Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨٠ القائل: ((وفيه نظر))، هو البيهقي، كذا رأيته في جزء ((حياة الأنبياء))، من تصنيفه(١). وأما الحديث الثاني: فَروَاه محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، وأبو الحسين أحمد بن عثمان الآدمي، وأبو عبد الله الصَّفار، ومحمد بن عمر بن حفص النيسابوري. كُلّهم عن: محمد بن يونس بن موسى الكُدَيمي، وفي بعض هذا: عن محمد بن موسى - نسبةً إلى جَدِّه -، عن الأصمعي عبد الملك بن قُرَيب، عن محمد بن مروان السُّدي، عن الأعمش، بالسند الأول. وهذا الحديث أضعفُ من الأول، لأنه انضمّ ضَعفُ الكُدَيمي إلىُّ ضعف السُّدي، والأول ليس فيه إلّ ضُعف السُّدي خاصة(٢)، فإن ثبت ذلك؛ فکفی بها شرفاً، وإن لم يثبت؛ فهو مرجوٌ. فينبغي الحرص عليه، والتعرض لإسماعه صلّى الله عليه وسلّم (١) في مطبوعة الكتاب المذكور ص١٠٤ زيادة: ((وقد مضی ما يؤكده))، انتهى منه. لكن روى هذا الحديث الإمام أبو الشيخ في كتابه «الثواب» بسنده من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير - كوفي ثقة -، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الحافظ السخاوي عقب عزوه للإمام أبي الشيخ، ومن طريقه الإمام الديلمي، وذكر قول ابن القيم: إنه غريب وعقّبُهُ بقوله: ((وسنده جيد، كما أفاده شيخنا)) - يعني الحافظ ابن حجر العسقلاني -. وللحديث شواهد، تقدّم بعضها، وتوسع في إيرادها الإمام السيوطي في ((اللآلئ المصنوعة)) ١: ٢٥٨. (٢) تقدم أنه ورد من غير طريق السُّدي بسند جيد، والحمد لله على ذلك. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨١ السلام؛ وذلك بالحضور عند قبره، والقُرب منه. وسنذكر من الأحاديث والآثارِ والأدّة ما يدلّ على أنّ النّي وَّهِ يَسمِعُ من يُسلِّمُ عليه عند قبره، وَيَرُدّ علیه عَالِماً بحضوره عنده. وكفى هذا فضلاً حقيقاً أن يُنفقَ فيه مُلْكُ الدّنيا؛ حتى يُتُوصّلَ إليه من أقطار الأرض. وسنفرد باباً لحياة الأنبياء عليهم السلام بعد تمام المقصود من إقامة الدلائل على الزيارة، وبإثبات الحياة تتأكد الزيارة، ولكني رأيت ذكرهُ بعد لئلا يُجَادِل فيه مُجادلٌ فيتطرق به إلى المجادلة في الزيارة. وعن سليمان بن سُحيم قال: رأيتُ النبي ◌َّ في النوم فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يَأْتُونَك وَيُسلّمُونَ عليك، أتعلم سلامهم؟ قال: ((نعم، وَأَردُّ عليهم)(١) . وعن إبراهيم بن شيبان قال: حَججتُ في بعض السنين، فجئت المدينة فتَقدَّمتُ إلى قبر الرسول وَِّ فَسلَّمتُ عليه، فسمعت من داخل الحجرة ((وعليك السّلام))(٢). (١) رواه: الإمام البيهقي في ((حياة الأنبياء)) ص ١٠٥ (١٩)، وفي ((شعب الإيمان)» ٣: ٤٩١ (٤١٦٥)، والإمام ابن بشكوال في ((القربة لرب العالمين)) ص١٢١ (١٢٤)، وذكره الإمام الفيروز أبادي في ((الصِّلات والبُشَر)) ص١٥٤ .. (٢) رواه: الإمام ابن الجوزي في ((مثير العزم الساكن)) ٢: ٣٠٠ (٤٧٥)، والإمام ابن النجار في ((الدرة الثمينة)) ص٢٢٣، والإمام أبو اليمن ابن عساكر في (إتحاف الزائر)) ص٧٦. وذكره الإمام السخاوي في ((القول البديع)) ص٣٢٤، والإمام = المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٢ فإن قيل: ما معنى قوله ◌ََّ: ((إلّ رَدَّ الله عليَّ رُوحي))؟. قُلْتُ : فيه جوابان: أحدهما: ذَكرهُ الحافظ أبو بكر البيهقي(١): أنّ المعنى: إلّ وقد ردّ الله عليَّ روحي، يعني: أنَّ النبي ◌َِّ بعد ما مات وَدُفنَ؛ ردّ الله عليه روحه لأجل سَلامٍ من يُسلِّم عليه، واستمرت في جسده صلى الله عليه وسلم. والثاني: يَحتمل أن يكون رداً معنوياً، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية، والملأ الأعلى من هذا العالم، فإذا سُلِّم القسطلاني في «مسالك الحنفا» ص٢٩٢. وأورد الإمام السخاوي في ((القول البديع)) ص٣٢٤ أنّ السيد نور الدِّين الإيجي في بعض زياراته للنبي 8* سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام یا ولدي. انتھی منه. ونقل الإمام القسطلاني في ((مسالك الحنفا)) ص٢٩٢ عن كتاب ((الرسالة)) للشيخ صفي الدين ابن أبي منصور: أنّ الشيخ أبا العباس القسطلاني دخل مرة على النبي ◌ِ ◌ّ - يعني في الزيارة - فقال له النبي وتلقى: ((أخذ الله بيدك يا أحمد»، انتهى منه. وروى الإمام ابن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد)) ١: ٢٥٤ عن أبي الفرج ابن النقور: أنَّ أبا نصر الكرجي قال: فبينما أنا جالس - أي عند الحجرة الشريفة - إذ دخل الشيخ أبو بكر الديار بكري، ووقف بإزاء وجه النبي مَ ل﴿ وقال: السلام عليك يا رسول الله. فسمعت صوتاً من الحجرة: وعليك السلام يا أبا بكر. فقلت للشيخ أبي نصر الكرجي: يا سيدي! سَمِعتَ النبي ◌َّردّ السلام؟ فقال: سَمِعتُ من داخل الحجرة: وعليك السلام يا أبا بكر، وسمعه من حضر. انتھی منه. (١) («حياة الأنبياء)) ص٩٩، وفي ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩١. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٣ عليه؛ أقبلت رُوحه الشريفة على هذا العالم ليُدرك سَلامَ من يُسلِّمُ عليه، ويَردُّ عليه(١). * * (١) أجاب الإمام السيوطي رحمه الله تعالى عن هذه المسألة بخمسة عشر وجهاً أوردها في رسالته («إنباه الأذكياء في حياة الأنبياء))، تنظر لمزيد الفائدة. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ٠ ١٨٤ الباب الثالث فيما ورد في السفر إلى زيارته ◌َاله صريحاً وبيان أنّ ذلك لم يزل قديماً وحديثاً وممّن رُويَ ذلك عنه من الصحابة : بلال بن رباح رضي الله عنه مُؤذِّنُ رسول الله وَّر، سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره الته رُوِّینا ذلك بإسنادٍ جَيدٍ إليه، وهو نصٌّ في الباب. وممن ذَكرهُ: الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله بالإسناد الذي سنذكره. وذكره: الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله في ((الكمال)) في ترجمة بلال رضي الله عنه فقال: ((ولم يُؤذُّن لأحدٍ بعد النبي حَّ* فيما رُوِيَ؛ إلاّ مرةً واحدة في قَدمَةٍ قَدِمَها المدينة لزيارة قبر النبي وَّة، طلب إليه الصحابة ذلك، فأذّنَ ولم يُتِمَّ الأذان، وقيل: إنه أَذّنَ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته)). وممّن ذكر ذلك أيضاً: الحافظ أبو الحجاج المزّي (١) - أبقاه الله -، وها أنا أذكُر إسناد ابن عساكر في ذلك: (١) ((تهذيب الكمال)) ١: ٣٨٩ (٧٦٩). المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٥ أنبأنا عبد المؤمن بن خلف، وعلي بن محمد بن هارون وغيرهما، قالوا: أنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن مُمِيل الشيرازي إذناً، أنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عساكر الدّمشقي قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، قال: أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، قال: أنا أبو أحمد محمد بن محمد، أنا أبو الحسن محمد بن الفيض الغساني بدمشق، قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، حدثني أبي محمد ابن سليمان، عن أبيه سليمان بن بلال، عن أم الدّرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لمّا دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية، سأل بلال أن يُقِرَّه بالشام؛ ففعل ذلك، قال: وأخي أبو رُويحَة الذي آخى بيني وبينه رسول الله وَّر، فنزل (دَارَيَا)) في خَوْلاَن. فأقبل هو وأخوه إلىُ قَومٍ من خَوْلاَنَ، فقال لهم: قد أتيناكم خاطبین، وقد كُنّا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تُزَوِّجُونا فالحمد لله، وإن تردّونا فلا حول ولا قوة إلاّ بالله؛ فزوَّجُوهُما. ثم إنّ بلالاً رأى في منامه رسول الله وَ له وهو يقول له: ((ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال»! فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي بَِّ، فجعل يبكي عنده، ويُمرِغُ وجهه علیه. فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما فجعل يَضُمّهما ويُقبّلهما، المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٦ فقالا له: يا بلال، نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذَّن به لرسول الله وَه في المسجد، ففعل، فَعَلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يَقِفُ فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: أشهد أنّ محمداً رسول الله؛ خرجن العوائق من خُدُورِهنَّ، وقالوا: بُعِثَ رسول الله وَلَ؟ !. فما رُبِيَ يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله وَ ليّ؛ من ذلك اليوم. كذا ذَكَره ابن عساكر في ترجمة بلال رضي الله عنه (١) . وذكره أيضاً في ترجمة إبراهيم(٢) بسندٍ آخر إلى محمد بن الفيض: أنبأ جماعة، عن ابن عساكر، قال: أنبأ أبو محمد ابن الأكفاني، ثنا (١) الخبر ساقطٌ من طبعتي ((تاريخ دمشق)) في ترجمة سيدنا بلال رضي الله عنه، وهو في (مختصر تاریخ دمشق)) لابن منظور ٥: ٢٦٥. وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في («البداية والنهاية)) ١٠: ١٠٣ عقب ذكره أنَّ سيدنا بلال رضي الله عنه زار المدينة أَذَّنَ بها: ((فبكىُ الناس بكاءً شديداً، وَيَحِقُّ لهم ذلك، رضي الله عنهم))، انتهى منه، وهذا يفيد إثباته لهذه القصة وقبولها، وهو تلميذ ابن تيمية. (٢) ((تاريخ دمشق)) ٧: ١٣٦ (٤٩٣)، و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور ٤: ١١٧. وقد روى هذا الخبر بسنده الإمام أبو الحسن الغساني المتوفّى سنة ٣١٥هـ في كتابه ((أخبار وحكايات)) ص٤٥ (٧٥)، والإمام أبو أحمد الحاكم المتوفّى سنة ٣٧٨هـ، كما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) ١: ٣٥٧ وقال: (إسناده لين، وهو منكر))، والإمام الفيروز أبادي في كتابه «الصِّلات والبُشَر)) ص١٥٤ - ١٥٥ وذكره أيضاً الإمام ابن الأثير في ((أُسْد الغابة)) ١: ٢٤٤. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٧ عبد العزيز بن أحمد، ثنا تمام بن محمد، ثنا محمد بن سليمان، ثنا محمد بن الفيض. فَذَكرَه سواء، إلاّ أنه سقط منه: ((من فتح بيت المقدس))، وقال: («آخى بينه وبيني))، ولم يقل: ((خَاطِبین)). أبو رُوَيَحةَ اسمه: عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي. وفي ((الطبقات))(١) أنّ مُؤَاخاتَهُ لبلال رضي الله عنهما؛ لم يُثْبِتها محمد ابن عمر، وأثبتها ابن إسحاق وغيره، واختار أنس رضي الله عنه أن يجعل ديوانه معه، فَضَمّه عمر رضي الله عنه إليه، وضمّ ديوان الحبشة إلى خثعم لمکان بلال رضي الله عنه، منهم. وسليمان بن بلال بن أبي الدرداء، رَوى عن جَدّتِهِ. وأبيه بلال، روى عنه ابنه محمد. وأيوب بن مدرك الحنفي، ذكر له ابن عساكر حديثاً، ولم يذكر فيه تجريحاً. وابنه محمد بن سليمان بن بلال، ذَكَرَهُ مسلم في ((الكنى))، وأبو بشر الدُّولابي، والحاكم أبو أحمد، وابن عساكر. كنيته أبو سليمان(٢). (١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٣: ١٧٦. (٢) ((الكنى)) للإمام مسلم ص٤٥، ((الكنى والألقاب)) للإمام أبي بشر الدولابي ٥٩٨:٢، ((تاريخ دمشق)» للإمام ابن عساكر ٥٣: ١١٥ (٦٤١١). المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٨ قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عنه فقال: ما بحديثه بأس)) (١). وابنه إبراهيم بن محمد بن سليمان أبو إسحاق، ذكرهُ الحاكم أبو أحمد وقال: ((كنّاه لنا محمد بن الفیض)). وذكره ابن عساکر وذکر حديثه، ثم قال: قال ابن الفیض : تُوفّي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين(٢). ومحمد بن الفيض بن محمد بن الفيض، أبو الحسن الغساني الدمشقي، روى عن خلائق، ورَوى عنه جماعة منهم: أبو أحمد ابن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر ابن المُقرئ في ((معجمه))، وذكره ابن زَبر، وابن عساكر ((في التاريخ)»(٣) تُوفّيَ سنة خمس عشرة وثلاث مئة، ومولده سنة تسع عشرة ومئتين، ومدار هذا الإسناد عليه، فلا حاجة إلى النظر في الإسنادين اللذين رواه ابن عساكر بهما، وإن كان رجالهما معروفین مشهورین. وليس اعتمادنا في الاستدلال بهذا الحديث على رُؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال رضي الله عنه وهو صحابي، لاسيما في خلافة عمر رضي الله عنه والصحابة مُتوافرون، ولا يخفى عنهم هذه القصة. ومنام بلال وَرُؤياه للنبي ◌َّر الذي لا يتمثَّلُ به الشيطان، وليس فيه ما يُخالف ماثبت في اليقظة، فيتأكد به فعل الصحابي، وقد استفاض عن (١) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٧: ٢٦٧ (١٤٦٠). (٢) «تاريخ دمشق)» ٧: ١٣٦ ترجمة (٤٩٣). (٣) ((تاريخ مولد العلماء)) للإمام ابن زَبر ص٢٦٧، ((تاريخ دمشق)) للإمام ابن عساكر ٧: ١٣٦ (٤٩٣). المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٨٩ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه كان يُبْرِدُ البريد من الشام يقول: سَلِّم لي عَلى رسول الله وَّهِ. وممّن ذكر ذلك: ابن الجوزي، ونقلته من خطه في كتاب ((مثير العزم الساكن))(١)، وقد ضبطه بإسكان الباء الموحدة وكسر الراء المخففة، وهو كذلك، يقال: أبرَدَ، فهو مُبْرِدٌ. وذكره أيضاً: الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل(٢)، ووفاته سنة سبع وثمانين ومئتين في ((مناسك)) له لَطيفٌ جرَّدها من الأسانيد، مُلتَزماً فيها الثبوت، قال فيها: ((وكان عمر بن عبد العزيز يَبعثُ بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة؛ لِيُقرئ النبي وَّر السّلام، ثم پرجع)). وهذه المناسك روايةٌ شيخنا الدمياطي. أنا ابن خليل، أنا الطرسوسي، والكراني، أنا الصيرفي، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان، ثنا القباب، ثنا ابن أبي عاصم. (١) ٢: ٢٩٧. ورواه بسنده الإمام البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩١ (٤١٦٦) / ٤٩٢ (٤١٦). (٢) هو: الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني، ولد سنة ٢٠٦ هـ. قال عنه الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٤٣٠ (٢١٥): ((حافظ كبير، إمام بارعٌ متبعٌ للآثار، كثير التصنيف)». ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٦٤٠ (٦٦٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٤٣٠ (٢١٥). المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٠ فسفر بلال رضي الله عنه في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة؛ لم يكن إلّ للزيارة والسّلام على النبي ◌َّر، ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك، لا من أمرِ الدنيا ولا من أمر الدِّين، لا مِنْ قصد المسجد ولا مِن غيره. وإنما قلنا ذلك: لئلا يقول بعض من لا علم له: إنّ السفر لمجرد الزيارة ليس بسُنّةٍ، وسنتكلم على بطلانِ ذلك في موضعه. وأما من سافر إلى المدينة لحاجة، وزار عند قدومه، أو اجتمع في سفره قصد الزيارة مع قصد آخر؛ فَكَثیر. وقد وَرَدَ عن يزيد بن أبي سعيد مولى المَهري قال: قَدِمتُ على عمر بن عبد العزيز، فلما وَدّعتهُ قال لي: إليك حاجة، إذا أتيت المدينة سَتَرى قبر النبي ◌ِّ، فأقرئه مني السّلام(١). وورد هذا عن غير عمر بن عبد العزيز أيضاً. قال أبو الليث السمر قندي الحنفي في ((الفتاوى)) في (باب الحج) (٢). قال أبو القاسم: لما أردتُ الخروج إلى مكة، قال [لي] القاسم بن غسان: إنَّ لي إليك حاجة، إذا أتيت قبر النبي ◌ّ؛ فأقرئه مني السّلام، فلما وضعتُ رجلي في مسجد المدينة؛ ذكرتُ [ذلك]. قال الفقيه: فيه دليلٌ أنّ من لم يقدر على الخروج، فأمر غيره لِيُسلِّمَ (١) ((شعب الإيمان)) للإمام البيهقي ٣: ٤٩٢ (٤١٦٧). (٢). الورقة [١/٤٨] مخطوطة مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩١ عنه؛ فإنه ینالُ فضیلة السّلام إن شاء الله تعالى، انتهىُ. وفي ((فتوح الشام)) (١): ((أنّه لمّا كان أبو عُبيدة رضي الله عنه مُنَازِلاً بيت المقدس، أرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق رضي الله عنهما يستدعيه الحضور، فلمّا قدِمِ مَيسرةُ رضي الله عنه مدينة رسول الله وَله دخلها ليلاً، ودخل المسجد؛ سلّمَ على قبر رسول اللهِ وَّهِ وعلى قبر أبي بکر رضي الله عنه. وفيه أيضاً(٢): أنّ عمر رضي الله عنه لما صالح أهل بيت المقدس، وقَدِمَ عليه كعب الأحبار وأسلم، وفرح عمر بإسلامه، قال له عمر رضي الله عنه: هل لك أن تسير معي إلى المدينة، وتزور قبر النبي ◌َّ، وتتمتّع بزيارته؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك. ولما قَدِمَ عمر رضي الله عنه المدينة، أوّل ما بدأ بالمسجد، وسلَّم على رسول الله يَآلهتهم وقد ذكر المؤرخون والمُحدِّثون منهم: أبو عمر ابن عبد البر في ((الاستيعاب))، وأحمد بن يحيى البلاذري في ((تاريخ الأشراف))، وابن عبد ربه في ((العقد))(٣): (١) للإمام الواقدي ١: ٢٢٦. (٢) المصدر السابق ١: ٢٣٥. (٣) ((الاستيعاب)) (هامش الإصابة) ٤: ٢٣، ((تاريخ الأشراف)) (المطبوع بعنوان: أنساب الأشراف) ٤: ٢٢٦، ((العقد الفريد)) ٥: ٢٧٣. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٢ أنّ زياد بن أبيه أراد الحج، فأتاه أبو بكرة رضي الله عنه وهو لا يُكلِّمهُ، فأخذ ابنه فأجلسه في حِجْرِهِ ليخاطبه ويُسمعَ زياداً، فقال: إنّ أباك فعل وفعل، وإنه يريد الحج، وَأُمُّ حبيبة زوج النبيّ ◌َّ هناك، فإن أذنت له؛ فَأَعْظِمِ بها مُصيبةً وَخيانةً لرسول الله وَّةِ، وإِنْ هي حَجَبَتْهُ؛ فَأَعْظِم بها حُجّةً علیه. فقال زياد: ما تدعُ النصيحة لأخيك، وترك الحج تلك السَّنة. هكذا حکاه البلاذري. وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال، أحدها : أنه حجّ ولم يزر من أجل قول أبي بكرةَ رضي الله عنه، والثاني : أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أمٌّ حبيبة رضي الله عنها، فذكر قول أبي بكرةَ رضي الله عنه فانصرف عن ذلك، والثالث: أنّ أم حبيبة رضي الله عنها حجبته، ولم تأذن له. والقِصّة على كلِّ تقدير: تَشهدُ بأنَّ زيارة الحَاجِّ كانت مَعهُودةً من ذلك الوقت، وإلّ فكان زياد يمكنه أن يَحُجَّ من غير طريق المدينة، بل هي أقربُ إليه، لأنه كان بالعراق، والإتيان من العراق إلى مكة أقرب، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمراً لا يُترك. واختلف السّلف رحمهم الله في: أنّ الأفضل البَداءةُ بالمدينة قبل مكة، أو بمكة قبل المدينة. وممّن نصّ على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها : الإمام أحمد رحمه الله في كتاب ((المناسك)) الكبير من تأليفه، وهذه المناسك رواها الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر، عن الحاجب أبي الحسن علي بن محمد العلاف، عن أبى الحسن على بن أحمد بن عمر الحمامى، عن اسماعيل المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٣ ابن علي الخُطَبي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه. في هذه المناسك : سُئُل عَمّن يَبدأ بالمدينة قبل مكّة، فذكر بإسنادِه عن عبد الرحمن بن يزيد، وعطاء، ومجاهد، قالوا: إذا أردت مكة، فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكّة، فإذا قضيت حجّك؛ فَامرُر بالمدينة إن شئت. وذکر بإسناده عن الأسود قال: أُحِبُ أن يكون نفقتي وجهازي وسفري أن أبدأ بمكة. وعن إبراهيم النّخعي: إذا أردت مكة؛ فاجعل كلَّ شيء لها تَبعاً. وعن مجاهد: إذا أردت الحجّ والعمرة؛ فابدأ بمكّةً، ثمّ مُرَّ بالمدينة بَعدُ. وذكر الإمام أحمد أيضاً بإسناده عن عدي بن ثابت: أنّ نفراً من أصحاب رسول الله بَّ ه كانوا يبدأون بالمدينة إذا حجّوا، يقولون: نُهِلُّ من حيث أحرَم رسول الله وَلِ﴾(١). وذكر ابن أبي شيبة في ((مُصَنَّفه))(٢) هذا الأثر أيضاً، وذكر بإسناده عن علقمة، والأسود، وعمرو بن ميمون: أنهم بدأوا بالمدينة قبل مكة (٣). وقال المُوفّق بن قُدامة(٤) قال - يعني أحمد -: ((وإذا حجّ الذي لم يَحُجَّ قط ـ يعني من غير طريق الشام -، لا يأخذ على طريق المدينة، لأني (١) جميع هذه الآثار، ذكرها بإسناده أيضاً الإمام ابن أبي شيبة في ((المُصَنّف)) ٣: ١٤٢ (١٢٨٨٦ - ١٢٨٨٩). (٢) ٣: ١٤٢ (١٢٨٨٦). (٣) ٣: ١٤٢ (١٢٨٩١). (٤) ((المغني)) ٣: ٥٩٩ (٢٧٤٨). المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٤ أخاف أن يَحدُثَ به حَدثٌ، فينبغي أن يقصد مكّة من أقصرِ الطّرق، ولا یتشاغل بغیرہ)). قُلتُ: وهذا في العُمرة مُتَّجهٌ، لأنه يمكنه فِعْلُها متى وصل إلى مكّة، وأمّا الحجّ فله وقت مخصوص. فإذا كان الوقت مُتّسعاً؛ لم يفت عليه بمروره بالمدينة شيء. وممّن نصّ على هذه المسألة من الأئمة: أبو حنيفة رحمه الله تعالى وقال: ((الأحسن أن يبدأ بمكّة))، روى ذلك الحسن بن زياد عنه؛ فيما حكاه أبو الليث السمرقندي(١). فانظر كلام السّلف والخلف في إتيان المدينة، إمّا قبل مكّة، وإمّا بعدها، ومن أعظم ما تُؤتى له المدينة: الزيارة، ألا ترى أنّ بيت المقدس لا يأتيه إلاّ القليل من الناس؟ وإن كان مشهوداً له بالفضل والصلاة فيه مُضاعفة. فتوفر الهِمم خلفاً عن سلف على إتيان المدينة؛ إنما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قَصدُ عبادات أُخر؛ فهو مغمور بالنسبة إليها. وأما ما نُقل من تعليل بعض الصحابة بالإهلال من ميقات النبي وَّارِ، فذلك أمر مقصود، وليس هو كلّ المقصود، ولعلّهم رضي الله عنهم رأوا أنه ميقاتهم لمَّا كانوا بالمدينة مع نبيهم وَّر؛ فأحبوا أن لا يغيروا ذلك، وإلاّ فالنبيِ نَّهِ وَقّتَ لأهل كُلّ بلدٍ ميقاتاً، ولعل الإحرام منه أولى؛ إلّ أن يُعارضه مُعَارِضٌ. (١) سيأتي ص ٢٠٢ تفصيل لهذه المسألة في ((الباب الرابع)) كما سيشير المؤلف في الصفحة التالية. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٥ والتابعون الكوفيون الذين اختاروا البداءة بالمدينة، لم يُنقل عنهم تَعليل، فلعلَّ سُنّته عندهم إيثار الزيارة، ولو كانت العِلّة الإحرام من ميقات النبي ◌َّر، لم يأتوها إذا اتفق لهم البداءة بمكة لفوات الإحرام، فلمّا اتفقوا على إتيانها، وإنما اختلفوا في البداءة؛ دَلَّ على أنّ العِلّة غيره، وهي ما فيها من المشاهد، وأعظمها الزيارة. فهي إما كلّ المقصود، أو مُعظمه؛ وغيرها مُنغَمرٌ فيها. وممن اختار البداءة بمكة، ثم إتيان المدينة والقبر: الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، كما سنحکیه عنه في ((الباب الرابع». وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرّي في كتاب ((الشريعة))(١) في (باب دفن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما مع النبي (وَّ): ((ما أحدٌ من أهل العلم قديماً ولا حديثاً، ممن رَسَم لنفسه كتاباً نَسبهُ إليه من فقهاء المسلمين، فرسم كتاب المناسك؛ إلاّ وهو يَأمُرُ كلّ من قَدِم المدينة ممن يريد حجاً أو عُمرةً، أو لا يريد حجاً ولا عُمرة، وأراد زيارة قبر النبي ◌ِّلـ والمقام بالمدينة لفضلها؛ إلاّ وكُلُّ العلماء قد أمروه، ورسموه في كتبهم وعَلَّموه: كيف يُسلِّم على النبيّ ◌َِِّ، وكيف يُسلِّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، علماء الحجاز قديماً وحديثاً، وعلماء أهل العراق قديماً وحديثاً، وعلماء أهل الشام قديماً وحديثاً، وعلماء خراسان قديماً وحديثاً، وعلماء أهل اليمن قديماً وحديثاً، وعلماء أهل مصر قديماً وحديثاً؛ فلله الحمد على ذلك)). (١) ٣: ٤٥٠. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٦ وقال قريباً من هذا الكلام؛ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد ابن حمدان بن بَطّة العكبري الحنبلي في كتاب «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ومجانبة الفرق المذمومة)) في (باب دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي (وَله) أيضاً قال: ((بحسبك دلالة على إجماع المسلمين واتّفاقهم على دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي ◌َّ: أنّ كلّ عالم من علماء المسلمين، وَفَقيهٍ من فقهائهم ألّف كتاباً في المناسك، ففصّلَهُ فُصولاً وجعله أبواباً، يذكر في كلِّ باب فقههُ، وَلكُلّ فصلٍ عِلمَهُ وما يحتاجُ الحاج إلى علمه والعمل به قولاً وفعلاً من: الإحرام، والطواف، والسّعي، والوقوف، والنّحر، والحَلق، والرّمي، وجميع ما لا يسعُ الحاج جهله بهم عن علمه، حتى يذكر زيارة قبر النبي ◌ِّ، فَيصفُ ذلك فيقول: ثم تأتي القبر فتستقبله، وتجعل القِبلة وراء ظهرك وتقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، حتى يَصِف السلام والدعاء(١)، ثم يقول: وتتقدّم على يمينك قليلاً وتقول: السلام عليك يا أبا بکر وعمر رضي الله عنهما. وأنّ الناس يَحجُّونَ البيت من كلٌّ فِجّ عميق وبلد سحيق، فإذا أتوا البيت، لا يَشْكُّون أنه بيت الله المحجُوج، وكذلك ما يأتونه من أعمال (١) لاحظ عبارة الإمام ابن بطة الحنبلي، حيث فَصّل القول بذكر: ((السلام، والدعاء)» مع قوله أولاً: ((ثم تأتي القبر فتستقبله ... )). فيضاف قول هذا الإمام الحنبلي إلى قول علماء المذاهب المعتمدة الأخرى في قولهم باستقبال القبر للسَّلام، والدعاء. وليس في كلامهم جميعاً إيهامٌ في التفريق بين السلام والدعاء عند استقبال القبر الشريف، كما يُوَهِّم وَيُلِّسُ ابن تيمية في ذلك. وسيأتي ذكر أقوال الأئمة لاحقاً. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٧ المناسك، وفرائض الحج وفضائله، تتلو بعضه بعضاً، حتى يأتوا قبر رسول الله ◌َّ، فَيُسلّمون عليه، وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لقد أدركنا الناس ورأيناهم، وبلغنا عَمّن لم نَرهُ: أنّ الرجل إذا أراد الحجّ، فسلّم عليه أهله وصحابته؛ قالوا له: وتَقرأُ على النبيِنََّ، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما مِنّا السلام، فلا يُنكر ذلك أحدٌ ولا يخالفه)). هذا كلام ابن بطّة رحمه الله تعالى. وقد أنبأنا به جماعة من شيوخنا، عن الحافظ أبي الحجّاج يوسف بن خليل، بسنده إلى ابن بطّة. ومقصوده، ومقصود الآجُرِّي: الردُّ على بعض الملاحدة في إنكار دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهمامع النبي ◌َّته، وأما زيارته ◌َّ؛ فلم يُنكرها أحد، وإنما جاءت في كلامهما على سبيل التَّبعِ، لأنه لم يظن أحد أن يقع فيها، أو في السفر إليها؛ نِزاعٌ في قرن الثمان مئة. واستفيد من كلامهما: أنّ سفر الحجيج إليها، لم يزل في السلف والخلف، وأنها تابعةٌ للمناسك. وأبو بكر الآجُرّي هذا؛ قديمٌ تُوفِّيَ في المحرم سنة ستين وثلاث مئة، وكان ثقة صدوقاً دَيِّناً، وله تصانيف كثيرة، وحَدّثَ ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاث مئة، انتقل إلى مكة فسكنها حتى تُوفي بها. وابن بطّة المذكور، تُوفِّيَ في المحرم سنة سبع وثمانين وثلاث مئة بِعُكبرى، من فقهاء الحنابلة، كان إماماً فاضلاً عالماً بالحديث، وفقهه أكثر من الحديث، وصنَّ التصانيف المفيدة. وهكذا قال غيرهما. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٨ قال القاضي عياض: ((قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شَأنٍ من حَجّ؛ المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله وَل*، والتبرك برؤية روضته ومنبره، وقبره ومجلسه، وَمَلامِسٍ يديه ومواطِئ قدميه، والعمود الذي كان يَستنِدُ إليه، وَيَنزلُ جبرئيل بالوحي فيه عليه، وبمن عَمَرَهُ وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك کله»(١). وقد ذكرنا في (باب نُصوصِ العلماء على استحباب الزيارة)، قول الباجي المالكي: ((إنّ الغرباء قصدوا لذلك))، يعني: قصدوا المدينة من أجل القبر والتّسليم، ذكر هذا في معرض الفَرقِ بين أهل المدينة والغرباء، لَمّا فَرّق مالك رحمه الله تعالی بینھم كما سبق. وسنذكر في ((الباب الرابع)) من كلام العبدي المالكي في ((شرح الرّسالة)): ((أنّ المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبيّ وَالر؛ أفضل من الكعبة، ومن بیت المقدس)). وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممن حکینا كلامهم في ((باب الزيارة))؛ يقتضي استحباب السفر، لأنهم استحبّوا للحاج بعد الفراغ من الحج؛ الزيارة، ومن ضرورتها السفر. وحكاية الأعرابي المشهورة التي ذكرها المصنِّفون في مناسكهم، وفي بعض طُرُقِها: ((أنّ الأعرابي ركب راحلته وانصرف))، وذلك يدُلُّ أنه كان مُسافِراً. (١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى ◌َ لتر)) ٢: ٨٥. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية ١٩٩ والحكاية المذكورة ذكرها جماعة من الأئمة عن العُتبي، واسمه: محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب، كان من أفصح الناس، صاحب أخبار ورواية للآداب، حدّث عن أبيه، وسفيان بن عيينة. توفي سنة ثمان وعشرين ومئتين، يُكْنى أبا عبد الرحمن، وذكرها ابن عساكر في ((تاريخه))، وابن الجوزي في ((مثير العزم الساكن))، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي(١). (١) تنظر في: ((مختصر تاريخ دمشق)) ٢: ٤٠٨، و ((مثير العزم الساكن)) ٢: ٣٠١ (٤٧٧)، ورواها أيضاً: الإمام البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩٥ (٤١٧٨)، والإمام ابن بشكوال في ((القربة لرب العالمين)) ص١٢١ (١٢٥)، والإمام ابن النجار في ((الدرة الثمينة)) ص٢٢٣، والإمام ابن النعمان المراكشي في ((مصباح الظلام)) ص٢١ - ٢٢، والإمام أبو اليمن ابن عساكر في ((إتحاف الزائر)) ص٦٨ - ٦٩. وذكرها جملة من الأئمة في كتبهم، منهم: الإمام النووي في ((الإيضاح)) ص٤٥٤، و((المجموع)) ٩: ٣٠١، و((الأذكار)» ص٣٤٥، والإمام ابن كثير في تفسيره) ٢: ٣٤٧/ ٣٤٨، وعزاها للإمام أبي نصر ابن الصباغ في كتابه ((الشامل))، والإمام ابن الصلاح في ((صلة الناسك)) ص٢٣١. والإمام محمد بن أحمد البُهُوتي الحنبلي في ((بغية الناسك في أحكام المناسك)) ص١٤٧، والإمام بهاء الدّين المقدسي الحنبلي في ((العُدّة في شرح العمدة)) ١: ٣١١، والإمام الصالحي في ((سبل الهدى والرشاد)) ١٢: ٣٨٠، وعزاها أيضاً للإمام أبي نصر الصباغ في كتابه ((الشامل))، والإمام السمهودي في ((وفاء الوفا)) ٤: ١٣٦١، والإمام ابن حجر الهيتمي في ((تحفة الزوار)) ص ٥٥، والإمام ابن قدامة المقدسي في ((المغني)) ٣: ٦٠٠، والإمام الماوردي في ((الأحكام السلطانية)) ص ١٩٠ وفي ((الحاوي)) ٥: ٢٩٠، والإمام العمراني في ((البيان في فقه الإمام الشافعي)) ٤: ٣٧٨ والإمام الرُّوياني في ((بحر المذهب)) ٥: ٣٧٨. والعجيب من قول ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)» ص٣٣٨ عقب ذكره المكتبة التخصصية للرد على الوهابية