Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
واستغاثتهم بالنبي وَالر؟ ..
- وقال ص٣٢٨ عقب قول الإمام السبكي رحمه الله تعالى عما رواه
الإمام ابن أبي شيبة، عن الإمام إبراهيم النخعي من قوله: ((كانوا يكرهون
زيارة القبور)) قال الإمام السبكي: ((وهذا لم يثبت عندنا، ولم يبيّن إبراهيم
الكراهة عمن، ولا کیف هي».
قال ابن عبد الهادي: ((وهذا لم يثبت عندنا)) بعد وقوفه على إسناده
ووقوفه عليه يقيناً، يدل على أنه في غاية الجهالة، وفي نهاية العناد واتباع
الهوى ... ))، ثم كرر ذكر قول الإمام السبكي رحمة الله عليه فقال: ((دَلَّ على
فرطِ جهله، وعمى بصيرته، أو على شدة معاندته ومتابعته، هواه ... )) إلخ.
فالسؤال الذي يطرحُ نفسه: هل ينطبق هذا على جميع من يُصَرِّحُ بأنَّ
أثراً أو حديثاً لم يثبت عنده، يقال فيه مثل ذلك؟ وفي مقدمتهم الأئمة
الأربعة ثم شيخه ابن تيمية.
- وقال ص٣٣٢ بعد تلاعبه بكلام الإمام السبكي رحمه الله تعالى
وحمله على ما يريد من نفسه في مسألة زيارته وَ له وأنها قُربَةٌ، وجعل ابن
عبد الهادي مُجْمَل كلام الإمام السبكي رحمه الله تعالى أنها واجبة، وهذا
غير ما بَيّنهُ الإمام السبكي وقصد إليه، وقد بيّن الإمام السبكي رحمه الله
تعالى معنى قول من قال: إنها واجبة، فقال ابن عبد الهادي: ((ثم يلزم على
هذا لوازم منها: أنَّ تارك زيارة قبره بَ لّ عاصٍ آثم، مستحق للعقوبة،
منتفي العدالة، لا تصح شهادته، ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا
تفسيق جميع الصحابة؛ إلاّ من صحّ عنه منهم الزيارة، ولا ريب أنّ هذا
شرٌّ من قول الرافضة الذين فَسَّقُوا جمهورهم بتركهم تولية عليٍّ، بل هو من
جنس قول الخوارج الذين يُكَفِّرونَ بالذَّئْب)».
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١
ثم قال: ((ولا ريب أنَّ الرافضة والخوارج لم يصلوا إلى هذا الجهل
والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة)، انتهى.
يقال له : أحكامك هذه وما نطقت به، أنت مُلزَمٌ بها وصادرة منك،
ولم يقل أو يُشر أو يُلَمّحْ الإمام السبكي إلى شيء منها. وينظر الباب الرابع
والخامس من كتاب ((شفاء السقام)) لتقف أخي المُنْصِف على حقيقة قول
الإمام السبكي رحمه الله تعالى، ويظهر لك من المُكفّر والمُفسّق للصحابة
والأمة الإسلامية.
- وقال ص٣٣٤ عقب نقل كلام الإمام السبكي رحمه الله تعالى: (( ...
ومن ادّعى أنَّ قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء، فقد أتى
أمراً عظيماً قُطعَ بطلانه وخطؤه فيه، وفيه حطّ لرتبة النبي وَ لّ إلى درجة ما
سواه من المؤمنين، وذلك كُفْرٌ بیقین ... إلخ)).
قال ابن عبد الهادي: ((ما نظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير
بمجرد الهَوَى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه، أن يرمي أتباع
الرسول وحزبه وأولياءه برأيه الذي يشهد به عليه كلامه، لكن من يرد الله
فتنته فلن تملك له من الله شيئاً)).
ثم قال: ((الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عُبّادِ
القبور ... إلخ)).
- وقال ص٣٣٦: ((إنّ هذا الذي قصده عُبّادُ القبور من التعظيم، هو
بعينه السبب الذي لأجله حرّم رسول الله وَ ل * اتخاذ القبور مساجد ... )) إلخ.
- وقال ص ٣٣٥: «ثم يُقَدِّمُ المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض
الذین تلقى عنهم أصول دينه ... إلخ)).
- وقال ص٣٣٧: «فتبين أنّ هذا التعظيم الذي قصده عُبَّادُ القبور، هو
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢
الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي حذر منه رسول الله وَالّ، ونَهى أمته
عنه، ولعن فاعله ... إلخ)).
وقال ص٣٣٩: ((أفلا يستحي من الله ومن العقلاء من هذا حاله في
أصول دينه وفروعه، أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظمٌ
لرسوله، ناصرٌ له ممن ترك تعظيمه وتنقصه ... ))
نقول - حسبنا الله ونعم الوكيل -، هل بلغ الطعن في دين الإمام
السبكي هذا الحَدّ؟ !!.
- وقال ص٣٤٢ عقب قول الإمام السبكي رداً على قول ابن تيمية: إنَّ
غير قبر النبي ◌َّوَ لا يُخشى فيه محذور، وقبر النبي وَلَه يُخشَى الإفراط في
تعظيمة أن يُعْبدَ.
قال الإمام السبكي رحمة الله عليه: «هذا كلام تقشعر منه الجلود ...
إلخ)) قال ابن عبد الهادي: ((فيقال: نعم، تقشعر منه جلود عُبَّادِ القبور
- الذين منهم الإمام السبكي كما قال -، الذين إذا دعوا إلى عبادة الله
وحده، وأن لا يُشرَكَ به، ولا يُتّخَذَ من دونه وثن يُعْبَد، اشمازت قلوبهم،
واقشعرت جلودهم، واكفهرت وجوههم .... وأما الذين في قلوبهم
مرض، فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته وحقائقه وأسراره، إلاَّ رجساً إلى
رجسهم .... وهم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيؤوا
بنور العلم، ولم یلجؤوا إلی رکن وثیق))، انتهى.
- وقال ص٣٤٤: ((وليس مع عُبَّادِ القبور من الإجماع إلاَّ ما رأوا
عليهم العوام والطّغام في الأعصار التي قَلَّ فيها العلم والدِّين، وضعفت
فيها السنن، وصار المعروف فيها منكراً، والمنكر معروفاً من اتخاذ القبر
عيداً، والحج إليه، واتخاذه منسكاً للوقوف والدعاء كما يُفعل عند موقف
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣
الحج بعرفة ومزدلفة، وعند الجمرات، وحول الكعبة ... )) إلخ.
نقول: ما رميت به المسلمين في الأعصار من قلّة العلم والدِّين،
واتخاذ القبر عيداً، والحج إليه، واتخاذه منسكاً ... إلخ، متى هو، ولماذا
لم ينقل إلاّ من قِبَلِكَ؟ !!.
فهل هذا إلاَّ من قول الخوارج، وتكفير المسلمين، والعياذ بالله منه.
- وقال ص٣٤٥ عقب نقل كلام الإمام السبكي عليه رحمة الله
ورضوانه حول وجوب المبالغة في تعظيم وتوقير النبي پير والأدب معه،
قال: ((جوابه: أن يقال: أنت وأضرابك من أقل الناس نصيباً من ذلك
التعظيم، وإن كان نصيبكم من الغلو الذي ذمه وكرهه ونَهى عنه نصيباً
وافراً ... وأنت وأضرابك اكتفيتم من طاعته بأن أقمتم غيره مقامه ... إلخ)».
هذا بعض ما سَطَّر ابن عبد الهادي في كتابه الفاضح عن منهج مُدّعي
السلفية والمدافعين عن التوحيد، وزاده قبحاً مُدَّعي تحقيق الكتاب
والمُعَلّق عليه، وَتَقدَّمَهُ بكيل القذف والطعن شيخه مقبل بن هادي الوادعي
مما قَدّمهُ لنفسه بين يدي الله عند مخاصمة من قذفه وطعن في دينه، فنسأل
الله السلامة.
* *
* *
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤
هذا بَیانٌ للناس ولينذروا به
نشأت كغيري في محيط يَرى لابن تيمية قداسة لا يدانيه فيها عَلمٌ من
الأعلام، ویحرم على أيّ فرد کان تناول شخصه، أو أي رأي له، أو
مُؤَلَّفٍ له بالنقد، أو الاستدراك؛ لأنه شيخ الإسلام. ولست أدري ما يعني
هذا اللقب في عقول من يراه كذلك، هل يعني أنه ذو عصمة، وحصانة،
أو أنَّ من يَمسُّ أي جانب مما له علاقة بابن تيمية، فقد تَجَرّأ على
الإسلام، وربما خرج منه.
أو أنَّ ما يقوله ابن تيمية لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
فيجب على الجميع التسليم والانقياد لقوله، فلا منازعة، ولا تعقيب، ولا
ردّ، وإلاَّ فهو فاسق، مبتدع، صاحب هَوى، منحرف، قُبُوريٌّ، من عبّاد
القبور، صوفي ... إلخ.
وقناعتي أنّ ذلك كله، وفوقه بمراحل؛ هو ما يؤمن به من لا يَرى
سوىَ ابن تيمية عالماً مرجوعاً لقوله، لم يكن في الإسلام قبله ولا بعده من
هو أصفى عقيدة وأشدّ معرفة بالتوحيد منه، وأقوى من ناصر ودافع وبيّن
التوحيد الخالص من العقائد الفاسدة في نظر متّبعيه بوجهٍ خاص، فَحُبُّهم
له أعمى عن النظر المتأنّي والمتمعن لأقواله وآرائه، وعقائده وتوجهاته،
وذلك مِصْداقُ قول الحبيب المصطفى ◌َّ: ((حُبّك الشيءَ يُعمي وَيُصم)).
لقد عاش جيلنا وما سبق تحت هذه المظلة القاصرة، والنظرة الضيقة
حتى أورث الكثير من جُمُودِ التفكير، ورفض الإنصاف، والتعالي على
الغير، والتخطئة المُعَنّفةِ لمن لا يرى ما لا يُرَاد أن يَرَاه، حتى وقعنا في
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥
دوامة الإرهاب الفكري، والعنف في النقاش، وما لا تحمد عقباه مما لا
يَخفى على الجميع.
ابن تيمية عَلمٌ من الأعلام الذين رزقوا حظّاً من حدّة الذكاء، وقوة
النفس والجراءة، لكنه ليس أوحدهم، ولا نبيّاً نعتقد فيه العصمة وعدم
الخطأ والشطط، بل كسلف هذه الأمة نقول فيه: كُلّ أَحدٍ يؤخذ من كلامه
ويرد، إلاَّ قول النبي وَ ل﴿ فلا مجال لردّه، إلاَّ للخارج من عِدَاد الأمة. فهو
أحدٌ من لُقّبَ بـ: شيخ الإسلام، وليس أولهم وآخرهم، له ما له، وعليه
ما عليه، لكن أن نقاتل بقوله، أو بالنسبة إليه؛ كُلّ أحدٍ من فَجْرِ نبوغ
علماء الأُمّة وحتى عصرنا الحاضر بدعوى حماية التوحيد، ومحاربة البدع
والخرافات والشرك، فلا وَأَلفُ لا، نعم إن أراد من له سعة اطلاع ومعرفة
بقوله وقول غيره، أن يُؤْثِرَ قوله ومنهجه وفكره، فله ذلك، لكن دونما
دعوى: هو على الصواب، وغيره يقدح فيه وَيُذَمّ.
والحال كذلك عند من اقتصر على المعرفة المجردة عن الاطلاع التام
والنظرة الفاحصة على أقواله ومنهجه وفكره، أو من له المعرفة التامة
الحاصلة باستيعاب أقواله ومنهجه وفكره.
لكن هذا الانصاف لا مكان له عند التيميين، فالقول قوله، والمنهج
منهجه، والعقيدة عقيدته، وما سوى ذلك؛ فلا يخرج عن دائرة المبتدعة،
والصوفية، وأصحاب الأهواء الضالة.
لقد أدّى هذا التوجه الفكري الضيق إلى ما تتعالى به الأصوات الآن من
نبذ التطرف، والتَّشَدُّد؛ إلى الوسطية واحترام الآخر، لكن .... ، إنّ هذا المنهج
جعل هُوّة الشقاق تتسع، وحدّة النقاش تأخذ الطابع الأعم، فَشِدةٌ وتَطَرفٌ في
تصويب منهج ابن تيمية، يقابله ما يُنَاسِبُهُ من شِدّةٍ وَتَطرف من الجانب الآخر،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦
وَفُقِدَ الحَقّ والإنصاف فيما بينهما، حتى غدت محاربة التمذهب بأحد
المذاهب المعتمدة عند أهل السُّنّة والجماعة - بتعصب وبدونه -، هي شِعَارُ
إقامة منهج السلف، والتوحيد الخالص، ومحاربة البدع والخرافات، والأهواء
الضالة، ثم تعدّت إلى المرحلة التالية وهي: البحث عن السقطات والزَّلآت،
وإشهار التُّهم وتلفيقها عن فروع وأصول كُلّ مذهب، وعلمائه، والمنتسبين
إليه، ثم وُسِّعت الدائرة للتأليف والنشر في ميدان الطعن والقدح، وإظهار ما
تُصَوِّرهُ العقول والأفهام السقيمة مما يقال عنه: مخالفة السُّنّة عند أصحاب
المذاهب، حتى صار أَقَلَّ الناس حظّاً من العلم والعقل - وفيهم أصحاب
الدرجات العلمية -؛ يتفاخر بأنّه مجتهد وغير مقلد، ويتكلم في مخالفة الإمام
الفلاني لسنّة النبي ◌َ ل، أو تركه لها وعدم الأخذ بها.
ولم نقف عند هذا الحدِّ وكفى، بل زادت حدّة التََّجُّحِ إلى أن تكتب
الرسائل، وَتُؤْلّفُ الكُتب في نقض هذه المذاهب، وبيان شدّة مخالفتها
للسُّنّة المطهرة، وأخذت عليها الدرجات العلمية، وتُولّى التدريس مما
يصدق عليه قول سلفنا:
تَصدّر للتدريس كُل مهوَّس بليد يُسمّى بالفقيه المُدَرّس
فنشأ جيلٌ لا يَرى كرامة لعلماء المذاهب المتفق عليها بين أهل السُّنة
والجماعة، وصارت البطولة والريادة لمن يكشف عما خفي - على
زعمهم - من مُخَالفةِ هؤلاء للسُّنة، أو انحرافهم في العقيدة، أو قذفهم
بعظائم لا يَحلَّ لمسلم التّلفّظ بها في حقِّ أخيه المسلم، ثم يُختم هذا
العمل البطولي؛ بإيراد قول شيخ الإسلام عندهم تأكيداً لما فَضَحَ به نفسه
هذا المتعالم، أو أبانهُ - على زعمه - للصواب مما قَرَّهُ ابن تيمية، وما
دَرى هذا أنه قد قصّرت به معرفته وسعة اطلاعه؛ عن فهم مدارك ومقاصد
ومناهج هؤلاء العظام؛ الذين هم ناقلوا ما وصل هو إلى بعضه، ولم يُحط
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧
إلّ بفضلات علمهم، فَفَقدَ الأدب معهم، وأظهر ضغينة نفسه ليُقدِّم نفسه
قُدوةً للتقليد، مع هذيانه بمحاربة التقليد، وبدعة التمذهب.
من هذا المنطلق وغيره كثير جداً؛ زاحمت بقلمي وغيري ممن قصد
التنبيه على أنَّ التعصب لا يأتي بخير، وتقديس الأفراد خطرٌ جسيم، وتهورٌ
لا تحمد عاقبته، مع علمي الأكيد بأنني سوف أكون كحال من صرّح بما
قصدته من بيان أنّ لابن تيمية كغيره من الأعلام له وعليه، بل عليه ما هو أشدّ
خطراً مما على بعض من تَغَاضىُ التيميون عن ذِكْرٍ فَضْلهم وعظيم خدمتهم
للإسلام وعلومه، في مقابل ما يُهَولُونَهُ عن ابن تيمية من حماية الإسلام،
وحراسة العقيدة، والردّ على أهل البدع والقبوريين والمخرفين.
إنني فيما سأبينه من شدّة انحراف، وعظيم تَجَاوُزِ من ابن تيمية،
جعلته تحذيراً لنفسي قبل كُلّ شيء، ولمن يجب عليَّ نصحهم، ومن أراد
أن يقبل مني: أنَّ الغلو والتغالي في تقديس أيّ فرد، وجعل كلامه حاسماً
وقاطعاً لحجج الغير؛ أمرٌ مرفوض، ومنهج خطير لابدّ من الحذر منه،
وتشديد النهي عنه.
أما من يرى أنني صاحب هَوى نفسٍ، ومُبغضٌ لابن تيمية لأنه قد أقام
الحجة على أمثالي من المبتدعة - على حَدِّ زعمهم -، فلست بمجادل له
ومقارع، ولكني أقول له ولغيره ممن هو مُنْحَرفٌ إلى ابن تيمية، أو
مُستميت في مناصرته: هاكم اقرؤا كتابيه، فإنني لا أدعي زوراً وبهتاناً، ولا
أُأَوِّل برأيي، وألوي النصوص لأثبت ما أزعم به أنه الحق - كما سيقال
حتماً -، بل سأورد نَصَّ عبارة ابن تيمية دون تَدّخُلٍ في تحريف الكلام
وتفسيره، ليؤمن به من شاء، ويعرف الحقيقة من شاء، ويهاجم ويقذف
بما يريد من شاء، وعلى الله قصد السبيل.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٨
* تنبيه : سأقتصر فيما يلي على إيراد ما قاله ابن تيمية حول ذات
النبي وَلّ شخصياً، وما قاله في التوسل به، وزيارته؛ وذلك المناسبة
الكتاب الذي صدّرتُ به هذا البيان، وليعرف التيميون وغيرهم أنّ ابن
تيمية ليس نبيّ هذه الأُمّةِ، لا يجوز نقده وإظهار ما عليه.
وسأختم بذكر بعض ما وقفت عليه من مؤلفات تَكَلّمَ أصحابها عن
بعض تجاوزات ابن تيمية، وبيان عقيدته، وفكره.
وليس أوجز وأبلغ ما يقال عنه؛ ما قاله الإمام السبكي رحمه الله تعالى
في رسالته ((موقف الرماة في وقف حماة)) _ (فتاوى السبكي) ٢: ٢١٠:
((وهذا الرجل كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة
المصطفىْ بَير، وفي إنكار وقوع الطلاق إذا حلف به.
ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي أنه ليس ممن يُعْتَمدُ عليه في نَقلٍ ينفرد
به؛ لمسارعته إلى النقل لفهمه - كما في هذه المسألة -، ولا في بحثٍ
يُنشؤه لخلطه المقصود بغيره، وخروجه عن الحدِّ جداً.
وهو كان مكثراً من الحفظ، ولم يتهذّب بشيخٍ، ولم يرتض في
العلوم؛ بل يأخذها بذهنه مع جسارته واتساع خيالٍ وشغبٍ كثير ... )).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: ((ولكن له أتباع ينعقون ولا يعون، ونحن
نتبرم بالكلام معهم ومع أمثالهم، ولكن للناس ضرورات إلى الجواب في
بعض المسائل ... )) إلخ.
فأقول مستعيناً بالله فِهِ حولي وقوتي :
أولاً: أذكر ما ناقض فيه ابن تيمية، أو ادّعى أنه قَولُ؛ أو فِعْلُ
الصحابة، أو عالمٍ من علماء الإسلام، وما قاله من قَدحِ وطَعنٍ وقذفٍ في
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، أو عموم المسلمين مما أورده تلميذه
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٩
ابن عبد الهادي في كتابه ((الصارم المنكي في الردِّ على السبكي))، وأضيف
إليه تعقب وردّ المُعلَّق على هذا الكتاب.
- قال ابن عبد الهادي ص١٧ : ((قال [شيخ الإسلام] (١) رحمه الله
تعالى في بعض مناسكه(٢): إذا أشرف على مدينة النبي ولم قبل الحج أو
بعده، فليقل ما تقدّم، فإذا دخل له أن يغتسل (٣)، نصّ عليه الإمام أحمد،
فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى(٤) وقال: بسم الله والصلاة والسلام
على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي
الروضة بين القبر والمنبر، فيصلّ بها، ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبر النبي
وَّةٍ فيستقبل جدار القبر ولا يمسّه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في
القبلة على رأسه ليكون قائماً وِجَاه النبي وَلّر، ويقف متباعداً كما يقف لو
ظهر في حياته بخشوع وسكون، مُنَكّسَ الرأس(٥)، غاض الطّرف،
مستحضراً بقلبه جلالة موقفه ... إلخ))، انتھی.
- ونقل ص ٣٠ عن ابن تيمية في ((الجواب الباهر)) ما نصّه: ((فقد
(١) ما بين المعكوفتين من وضع المُعَلِّق على الكتاب.
(٢) وضع المُعَلِّق عنواناً لفظه: ((باب زيارة قبر النبي ◌َّ))، فهل هو يثبت زيارة
قبر النبي آل﴾؟ !!..
(٣) كتب المُعَلّق: ((هذا دليل عليه فيما أعلم))، والصواب أنه ليس بدلیل.
(٤) كتب المُعَلّق: الحديث الذي جاء نصّاً في هذه المسألة ضعيف، وقد بيّنتُ
سبب ضعفه في رسالتي ... إلخ.
(٥) قال المُعَلّق: بل يكون في حالة طبيعية مع استشعار مكانة النبي وَّر، فما كان
جميع الصحابة يدخلون منكسي الرؤوس !!!.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠
ذكرت فيما كتبته من المناسك، أنَّ السّفر إلى مسجده، وزيارة قبره كما
يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج، عملٌ صالح مستحب، وقد
ذكرت في عدة مناسك الحج؛ السُّنّة في ذلك، وكيف يُسلّم عليه، وهل
يستقبل الحجرة أو القبلة، على قولين، فالأكثرون يقولون : يستقبل
الحجرة كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة يقول: يستقبل
القبلة .... (١) والصلاة تقصر في هذا السَّفر المستحب بإجماع المسلمين، لم
يقل أحدٌ من أئمة المسلمين: إنّ هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة(٢)، ولا
نهى أحدٌ عن السفر إلى مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره
وَّر، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة ... إلخ))، انتهى.
- وفي ص ٦٠ ينقل ابن عبد الهادي عن ابن تيمية ما نصّه: ((أما أكثر
مصنفات جمهور العلماء، فليس فيها استحباب شيء من ذلك - يعني زيارة
قبر النبي وَلّر كما قاله ابن تيمية قبل هذا بأسطر -، بل يذكرون المدينة
وفضائلها، وأنها حَرَمٌ، ويذكرون مسجده وفضله، وفضل الصلاة فيه،
والسفر إليه، وإلى المسجد الحرام، ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل، ولا
يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ، ولا بغيره ... إلخ)).
- وفي ص٣٦ نقل ابن عبد الهادي قول ابن تيمية: ((ولم يكن أحدٌ
يذهب إلى القبر، ولا يدخل الحجرة، ولا يقوم خارجها في المسجد، بل
(١) ينظر هامش ص ٣٤٥ فقد بيّنا ما هو الراجح من قول الإمام أبي حنيفة رحمه
الله تعالى، وأنَّ ما أورده ابن تيمية عنه رواية مُتكلّمٌ عليها.
(٢) ينظر ص٣٥ حيث قال ابن تيمية في ((الفتاوى الكبرى)) المجلد ٤: ٥٢٠:
(( ... حتى إنهم لا يجوزون قصر الصلاة فيه، بناءً على أنه سفر معصية ... ))، انتهى.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١
السلام عليه من خارج الحجرة ... إلخ)).
- وفي ص٣٩ نقل قول ابن تيمية: ((فمن سافر إلى المسجد الحرام، أو
المسجد الأقصى، أو مسجد رسول الله وَّر فصلّى في مسجده، وصلّى في
مسجد قباء، وزار القبور كما مضت به سُنَّةُ الرسولِ وَّر، فهذا هو الذي
عَمِلَ العمل الصالح)) .
- وقال ص٧٦ نقلاً عن ابن تيمية جواباً على قياس زيارته مل على
زيارة الأخ الحي في الله ما نصه: ((قال الشيخ: والجواب أما زيارة الأخ
الحي في الله كما في الحديث، فهذا نظير زيارته في حياته بكون الإنسان
بذلك من أصحابه، وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبر كزيارته حياً
كما قاسه هذا المعترض، فهذا قياس ما علمت أحداً من علماء المسلمين
قاسه))، إلى أن قال: ((وهذا من أفسد القياس ... إلخ)).
وقد تقدم في الصفحة ٢٩ ذكر ما نقله ابن عبد الهادي ص ١٧ من
قوله: (( ... كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع))، فهل هذا قياس باطل
أيضاً؟؟؟.
- ونقل ص٧٨ عن ابن تيمية قوله: ((ومعلوم أنه لو كان حيّاً في
المسجد، لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي
اتخذ مسجداً مما نَهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله، وأيضاً فليس
عند قبره مصلحة من مصالح الدِّين وقُربَةٌ إلى ربّ العالمين إلاَّ وهي
مشروعة في جميع البقاع)).
ثم نقل عنه: ((وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها،
والسّفر إلى القبر بمجرده بالعكس، مفسدة راجحة لا مصلحة
فيها .. .إلخ)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢
هذا بعض ما في هذا الكتاب مما فيه التصريح من ابن عبد الهادي بأنه
من كلام شيخه، ولما كان عُمْدَةٌ النقل لابن عبد الهادي لكلام شيخه من
كتاب ((الجواب الباهر في زوار المقابر))، فسأورد من هذا الكتاب ما يُبيّن
فكر وعقيدة ابن تيمية وكيف هو في خطابه عن النبي ؤلات.
قال ص٦٧: (( ... كان هؤلاء الأربعة - يعني الخلفاء الأربعة - صلوا
أئمة في مسجده والمسلمون يصلون خلفهم كما كانوا يصلون خلفه، وهم
يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، كما كانوا
يقولون في حياته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون
القبر للسلام ... إلخ)).
وقال ص٨٣: ((وكانوا يدخلون على عائشة، فكانوا يُسَلِّمُونَ علیه كما
کانوا یُسَلِّمُونَ في حیاته)».
وقال أيضاً في نفس الصفحة: ((وكذلك من يُسَلُّمُ عليه عند قبره، ردّ
علیه السلام)).
وقال ص٧٦: ((فكان السلام عليه مشروعاً عند دخول المسجد
والخروج منه، وفي نفس كلٌّ صلاة، وهذا أفضل وأنفع من السلام عليه
عند قبره وأدوم، وهذا مصلحة مَحْضَةٌ لا مفسدة فيها ... )).
وقال في نفس الصفحة: ((مع أن قبره من حين دُفِنَ، لم يُمكّن أحدٌ من
الدخول إليه، لا لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك ... ولم يكن
الصحابة يدخلون إلى هناك ... )).
وسبق أن قال ص٧٣: ((وكانوا يدخلون على عائشة، فكانوا يُسَلِّمُونَ
عليه كما كانوا يُسَلِّمُونَ في حياته ... )).
فأي القولين من كلامه يؤخذ؟؟؟.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣
- وقال ص٦٨: ((وهم مع ذلك التَّمَكَّنْ - أي الدخول لحجرة السيدة
عائشة رضي الله عنها - من الوصول إلى قبره، لا يدخلون إليه لسلام ولا
لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو عِلْم، ولا كان
الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاماً أو سلاماً، فيظنون أنه هو كَلّمُهُم
وأفتاهم، وبيّن لهم الأحاديث، أو أنه قد ردّ عليهم السلام بصوت يُسمَعُ من
خارج كما طمع الشيطان في غيرهم؛ فأضلهم عند قبره وقبر غيره ... )).
نقول له: أين قوله وَله: (( ... فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي))؟؟.
وغير ذلك كثيرٌ جداً في رسالته هذه المسماة بـ: ((الجواب الباهر)).
* أما رسالته الموسومة بـ: ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة))، فمما فيها:
قال ص١٧: (( ... ولكن الشيطان قد تعين لهم وتصور لهم في الآدميين،
فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد، أنا الخضر ...
وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان، أو هذا هو الخضر ... )).
وفي ص ٢٥ قال: ((فإنَّ الشيطان يَتَصوّر بِصُوَرِ الإنس وَيَدَّعي أحدهم
أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان، ويكون كاذباً في ذلك)).
وقال ص١٠٢: ((وكذلك ابن عمر كان يَتحرّى أن يسير سَيرَ النبي ◌َلآ،
وينزل مواضع منزله ... بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة - أي موضع
شجرة بيعة الرضوان - من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونَهىُ
المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك مُتَشبهٌ بالنبيِ نَّ في
الصورة، ومتشبهٌ باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب)).
السؤال الذي يطرح نفسه: هل لابن تيمية اطلاع على عمل قلوب
الصحابة رضوان الله عليهم؟.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٤
وقال ص١٢٨ : ((وأما الشافع فسائلٌ لا تجب طاعته في الشفاعة وإن
كان عظيماً، وفي الحديث الصحيح: أنّ النبي ◌َّ سأل بريرة أن تُمسكَ
زوجها ولا تفارقه لما أُعتقت، وخيّرها النبي ◌َ ◌ّفاختارت فِرَاقهُ، وكان
زوجها يحبها، فجعل يبكي، فسألها النبي وَلقر أن تمسكه فقالت:
أتأمرني؟، فقال: ((لا، إنما أنا شافع)).
وإنما قالت: أتأمرني؟، وقال: ((إنما أنا شافع)) لما استقر عن المسلمين
أنَّ طاعة أمره واجبة، بخلاف شفاعته ... )).
هذه وقفات خاطفة مما حوته هذه الرسالة.
* وأما الكتاب الموسوم بـ: ((الفتاوى الكبرى)) وهو عبارة عن جمع
لما وجد من كتبه ورسائله ففيها من فنون الطامات ما يشيب منه الولدان،
وسوف أذكر طرفاً منها مما له صلة بالجناب النبوي.
فمن ذلك :
قال في ٢: ٣٣٧: ((ولو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه، لما ابتلى
بالذنب أكرم الخلق علیه».
وقال: ٢٢: ٤٠١: ((وقال الله تعالى لنبيه بعد صُلح الحديبية وبيعة
الرضوان ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
فأخبر أنه فعل هذا ليهديه صراطاً مستقيماً، فإذا كان هذا حاله، فكيف
بحال غيره؟)).
وفي ١٤: ٣٨ قال: ((وقد قال تعالى لنبيه وَ له بعد صُلح الحديبية وبيعة
الرضوان: ﴿إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فإذا كان
هذه حاله آخر حياته أو قريباً منها، فكيف حال غيره؟)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٥
- وذكر في ٢: ١٥٠ / ١٥١ حديث سيدنا ميسرة الفجر رضي الله عنه
الذي فيه قيل للنبي وَله: متى كنت نبياً؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد،
ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «لما أصاب آدم الخطيئة رفع
رأسه فقال: يارب، بحقِّ محمد ... الحديث، عقبه بقوله: ((فهذا الحديث
يؤيد الذي قبله، وهما كالتفسير الأحاديث الصحيحة)).
قال في ٨: ٢٨٣: ((ومن قال: إنَّ النبي ◌َ لَّ كان نبياً قبل أن يُوحى
إليه، فهو كَافِرٌ باتفاق المسلمين ... )).
نقول لابن تيمية: القائل بذلك هو النبي وسي* كما ذكرت أنت حديث
ميسرة الفجر في المجلد ٢: ١٥٠ / ١٥١ فمن الـ ... ؟؟.
- وقال في المجلد ٢٧: ٣٤٨: ((والصلاة في المساجد المبنية على القبور
منهيٌّ عنها مطلقاً، بخلاف مسجده، فإنَّ الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أُسّسَ
على التقوى، وكان حرمته في حياته ◌َّ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول
الحجرة فيه حين كان النبي ◌ُّ يصلي فيه والمهاجرون والأنصار، والعبادة فيه
إذ ذاك أفضل وأعظم مما بقي بعد إدخال الحجرة فيه ... )).
- وقال في المجلد ٤: ٥١٩/ ٥٢٠: ((حتى أحدهم إذا أراد الحج ....
وربما كان مقصوده بالحج من زيارة قبر النبي والر؛ أكثر من مقصوده
بالحج، وربما سَوّى بين القصدين، وَكُلُّ هذا ضلال عن الدِّين باتفاق
المسلمين، بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور - قبر نبي أو غيره - منهيٌّ
عنه عند جمهور العلماء، حتى إنهم لا يجوزون قصر الصلاة فيه؛ بناءً على
أنه سفر معصية ... ))(١).
(١) ينظر ص ٣٠ حيث قال: ((لم يقل أحدٌ من المسلمين: إنَّ هذا السفر لا تقصر
==
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦
لقد قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في ((النصيحة الذهبية)) وهي
المرسلة منه لشيخه ابن تيمية: (( .... وأعداؤك والله فيهم صلحاء وأخيار،
وعقلاء وفضلاء، كما أنّ أولياءك فيهم فجرة وكذبة، وجهلة وبطلة، وَعَورٌ
وبقر ... )) لم يَرضَ التيميون هذا منه، لكن انظر معي ما يقوله ابن تيمية
نفسه عن معارفه، وأصحابه.
يقول في المجلد ١٧: ٤٥٨: ((وقد ذكر لي غير واحد ممن أعرفهم،
أنهم استغاثوا بي، فرأوني في الهواء وقد أتيتهم وخلصتهم من تلك
الشدائد ... فذكرت لهم أني ما دريت بما جرى أصلاً، وحلفت لهم على
ذلك حتى لا يظنوا أني كتمت ذلك كما تكتم الكرامات، وأنا قد علمت
أن الذي فعلوه ليس بمشروع، بل هو شرك وبدعة، ثم تبين لي فيما بعد،
وبينت لهم أنّ هذه شياطين تتصور على صورة المستغاث به)).
وقال في المجلد ٣٥: ١١٥: (( ... حتى أنّ طائفة من أصحابي ذكروا
أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم ... فذكر كُلّ منهم أنه لما استغاث
بي، رآني في الهواء وقد دفعت عنه عدوه، فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا،
ولا دفعت عنكم شيئاً، وإنما هذا الشيطان تمثل لأحدهم فأغواه؛ لما
أشرك بالله تعالى ... )) (١).
=
فيه الصلاة))؟ !!. وينظر ص٢٩٩ حيث قول الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في
كتابه ((المُغني)» بجواز القصر، وفي ص ٣٢٥ نقل ابن تيمية القول بجواز القصر عن غير
واحد من الأئمة.
(١) طبعة ((الفتاوى الكبرى)) المعتمد النقل منها، هي الطبعة الأولى الصادرة فيما
بين عام ١٣٨١ هـ وما بعده، والمختوم عليها بختم رئاسة البحوث العلمية والدعوة
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧
نقول: ما ألطف عبارة الإمام الذهبي، وما أجَلَّ الاعتراف.
وقال في المجلد ٣٢: ٢٤٨: ((وقد روى الشعبي عن النبي ◌َّ أنَّ وفد
عبد القيس لما قدموا على النبي ◌َّ، وكان فيهم غلامٌ ظاهر الوضاءة،
أجلسه خلف ظهره، وقال: ((إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظر))(١).
هذا وهو رسول الله وَّج*، وهو مُزَوَّجٌ بتسع نسوة، والوفد قوم صالحون،
=
والإرشاد بالوقف على طلبة العلم.
(١) قال الإمام الصّقدي في ((الوافي بالوفيات)) ٧: ١٦: ((قلت: حكى لي من
سمعه - يعني ابن تيمية - يقول: إني وقفت على مئة وعشرين تفسيراً، أستحضر من
الجمیع الصحیح الذي فیھا، أو کما قال»، انتھی.
وهذا الأثر الذي ذكره ابن تيمية عن الإمام الشعبي، قال عنه تلميذه ابن القيم في
((روضة المحبين)) ص١٤٤: ((وقد روى الحافظ محمد بن ناصر السَّلامي من حديث
الشعبي مرسلاً، قال: قدم وفد عبد القيس ... كانت خطيئة من مضى من النظر))، وهذا
المرسل الذي لم يذكر فيه اسم سيدنا داود عليه السلام، قال عنه الإمام أبو الحسن القطان
الفاسي المتوفّى سنة ٦٢٨هـ في كتابه ((النَّظر في أحكام النّظر بحاسة البصر)» ص٢٧٨ :
((حديث مرسل رواه أبو حفص بن شاهين بإسناد مجهول إلى أبي أسامة حماد بن أسامة،
عن مجالد، عن الشعبي قال: قدم وفد عبد القيس ... وهو لا حجة لهم فيه على الأمر،
لضعفه، فإنَّ من دون أبي أسامة لا یعرف، ومجالد ضعيف، وهو مع هذا مرسل ... )) انتهى.
ونقل صاحب ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) ١: ٤٨٣ عن الإمام ابن
الصلاح قوله في ((مشكل الوسيط)): ((لا أصل لهذا الحديث))، وعن الإمام الزركشي
في كتابه ((تخريج أحاديث الشرح)): ((هذا حديث منكر، فيه ضعفاء ومجاهيل،
وانقطاع ... ))، ثم قال صاحب ((السلسلة)): ((وقصة افتتان داود عليه السلام بنظره ... ولا
يشك مُسلمٌ عاقلٌ في بطلانها)». انتهى. فهل هذا الأثر مما يستحضره ابن تيمية من
الصحيح من المئة والعشرين تفسيراً؟؟.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٨
ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب ... )).
السؤال: فهل ابن تيمية يريد من ذكره ما رُوِيَ عن الشعبي - وَتقدَّم
بيان حال هذا الأثر - أن يُثْبِتَ ما لا يصح من قصة سيدنا داود عليه السلام
مع زوجة أوريا، التي يقول عنها تلميذه الإمام ابن كثير في ((تفسيره)) ٧:
٦٠: ((قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذة من الإسرائيليات، ولم
يثبت فيها عن المعصوم حدیث يجب اتباعه ... » إلخ.
بقي أن أنبه على مقصود ابن تيمية بالزيارة الشرعية عنده، وهي: أنَّ
الداخل للمسجد يصلي ويسلم على النبي وَّ، وفي صلاته بالمسجد،
وعند الخروج منه، فلا يلزم شدّ رحلٍ، ويمكنه فعل ذلك في أي مسجد.
وما أكثر ما ذكرها في كتبه، ونقلها عنه ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)).
أخي المسلم الغيور، هذه بعض .... ابن تيمية التي تفيض بها مؤلفاته،
والتي يُحثَّ الناس على مطالعتها واقتنائها، والتمسك بعقيدته، وتحريراته
النافعة، وما اقتصرت عليه في هذا الجانب؛ أَقلّ القليل، وفي مسائل العقيدة
والمخالفة فيها، والبهتان بتقويل العلماء ما لم يقولوه؛ أحيل من شاء إلى:
١ - ((فتاوى ابن تيمية في الميزان)) تأليف: محمد بن أحمد مسكة
العتيق اليعقوبي.
٢ - ((الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية)) تأليف: سعيد عبد اللطيف فودة.
٣ - ((نقض الرسالة التدمرية)) - سلسلة الكاشف الكبير - تأليف سعيد
عبد اللطيف فودة.
٤ - ((رسالة في الردّ على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها))
تأليف بهاء الدين عبد الوهاب الإخميمي الشافعي ت٧٦٤هـ، تحقيق
سعيد عبد اللطيف فودة.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية
ز

٣٩
٥ - ((حديث: ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) رواية ودراية. تأليف
صلاح الدين الإدلبي.
٦ - ((التوفيق الرباني في الردّ على ابن تيمية الحراني)) وهو عبارة عن
نقول لجماعة من العلماء في بيان طامات ابن تيمية.
٧ - ((زيارة النبي وَليل أحكامها وآدابها، دراسة تأصيلية على هدي
الكتاب والسنة وآثار السلف)) د. محمود أحمد الزين.
كما يمكن مطالعة كتاب ((أخطاء ابن تيمية في حقّ الرسول وَّ وأهل
بيته)) تأليف الدكتور محمود السيد صبيح لكن بنظرة ناقدة وفاحصة.
هذا ما يتحتم عَليَّ بيانه وتنبيه الناس إليه، دونما تشنج ومزيد تفصيل
ليظهر لمن يُطَالع ما قدمنا بعضه، هل يستحق ابن تيمية من الإجلال
والتعظيم والدفاع عنه؛ أكثر مما يجب علينا تُجَاهَ النبيّ وََّ؟.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية