولم يسئل عنه،
وإنما هو في المعنى. وما ذكرهُ عن: أحمد، وأبي داود، ومالك في
((الموطأ))، فكُلّه حُجّة عليه، لا له، لأنَّ المقصود معنى الزيارة، وهو
حاصلٌ من تلك الآثار.
وأما حديث: ((لا تتخذوا قبري عيداً))، فقد تَقدّم الكلام عليه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤١
وحديث: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))،
لا يَدلُّ على مُدّعاه، لأنّا لم نَتَّخذهُ مسجداً، فإن أراد قياس الزيارة عليه؛
فقد سبق الكلام في ذلك.
قوله : ((فهم دفنوه في حجرة عائشة، خلاف ما اعتادوه من الدفن في
الصحراء، لئلا يُصلّي أَحدٌ عند قبره، ويتخذه مسجداً، فيتخذ قبره وثناً)).
هذا ليس بصحيح، وإنما دَفنُوه في حُجرة عائشة رضي الله عنها؛ لِمَا
رُويَ لهم: أنَّ الأنبياء يُدْفَنونَ حيث يُقْبَضُون؛ بعد اختلافهم في أین يُدفن،
فلما رُويَ لهم الحديث المذكور؛ دفنوه هناك(١)، وهذا من الأمور
(١) رَوى الإمام ابن ماجه في ((السنن)) ١: ٥٢٠ (١٦٢٧) عن سيدنا ابن
عباس رضي الله عنهما من حديثه الطويل، وفيه قول سيدنا أبي بكر رضي الله
عنه: سمعت رسول الله وَّهُ يقول: ((ما قُبضَ نبيٌّ إلَّ دُفِنَ حيث يقبض)) الحديث،
وعند الإمام الترمذي في («جامعه» ٣: ٣٣٨ حديث (١٠١٨) عن السيدة عائشة
رضي الله عنها قالت: لما قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلفوا في
دفنه.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما
نَسِيتُهُ، قال: ((ما قَبَضَ الله نبياً إلاَّ في الموضع الذي يُحِبُّ أن يُدفَنَ فيه))، ادفنوه
في موضع فراشه. وورد أيضاً من رواية ابن عباس رضي الله عنهما - كما أشار إليه
الإمام الترمذي - بلفظ: ((ما قُبِضَ نبي؛ إلاّ دفن حيث قُبِضَ))، وروى الإمام
البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٧: ٢٦٠ / ٢٦١ الحديث مرفوعاً ومرسلاً، وهو في
((السيرة)) لابن هشام ٤ : ٦٦٣.
وذكر الإمام الطحاوي ((شرح مشكل الآثار)) ٧: ٣١٤ تعليقاً على حديث: ((ما بين
قبري ومنبري)) أنَّ في إخباره صلى الله عليه وسلم بمكان قبره، علامة من علامات
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٢
المشهورة التي يعرِفُها كُلّ أَحدٍ، ولم يَقُل أَحدٌ أنهم دفنوه هناك للغرض
الذي ذكرهُ.
قوله: ((وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن
المسجد، لا يدخل أحدٌ إلى عنده لا لصلاة هناك، ولا تَمسح بالقبر، ولا
دعاء هناك)).
فنقول: إنَّ هذا لا يدل على مقصوده، ونحن نقول: إنَّ من أدب
الزيارة ذلك، وننهى عن التمسح بالقبر، والصلاة عنده؛ على أنَّ ذلك
لیس مما قام الإجماع علیه.
فقد روى أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله الحسيني
في كتاب ((أخبار المدينة)) قال: حدّثني عمر بن خالد، ثنا أبو نباتة، عن
كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطب قال:
أقبل مروان بن الحكم فإذا رجلٌ مُلتزِمٌ القبر، فأخذ مروان برقبته، ثم
قال: هل تدري ماذا تصنع؟.
فأقبل عليه فقال: نعم، إني لم آت الحَجَر، ولم آتِ اللّبنَ، إنما جئتُ
= النبوة جليلة القدر، حيث قال: ((لأنَّ الله عزّ وجل قد أخفى على كُلُّ نفس سواه
صلى الله عليه وسلم الأرض التي يموت فيها بقوله عز وجل: ﴿وَمَا تَدْرِی نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ
تَمُونَ﴾، فأعلمه عزّ وجل الموضع الذي فيه يموت، والموضع الذي فيه قبره؛ حتى
عَلِم ذلك في حياته ... فهذه منزلة لا منزلة فوقها ... إلخ))، انتهى منه.
ثمَّ هل كان أهل المدينة يدفنون في الصحراء؟ !! نعوذ بالله من الكذب وهوى
النفس بل لهم بقيع الغرقد، وهو معروف قبل الهجرة النبوية، وفيه دَفَنَ ێ سيدنا
عثمان بن مظعون، وابنه سيدنا إبراهيم.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٣
رسول الله وَّةٍ، لا تبكوا على الدِّين إذا وَلِيهُ أهله، ولكن ابكوا عليه إذا
وَلِيهُ غير أهله.
قال المطلب: وذلك الرجل، أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
قُلْتُ: وأبو نباتة يونس بن يحيى، ومن فوقه ثقاتٌ، وعمر بن خالد
لم أعرفه (١).
فإن صَحّ هذا الإسناد (٢)، لم يُكره مَسُّ جِدَار القبر، وإنما أردنا بذكره
(١) ذكره الإمام المزّي فيمن روى عن يونس بن يحيى وقال: عمر بن خالد
المخزومي، ((تهذيب الكمال)» ٨: ٢٢٠، ولم أقف له على ترجمة فيما بين يدي من
المصادر.
(٢) ورواه أيضاً: الإمام أحمد («المسند» ٦: ٥٨٧ حديث (٢٣٠٧٤) من طريق
عبد الملك بن عمرو العقدي، عن كثير بن زيد. والإمام الطبراني في ((المعجم الكبير))
٤: ١٥٨ حديث (٣٩٩٩) بلفظ: ((قال أبو أيوب لمروان بن الحكم ... )) الحديث، وفي
((المعجم الأوسط)) ١: ١٩٨ حديث (٢٨٦) بدون ذكر القصة. ورواه بلفظ ((المعجم
الكبير)) في ((المعجم الأوسط)) ١٠: ١٦٩ حديث (٩٣٦٢) من طريق حاتم بن
إسماعيل، عن كثير بن زيد، والإمام الحاكم في ((المستدرك)) ٤: ٥٦٠ حديث
(٨٥٧١) بذكر القصة من طريق عبد الملك بن عمرو العقدي، عن کثیر بن زيد،
وصححه، ووافقه الإمام الذهبي.
وقد ذكره الحافظ السيوطي في ((الجامع الصغير)) (فيض القدير) ٦: ٣٨٩ حديث
(٩٧٢٨) وعزاه للإمامين أحمد، والحاكم، ورمز لصحته.
قال الإمام السمهودي في ((وفاء الوفا)) ٤: ١٣٥٨: ((روى أحمد بسند حسن، كما
رأيته بخط الحافظ أبي الفتح المراغي المدني، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال:
حدثنا كثير بن زيد، عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل ... ))، الحديث. ونقل عن
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٤
القَدح في القطع بكراهية ذلك(١).
قوله: «وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سَلّمُوا عليه، وأرادوا
الدعاء؛ دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر)).
هذا فيه اعترافٌ بدعاء السلف عند السلام، وتركهم الدخول إلى
الحجرة؛ مُبالغةً في الأدب، وتركهم استقبال القبر عند الدعاء - إن صح-
لا يدل على إنكار الزيارة، ولا على إنكار السفر لها.
قوله : «وأما وقت السلام عليه، فقال أبو حنيفة رحمه الله: يستقبل
القبلة أيضاً)).
هو كذلك، ذَكرهُ أبو الليث السمر قندي في ((الفتاوى)»(٢) عطفاً على
حكاية حكاها الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقال السروجي الحنفي: ((يقف عندنا مستقبل القبلة)).
= الإمام الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٥: ٢٤٥ حيث قال: ((رواه أحمد، والطبراني في
(الكبير)) و((الأوسط))، وفيه كثير بن زيد، وثقه أحمد وغيره، وضعّفه النسائى وغيره)).
وقال الهيثمي أيضاً ((مجمع الزوائد)) ٤: ٢: ((رواه أحمد، وداود بن صالح. قال
الذهبي : لم یرو عنه غیر الوليد بن کثیر، وروى عنه کثیر بن زید - کما في «المسند» -،
ولم يُضعِّفهُ أحمد».
فالحديث إن شاء الله تعالیُ حَسنٌ.
(١) وقد تقدم ص٣٠٦ ذكر قول الإمام أحمد، وتأييد الإمام الذهبي رحمهما الله
تعالی.
(٢) ((فتاوى أبي الليث السمر قندي)) الورقة [٤٩/ب].
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٥
قال الكرماني: ((وعن أصحاب الشافعي وغيره، يقف وظهره إلى
القبلة، ووجهه إلى الحضرة، وهو قول أحمد بن حنبل، واستدلت الحنفية
بأنَّ ذلك جمعٌ بین عبادتین)».
وقول أكثر العلماء: استقبال القبر عند السلام؛ وهو الأحسن
والأدَبُ، فإنَّ الميت يُعامل معاملة الحي، والحيُّ يُسلَّمُ عليه مستقبلاً
فكذلك المیت، وهذا لا ينبغي أن يُتردّدَ فیه.
وقوله: ((إنَّ أكثر العلماء قالوا: يستقبله عند السلام خاصة)). التقييد
بقوله: ((خاصة)) يُطْلَبُ بنقله، بل مقتضى كلام أكثر العلماء من: الشافعية،
والمالكية، والحنابلة؛ الاستقبال عند السلام والدعاء، وذِكْرُ النقل في
استقبال القبلة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ ليس في المشهور من كتب
الحنفية، بل غَالبُ كتبهم سَاكِتَةٌ عن ذلك(١).
وقد قَدّمنا عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: جاء أيوب السّختياني فَدَنا
(١) بل مصرحة باستقبال القبر الشريف، ففي ((الفتاوى التتارخانية)) ٢: ٤٧٢
للإمام أبي العلاء الأندربتي المتوفّى سنة ٧٦٨هـ نقلاً عن ((الخانية)) للقاضي خان
المتوفّى سنة ٥٩٢هـ قوله: ((فإذا وقف هناك، وقف عند وجه رسول الله (قَالال ... إلخ)).
وفي ((فتح القدير)) لابن الهمام ٢: ٣٣٦: ((وما عن أبي الليث أنه يقف مستقبل
القبلة، مردود بما روى أبو حنيفة رضي الله عنه في: ((مسنده)) عن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: من السُّنة أن تأتي قبر النبي ◌َّه من قبل القبلة وتجعل ظهرك إلى القبلة
وتستقبل القبر بوجهك .... إلخ)).
وينظر ((المسلك المقتسط)) للمنلا على القاري ص٣٣٧، و((حاشية الطحطاوي))
ص٦١٣، وما تقدم بيانه حاشية ص٢٢١.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٦
من قبر النبي ◌َّة، فاستدبر القبلة، وأقبل بوجهه إلى القبر (١).
وقال إبراهيم الحربي في ((مناسكه)): («تُولّي ظهرك القبلة، وتستقبل
وسطه - يعني القبر -)) ذكره الآجُري عنه في ((كتاب الشريعة))(٢)، وذكر
السلام والدعاء.
قوله : ((ولم يقل أحدٌ من الأئمة: إنه يستقبل القبر عند الدعاء، إلاَّ في
حكاية مكذوبة تُروى على مالك، ومذهبه بخلافها)).
أما إنكار ذلك عن أحدٍ من الأئمة؛ فقد قدَّمنا عن أبي عبد الله
السَّامري الحنبلي صاحب كتاب ((المستوعب))(٣) في مذهب أحمد، أنه
قال: ((يجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره)).
وذكر كيفية السلام والدعاء إلى آخره.
وظاهر ذلك : أنه يستقبل القبر في السلام والدعاء جميعاً.
وهكذا أصحابنا وغيرهم، إطلاق كلامهم يقتضي أنه لا فَرق في
استقبال القبر بين حالتي السلام والدعاء، وكذا ما قَدّمناهُ الآن عن إبراهيم
الحربي.
وقد صَرّح أصحابنا : بأنه يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل
جدار القبر، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، فَيُسلّمَ على النبي وَّه
(١) تقدم تخريجه ص٢٢١.
(٢) ((الشريعة)) للآجري ٣: ٤٦٦.
(٣) ((المستوعب)) ١: ٥٠٦، وكذا قال الإمام تقي الدِّين الفتوحي الحنبلي في
(منتهى الإرادات)) ١: ٢٨٦.
والمكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٧
ثم يتأخّر عن صوب يمينه، فَيُسلم على أبي بكر رضي الله عنه، ثم يَتأخّر
أيضاً فَيُسلّم على عمر رضي الله عنه، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالةً وجه
رسول الله (ے، ویتوسل به في حَقِّ نفسه، ويستشفع به إلى ربه سبحانه
وتعالى، ويقول حكاية العُتُبي، ثم يَتَقَدّم إلى رأس القبر، فيقف بين القبر
والأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو
لنفسه ولوالديه، ومن شاء بما أحبّ.
وحاصله: أنَّ استقبال القبلة في الدعاء؛ حَسنٌ، واستقبال القبر أيضاً
حَسنٌ، لاسيما حالة الاستشفاع به ومخاطبته، ولا أعتقد أنَّ أحداً من
العلماء كَرِهِ ذلك، ومن ادّعى ذلك؛ فَلْيُثْبِتَهُ.
وقوله : ((إنَّ الحكاية عن مالكٍ مكذوبةٌ)).
فقد قدَّمنا أنَّ هذه الحكاية رواها القاضي عياض، عن القاضي أبي
عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبي القاسم أحمد بن بقي
الحاکم، وغير واحد فيما أجازوه.
قالوا: حدثنا أحمد بن عمرو بن دلهاث، ثنا علي بن فهر، ثنا محمد
ابن أحمد بن الفرج، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب بن
إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد، قال:
ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله وَل،
فذكرها.
إلى أن قال أبو جعفر: يا أبا عبد الله! أَستقبلُ القبلة وأدعو، أم أستقبل
رسول الله وَلهم؟ .
فقال: ولم تَصرفُ وجهك عنه، وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم عليه
السلام، بل استقبله واستشفع به؛ فيشفعك الله تعالى.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٨
هكذا ذكرها القاضي عياض في ((الشفا))(١) في ((الباب الثالث)) في
تعظيم أمرِهِ، وَوجوب توقيره وَبَرّه صلى الله عليه وسلم، ولم يُعَقبها
بإنكار، ولا قال إنَّ مذهبه بخلافها، بل قال في ((الباب الرابع)) في (فصل)
((في حكم زيارة قبره)): قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سَلّم على النبي
وَلَّه ودعا، يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو ويُسلّمَ، ولا
يمسّ القبر بیده.
فهذا نَصٌّ عن مَالكِ رحمه الله تعالى من طريق أَجلُّ أصحابه، وهو
عبد الله بن وهب أَحدُ الأئمة الأعلام، صَرِيحٌ في أنه يَستقبلُ عند الدعاء
القبر، لا القبلة.
وذكر عياض أنه قال في ((المبسوط)): ((لا أرى أن يقف عند القبر
يدعو، ولكن يُسلّمَ ويمضي)).
قُلْتُ: فالاختلاف بين ((المبسوط))، ورواية ابن وهب في كونه يَقفُ
للدعاء، أو لا، وليس في الاستقبال. وقد قَدّمنا عن كثيرٍ من كُتبِ المالكية
أنه يقف ويدعو، ولم نر أحداً منهم قال: بأنه إذا وقف عند القبر يستدبره
ويدعو، ولا يجعله إلى جانبه.
(١) تقدم تخريجها والكلام ص٢١٢ وذكر من رَدّ على ابن تيمية قوله بأنَّ
الحكاية كذب. فانظر كيف يطلق ابن تيمية الطعن بالكذب على عدة شيوخ ثقات
للإمام القاضي عياض رحمهم الله تعالى، وليس ذلك منه إلاَّ لإثبات رأيه. وهذا مثل
قوله بأنّ أحاديث الزيارة موضوعة، أو مكذوبة. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
وسيأتي ص٣٤٩ وما بعدها ذكر تراجم شيوخ القاضي عياض رحمهم الله ورضي
عنهم.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤٩
فكيف يَحِلُّ لذي عِلمٍ أن يَدّعي أنَّ مذهب مالك رحمه الله تعالى، بل
مذهب جميع العلماء؛ بخلاف الحكاية المذكورة؟! ويجعل ذلك وسيلةً
إلى تكذيبها، وتكذيب ناقليها بمجرد الوهم والخيال، من غير دليل اقتضى
له ذلك؛ إلاَّ مجرد شيء قام في نفسه.
وقد ذكر القاضي عياض إسنادها، وهو إسنادُ جيد.
أما القاضي عياض؛ فناهيك به نُبلاً وجلالة، وثقةً وأمانةً وعلماً،
ومُجمَعاً عليه. وشيخه أبو القاسم أحمد بن محمد بن مخلد بن عبد
الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد، من بيت العلم والجلالة، ذكره ابن
بَشْكُوال، وذكر شيوخه الذين سَمع منهم.
ثم قال: ((وكتب إليه أبو العباس العُذري بالإجازة، وَشُووِرَ بالأحكام
بقرطبة، فصار صدراً للمفتين بها لِسِنِّه وتقدُّمهِ، وهو من بيت علمٍ ونباهةٍ،
وفضلٍ وصيانة، وكان ذاكراً للمسائل والنوازل، دَرِباً بالفتوى، بصيراً بنقد
الشروط وعِلَلها، مُقدّماً في معرفتها، أخذ الناس عنه، وُلدَ في شعبان سنة
ست وأربعين وأربع مئة، وتوفي في سلخ سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة)).
وذكر ابن بَشكُوال أيضاً، أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي
ابن سعيد بن عبد الله بن شِبْرِين(١)، يُكْنى: أبا عبد الله، كان من أهل العلم
(١) في ((نسيم الرياض)) للإمام الخفاجي ٣: ٣٩٧ ذكر أنه: ابن سعيد القرطبي،
فعليه يكون هو: محمد بن عبد الرحمن بن سعيد النحوي، ويعرف بـ: ابن المحتسب.
كان مقرئاً، أديباً، حافظاً، عالماً بالأدب واللغة، أخذ عنه الناس. توفي سنة ٥٠٥هـ.
ترجمته في: ((الغنية)) للقاضي عياض ص٨٩ ترجمة (٢٤)، ((الصلة)) لابن
بشكوال ٢: ٥٣٨ ترجمة (١٢٥٠).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٠
والمعرفة والفهم، عالماً بالأصول والفروع، واستُقضيَ بإشبيلية وحُمِدت
سيرته، تُوّفي سنة ثلاث وخمس مئة، كتب إليّ القاضي أبو الفضل بوفاته.
قُلْتُ: والظاهر أنه الذي وصفهُ القاضي عياض بـ: الأشعري.
وشيخهم أبو العباس أحمد بن عمرو بن أنس بن دلهاث العذري، قال
أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال: ((رَحل
إلى المشرق مع أبويه سنة سبع وأربع مئة، وصلوا إلى بيت الله الحرام في
شهر رمضان سنة ثمان، وجاوروا أعواماً، وانصرف عن مكة سنة ست
عشرة، فسمع بالحجاز سماعاً كثيراً، وصَحِبَ الشيخ الحافظ أبا ذر
الهروي، وسمع منه ((صحيح البخاري)) سبع مرات، وكان مُعتَنِياً بالحديث
وَنَقْلِهِ وروايته وضبطه، مع ثقته وجلالة قدره وعلو إسناده، سمع الناس
منه، وحَدّث عنه كبار العلماء: ابن عبد البر، وابن حزم، وأبو علي
الغساني، وجماعة.
قال أبو علي: أخبرني أبو العباس أنَّ مولده في ذي القعدة سنة ثلاث
وتسعين وثلاث مئة، وتوفي في آخر شعبان سنة ثمان وسبعين وأربع مئة
ودفن بالمدینة)).
وشيخه أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فِهْر، الرازي المصري
الحافظ، روى عن الحسن بن رشيق، وإسماعيل بن أبي محمد الأزدي،
وروى «مسند الموطأ» عن مؤلّفه الجوهري، وسمعه منه بمصر، روى عنه
البيهقي.
وشيخه محمد بن أحمد بن محمد بن الفرج، أبو بكر المصري
الجزائري القماح، تُوفّي في ذي القعدة سنة ثمان وستين وثلاث مئة،
وذكره ابن السمعاني في «الجزائري))، وذكرهُ القرَّاب عن الماليني، قال:
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية
:

٣٥١
وقال ابن المنذر: هو ثقةٌ.
وشيخه أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، هو: عبد الله بن محمد بن
المنتاب القاضي، روى عنه أبو الحسن الجُورِي أحد أئمة أصحابنا،
مقروناً بأبي بكر النيسابوري حديث: ((الإسلام أن تسلم وجهك، فتقيم
الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت وتعتمر)).
وشيخه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن كامجرا، المعروف والده
بإسحاق بن أبي إسرائيل، حَدّث عن أبيه، وداود بن رشيد، وأحمد بن
عبد الصمد الأنصاري، والحسن بن شبيب، وعمر بن شبة النميري. رَوى
عنه المُفضّل بن سَلمة، وعبد الصمد الطَّستي، وأبو القاسم الطبراني.
قال الدار قطني: لا بأس به، ذَکرهُ الخطيب.
وشيخه ابن حميد، أظنُّ أنه: أبو سفيان محمد بن حميد المَعْمَري،
فإنَّ الخطيب ذَكرهُ في ((الرواة عن مالك))، وأنه قال: (كتب عن مالك
((موطأه))، أرانيه، فجعل يَعرِضُهُ عَليَّ ويقول: قلت في كسوة المسكين في
كفارة اليمين: كذا، أليس هذا حَسنٌ)، فإن يَكُنْهُ؛ فهو ثقةٌ، رَوى له
مسلمٌ، تُوفّي سنة اثنتين ومئتين، وقيل له: المَعْمَري، لأنه رَحل إلى
مَعْمَرَ(١).
(١) قال الإمام الخفاجي في ((نسيم الرياض)) ٣: ٣٩٧ عند ذكر ابن حُمَيد في
الشرح: (( ... ابن حُمَيد بن [أبي] ثعلبة، أحد رواة مالك. وهو: خالد بن حُمَيَد بن أبي
ثعلبة، أبو حُمَيد الإسكندراني، ولد سنة ١١٣ هـ، وتوفي سنة ١٦٩هـ.
نقل القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ٣: ٦٣ عن الإمام محمد بن يوسف
الكندي: ((كان فقيهاً من أصحاب مالك)) وقد ذكره القاضي عياض في الطبقة الأولى
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٢
فانظر هذه الحكاية وَثِقّة رُوَاتها، وموافقتها لما رَواهُ ابن وَهب، عن
مالك، وَحَسْبُكَ بابن وهب، فقد قيل: كان الناس بالمدينة يختلفون في
الشيء عن مالك، فينظرون قُدُومَ ابن وهب؛ حتى يسألوه عنه.
وقال ابن بكير: ابن وهب أفقهُ من ابن القاسم.
ولنا هاهنا طُرِقٌ : إحداها: الأخذ برواية ابن وهب فقط لرجحانِها.
الثانية: الاعتراف بالروايتين، وأنَّ هذا ليس من الاختلاف في حلال
وحرام، ولا في مكروه، فإنَّ استقبال القبلة حسنٌ، واستقبال القبر حسن.
الثالثة: لو ثبت له ما زَعمهُ من استقبال القبلة خَاصَّة، وعدم استقبال
القبر عند الدعاء؛ فأيُّ شيءٍ يَلزمُ من ذلك، وهل هذا إلاَّ كما إذا قُلت:
المُصلِّي يَستقبلُ القبلة ولا يستقبل القبر، فهل لهذا مدخلٌ في الزيارة؟ !.
ومن تفطّن من العوام، رَبَأ بنفسه عن هذا الكلام، فضلاً عن علماء
الإسلام.
وقد طالعت عِدّة كُتبٍ من كتب المالكية، فلم أر فيها عن أحدٍ المنع
من استقبال القبر في الدعاء، ولا كراهة ذلك، ولا أنه خلاف الأولى؛ غير
= من أصحاب الإمام مالك الذين عَرَّفَهُم بقوله: «أُولاَهَا: من كان له ظهور في العلم
مدة حياته، وقد قاربت وَفَاتُه مُدَّةً وَفَاتِهِ)). ((ترتيب المدارك)) ٣: ١.
ووفاة الإمام مالك رحمه الله تعالى سنة ١٧٩ هـ، ووفاة ابن حُمَيد سنة ١٦٩ هـ
وعُمرُه ٥٦ سنة، وقد ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ٢: ٦٤ سماع ابن
حُمَيد من الإمام مالك رحمهم الله تعالى. فظهر بحمد الله وحسن توفيقه الصواب فيمن
هو: ابن حُميد، وليس الذي عاند ابن عبد الهادي في تعيينه ليوافق شيخه في تكذيب
هذه القصة.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٣
ما قَدّمتهُ عن ((المبسوط))(١)، وليس ذلك في أنه يَدعُو غير مُستقبلٍ؛ كما
ادعاهُ ابن تیمیة.
فالذي ادّعى ابن تيمية أنه مذهب مالك رحمه الله تعالى، ومذهب
جميع العلماء: أنه إذا سَلّم مُستقبل القبر وأراد الدعاء؛ استدبر القبر،
لأجله رَدّ الحكاية المذكورة عنه؛ لم نَلقهُ في شيء من كتب المالكية،
ولا من كُتّبٍ غيرهم، وقد قَدّمتُ في ((الباب الرابع)) من كلام المالكية
في الزيارة جُملةً.
وبقيت جُملَةٌ أذكرها هاهنا، قال أبو الحسن اللخمي في ((التبصرة))(٢)
في (باب من جاء مكة ليلاً، أو بعد العصر أو الصبح): ((ويبتدئ في مسجد
النبي ◌َّه بركعتين تحية المسجد، قبل أن يأتي القبر ويُسلّمَ .
هذا قول مالك، وقال ابن حبيب: يقول إذا دخل: بسم الله،
والصلاة على رسول الله. يريد أنه يبتدئ بالسلام من موضعه ثم يركع،
ولو كان دخوله من الباب الذي بناحية القبر وَمُروره عليه، فوقف
فَسلّم، ثم تَمادى إلى موضع يُصلّ فيه؛ لم يكن ضيقاً))، انتهى كلام
اللخمي .
(١) فهي روايةٌ شاذة، تردها النصوص المتكاثرة عن الإمام مالك، وغيره من
أئمة المذهب رحمهم الله تعالی.
(٢) هو: الإمام الحافظ، رئيس الفقهاء، أبو الحسن علي بن محمد الربعي
اللخمي القيرواني، وكتابه ((التبصرة)) هو تعليق على ((المدونة))، توفي سنة ٤٧٨هـ.
ترجمته في ((شجرة النور الزكية)) ص ١١٧ ترجمة (٣٢٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٤
وقال ابن بشير المالكي(١) في كتاب ((التنبيه على مبادئ التوجيه)) في
(باب حُكمٍ دخول مكة، وَحُكم الطواف والركوع والسعي).
((والأولى لمن دخل المدينة، الابتداء بالركوع في مسجده، ثم ينصرفُ
الدّاخِلُ إلى القبر، فَيُسّلم على الرسول وَلّ، ويكثر من الصلاة عليه، ثم
يدعو في نفسه بما أحب، ثم يُسَلّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما،
وَيُستحَبُّ له أن يفعل ذلك عند خروجه من المدينة)).
وظاهر هذا الكلام؛ أنه يدعو مستقبل القبر.
وقال ابن يونس المالكي(٢) في (باب فرائض الحج والغُسل لها
ودخول المدينة وصفة الإحرام والتلبية): ((قال ابن حبيب: ويقول إذا
دخل مسجد النبي ◌َّه: بسم الله، والسلام على رسول الله، السلام
علينا من ربنا، صلّى الله وسلم وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي
ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، واحفظني من الشيطان. ثم
اقصد إلى الروضة، وهي مابين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل
وقوفك بالقبر، تحمد الله تعالى، وتسأله تمام ما خرجت له والعون
(١) هو: الإمام العالم، الفقيه الحافظ، أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن
بشير التنوخي المهدوي، وكتابه ((التنبيه)) ذكر فيه أسرار الشريعة، مات شهيداً، لم
نقف على تاريخ وفاته، لكن ذكر في كتابه ((المختصر)) أنه أكمله سنة ٥٢٦هـ. كذا قال
في ((شجرة النور الزكية)) ص ١٢٦ ترجمة (٣٦٧).
(٢) هو: الإمام الحافظ، أحد أئمة الترجيح، أبو بكر محمد بن عبد الله بن
يونس التميمي الصقلي، أَلّفَ كتاباً حافلاً لـ((المدونة))، أضاف إليها غيرها من
الأمهات، عليه اعتماد طلبة العلم. توفي سنة ٤٥١ هـ. ((شجرة النور الزكية)) ص١١١
ترجمة (٢٤٩).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٥
عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة؛ أجزأتا عنك، وفي الروضة
أفضل، وقد قال عليه السلام: ((مابين قبري ومنبري، روضة من رياض
الجنة، ومنبري على تُرعةٍ من تُرع الجنة)).
قال ابن حبيب: ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجَاه
القبلة، فَادْنُ منه، ثم سَلّم على رسول الله وَّرُ وأَثْنِ عليه، وعليك
السكينة والوقار، فإنه وَّهُ يَسمعُ وَيَعَلمُ وقوفك بين يديه، وتُسلّم على
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتدعو لهما، وأكثر الصلاة في مسجد
الرسول * بالليل والنهار، ولا تَدَعْ أن تأتي مسجد قباء، وقبور
الشهداء))، انتهى.
وناهیك بهذا الكلام من ابن حبیب رحمه الله تعالی وتصريحه وجزمه؛
بأنَّ النبي ◌َلِّ يسمع كلام المُسلِّم عليه، ويعلم وقوفه بين يديه، وابن
حبيب رحمه الله تعالى من جِلّة العلماء.
وقال النووي في كتاب ((رؤوس المسائل)) - عن الحافظ أبي موسى
الأصبهاني -: ((أنه رُوِيَ عن مالك بن أنس الإمام رحمه الله أنه قال: إذا
أراد الرجل أن يأتي قبر النبي ◌َّير، فيستدبر القبلة، ويستقبل النبي ◌َّ-،
ويصلي علیه، ويدعو)).
ورأيت في شرح كتاب عبد الله بن عبد الحكم (الكبير)) لأبي بكر
محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري في كتاب ((الجامع)) قال ابن وهب:
(سُئل مالك: أين يقف من أراد التّسليم على رسول الله وَله من القبر؟
قال: عند الزاوية التي تَلي القبلة مما يلي المنبر، مُستقبلَ القبلة، ولا
أُحبُ أن يمسّ القبر بيده)).
إنما قال ذلك: لأنه شاهد الناس يُسلِّمُون على النبي ◌َّ، فاستحب
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٦
الاقتداء بهم، ولا يُمَسّ قبره ولا حائطه؛ تعظيماً له، ولأنَّ ذلك لم يكن
علیه فعل من مضی.
وهذه النسخة يَحتملُ أن تكون غلطاً، لأنَّ رواية ابن وهب عن
مالك كما تقدّم: أنَّ المُسلِّم يستقبل القبر لا القبلة، ويشهد لها رواية
أبي موسى، وكلام المالكية.
ويحتملُ أن يكون عنه في ذلك روايتان، إحداهما كمذهب أبي حنيفة
رحمه الله(١)، والأُخرى هي المشهورة.
ولو ثبت عن مالكٍ رحمه الله تعالى، وعن غيره: أنَّ الأولى استقبال
القبلة في الدعاء لا القبر، لم يكن في ذلك شيء من منع الزيارة ولا
السفر، ولا مانعاً من تعظيم القبر، ومن اعتقد ذلك؛ فقد ضَلّ، وكُلّ ما
ذكرهُ بعد ذلك، تَقدّم الجواب عنه، وأنه لا يَدُلّ على مقصوده.
(١) هذا القول مبنيٌّ على ما ورد في ((فتاوى أبي الليث السمرقندي))، وقد تقدم
بيان مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالی ص٣٤٥.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٧
الباب الثامن
في التَّوسُلِ والاستغاثة والتَّشفَع بالنبي
صَلى الله
وَسِيَّة
اعلم: أنه يَجُوزُ ، وَيَحسنُ التَّوسلُ، والاستغاثة، والتَّشفُع
بالنبي ◌َّ﴿ إلى ربه سبحانه وتعالى، وَجوازُ ذلك وَحُسنهُ؛ من الأمور
المَعلُومةِ لِكُلُّ ذي دين، المعروفة من فِعلِ الأنبياء والمرسلين، وسِیَرٍ
السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين، ولم يُنكِرِ أَحدٌ
ذلك من أهل الأديان، ولا سُمِعَ به في زمن من الأزمان، حتى جاء
ابن تيمية؛ فَتكلَّم في ذلك بكلام يُلَبّسُ فيه على الضعفاء الأغمار،
وابتدع ما لم يُسبق إليه في سائر الأعصار، ولهذا طعن في الحكاية التي
تَقدّم ذكرها عن مَالكٍ رحمه الله تعالى، فإنَّ فيها قول مالك رحمه الله
تعالى للمنصور: «استشفع به».
ونحن قد بَيّنا صِحّتها، ولذلك أدخلنا الاستغاثة في هذا الكتاب، لَمَّا
تَعرّضَ إليها مع الزيارة، وحسبُكَ أنَّ إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل
قَولٌ لم يقله عالمٌ قبله، وصار به بين أهل الإسلام مُثْلةً، وقد وقفت له
على كلامٍ طَويلٍ في ذلك، رأيتُ من الرأي القويم أن أميل عنه إلى الصراط
المستقيم، ولا أتتبعه بالنقض والإبطال، فإنَّ دَأب العلماء القاصدين
لإيضاح الدِّين وإرشاد المسلمين؛ تَقريبُ المعنى إلى أفهامهم، وتحقيق
مُرَادهم وبيان حُكمه، وَرَأيتُ كلام هذا الشخص بالضِّد من ذلك، فَالوَجهُ
الإضرابُ عنه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٨
وأقول: إنَّ التّوسُل بالنبي ◌َّرَ جَائزٌ في كل حَالٍ، قبل خَلْقِه، وبعد
خَلْقِهِ، في مُدّةٍ حياته في الدنيا، وبعد موته في مُدّة البرزخ، وبعد البعث
في عرصات القيامة والجنة، وهو على ثلاثة أنواع :
النوع الأول: أن يتوسَّل به، بمعنى: أنَّ طالب الحاجة يسألُ الله تعالى
به، أو بجاهه، أو ببركته، فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة، وقد ورد في
كُلِّ منها خَبرٌ صحيح.
أما الحالة الأولى قبل خَلْقِهِ: فيدل لذلك، آثارٌ عن الأنبياء الماضين
صلوات الله عليهم وسلامه، اقتصرنا منها على ما تَبَيَّنَ لنا صِحّتْهُ، وهو ما
رواه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في ((المستدرك على الصحيحين(١)) أو
أحدهما قال:
حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، ثنا أبو الحسن
محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مُسلم
الفهري، ثنا إسماعيل بن مسلمة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن
أبيه، عن جَدّه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَلجر: ((لما اقترف آدم عليه السلام الخطيئة، قال:
يارب، أسألُكَ بحقِّ مُحمدٍ؛ لما غفرت لي.
فقال الله عزّ وجل : يا آدم، وكيف عرفت مُحمداً ولم أخلقه؟ .
قال: يا رب، لأَنّكَ لما خلقتني بيدك، ونفخت فِيَّ من رُوحك،
رفعت رأسي، فرأيتُ على قوائم العرش مكتوباً: (لا إله إلاَّ الله محمد
(١) ٢: ٦٧٢ حديث (٤٢٢٨).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥٩
رسول الله)، فَعرفتُ أنك لم تُضف إلى اسمك؛ إلاَّ أحبّ الخلق إليك.
فقال الله عزّ وجل: صدقت يا آدم، إنه لأحَبُّ الخلق إليَّ؛ إذ سألتني
بحقه فَقد غفرت لك، ولولا مُحمدٌ ما خلقتك)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أوّلُ حَديثِ ذكرته
لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
ورواه البيهقي أيضاً في ((دلائل النبوة))(١)، وقال: تَفرّد به عبد الرحمن.
وذكرهُ الطبراني(٢) وزاد فيه: «وهو آخِرُ الأنبياء من ذُرِيّتكَ)).
وذكر الحاكم(٣) مع هذا الحديث أيضاً عن: علي بن حمشاد العدل،
ثنا هارون بن العباس الهاشمي، ثنا جندل بن والق، ثنا عمرو بن أوس
الأنصاري، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمِنْ بمحمد؛ وَمُرْ من
أدركه من أُمّتكَ أن يؤمنوا به، فلولا مُحمد ما خلقت آدم، ولولا مُحمد ما
(١) ٥: ٤٨٩/٤٨٨. ومن طريقه رواه الإمام ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٧:
٤٣٦ / ٤٣٧.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٧:٢٥٩ حديث (٦٤٩٨)، و((المعجم الصغير)) ٢: ٨٣.
وعزاه المتقي الهندي أيضاً في ((كنز العمال)) ١١: ٤٥٥ حديث (٣٢١٣٨) للإمام أبي
نعيم في ((الدلائل)) ولم أجده في المطبوع من كتاب ((الدلائل)) حيث لم يطبع على
نسخة كاملة منه.
(٣) ((المستدرك)) ٢: ٦٧١ حديث (٤٢٢٧).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية