Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
ذكر طبه معَّه من الطاعون
قال: سألت عنه رسول اللَّه عَ لّه فقال: هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع في الألسنة، وهو في النهاية تبعًا
لغريبي الهروي بلفظ ((وخز إخوانكم)) ولم أره بلفظ ((إخوانكم)) بعد التتبع الطويل
البالغ في شىء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا في
الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن
أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم. انتهى.
عارم (بن أبي موسى الأشعري،) ثقة، من رجال الجميع، مات سنة ست ومائة، وكان أسن من
أخيه أبي بردة، (عن أبيه) عبد اللَّه بن قيس الأشعري، (قال: سألت عنه،) أي الطاعون
(رسول اللَّه عٍَّ، فقال: هو وخز) (بفتح الواو وسكون المعجمة، بعدها زاي) (أعدائكم من
الجن،) أي كفارهم، قال أهل اللغة: الوخز الطعن إذا كان غيرنا، فذو وصف طعن الجن بأنه
وخز، لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثر في الباطن أولاً، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ،
وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أولاً، ثم يؤثر في
الباطن، وقد لا ينفذ، كما في الفتح، (وهو لكم شهادة،) أي لكل مسلم وقع به، أو وقع في بلد
هو فيها.
ففي البخاري عن عائشة؛ أنها سألت النبي ◌َِّ عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذابًا
يبعثه اللَّه على من يشاء، فجعله اللَّه رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في
بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب اللَّه له، إلا كان له مثل أجر الشهيد.
(قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع) هذا الحديث (في الألسنة، وهو في النهاية
تبعًا لغريبي الهروي)، أي كتابه المؤلف في غريبي القرآن والحديث (بلفظ: وخز إخوانكم ولم أره بلفظ
إخوانكم بعد التتبع الطويل، البالغ) الغاية (في شيء من طرق الحديث المسندة)،
المروية بالأسانيد، (لا في الكتب المشهورة،) كالستة والمسانيد العشرة والمعاجيم، (ولا في
الأجزاء المنتورة).
(وقد عزاه بعضهم:) هو صاحب كتاب آكام المرجان في أحكام الجان، كما في شرح
المصنف (لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في
واحد منها والله أعلم. انتهى).
قال المصنف: فإن قلت: فإذا كان الطعن من الجن، فكيف يقع في رمضان والشياطين
تصفد فيه وتسلسل؟.
أجيب: باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان، ولم يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل

٥٢٢
ذكر طبه عَّه من الطاعون
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسل اللَّه عٍَّ يقول:
الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا
غير ذلك.
(وفي الصحيحين:) البخاري في ذكر بني إسرائيل والطب، وترك الحيل، ومسلم في
الطب، وكذا النسائي (من حديث أسامة بن زيد،) الحب بن الحب، (قال:) وقد سأله سعد بن
أبي وقاص: ما سمعت من رسول اللَّه عَّ في الطاعون؟، فقال أسامة: (سمعت رسول اللّه عَ لّم.
يقول: الطاعون وجز) (بالزاي) على المعروف، أي عذاب، ووقع لبعض الرواة رجس (بسين
مهملة بدل الزاي).
قال الحافظ المحفوظ: (بالزاي)، والمشهور أن الذي بالسين الخبيث، أو النجس، أو
القذر، ووجه عياض؛ بأن الرجس يطلق على العقوبة أيضًا.
وقد قال الفارابي والجوهري والراغب: الرجس العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿ويجعل
الرجس على الذين لا يعقلون﴾ [يونس: ١٠٠]، (أرسل على طائفة من بني إسرائيل) لما كثر
طغيانهم، (وعلى من كان قبلكم،) كذا في نسخ المصنف: (بالواو)، والذي في الصحيحين إنما
هو بأو.
قال الحافظ: بالشك من الراوي، وفي رواية ابن خزيمة بالجزم، بلفظ: رجز سلط على
طائفة من بني إسرائيل، والتنصيص عليهم أخص، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى ما
جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبري من طريق سليمن التيمي، أحد صغار التابعين، عن سيار أن
رجلاً كان يقال له: بلعام، كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي
فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أوامر ربي، فمنع، فأتوه بهدية، فقبلها،
وسألوه ثانيًا، فقال: حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم،
فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك،
فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، ارسلوا النساء في عسكرهم ومروهن لا يمتنعن من أحد،
فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك، فأرادها بعض الأسباط وأخبرها بمكانه،
فمكنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم، وجاء رجل
من بني هرون ومعه الرمح، فطعنهما، وأيده الله، فانتظمهما جميعًا، وهذا مرسل جيد وسیار شامي
موثق.
وذكر الطبري أيضًا هذه القصة عن محمد بن إسحق، عن سالم أبي النضر بنحوه، وسمى
المرأة كشتاء: (بفتح الكاف وسكون المعجمة وفوقية)، والرجل زمري: (بكسر الزاي وسكون

٥٢٣
ذكر طبه معَّه من الطاعون
سمعت به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها
فرارًا منه.
الميم وكسر الراء) رأس سبط شمعون، والذي طعنهما فنحاص (بكسر الفاء وسكون النون، ثم
مهملة فألف فمهملة) ابن لهرون وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفًا،
والمقلل يقول عشرون ألفًا، وهذه الطريق تعضد الأولى.
وذكر ابن إسحق في المبتدأ أن بني إسرائيل لما كثر عصيانهم، أوحى الله إلى داود
فخيرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط سنتين، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام،
فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا، وقيل:
مائة ألف، فتضرع داود إلى اللَّه، فرفعه، وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أنه
المراد بقوله: أو من كان قبلكم من ذلك، ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير،
قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم يخضب كفه في دمه، ثم يضرب
به على بابه، ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك، فقالوا: إن اللَّه يبعث عليكم عذابًا، وإنا ننجوا منه
لهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى:
﴿ادع لنا ربك بما عهد عندك﴾، فدعا، فکشفه عنهم، وهذا مرسل جيد الإسناد.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره، وابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: ﴿الذين خرجوا من
ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قال: فروا من الطاعون، فقال لهم اللَّه: موتوا،
ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم، فأقدم من وفقنا عليه في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني
إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك لغيرهم. انتهى.
(فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه،) لأنه تهوّر وإقدام على خطر وإلقاء إلى
التهلكة، كمن أراد دخول دار، فرأى فيها حريقًا تعذر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلا يصيبه،
وليكون ذلك أسكن للنفس وأطيب للعيش، ولئلا يقعوا في اللوم المنهي عنه بلوم أنفسهم فيما لا
لوم فيه، لأن الباقي والناهض لا يتجاوز واحد منهم أجله، (وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا
تخرجوا منها فرارًا منه،) لأنه فرار من القدر، فالأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض وتسليم.
قال ابن عبد البر: النهي عن الدخول لدفع ملامة النفس، وعن الخروج الإيمان بالقدر.
انتھی.
والأكثر على أن النهي عن الفرار منه للتحريم، وقيل: للتنزيه، ومفهوم الحديث جوازه لشغل
عرض غير الفرار، وحكى عليه لاتفاق.
قال الحافظ: ولا شك أن الصور ثلاث: ومن خرج لقصد الفرار محضًا، فهذا يتناوله النهي

٥٢٤
ذكر طبه عَ لِّ من الطاعون
وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا.
منها: أن الطاعون يكون في الغالب عامًا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع
فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت حتى
لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض
المذكور أو بغيره أو الكبر حيًّا وميتًا.
وأيضًا: فلو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب
الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب
من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه.
وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر
لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلاً، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل
من بلد إلى بلد كان بها إقامته مثلا، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه في أثناء تجهزه، فهذا
لم يقصد الفرار أصلاً، فلا يدخل في النهي.
الثالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك، أنه قصد الراحة من
الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع، كأن تكون الأرض التي وقع بها وخمة،
والأرض التي يتوجه إليها صحيحة، فتوجه بهذا القصد إليها، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في
الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه لم يتمحض القصد للفرار، وإنما هو لقصد التداوي. انتهى.
(وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا، منها: أن الطاعون يكون في الغالب
عامًا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار،
لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل) فعله،
إذ لا فائدة فيه، (ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض
المذكور أو بغيره) من الأمراض، (أو الكبر) ضائع المصلحة لفقد من يتعهده (حيًا) بالقيام بما
يحتاجه، (وميتًا) بتجهيزه ودفنه، (وأيضًا) من الحكم، (فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء، لكان
في ذلك كسر قلوب الضعفاء،) الذين لا يقدرون على الخروج.
(وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف،) بنحو قوله تعالى: ﴿ومن يولهم
يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ [الأنفال: ١٦]، (لما
فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخلافه، وقد جمع الغزالي بين الأمرين،

٥٢٥
ذكر طبه عَّ الله من الطاعون
البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا
يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا
يسلم غالبًا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء
في الخروج لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة
أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى
الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى
القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج
فقال:) إنما نهى عن الخروج كالدخول، مع أن سببه الطبي من الهواء، وأظهر طرق التداوي الفرار
من المضر وترك التوكل في نحوه مباح، لأن (الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل
من حيث دوام الاستنشاق) له، فإذا كان فيه عفونة بدأ، (فيصل إلى القلب والرئة، فيؤثر في
الباطن، ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا
يسلم،) وفي نسخة: لا يخلص (غالبًا مما استحكم به،) أي من أجل ما استحكم عنه من
الداء.
قال الغزالي: لكنه توهم الخلاص، فيصير من جنس الموهومات كالطيرة، فلو تجرد هذا
المعنى لم يكن منهيا عنه، (و) لكنه (ينضاف إلى ذلك؛ أنه لو رخص للأصحاء في الخروج
لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم، فتضيع مصالحهم) أحياءً وأمواتًا، وعبارة الغزالي: لو
رخص للأصحاء في الخروج لم يبق بالبلد إلا من طعن، فيضيع حالهم فيكون هلاكهم محققًا
وخلاصهم منتظرًا، كما أن صلاح الأصحاء منتظر، ولو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت، ولو
خرجوا لم يقطع بالخلاص، والمؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وينعكس هذا فيمن لم يدخل
البلد، فإن الهواء لم يؤثر بباطنه، ولا بأهل البلد حاجة إليه، فإن لم يبق في البلد إلا مطعون
وافتقروا لمتعهد، وقدم عليهم لم ينه عن الدخول، بل يندب للإعانة، ولأنه تعرض لضرر موهوم
على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين، كما يؤخذ من تشبيه الفرار هنا بالفرار من الزحف، لأن
فيه كسرًا لقلوب البقية وسعيًا في إهلاكهم. انتهى.
وهو نفيس، (ومنها: ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف
أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى
الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل) إضراب انتقالي، (ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه
إلى القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها، فأفسدته، فمنع من الخروج لهذه

٥٢٦
ذكر طبه عَِّ من الطاعون.
لهذه النكتة.
ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت
لسلمت، فیقع في اللو المنهي عنه.
وقال العارف بن أبي جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها،
فمن أراد اللَّه إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا
الشارع إلى عدم النصب.
النكتة،) وهي متعلقة بنفس من يريد الخروج.
(ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت) بالطاعون، (والمقيم يقول: لو خرجت
لسلمت، فيقع في اللو) (بالفتح وشد الواو) (المنهي عنه) بقوله عَة: ((إياك ولو فإن لو، من
الشيطان».
رواه مسلم، ووقع عند بعض رواته بلفظ: اللوّ (بالتشديد)، قال عياض والمحفوظ خلافه.
نعم روى النسائي وابن ماجه مرفوعًا: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف،
وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن غلبك أمر، فقل: قدر الله وما
شاء فعل، وإياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان؛ وللطيراني مرفوعًا: احرص على ما ينفعك
واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قدر الله وما
شاء فعل فإن لو مفتاح الشيطان، والجمع بين هذا وما ثبت من استعماله عَآه لو، كقوله: لو
سلك الناس واديًا، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قاله النووي، الظاهر أن النهي عن إطلاقها
فيما لا فائدة فيه، أما من قالها تأسفًا على ما فات من طاعة اللَّه، أو ما هو متعذر عليه منها،
ونحو: هذا فيجوز، وعليه أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، وقيل غير ذلك، وقد ترجم
البخاري في كتاب التمني ما يجوز من اللو إشارة إلى ذلك، (وقال العارف بن أبي جمرة)
(بجيم وراء): (البلاء إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمن أراد اللّه إنزال البلاء به فهو
واقع به لا محالة) (بفتح الميم)، (فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب،) أي
إلى ترك التعب فيما لا فائدة فيه.
قال ابن عبد البر: يقال ما فر أحد من الطاعون فسلم من الموت، ولم يبلغني عن أحد من
حملة العلم أنه فر منه، إلا ما ذكر المدائني أن علي بن زيد جدعان هرب منه إلى السبالة، فكان
يجمع كل جمعة ويرجع، فإذا رجع صاحوا به فر من الطاعون، فطعن فمات بالسبالة. انتهى.
لكن نقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي وقع بها الطاعون عن جماعة من
الصحابة، منهم: علي والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين الأسود بن هلال ومسروق، وأنهما كانا

٥٢٧
ذكر طبه مَ له من الطاعون
وقال ابن القيم: جمع عَ لِ للأم في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو
بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن في الدخول في
الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على
نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية
التي أرشدنا اللَّه إليها، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية، وأما نهيه عن
الخروج من بلده ففيه معنيان.
أحدهما: حمل النفوس على الثقة باللّه تعالى والتوكل عليه، والصبر على
أقضيته والرضا.
یفران منه.
ونقل ابن جرير: أن أباه موسى الأشعري كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون، وعن
عمرو بن العاصي؛ أنه قال: تفرقوا من هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال حملاً
للنهي على التنزيه، وخالفهم الأكثر، وقالوا: إنه للتحريم، حتى قال ابن خزيمة: إنه من الكبائر التي
يعاقب اللَّه عليها إن لم يعطف، وهو ظاهر قوله عَّه: ((الطاعون غدة كغدة البعير المقيم بها،
كالشهيد، والفار منه کالفار من الزحف»، رواه أحمد برجال ثقات.
وروى الطيراني وأبو نعيم بإسناد حسن، مرفوعًا: الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من
الجن غدة كغدة الإبل تخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام به كان
كالمرابط في سبيل اللَّه، ومن فر منه كان كالفار من الزحف.
(وقال ابن القيم: جمع عَّ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها،
ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال،) أي غاية (التحرز منه، فإن في الدخول في
الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة،) أي إتيانًا (له في محل سلطانه:) قوته وشدته،
(وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل) إضراب انتقالي لا إيطالي؛ كأنه
قيل: وأيضًا (تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشدنا اللَّه إليها،) بنحو قوله:
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، (وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية.
(وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه)،) أي ففي حكمته (معنيان).
(أحدهما: حمل النفوس على الثقة باللّه تعالى،) أي الاعتماد (والتوكل عليه، والصبر
على أفضیته والرضا) بها.

٥٢٨
ذكر طبه مَّهِ من السلعة
والثاني: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن
يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من
كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي
مضرة جدًا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من
الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.
[ذكر طبه حَ له من السلعة]
أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي عن شرحبيل الجعفي قال:
أتيت رسول اللَّه عَّلَه وبكفي سلعة، فقلت يا رسول اللَّه هذه السلعة قد أذتني، تحول بيني
وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث في كفي، ووضع كفه على السلعة
(والثاني: ما قاله أئمة الطب: إنه يجب على من كان يحترز عن الوباء أن يخرج عن
بدنه الرطوبات الفضيلة،) أي الزائدة نسبة إلى الفضل، وهو الزيادة، (ويقلل الغذاء؛) بأن لا
يشبع، (ويميل إلى التدبير المجفف) للرطوبة الزائدة (من كل وجه، والخروج) مبتدأ (من
أرض الوباء، والسفر منها) عطف عليه، والخبر (لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًا،
هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من
علاج القلب والبدن وصلاحهما. انتهى) كلام ابن القيم.
وبه يظهر مطابقة الحديث لقول الترجمة: طبه من الطاعون، وإلا فظاهر الحديث ليس فيه
طب منه، إنما فيه نهيه عن الخروج والدخول؛ وحاصل الجواب أنه نهي شرعي مشتمل على طب
بدني، كما علم.
ذكر طبه عليّ من السلعة
(أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي) وابن السكن (عن شرحبيل
الجعفي:) سمى ابن منده وابن فتحون أباه عبد الرحمن، وقال العسكري شرحبيل بن أوس، وقال
ابن السكن ابن عقبة، (قال: أتيت رسول اللَّه عَّ. وبكفي سلعة) (بكسر السين وفتحها وسكون
اللام، وبفتحتين ويكسر السين وفتح اللام كعنبة، كما في القاموس، أي شيء كالغدة في كفه
يتحرك بالتحريك.
قال الأطباء: هي ورم غليظ غير ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه لها غلاف ويقبل
الزيادة، لأنها خارجة عن اللحم، فتكون من قدر حمصة إلى قدر بطيخة، (فقلت: يا رسول اللَّه
هذه السلعة قد أذتني تحول) خبر بعد خبر كالعلة لأذيتها له؛ كأنه قيل: لأنها تحول (بيني
وبين قائم السيف أن أقبض،) أي أضم (عليه) أصابعه، (وعنان الدابة) (بكسر العين لجامعها،

٥٢٩
ذكر طبه ماتٍ من الحمى
فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.
ومسح عَّ له وجه أبيض بن جمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم
ومنها أثر، رواه البيهقي وغيره.
[ذكر طبه عَ لِ من الحمى]
روى البخاري من حديث لملك عن النبي عَّه قال: ((الحمى من فيح جهنم
فأطفئوها بالماء البارد)).
واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم
أي يحول بينه وبين أن يقبض عليه أيضًا، وأسقط من لفظ الحديث، فقال عَّه: ادن فدنوت،
(فنفث في كفي) ليحصل الشفاء ببركة ريقه الشريف، (ووضع كفه على السلعة، فما زال
يطحنها بكفه،) أي يدلكها، وعبر بالطحن عن الدلك مجازًا (حتى رفعها،) أي ما زال يكرر
الدلك إلى أن رفع كفه (عنها،) أي السلعة، (وما أرى أثرها) لزواله والكف مؤنثة من الإنسان،
وغيره قال ابن الأنباري: وزعم من لا يثوب به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها ممن يوثق
بعلمه، لكن في شرح البهجة أن تذكيرها لغة قليلة، (ومسح عَُّ وجه أبيض بن حمال)
(بالمهملة وشد الميم المأربي، بسكون الهمزة وكسر الراء بعدها موحدة).
قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث يعد في أهل اليمن، (وكان به القوباء:)
(بضم القاف وفتح الواو، وقد تخفف بالسكون والمد) داء معروف.
زاد في رواية: فالتقمت أنفه، (فلم يمس من ذلك اليوم، ومنها: أثر) لزوالها ببركة اليد
الميمونة، (رواه البيهقي وغيره))) كأبي داود والترمذي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه
وابن حبان في صحيحه، كما في الإصابة.
ذكر طبه عٍَّ من الحمى
(روى البخاري) ومسلم، وكلاهما (من حديث لملك،) عن نافع، عن ابن عمر، (عن
النبي عٍَّ) أنه (قال: الحمى من فيح جهنم) (بفتح الفاء وسكون التحتية فحاء مهملة)، وفي
حديث رافع بن خديج في الصحيحين: من فور بالراء بدل الحاء.
وفي رواية للبخاري، عنه: من فوح بالواو بدل التحتية، وكلها بمعنى، والمراد سطوع حرها
ووهجه، (فاطفؤوها) (بقطع الهمزة وكسر الفاء، بعدها همزة مضمومة) (بالماء البارد) شربًا،
وغسل أطراف أو جميع الجسد على ما يليق بالزمان والمزاج والمكان.
(واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم

٥٣٠
ذكر طبه ◌ٍَّ من الحمى
المحموم قطعة من جهنم، وقدر اللَّه ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك،
كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرَها في هذه الدار عبرة ودلالة.
وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم،
تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو
ما یصیب من قرب منها من حرها.
قوله ((فأطفئوها)) بهمزة قطع، أمر من: الأطفاء.
وروى الطبراني الحمى حظ المؤمن من النار.
المحموم قطعة من جهنم، وقدر اللَّه ظهورها) في الدنيا (بأسباب تقتضيها) نذيرًا للجاحدين
وبشيرًا للمقربين، (ليعتبر العباد بذلك،) فالتعذیب بها يختلف باختلاف محله، فیکون للمؤمن
تكفيرًا لذنوبه وزيادة في أجوره، وللكافر عقوبة وانتقامًا، وإنما طلب ابن عمر كشفه، كما في
البخاري عقب هذا الحديث، قال نافع: وكان عبد اللّه يقول: اللهم اكشف عنا الرجز، أي
العذاب مع ما فيه من الثواب لمشروعية طلب العافية من اللَّه، إذ هو قادر على أن يكفر سيئات
عبده ويعظم ثوابه من غير أن يصيبه شيء يشق عليه، (كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم
الجنة أظهرها) اللَّه سبحانه (في هذه الدار) الدنيا (عبرة:) تذكيرًا ووعظًا (ودلالة) على ما عنده
تعالى.
(وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم) في كونه
مذيًا للبدن ومعذبًا له، (تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وإن هذه الحرارة الشديدة شبيهة
بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها،) لتتعظ النفوس فتبعد عن الأسباب الموجبة
للنار.
زاد المصنف في شرح البخاري: والأول أولى، قال الطيبي: من ليست بيانية حتى تكون
بسببها، كقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾
[البقرة: ١٨٧]، فهي إما ابتدائية، أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية، أي
بعض منها، قال: ويدل لهذا التأويل ما في الصحيح: اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها بنفسين:
نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فكما أن حرارة الصيف أثر من فيحها، كذلك الحمى حرارة
غريزية تشتغل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن.
(قوله: فأطفؤوها بهمزة قطع) مفتوحة (أمر من الإطفاء) الرباعي. (وروى الطبراني)
مرفوعًا: (الحمى حظ المؤمن من النار،) أي نار جهنم، فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق
لهيب جهنم في الأخرى، أي أنها تكفر ما يوجب النار وتسهل عليه الورود حتى لا يشعر به

٥٣١
ذكر طبه . من الحمى
وفي رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول اللَّه عَله: ((إن
الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» بهمزة وصل والراء مضمومة
أصلاً.
قال ابن القيم: ليس المراد أنها هي نفس الورود المذكور في القرآن، لأن سياقه يأبى
حمله على الحمی قطعًا، لأنه تعالی وعد عباده کلهم بورود النار، فالحمی للمؤمن تكفر خطاياه،
فتسهل علیه الورود، فینجی منه سريعًا. انتهى.
وهو رد لقول مجاهد في تفسير الآية: الحمى في الدنيا حظ المؤمن من الورود في
الآخرة، رواه ابن أبي حاتم والبيهقي عنه، وقال الزين العراقي: إنما جعلت حظه من النار لما فيها
من البرد والحر المغير للجسم، وهذه صفة جهنم، فهي تكفر الذنوب فتمنعه من دخول النار.
انتھی.
يعني دخول عذاب لا الورود، هذا ولفظ الطبراني في الأوسط، عن أنس مرفوعًا: ((الحمى
حظ أمتي من فیح جهنم) ورواه في الکبیر عن أبي ريحانة، رفعه: الحمی کیر من جهنم، وهي
نصیب المؤمن من النار.
نعم، رواه ابن أبي الدنيا والعقيلي من حديث عثمن: الحمى حظ المؤمن من النار يوم
القيامة، ورواه البزار عن عائشة، والقضاعي والديلمي عن ابن مسعود، رفعه: الحمى حظ كل
مؤمن من النار؛ وقول الحافظ أبي بكر بن العربي، قال بعض الغافلين: الحمى حظ المؤمن من
النار، فهو مستثنى من هذا، أي الآية، فقال: وهذه غفلة عظيمة، بل لا بد لكل أحد من الصراط،
فتلقح النار قومًا، ونقف دون آخرین، والكل وارد عليها. انتهى.
مراده أن جعل الحديث نفس الورود لمن حلت به الحمى، فيستثنى من الآية من نزلت به
غفلة بدليل فحوى كلامه، لا إنه لم يقف على الحديث، كما ظنه بعضهم فتعجب منه، بأن
للحديث طرقًا عديدة لا تخفى على من له أدنى ممارسة بالحديث.
(وفي رواية نافع عن ابن عمر عند الشيخين، قال رسول اللَّه عَظيم: أن الحمى أو شدة
الحمى من فيح جهنم) الذي في البخاري في الطب، إنما هو باللفظ السابق من رواية لملك عن
نافع، وفيه: قبله في صفة جهنم من بدء الخلق من رواية عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، مرفوعًا:
((الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء)): فإنما فيه أنه قال: فأبردوها بدل قوله في الأولى:
فاطفؤوها، وكذا رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد اللَّه، عن نافع بلفظ: فأبردوها،
ورواه من طريق لملك عن نافع باللفظ الأول، وهو: فاطفؤوها، وكذا رواه من طريق محمد بن زيد
عن ابن عمر، ورواه من وجه آخر عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَِّ، قال: إن

٥٣١
ذکر طبه آت} من الحمى
على المشهور وحكي كسرها الراء. وفي رواية ابن ماجه بالماء البارد.
وفي رواية همام عن أبي جمرة عند البخاري، قال: كنت أجالس ابن عباس
بمكة، فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمى، قال:
أبردها بماء زمزم، فإن رسول اللَّه عَ لّه قال: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء،
أو بماء زمزم، شك همام.
قال ابن القيم: قوله ((بالماء)) فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو
شدة الحمى من فيح جهنم فأطفؤوها بالماء؛ فلم أجد في واحد من الصحيحين بهذا اللفظ الذي
ساقه المصنف، (فابردوها بالماء بهمزة وصل والراء مضمومة على المشهور) في الرواية من
بردت الحمى أبردها بردًا، بوزن قتلتها أقتلها قتلاً، أي أسكنت حرارتها، قال شاعر الحماسة:
إذا وجدت لهيب الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرة فمن النار على الأحشاء تتقد
(وحكى كسرها)، أي (الراء) مع وصل الهمزة، وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة
وكسر الراء من إبراد الشيء إذا عالجه فصيره باردًا، مثل أسخنته إذا صيرته سخنًا، وأشار إليها
الخطابي، وقال الجوهري: إنها لغة ردية، وقول أبي البقاء: الصواب وصل الهمزة وضم الراء، زاد
القرطبي: وأخطأ من زعم قطعها فيه نظر بعد ثبوتها رواية عند عياض والخطابي، فيكفي في
توجيهها أنها لغة وإن كانت ردية بمعنى مخالفة للقياس.
(وفي رواية ابن ماجه) من حديث أبي هريرة لا ابن عمر كما يوهمه المصنف: (بالماء
البارد) شربًا وغسل أطراف، لأن البارد رطب ينساغ لسهولته، فيصل للطافته إلى أماكن العلة من
غير حاجة إلى معاونة الطبيعة.
(وفي رواية همام) بن يحيى، (عن أبي جمرة:) بجيم وراء نصر بن عمران بن عصام
الضبعي (بضم المعجمة وفتح الموحدة، بعدها مهملة) البصري، نزیل خراسان، مشهور بکنیته،
وته، ثبت من رجال الجميع، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
(عند البخاري) في وصفه جهنم، (قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة،) وفي رواية
أحمد: كنت أدفع الناس عن ابن عباس، (فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا) عن المجيء له،
(فقال: ما حبسك))) أي منعك، (قلت: الحمى، قال: أبردها) عنك (بماء زمزم، فإن
رسول اللَّهُ عَّ قال: الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم، شك همام)
(بفتح الهاء وشد الميم) ابن يحيى البصري، راوي الحديث عن أبي جمرة.
(قال ابن القيم: قوله بالماء فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثاني:

٥٣٣
ذكر طبه لله من الحمى
الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبي جمرة هذا،
وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرًا الأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر
عندهم، وأمر غیرهم بما عندهم من ،المياه، انتهى.
وتعقب: بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام: فابردوها بماء زمزم
ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم.
قال ابن القيم: واختلف من قال: إنه على عمومه: هل المراد به الصدقة
بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال
إن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى. ولم يفهم
وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أحمد
لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أحمد اللَّه لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا،
انتھی.
وقال الخطابي وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن
أنه ماء زمزم) لحديث: فأبردوها بماء زمزم بدون شك، وبه جزم ابن حبان، فقال: إن شدة الحمى
تبرد بماء زمزم دون غيره من المياه، (ثم قال) ابن القيم (بعد أن روى،) أي نقل (حديث
أبي جمرة هذا، وراوي هذا قد شك فيه،) فليس بقيد، (ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء
زمزم، لأنه متيسر عندهم، وأمر غيرهم بما عندهم من المياه. انتهى).
(وتعقب بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان) (بشد الفاء ونون)، والصرف على أنه من
عفن، ومنعه على أنه من عف ابن مسلم بن عبد اللَّه الباهلي، البصري، ثقة، ثبت، (عن همام) بن
يحيى المذكور: (فأبردوها بماء زمزم، ولم يشك).
(وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم،) فتعين أنه خطاب لأهل مكة خاصة، أما
غيرهم فمطلق الماء.
(قال ابن القيم: واختلف من قال إنه على عمومه) في جميع المياه، (هل المراد به
الصدقة بالماء، أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال،)
وهو ابن الأنباري، كما نقله عنه الخطابي؛ (أن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال
الماء البارد في الحمى، ولم يفهم وجهه،) أي وجه استعماله فيها، (مع أن لقوله:) المراد
الصدقة (وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أحمد لهيب العطش) حرارته
(عن الظمآن بالماء البارد، أحمد اللَّه لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا. انتهى).
وهو وإن كان حسنًا، لكن رده الحافظ بأن صريح الأحاديث يرده، (وقال الخطابي

٥٣٤
ذكر طبه آه من الحمى
قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار
ويعكس الحرارة التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف. وقد غلط بعض
من ينسب إلى العمل، فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في
باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولاً سيئًا لا
يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال
له أولاً: من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان
الكيفية فضلاً عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى
بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء
أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده عليه الصلاة
وغيره،) كالمازري بمعناه: (اعترض بعض سخفاء الأطباء) (بسين وخاء معجمة، أي رقيقي العقل
ناقصيه) (على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه
يجمع المسام،) أي يضم بعض أجزائها إلى بعض، فيسدها (ويحقن البخار، ويعكس الحرارة
التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف:) الموت، وزعم إجماع الأطباء على ذلك،
کما في کلام المازري.
(وقد غلط بعض من ينسب إلى العمل) بالأحاديث، كذا في جميع ما رأينا من نسخ
المتن، والذي في الفتح إلى العلم بتقديم اللام، (فانغمس في الماء لما أصابته الحمى،
فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال
قولاً سيئًا:) قبيحًا (لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث).
(والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب،) أي شاك (في صدق الخبر،
فيقال له: أولاً من أين حملت الأمر على الاغتسال، و) الحال أنه (ليس في الحديث
الصحيح بيان الكيفية) الصفة، (فضلاً عن اختصاصها بالغسل،) فحمله عليه تحرض ونسبة ما
لم يقله إليه، (وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء،) إشارة إلى أن الأمر
إرشادي، (فإن أظهر الوجود، أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء، أو
صبه إياه على جميع بدنه يضره، فليس هو المراد) لاستحالة أن يأمر بما فيه ضرر.
وفي قوله: كل محموم تنكيت على المرتاب، إذ صناعة الطب لا تقتضي ذلك لكل
محموم، بل بعض المحمومين ينفعهم، فيحمل الحديث عليه ولا يجعل عامًا، لكنه قصد إرخاء
العنان مع الخصم، (وإنما قصده عليه الصلاة والسلام استعمال الماء على وجه ينفع،

٥٣٥
ذكر طبه عَلِ من الحمى
والسلام استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع
به، وهذا كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر
أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما
يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت الصديق رضي اللّه
عنهما: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه،
فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي، ولا سيما مثل أسماء
التي كانت تلازم بيت النبي عَّه أعلم بالمراد من غيرها.
وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس رفعه: إذا حم أحدكم فليرش
عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر.
وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل
فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به،) ولا يرد الحديث الصحيح بالعقل السخيف،
(وهذا كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق).
(وقد ظهر من الحديث الآخر؛ أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على
كيفية،) أي صفة (مخصوصة) تقدمت، (وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما
صنعته أسماء بنت الصديق رضي اللَّه عنهما،) المروي في الموطأ والصحيحين عن أسماء أنها
كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، قالت:
وكان عَِّ يأمرنا أن نبردها بالماء، ففسر معناه بقوله: (فإنها كانت ترش على بدن المحموم
شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه،) لأن الجيب ملاصق للصدر، (فيكون ذلك من باب النشرة
المأذون فيها،) وتقدمت: (والصحابي) (مبتدأ خبره مقدر، أي أعلم، وأما أعلم، المذكور في
قوله، (ولا سيما مثل أسماء التي كانت ممن يلازم بيت النبي عَّل، أعلم بالمراد) (فخبر)
مثل لقوله: (من غيرها) بالتأنيث، هكذا قرره شيخنا، وهو أحسن من قوله في الحاشية: أعلم خبر
قوله: والصحابي، وأنث في قوله: من غيرها، لكون القصة مع أسماء، فكأنها المراد من
الصحابي، وكان الأولى أن يقول من غيره.
(وقد ذكر،) أي روی (أبو نعيم وغيره) کالطبراني والحاکم بسند قوي (من حديث أنس،
رفعه: ((إذا حم أحدكم:) (بالضم والتشديد) أصابته الحمى، (فليرش عليه الماء البارد ثلاث
ليال من السحر))) أي قبيل الصبح، فهذا الحديث المرفوع يؤيد فعل أسماء، فيكون المراد
بالإبراد الرش لا الاغتسال، كما فهم المعترض.
(وقال المازري) في الرد عليه: (لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى

٥٣٦
ذکر طبه آله من الحمى
حتى إن المريض يكون الشىء دواء له في ساعة فيصير داء له في الساعة الأخرى
التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلاً فيتغير علاجه، ومثل
ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخصٍ بشىء في حالة ما لم يلزم منه وجود
الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد
يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف،
وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي
اطلع عليها النبي عٌَّ بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وجعل ابن القيم خطابه عٍَّ في هذا الحديث خاصًا لأهل الحجاز وما
والأهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية،
الحادثة عن شدة حرارة الشمس. قال: وهذا ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالاً، لأن
الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق
التفصيل،) أي التبيين، (حتى إن المريض يكون الشيء دواء له في ساعة، فيصير داء له في
الساعة الأخرى التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه، مثلاً: فيتغير علاجه،)
ولذا قيل: الطب وقتي، وأن من تسامح المعالج قوله: يستعمل الدواء الفلاني في اليوم الآتي،
(ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود
الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف
علاجه باختلاف السن) للمريض (والزمان) الواقع فيه المرض، (والعادة والغذاء المتقدم،
والتأثير المألوف وقوة الطباع).
وفي كلام المازري: وأيضًا فالأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها؛ بأن
يسقى الماء الشديد البرد. نعم، ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه عَّة.
أراد هذا النوع من الحمى والغسل على ما قالوه، أو قريب منه.
(ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص، فيكون من الخواص التي اطلع
عليها النبي ◌َّه بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب)، لأنه معجز خارج عن
قواعدهم.
(وجعل ابن القيم خطابه عَّةٍ في هذا الحديث،) بقوله: فأبردوها بالماء، أو فأطفؤوها
بالماء، (خاصاً لأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع
الحمى اليومية العرضية، الحادثة عن شدة حرارة الشمس، قال: وهذا ينفعها الماء البارد
شربًا واغتسالاً، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم

٥٣٧
ذكر طبه معٍَّ من الحمى
إلى جميع البدن وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة
الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم
منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم، لا تقلع غالبًا في
يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها.
وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: صفراوية، سوداوية،
بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب.
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس
في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر.
وقد قال جالينوس: لو أن شابًا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه
ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
في العروق إلى جميع البدن؛) وحاصله أنه ينفع لبعض الحميات دون بعضها، فيحمل عليه
الحديث وهو وجيه، (وهي،) أي الحمى (قسمان:)
(عرضية، وهي الحادثة عن ورم، أو حركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ:) الحر
(الشديد،) وإن كان في ظل (ونحو ذلك).
(ومرضية، وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان
مبدأ تعلقها بالروح، فهي حمى يوم لا تقلع غالبًا في يوم،) صوابه كما في الفتح، لأنها تقلع،
ومثله للمصنف في الشرح، وهو واضح، لأن على ما هنا كان اللائق تسميتها حمی یومین،
(ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها)
أشدها في الخطر بمعجمة فمهملة، أي الهلاك، (وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي
بعدد الأخلاط الأربعة، أعني صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع
المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب . اهـ).
(وإذا تقرر هذا، فيجوز أن يكون المراد النوع الأول،) أي الصفراوية، (فإنها تسكن
بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج) بمثلثة وجيم (وبغيره، ولا يحتاج
إلى علاج آخر).
(وقد قال جالينوس) في كتابه حيلة البرء، حكيم مشهور، عاش سبعًا وثمانين سنة، منها
ستين سنة مداومًا على معرفة صناعة الطب وعلامات الدواء: (لو أن شابًا خشن اللحم خصب
البدن) ناميه، (ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد) صبه عليه، (أو سبح) عام (فيه وقت

٥٣٨
ذکر طبه ێ من الحمى
وقد تكرر في الحديث استعماله عَِّ الماء البارد في علته، كما في
الحديث: ((صبوا علي من ماء سبع قرب لم تحلل أوكيتهن)). وفي المسند وغيره
من حديث الحسن عن سيرة يرفعه الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء
البارد. وكان رسول اللَّه عَّه إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل،
وصححه الحاكم، ولکن قال: في إسناده راو ضعيف.
وعن أنس يرفعه: إذا حم أحدكم فليسن علي رأسه من الماء البارد من
السحر ثلاث ليال. رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب.
القيظ:) شدة الحر (عند منتهى الحمى، لانتفع بذلك) لإذهابه آثار العفونة.
(وقد تكرر في الحديث استعماله عبر الماء البارد في علته،) أي مرض موته، (كما
في الحديث. صبرًا) لفظ الصحيح هريقوا، ومعناه صبوا (علي من ماء سبع قرب لم تحلل)
(بضم الفوقية وسكون المهملة وفتح اللام الأولى) (أوكيتهن:) جمع وكاء، الخيط الذي يربط به
"ربة، وحكمة السبع؛ أن له خاصية في دفع ضرر السم، وقد ورد أنه عَ له قال: هذا أوان انقطاع
أربري من ذلك السم، يريد سم الشاة التي أكل منها بخيبر.
(وفي المسند) للإمام أحمد (وغيره، من حديث الحسن) البصري، (عن سيرة) بن
جندب، (يرفعه: الحمى قطعة من النار،) أي نار جهنم، جعلها اللَّه في الدنيا، (فابردوها عنكم
بالماء البارد، وكان رسول اللَّه عَّة، إذا حم) (بالضم والتشديد) (دعا بقربة من ماء، فأفرغها
على رأسه، فاغتسل وصححه الحاكم).
(ولكن قال) غيره (في إسناده: راو ضعيف،) فسقط من قلم المصنف فاعل، قال: إذ
كون الحاكم يصححه، ويقول في إسناده ضعيف من المحال: فدع عنك ما يقوم في العقل من
الاحتمال، (وعن أنس يرفعه: إذا حم أحدكم،) أي أصابته الحمى، (فليسن) (بضم السين
المهملة وشد النون)، وروي (بشين معجمة)، وترجى الضياء المقدسي أنه تصحيف، وليس كما
قال، ففي النهاية: الشن بالمعجمة الصب المتقطع، وبالمهملة الصب المتصل، وهذا يؤيد رواية
الإعجام، إذ المعنى: فليرش (على رأسه من الماء البارد) رشا متفرقاً، ويؤيده أن ذا الحديث
بعينه ورد بلفظ: فيرش كما مر قريبًا جدًا، وأيد أيضًا بما تقدم أن أسماء كانت ترش على بدن
المحموم.
وقال العسكري: بمهملة، ويقال: بمعجمة (من السحر،) أي قبيل الصبح (ثلاث ليال،)
فإنه نافع في الصيف، في القطر الحار في الحمى العرضية، أو الغب الخالصة، الخالية عن الورم
والعتق والأعراض الردية والمواد الفاسدة، فتطفئها بإذن اللَّه تعالى إذا كان فاعل ذلك من أهل

٥٣٩
ذكر طبه منَّاتٍ من الحمى
وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: الحمى رائد
الموت، وهي سجن اللَّه في الأرض، فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم
فيما بين الأذانين المغرب والعشاء. قال: ففعلوا فذهب عنهم الحمى.
وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: إذا أصاب أحدكم الحمى
وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته،
الصدق واليقين.
(رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب) النبوي، والنسائي وأبو يعلى والطبراني والحاكم،
وقال: على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وقال الحافظ: سنده قوي، وقال شيخه الهيثمي: رجاله
ثقات.
(وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع) (بضم الميم وفتح الراء وكسر
القاف المشددة وعين مهملة)، السلمي، صحابي سكن مكة وشهد فتح خيبر، (رفعه: الحمى
رائد الموت،) أي رسوله الذي يتقدمه، كما يتقدم الرائد قومه، فهي مشعرة بقدومه، فليستعد
صاحبها له بالمبادرة إلى التوبة والخروج من المظالم، والاستغفار والصبر وإعداد الزاد، ولا ينافيه
عدم استلزام كل حمى للموت، لأن الأمراض كلها من حيث هي مقدمات للموت ومنذرات به،
وإن أفضت إلى سلامة جعلها اللَّه تذكرة لابن آدم يتذكر بها الموت.
وقد روى أبو نعيم عن مجاهد: ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده،
حتى إذا كان آخر مرض يمرضه، أتاه ملك الموت، فقال: أتاك رسول بعد رسول، فلم تعبأ به،
وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا، (وهي سجن اللَّه في الأرض) للمؤمن، يحبس بها عبده
إذا شاء، ففتروها بالماء، هكذا زاد البيهقي وغيره من مرسل الحسن البصري، رفعه: وهو تفسير
من المصطفى ولا عطر بعد عروس، (فبردوا لها الماء في الشنان:) (بكسر المعجمة) جمع
شن بفتحها القربة البالية، (وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء، قال: ففعلوا،
فذهب عنهم الحمى،) وهذا الحديث رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب، والديلمي والقضاعي
من حديث أنس، ورواه العسكري، وزاد بيان السبب عن أنس، قال: لما افتتح عَُّ خيبر وكانت
مخضرة من الفواكه، وقع الناس فيها، فأخذتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه علّه، فقال:
أيها الناس الحمی رائد الموت، فذکر.
(وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان) الهاشمي، مولى النبي عَّ﴾، صحبه ولازمه ونزل
بعده الشام، مات بحمص سنة أربع وخمسين، (مرفوعًا: إذا أصاب أحدكم الحمى، وهي قطعة
من النار) حقيقة أو مجازًا، (فليطفئها عنه بالماء،) لأن الماء يطفىء النار، واستأنف بيانيّا في

٥٤٠
ذكر طبه مَِّ من الحكة وما يولد القمل
وليقل: بسم اللَّه، اللَّهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل
طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا
فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن اللَّه. قال الترمذي: غريب، وفي
سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
[ذكر طبه عَ لّهِ من الحكة وما يولد القمل]
لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص علبة
للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما
في البخاري عن قتادة أن أنسا حدثهم أن النبي عَّهِ رخص لعبد الرحمن بن عوف
جواب سؤال مقدر: ما معنى الإطفاء؟، فقال: (يستتقع في نهر جار، ويستقبل جريته، وليقل:
بسم الله، اللهم اشف عبدك،) لم يقل اشفني، لأن المقام مقام استعطاف وتذلل، ولا وصف
أصدق من وصف العبودية، (وصدق رسولك) فيما أخبر أنه شفاء من الحمى (بعد صلاة الصبح
قبل طلوع الشمس،) ظرف لقوله: يستنقع، (ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم
يبرأ، فخمس) ينغمس فيها، فخمس خبره محذوف، (وإلا فسبع، وإلا فتسع) من الأيام، (فإنها
لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن اللَّه))) وهذا يحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، ويحتمل أنه
خارج عن قواعد الطب، داخل في قسم المعجزات الخارق للعادة، ألا ترى كيف قال فيه صدق
رسولك، وبإذن اللَّه، وقد شوهد وجرب، فوجد كما نطق به الصادق المصدوق عٍَّ، قاله
الطيبي، وقال الزين العراقي: عملت بهذا الحديث، فانغمست في بحر النيل، فبرئت منها، قال
ولده: ولم یحم بعدها، ولا في مرض موته.
(قال الترمذي:) حديث (غريب، وفي سنده سعيد) (بكسر العين) (ابن زرعة) الحمصي،
الجرار (بجيم ومهملتين)، الخزاف (بمعجمة وزاي)، من أواسط التابعين، (مختلف فيه،) أي في
تضعيفه وتوثيقه، وفي التقريب أنه مستور.
ذكر طبه عَّ ◌ُلِّ من الحكة وما يولد القمل
الحكة: (بكسر الحاء) نوع من الجرب، ولم يذكر ما يتولد منه القمل، فلعله أراد أن
سبب الترخيص في الحزير أنه يمنع ما يولد القمل، (لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة
ويبس وخشونة، رخص عَّةُ) أي أباح (للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس
الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري) في الجهاد واللباس ومسلم في اللباس من طريق
سعيد، (عن قتادة) بن دعامة: (أن أنسًا حدثهم أن النبي عَّ رخص لعبد الرحمن بن عوف)