Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٠
على كُلِّ واحد من الأربعة بين أن يُوجد كلياً، أو جزئياً مُشخصاً لما
قَدّمناهُ.
فأمّا الحُكم بكونه مطلوباً، أو مندوباً إليه بخصوصه، فلا يَتعلّق
بالمُشخّص منها، ولا بواحدٍ من الأربعة بعينه، وإنما يَتعلّق بواحد منها لا
بعينه، ومهما وُجدَ منها كان قُربةً يتأدَّى المأمور به في ضمنه.
وهذا التقسيم وَحُكم كُلِّ واحدٍ منها؛ لا يَتَأَتَّى فيه نِزاعٌ بين العقلاء،
سواء قلنا: مقدمة المأمور به مأمورٌ بها أم لا، وهكذا حكم كُلّ كُلِّيٍّ طلبه
الشرع ولم يَنُصّ على أنواعه.
وأما خِصالُ الكفّارةِ فقيل: إنَّ الواجب فيها القدر المشترك بين
الخصال، فيأتي في أنواع الخصال ماقلناه في الجزئيات، والمشهور : أنَّ
كُلّ خَصلةٍ واجبة بعينها، على تقدير أن لا يأتي بغيرها، فمتى فعلها وقعت
واجبة بخصوصها لنَصِّ الشرع عليها، أعني خصوص العِثْقِ مثلاً بالنسبة
إلى الإطعام والكسوة، وأما إعتاق الرقبة المعينة؛ فهو كإشخاص الكُليِّ بلا
إشكال، فيأتي فيه ماسبق من البحث.
فإن قُلتَ : السَّفْرُ ينقسم إلى ما يَقصِدُ به المسافر ضَّم عبادةٍ أُخرى إلى
الزيارة، كصلاة واعتكاف في مسجده وَّ، ولا إشكال في كونه قُربة،
وإلى ما يقصد قصرهُ على قصد الزيارة لاغير، والنزاع إنما هو في هذا
وإلى ما يَعْرَى عن القصدين، واستدلالكم بكون وسيلة القُربةِ قُربة؛ فيه
نظر، لأنَّ توقَّفَ الشيء على الأعَم؛ لا يستلزم تَوقَّفهُ على الأخص،
وزيارة من كان على مسافة بعيدة، إنما يتوقّف على سفر من الأسفار
الثلاثة المذكورة، لا على القسم الثاني ليتم ماذكرتم.
قُلْتُ: هذا خُلْفٌ من الكلام، لأنّكَ إن لم تقل: بأنَّ وسيلة القُربة
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨١
قربة، فلا حاجة بك إلى هذا الاستدلال والتقسيم، وقال: إنَّ وسيلة القُربة
ليست بقربة، وحينئذ يَرِدُ عليك ما لا قِبَلَ لك به؛ مما قدّمناهُ من
الاستدلال على كون وسيلة القُربةِ قربةً، وذلك أمرٌ معلومٌ من الشرع.
ثم يلزمُك أنَّ السفر للزيارة وقربةٍ أخرى، لاتكون قربةً على زعمك،
لأنه إنما يكون قربةً؛ لكونه وسيلة إلى قربة.
وإن كنت تقول: بأنَّ وسيلة القربة قربةٌ، فما وجه النظر بعد تقرير
كون الزيارة قربةً، واحتجاجك بأنَّ تَوقُّفَ الشيء على الأعَمّ، لا يستلزم
تَوقُّفهُ على الأخص عجيبٌ جداً، لأنّك إن فَسّرت الوسيلة بما يُفعلُ لقصد
التقرب إلى المقصود كما فَسّرناه، كان كُلّ وَاحدٍ من السفر الذي قُصد به
الزيارة مع قربة أخرى، والسفر الذي قُصدَ به الزيارة فقط قربة، لأنه قُصدَ
به التَّوسُل إلى قربة، فوجب أن يكون قربةً، سواء أكانت الزيارة مُتوقُّفةً
على عينه أم لا، فالفرق بين القسمين بَاطلٌ قطعاً.
وإن فسّرَتَ الوسيلة بما يَتَوقَّفُ عليه المقصود - كما يُشْعرُ به ظاهر
كلامك -، فإن أخذته بشرط قصد القُربةِ معه، وجعلت عِلّة القربةِ ذلك
القصد، عاد الكلام وكان كُل من القسمين قُربة، لأنَّ المُوجب لجعله قربةً
قصد القربةِ، وهو موجود في القسمين، وإن جعلت العلة التَّوقُف وقلت:
إنه يتوقّفُ على الأَعمِّ لا على الأخص؛ لَزمكَ أن تقول: القُربةُ ماهو أعمُّ
من السفرين، وخُصوصُ كُلِّ منهما ليس بقربة، فَفَرِقُكَ بين القسمين
لاوجه له، وإن أخذته مجرداً فهو باطل، لأنه يدخل فيه مطلق السفر، ولم
يقل أحدٌ بأنه قربة، فإنَّ السفر من حيث هو هو مباح، وإنما تَعرِضُ له
القُربَةُ بِعّةِ قصد القُربةِ، فحيث حصلت تلك العلّة؛ حصل معلولها،
وحيث لا، فلا، ففرقُكَ بين قُربةٍ وقُربة، لا وجه له.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٢
فقد بَانَ بهذا: أنه بعد العلم بكون الزيارة قربةً، ويكون وسيلة القُربة
قُربة، يقطع بأنَّ السفر للزيارة قربة، سواء ضُمَّ معه قصدُ قربةٍ أُخرى أم
لا، والشّك في ذلك إنما يكون للشك في إحدى المقدمتين، وتقرير
السؤال مختلٌ على كلُّ تقدير، وليس لك أن تقول: إنَّ السفر للزيارة
المجردة داخلٌ تحت النَّهي بقوله: ((لا تُشَدّ الرِّحَال))، والسفر لها وللمسجد
سفرٌ للمسجد، فكان مُباحاً للحديث، لأنَّا سَنُبَيْنُ معنى الحديث، وأنه لا
يَشملُ الزيارة، وبتقدير أن يكون السفر للزيارة منهياً عنه؛ فالسفر لها
وللمسجد ينبغي أن يكون منهياً عنه على هذا البحث؛ لتركُبهِ من مَنهيٌّ عنه
وغيره.
وأيضاً : فإنَّ هذا يَدِلُّ على أنك لا تقول: بأنَّ وسيلة القُربة قربةٌ، فكان
يكفيك من الأول أن تقول: إنَّ وسيلة القربة ليست قربة، وإنما كان السفر
في القسم الأول قربةً لدليل آخر، فانتقالك إلى هذا التطويل لا فائدة فيه،
فَعلى كُلُّ تقدير : هذا الكلام سَاقِطٌ.
وأما السّفرُ العاري عن القصدين المذكورين، فيدخلُ فيه السفر لقربةٍ
غير الزيارة فقط، والسفر لمباحٍ والسفر لغيرهما، ولا حاجة بنا إلى الكلام
في ذلك.
وأما قولك في القسم الثاني من أقسام السفر: مايُقصد به قَصرهُ على
قصد الزيارة لا غير، فهذه العبارة تحتملُ أمرين :
أحدهما : أن يقصد الزيارة، ويقصد أن لا يفعل معها قربةً أخرى من
تحية المسجد، ولا غيرها، وهذا الأمرُ لا يقصِدهُ عاقل غالباً، وليس هو
المسئول عنه، فإنّ الناس إنما يسألون عن الواقع بينهم، وبهم حاجةً إلى
معرفة حكمهِ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٣
فَذِكرُ هذا القسم هَوسٌ، وإرادته في فُتيا العامة بعبارة يفهمون منها
العموم تضليلٌ.
ثم إنّا نقُول: ولو فُرضَ ذلك؛ كان سَقرهُ قُربةً، لأنه قصد به قُربة،
ولكن قصده ترك غيرها من القُربات ليس بِقربةٍ.
الأمر الثاني: أن يقصد الزيارة، ولا يخطر بباله أمرٌ آخر بنفي ولا
إثبات، ولا وجه للتوقّفِ في كون ذلك قربةً، بعد العلم بكون الزيارة قربةً
ووسيلة القربة قُربة.
والظاهر من صاحب هذا السؤال : أنه أراد هذا الأمر الثاني، فإنه الذي
قال: إنَّ الخصم إنما أراد أن يُبيِّن كيفية الزيارة المستحبةِ، وهي أن يُضَمَّ
إليها قصد المسجد؛ كما قاله غيره - وقَدّمنا الكلام على ذلك -، ففي هذه
القطعة من كلامه: بيانُ أن شرط الاستحباب في الزيارة عند الخصم
وغيره، ضمُّ قصد المسجد إليها.
ومُقتضى ذلك: أنَّ عند عدم الضَّم ينتفي الاستحباب، سواء أراد عدم
ماسواها من القُربِ أم لا، وهو يبيّنُ أنَّ مُرادهُ فيما تَقدّم مما يقصد قصره
على قصد الزيارة لاغير.
المعنى الثاني الذي قدمناه: وهو عدم قصد سواها، لا قصد عدمه،
وقد قدّمنا أن لاوجه للتوقّفِ في كون ذلك قربةً؛ لأنه وسيلةٌ إلى قربةٍ،
ولم يقترن به قصدٌ صارفٌ، ولا مانعٌ من الحكمِ بالقربةِ عليه.
المعنى الثاني: أنَّ إطلاق قوله: يقتضي أنَّ الخصم وغيره إنما يستحِبُونَ
الزيارة مطلقاً من غير سفرٍ؛ إذا ضُمَّ إليها قصد المسجد، وحينئذ لا تكون
الزيارة وحدها قربةً، سواء كانت عن سفرٍ، أم عن غير سفر، وهو مُخالفٌ
للأدلة الدَّالة على أنَّ الزيارة قُربة، وكأنه إنما أراد السفر للزيارة؛ وإنما
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٤
أطلق العبارة. وأياً ماكان؛ فهو باطلٌ لما قدّمناهُ.
واعلم: أنَّ هذا السؤال المبني على تقسيم السفر ضعيف، وكذلك
السؤال المَبني عليه الذي قدّمتهُ في الاستدلال بعمل السلف والخلف
على السفر، إنما ذكرتهما لأني وقفتُ على كلام لبعض الفضلاء
ذكرهما فيه؛ فاحتجت إلى جوابهما، والخصم الذي النزاع معه، لعله
لا یر تضیھما.
والعجب ممن أوردهما مع موافقته على أنَّ السفر لمجرد الزيارة قربة،
فإن كان قال ذلك بغير دليل فهو باطلٌ، وإن كان قاله لأحد الدليلين
المذكورين، فالقدح فيهما قدحٌ فيه، فلا يمكنه الجزم به، وإن كان قاله
لدليل آخر، فكان ينبغي أن يُبيّنْهُ حتى يظهر أنه يفترِقُ الحال فيه بين
الأسفار، أو لا.
بل العجب منه! قوله بهذه الأمور مع قوله: بأنَّ كون الزيارة قربةٌ،
مَعلومٌ من الدِّين بالضرورة، وجَاحِدهُ مَحكومٌ عليه بالكفر.
وَقِد بَانَ بما ذكرناه: أنَّ لزوم كون السفر لمجرد الزيارة قربة لازِمٌ
لكون الزيارة قربة، وإنَّ اللَّزومَ بينهما بَيّنٌ ليس بالخفي، والعلم باللزوم مع
التوقف في اللازم البَيّن له مُستحيلٌ، فالقول بإثبات الملزوم مع التَّوقُف في
إثبات اللازم البيّن لا يجتمعان، فمن تَوقّف في كَون السفر لمجرد الزيارة
قُربةً؛ لَزِمهُ التوقف في كون الزيارة قربة.
ومن قال: بأنَّ كون السفر لمجرد الزيارة قربة من الأمور الخفية، لزِمهُ
أن يقول بذلك في الزيارة، فإنه تقرر: أنَّ الملازمة بينهما بَيِّنَةٌ معلومةٌ من
الشرع.
فإن قُلْتَ: فما تقولون في السفر إلى زيارة ماعدا قبر النبي ◌َّ ؟
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٥
قُلْتُ: قال الفقيه الإمام أبو محمد عبد الله بن عبدالرحمن بن عمر
المالكي المعروف بالشارمساحي في كتاب «تلخيص محصول المدونة من
الأحكام)) الملقب بـ(نظم الدرر)) في (كتاب الجامع) في ((الباب الحادي
عشر في السفر)) - وهو أحد أبوابه -، قال في هذا الباب:
((والسفر قسمان: هَرَبٌ وطَلَبٌ. أما الهرب: فالخروج من أرض
الحرب، وأرض البدعة، وأرض غلب عليها الحرام، ومن خوف الأذى
في البدن، ومن الأرض الغمة.
وأما الطلب: فيكون للحج، والجهاد، والعمرة، والمعاش،
والاتجار، وقصد البقاع الشريفة - وهي المساجد الثلاثة -، ومواضع
الرِّبَاط تكثيراً لأهلها، ولطلب العلم، ولتفقد أحوال الإخوان، وزيارة
الموتى لينتفعوا بِتَرحُّمِ الأحياء. وقصد الانتفاع بالميت بدعة؛ إلاَّ في
زيارة قبر المصطفى وَالر، وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين))
انتھی .
فأما استثناؤه قبر المصطفى وَله وسائر المرسلين صلوات الله عليهم
أجمعين، واقتصاره أنَّ قصدها للانتفاع بهم سُنَّة؛ فصحيح.
والظاهر : أنَّ ذلك عامٌ في زيارتها والسفر إليها، كما يقتضيه صدر
کلامه.
وأما السفر لزيارة غيرهم من الموتى لينتفعوا بترحُّمِ الأحياء، فقد عدّهُ
الشارمساحي كما ترى من أقسام سفر الطلب.
والظاهر : أنَّ قصده أنه سُنّة، والأمر كذلك؛ وإن كان عَدَّ معه سفر
التجارة الذي هو مباح.
وأما قوله: ((أنَّ قصد الانتفاع بالميت غير الأنبياء بدعةٌ))، ففيه نظر،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٦
فإن ثبت، فينبغي أن يُخْرجَ منه من يُتْحَقّقُ صلاحه، كالعشرة المشهود لهم
بالجنة وغيرهم، وحينئذ يكون السفر لهم كالقسم الثاني.
فخرج من هذا: أنَّ الزيارة حيث استُحبّت؛ استُحبَّ السفر لها،
وذلك عامٌّ في قصد انتفاع الميت بالترحُّمٍ، وخَاصٌّ في قصد الانتفاع
بالميت.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٧
الباب السابع
في دفع شُهِ الخَصم وتتبُّع كلماته
وفيه فصلان : الأول : في شُبَهِهِ
وله ثلاث شُبَهٍ :
إحداها: من فَهْمٍ قوله ◌َّةِ: ((لا تُشدّ الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد))،
فَتوهم الخصم أنَّ في هذا منعَ السفر للزيارة، وليس كما توهَّمهُ، ونحن
نذكر ألفاظ الحديث، ثم نذكر معناه إن شاء الله تعالى.
فنقول: هذا الحديث متفقٌ على صحته، عن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن النبي ◌َّ، وورد بألفاظ مختلفة أشهرها: ((لا تُشدّ الرّحال إلاَّ إلى ثلاثة
مساجد : مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)).
وهذه رواية سفيان بن عيينة، عن الزُّهري.
والآخر: ((تُشدّ الرَّحال إلى ثلاث مساجد))، من غير حصرٍ.
وهذه رواية مَعْمٍ، عن الزُّهري.
والآخر: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة، ومسجدي،
ومسجد إيلياء))، وهذه من طريق غير الزُّهري.
وهذه الروايات الثلاث ذكرها ((مسلم))(١) في (فضل المدينة) عن أبي
(١) (كتاب الحج) ((باب لا تشد الرَّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)) ٢: ١٠١٤ حديث
(٥١٣/٥١٢/٥١١).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٨
هريرة رضي الله عنه، وذكر قبل ذلك في (سفر المرأة) (١) عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه، عن النبي وَلّ: ((لا تَشُدّوا الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة
مساجد : مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)).
ولفظه كما ذكرنا بصيغة النهي، واللفظ السابق بصيغة الخبر.
وورد في خبر أبي سعيد رضي الله عنه أيضاً: ((إنما تُشدُّ الرِّحال إلى
ثلاثة مساجد : مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس)).
رواه إسحاق بن رَاهُويه في ((مسنده)(٢).
وورد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً، عن النبي وَلهر ولفظه
بصيغة النهي: ((لا تَشُدّوا الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام،
ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس)).
رواه الطبراني في ((معجمه))(٣)، هذه ألفاظ الرِّوايات(٤).
(١) ٢ : ٩٧٥ حديث (٤١٥).
(٢) مسند أبي سعيد الخدري لم يطبع من ((مسند ابن راهويه))، والحديث رواه
الإمام الطبراني أيضاً في ((المعجم الأوسط)) ٣: ٦٤ حديث (٢١٢٢)، ص١٠٢
حديث (٢٢٠٨).
(٣) ((المعجم الكبير)) ١٢: ٢٥٩ حديث (١٣٢٨٣). وفي ((المعجم الأوسط))
١٠: ١٩١ حديث (٩٤١٥) رواه بلفظ: ((لا تشدُّ المطِيُّ ... )).
(٤) كتب بحاشية النسخة (أ) - ولعله بخط ابن المؤلف - ما نَصّه: ((في بعض
رواياته [كما] في ((غريب الخطابي)): ((لا يُشَدُّ الغَرْضُ))، ورواه بعضهم: ((لا تُشَدُّ
العُرى)). الغَرْضُ: البِطَانُ الذي يُشَدُّ على بطن البعير إذا رُحِّلَ، [قال الأصمعي]: فيه
لغتان: الغُرْضَةُ والغَرضُ. والمَغْرِضُ من البعير: الموضع الذي يناله الحبل.
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨٩
وأما معناها : فاعلم؛ أنَّ هذا الاستثناء مُفرّغٌ، تقديره: لاتشد الرِّحَالُ
إلى مسجد (١)؛ إلاَّ إلى المساجد الثلاثة، أو: لاتُشدّ الرِّحالُ إلى مكان؛
إلاَّ إلى المساجد الثلاثة.
ولا بدَّ من أحدٍ هذين التقديرين، ليكون المُستثنىُ مُندرِجاً تحت
المُستثنى منه، والتقدير الأوّل أولى، لأنه جنسٌ قريب، ولما سنبينه من قلّة
قال أبو داود الإيادي:
=
وشملة تمسي مرافقها
عنها إذا ضمرت قوى الغَرْضُ
تمسي: تجرُّ وتجذب. يقال: مَسیتُ ومسوت.
وقال أوس بن حُجر:
كأَنَّ هِرَاً جنيباً غُرْضها
والتفّ ديكٌ برجليها وخنزير
وأفاد الإمام الخطابي في كتابه «غريب الحديث)) ١ : ١٣٢ أنَّ هذا اللفظ يرويه
الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن قزعة العُقيلي، عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه.
وقال: هکذا حدثونا به عن علي بن عبد العزیز، عن حجاج)، انتھی.
(١) وهو المتعين كما ورد في ((مسند الإمام أحمد))١٨: ١٥٢ حديث
(١١٦٠٩)، و((المسند)) لأبي يعلى ٢: ٤٨٩ حديث (١٣٢٦) من رواية سيدنا أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: ((لا ينبغي للمَطي أن تُشدَّ رحاله إلى مسجد
يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام ... ))، الحديث. هذا لفظ ((مسند الإمام
أحمد)»، وعند أبي يعلى: ((لا تُشدُّ رحال المَطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلاَّ إلى
ثلاثة مساجد ... ))، الحديث.
وقد صحّح محقق ((مسند أبي يعلى)) الحديث، وإن كان في سنديهما شهر بن
حوشب، وفيه كلام، لكن ليس كل كلام قادحاً. فشهرٌ أحاديثه في نفسه جياد.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٠
التخصيص، أو عدمه على هذا التقدير.
ثم اعلم: أنَّ السفر فيه أمران:
أحدها غرضٌ باعثٌ عليه، كالحج، أو طلب العلم، والجهاد، أو
زيارة الوالدين، أو الهجرة، وما أشبه ذلك.
والثاني : المكان الذي هو نهاية السفر، كالسفر إلى مكة، أو المدينة،
أو بيت المقدس، أو غيرهما من الأماكن لأيّ غرضٍ كان.
ولا شكّ؛ أنّ شدّ الرِّحال إلى عرفة لقضاء النُّسك؛ وَاجبٌ بإجماع
المسلمين، وليس من المساجد الثلاثة. وَشَدُّ الرحال لطلب العلم إلى أي
مكان كان؛ جائزٌ بإجماع المسلمين ؛ وقد يكون مستحباً، أو واجباً على
الکفایة، أو فرض عين.
وكذلك السفر إلى الجهاد، ومن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام للهجرة
وإقامة الدِّين، وكذلك السفر لزيارة الوالدين وَبِرّهمَا، وزيارة الإخوان
والصالحين، وكذلك السفر للتجارة وغيرها من الأغراض المباحة.
فإنَّما معنى الحديث : أنَّ السفر إلى المساجد مقصورٌ على الثلاثة على
التقدير الأول الذي اخترناه. أو أنَّ السفر إلى الأماكن مقصورٌ على الثلاثة
على التقدير الثاني.
ثُمَّ عَلى كلا التقديرين: إما أن يُجعلَ المساجد، أو الأمكنة غاية فقط،
وعِلَّةُ السفر أمرٌ آخر، كالاشتغال بالعلم ونحوه من الأمثلة التي ذكرناها،
فهذا جائز إلى كُلِّ مسجد، وإلى كُلّ مكان، فلا يجوز أن يكون هو المراد،
وقد يقال - على بُعْدٍ -: إنَّ خروج تلك المسائل بأدلة على سبيل
التخصيص للعموم، فلا يَمنعُ من إرادته في الباقي، وهذا لوقيل به؛ فتقدیر
المساجد أيضاً أولى من تقدير الأمكنة، لقلة التخصيص، إذ التخصيص
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩١
على تقدير إضمار الأمكنة أكثر، فيكونُ مرجوحاً.
ثُمَّ عَلى هذا التقدير: فالسفر بقصد زيارة النبي ◌َّر؛ غايته مسجد
المدينة، لأنه مجاور للقبر الشريف، فلم يخرج السفر للزيارة عن أن تكون
غايتهُ أَحدَ المساجد الثلاثة، وهو المراد على هذا التقدير.
وإما أن يُجعلَ المساجد، أو الأمكنة علّةً فقط، ويكون قد عبّرَ بـ
((إلى)) عن «اللام))، أو غايةً وعلّةً من باب تخصيص العام بأحدٍ حاليه، لأنَّ
غاية السفر قد يكون هو العلة، وقد لا يكون، فيكون المراد النوع الأول،
وهو ما يكون عّةً مع كونه غاية.
ومعنى كونه علّةً: أنه يُسافرُ لتعظيمها، أو للتبرك بالحلول فيها، أو
بأن يُوقِعَ فيها عبادةٌ من العبادات التي يُمكنه إيقاعها في غيرها، من حيث
أنَّ إيقاعها فيها أفضلُ من إيقاعها في غيرها، وكلّ ذلك إنما ينشأ من
اعتقاد فضلٍ في البقعة زائدٍ على غيرها، فَنهى عن ذلك، إلاَّ في المساجد
الثلاثة، وهذا هو المراد، وغيرها من الأماكن والمساجد، لا يؤتى إلاَّ
لغرضٍ خاص لايُوجد في غيره، كالثغر للرباط الذي لايُوجد في غيره.
وعلى هذا التقدير أيضاً: المُسافر لزيارة النبي ◌ّ لم يدخل في
الحديث، لأنه لم يُسافر لتعظيم البقعة، وإنما سافر لزيارة من فيها؛ كما لو
كان حياً وسافر إليه فيها، أو في غيرها، فإنه لايَدخُل في هذا العموم قطعاً.
وملخَّص ماقلناهُ على طُوله: أنَّ النهي عن السفر مَشروطٌ بأمرين:
أحدهما : أن يكون غايته غير المساجد الثلاثة.
والثاني: أن تكون عِلَّه تعظيم البقعة، والسفر لزيارة النبي ◌َّر غايته
أحد المساجد الثلاثة، وعِلّتهُ تعظيم ساكن البقعة، لا البقعة.
فکیف یُقال بالنهي عنه؟ !.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٢
بل أقول : إنَّ السفر المطلوب شيئان:
أحدهما : مايكون غايته أحدَ المساجد الثلاثة.
والثاني : مايكون لعبادة؛ وإن كان إلى غيرها، والسفر لزيارة
المصطفى ولو اجتمع فيه الأمران، فهو في الدرجة العليا من الطلب،
ودونه ماوُجدَ فيه أحد الأمرين.
وإن كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة؛ لابُدَّ في كونه قربةً من
قصد صالح.
وأما السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان، فهو الذي
ورد فيه الحديث.
ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال: قُلت لابن عمر رضي الله
عنهما: إني أريد أن آتي الطُّور؟
قال: إنما تُشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد
رسول الله وَجه، ومسجد الأقصىُ، وَدَعِ الطَّور فلا تَأْتِهِ(١).
(١) رواه: الإمام ابن شبة في ((أخبار المدينة)) بسنده كما ذكره ابن عبد الهادي
في ((الصارم المنكي)) ص٢٥٦، والإمام ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٧٦:٥ حديث
(٧٦٢١)، والإمام البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩٤ حديث (٤١٧٤) بسنده إلى
طلق بن حبيب: أنَّ قزعة قال لابن عمر رضي الله عنهما: إني نذرت أن أخرج إلى بيت
المقدس.
فقال: إنما تشدُّ الرحال إلى ثلاثة مساجد، مسجد بيت المقدس، والمسجد
الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم)). انتهى.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) ٣: ٤٧١ حديث (١١٢١٥)/ ص٥٩١ حديث
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية
٠٠

٢٩٣
وفي مثل هذا الذي تكلّمَ الفقهاء في شدّ الرِّحال إلى غير المساجد
الثلاثة، فَنَقلَ إمام الحرمين عن شيخه أنه كان يُفتي بالمنع عن شدّ الرِّحال
إلى غير هذه المساجد
قال: ((وربما كان يقول: يُكْرَه، وربما كان يقول: يَحرمُ، أخذاً بظاهر
النھي)).
وقال الشيخ أبو علي(١): ((لا يُكرهُ ولا يحَرُّم، ولكن أَبانَ رسول الله وَال
أنَّ القربةَ المقصودة في قصد المساجد الثلاثة؛ وماعداها ليس في قصد
أعيانها قربةً.
قال: وهذا حَسنٌ، لا يصحُّ عندي غیرہ)).
= (١١٤٧٣) أنّ شهر بن حوشب أخبر أبا سعيد الخدري رضي الله عنه أنه يريد
الطور، فأخبره بنحو من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وفي ((الموطأ)) (باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة) حديث (٢٤٣) أنَّ
أبا هريرة رضي الله عنه قال: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟
فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله
وَل* يقول: «لا تعمل المَطِي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، وإلى مسجدي
هذا، وإلى مسجد إيلياء، أو بيت المقدس)) يشك أبو هريرة رضي الله عنه.
وفي ((المعجم الكبير)) للطبراني ٢: ٢٧٦ حديث (٢١٥٩) أنَّ أبا بَصرةَ جميل
ابن بَصرةَ لقي أبا هريرة رضي الله عنهما وهو مُقْبِلٌ من الطّور، فقال: لو لقيتك
قبل أن تأتيه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما تُضرَبُ
أكباد المَطِي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصی)، انتھی منه.
(١) يعني به الإمام أبا علي الحسين بن شعيب السِّنجي، وقد تقدم التعريف به ص٢٦٢.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٤
قُلْتُ: ويمكن أن يقال: إن قَصد بذلك التعظيم؛ فالحَقُّ ماقاله الشيخ
أبو محمد، لأنه تَعظيمٌ لما لم يُعظّمهُ الشرع. وإن لم يقصد مع عينه أمراً
آخر؛ فهذا قريبٌ من العبث، فَيَتَرجّح فيه ماقاله الشيخ أبو علي، ولا نَعلمُ
في مذهبنا غير ذلك.
م
وذهب الدّاودي(١) إلى أنَّ ماقَرُبَ من المساجد الفاضلة من المِصْر،
فلا بأس أن يُؤتى مشياً ورُكُوباً؛ استدلالاً بمسجد قباء، ولا يَدخُل تحت
النهي في إعمالِ المَطي، لأنَّ الإعمَالَ وشَدّ الرِّحَال؛ لا يكون لما قَرُبَ
غالباً.
ونقل القاضي عياض عن بعضهم: ((أنه إنما يُمنَع المَطي للناذر، أما
غير الناذر ممن يَرغبُ في فضل مشاهد الصالحين، فلا))(٢).
فهذه أربعة مذاهب في إتيان ما سوى الثلاثة من المساجد، وعلى
المذهب الرابع المُفْصّل بَين أن يكون بالنذر أو بغيره؛ حَمل بعضهم إتيان
النبي ◌َّ مسجد قباء، لأنه كان بغير نذر، ولا حرج فيه، بل مَتى خفَّ عليه
فِعلُ القُربة؛ فيجيء في نذر ما سوى الثلاثة من المساجد، ثلاثة مذاهب:
أحدها : أنه لايصحُّ، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور.
والثاني : يصحُّ مطلقاً، وهو مذهب الليث بن سعد.
(١) هو: الإمام الفقيه المتقن، أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي، قال
عنه القاضي عياض: ((كان فقيهاً، فاضلاً، عالماً، متفنناً) توفي سنة ٤٠٢ هـ. ترجمته
في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض ٧: ١٠٢ ونَصُّ عبارته، أوردها القاضي عياض
في ((إكمال المُعلم)) ٤: ٤٤٩.
(٢) ((إكمال المُعْلم)) للقاضي عياض ٤: ٤٤٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٥
والثالث : يلزم ما لم يكن بشدّ رَحْلٍ كمسجد قباء، وهو قول محمد
ابن مسلمة المالكي.
وقد رَوى مالك رحمه الله تعالى، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أنَّ
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سئل: عمن جعل على نفسه مشياً إلى
مسجد قباء وهو بالمدينة؟، فألزمه ذلك، وأمره أن يمشي.
قال عبد الملك بن حبيب في كتاب (الواضحة): ((فكذلك من نذر أن
يمشي إلى مسجده الذي يصلّي فيه جُمعته أو مكتُوبته، فعليه أن يمشي
إليه، وليس ذلك بلازمه فيما نَأى عنه من المساجد، لا ماشياً ولا راكباً)).
وكذلك روى ابن وهب وغيره عن مالك رحمه الله تعالى، إلاَّ
المساجد الثلاثة، فيلزمه في المسجد الحرام ما نذر من مشي أو ركوب،
ولا يَلزمهُ في المسجدين: مسجد النبي ◌َّ، وبيت المقدس المشي
إليهما، ويَلزمهُ أن يأتيهما راكباً للصلاة فيهما.
هذا كله في قصد المكان بعينه، أو قَصدِ عبادةٍ فيه يُمكن في غيره، أما
قَصده بغير نذرٍ لغَرضٍ فيه كالزيارة وشبهها، فلا يَقُول أحدٌ فيه بِتَحريمِ،
ولا كراهةٍ.
فإن قُلتَ: فقد قال النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١) في
(١) جـ ٩: ١٠٦، وسبب وقوع الخلل في كلام الإمام النووي: تصرفه في عبارة
القاضي عياض بالاختصار، فقوله - يعني الإمام النووي -: ((وهو الذي أشار القاضي
عياض إلى اختياره))، واختيار القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه لا يلزم ولا يباح شَدُّ
الرِّحال لغير المساجد الثلاثة لا لناذر، ولا لمتطوع. أما ما أدرجه الإمام النووي رحمه
الله تعالى من قوله: ((کالذهاب إلى قبور الصالحين»، فليس هو من اختيار القاضي
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٦
(باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج): ((اختلف العلماء في شدّ الرِّحَال
وإعمالِ المَطِي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين،
وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ أبو محمد [الجويني] من
أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره،
والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون: أنه
لایَحرُم، ولایُکره.
قالوا: والمراد أنَّ الفضيلة الثابتة إنما هي في شدّ الرِّحال إلى هذه
الثلاثة خاصة، والله أعلم))، انتهى كلام النووي.
وقد جعل الذهاب إلى قبور الصالحين من مَحلَّ الخلاف.
قُلْتُ: رحم الله النووي، لو اقتصر على المنقول، أو نَقده حقَّ النقد،
لم يحصل خللٌ، وإنما زاد التمثيل؛ فَحصلَ الخَللُ من زیادته.
والذي نقله الإمام، والرافعي، والنووي في غير (شرح مسلم)) عنِ
الشيخ أبي محمد رحمه الله تعالى، ليس فيه هذه الزيادة، بل فيه ما يُبيّنُ أنَّ
مُراده ما قدّمناه، فإنَّ الإمام قال: ((إذا نذر أن يأتي مسجداً من المساجد
سوى المسجد الحرام، قال العلماء: فإن كان المسجد الذي عَيّنهُ غير
= عياض، وهو المراد بقول الإمام السبكي: ((وإنما زاد التمثيل فحصل الخلل من
زيادته)»، فهو قولٌ صحيح، يؤيده قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((وأما لغير
الناذر ممن يرغب في فضل مشاهد الصالحين، فلا» انتھی.
فظهر بذلك صواب قول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وهو الذي اختاره إمام
الحرمين ... إلخ)) وما حصل منه من زيادة التمثيل ليس في محله، وهو من باب السهو
والغفلة كما سيقول الإمام السبكي لاحقاً، والحمد لله على فضله.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٧
مسجد المدينة، ومسجد القدس، فلا يلزمُ بالنذر شيء أصلاً، فإنه ليس
في قصد مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة قربةٌ مَقصُودةٌ، ومالا يكون قربةً
ولا عبادةٌ مقصودة، فهو غير ملتزم بالنذر، وكان شيخي يُفتي بالمنع عن
شدّ الرِّحال إلى غير هذه المساجد)) - وذكر ما قَدّمنَاهُ -.
وكذلك الرافعي قال: ((إذا نذر إتيان مسجد آخر سوى الثلاثة؛ لم
ينعقد نذره، قال الإمام: وكان شيخي يُفتي)) - وذكر ماتقدَّم -.
وكذلك النووي في ((شرح المهذب»(١)، وكذلك في ((شرح مسلم))(٣)
في (باب فضل المساجد الثلاثة) كلامه مُشعِرٌ بما قلناه، ومع ذلك قال:
((إنّ ما قاله الشيخ أبو محمد غَلطٌ))، ففي كلام كلٌّ من الإمام، والرافعي،
والنووي في غير ((شرح مسلم))، وفي ((شرح مسلم)) في غير هذا الباب، ما
يُبيّن أنَّ فرضَ المسألة في قصد المساجد، فَيُحملُ كلام أبي محمد عليه.
أما قَصدُ الأغراض الصحيحة في المساجد، وغيرها من الأمكنة من
الزيارة، والاشتغال بالعلم، والجهاد وغيرها، فلم يتكلّم فيه أبو محمد،
ولا يجوز أن يُنسبَ إليه المنع منه، ولو قاله هو، أو غيره ممن يَقبَلُ كلامه
الغلط؛ لحكمنا بغلطه، وأنه لم يفهم مقصود الحديث، لكنه بحمد الله لم
يَثْبُتْ عندنا أنه قال ذلك، ولا نَقلُهُ عنه أَحدٌ غير ما وقع في ((شرح مسلم))
من تمثيل على سبيل السهو والغفلة.
ولهذا أجللنا مالكاً رحمه الله تعالى عن أن يستند بالحديث على هذا
المقصود، وواجبنا تأويل كلامه على إرادة البقعة لعينها.
(١) ((المجموع شرح المهذب)) ٨: ٩.
(٢) جـ ٩ : ١٦٨.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٨
وهكذا القاضي عياض، فإنه قال في ((الإكمال)) (١): ((قوله وَلات: ((لا
تُشِدُّ الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)»: فيه تعظيمُ هذه المساجد وخُصوصها
بشدّ الرِّحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء عليهم السلام، ولفضل الصلاة
فيها وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم
ولا يباح بشد الرّحال إليها، لا لناذرٍ ولا لمتطوع لهذا النهي، إلاَّ ما ألحقه
محمد بن مسلمة من مسجد قباء)).
وهذا الكلام من القاضي عياض ليس فيه تَعَرضٌ لزيارة الموتى أصلاً،
ولا يجوز أن يُنْقَلَ ذلك عنه بتصريح ولا بإشارة، وإنما أشار به إلى غير
الثلاثة من المساجد(٢).
(١) ((إكمال المُعْلم)) ٤: ٤٤٩/٤٤٨.
(٢) كتب على حاشية النسخة (أ) - ولعله بخط ابن المؤلف - ما نَصّه: ((ما قاله
من التعليل بكونها مساجد الأنبياء، قاله الخطابي أيضاً، قال: (خَصّ هذه المساجد
بذلك - نرى والله أعلم -، لأنها مساجد الأنبياء، وقد أُمرنا بالاقتداء بهم، قال الله
تعال ﴿فبهداهم اقتده﴾)».
قلت: وفيه مقصدان: مُجرَّدُ السفر إليها قُربة لتعظيمها بذلك من حيث إنه لو
سافر (طمس؟)، وما ذكرناه من كون مجرَّد إتيانها قُربة، قد يَردُ عليه قولهم: إذا نذر
إتيان المسجد الحرام، لا بُدَّ من حجٌ أو عمرة، في الجواز عنه نظر.
الذي يظهر لي: أنَّ مجرد الإتيان قُربة، والحكم الذي قالوه صحيح ولا يُردُ
عليه، فظهر أمره في مسجد المدينة والقدس إذا نذرهما، يجب الإتيان إما إليهما،
وإما إلى الكعبة، وإذا أتاهما فلا يجب عليه شيء، بل يستحب له الصلاة فيهما، ولا
یجب إذا لم يلزمه؛ دخلت في نذره))، انتهى.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩٩
فإن قُلتَ: قد قال ابن قدامة الحنبلي في كتاب ((المُغْني))(١): (فصل)
(«فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يُباح له الترّخص لأنه
مَنهيٌّ عن السفر إليها، قال النبي ◌َّ: ((لا تُشد الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)).
والصحيح: إباحته، وجواز القصر فيه، لأنَّ النبي ◌َّر كان يأتي قباء ماشياً
وراكباً، وكان يزور القبور، وقال: ((زوروها تذكركم الآخرة))، وأما قوله وَل:
((لا تُشد الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)»، فَيُحمَل على نفي الفضيلة لا على
التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، ولا يضر انتفاؤها)).
قُلْتُ: قد وقفتُ على كلام ابن قدامة المذكور، وترجمته بالسفر
لزيارة القبور والمشاهد، ولم أقف على كلام ابن عقيل، فإن كان في
المشاهد، أو في قصدها مع الزيارة؛ فلا يَردُ علينا، لأنه من باب قصد
الأمكنة، وهذا هو الظاهر من استدلاله بالحديث على ما تقرر.
وكلامنا إنما هو في مجرد قصد الزيارة للميت، من غير قصد البقعة
أصلاً، وليس في كلام ابن عقيل، ولا ابن قدامة تَصريحٌ بذلك، بل كلامه
يُشير إلى أنه إنما تكلّم في القبور التي بنيت عليها المشاهد، وقبر النبي ◌َّل
لا يَدخُل في ذلك، لأنَّ مكانه لا يُسمّى: مشهداً.
(١) ٢: ١٠٤ (١٢٤٣)، وفي ٢: ١٠٢ قال عقب ذكره لنصوص من الكتاب
والسُّنة: ((وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: له ذلك - أي الترخص ـ احتجاجاً بما
ذکرنا من النصوص، ولأنه مسافر، فأبیح له الترخّص کالمطیع». انتھی.
وقال الإمام شرف الدّين الحجاوي المقدسي في كتابه ((الإقناع)) ص١٠٩ :
((وترخّصُ إن قصد مشهداً، أو قصد مسجداً - ولو غير المساجد الثلاثة، أو قصد
نبيٌّ، أو عصی في سفره الجائز)).
﴿ المكتبة التخصصية للرد على الوهابية