Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ ذكر دوائه عَ ل من داء السحر قال القرطبي: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وبإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا، أو عكسه، بسحر الساحر. وقد ثبت في البخاري من حديث عائشة أن رسول الله عَ ظله شُخِر، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشىء وما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ ضربت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك. انتهى. ولا مخالفة لجواز أنهم ملأوا أجوافها بالزئبق، ولطخوها به من خارج أيضًا، ووضعوا الأسراب في محل الشمس، وصلوها نارًا زيادة في الإرهاب. (قال القرطبي) عقب ما مر، عنه: (والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب، كالحب والبغض، وبإلقاء الخير والشر،) والتفرقة بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، كما في القرطبي أيضًا، (و) تأثيرًا (في الأبدان بالألم والسقم،) كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة، هكذا في القرطبي: (وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا: أو عكسه بسحر الساحر،) كما مر بيانه. (وقد ثبت في البخاري) ومسلم (من حديث عائشة: أن رسول اللَّه عَِّ سحر) (بالبناء للمجهول) (حتى إن) (مخففة من الثقيلة، أي أنه) (كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما فعله). وفي رواية لهما أيضًا: أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن، (حتى إذا كان ذات ليلة) من إضافة المسمى إلى الاسم، أو ذات مقحمة، (عند عائشة) لفظ البخاري: حتى إنه كان ذات يوم، أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، قال المصنف: بالشك من الراوي، والمستدرك منه هو قولها: وهو عندي، أي لكنه لم يكن مشتغلاً بي، بل بالدعاء، أو من قولها: كان يخيل إليه، أي أن السحر أثر في بدنه، لا في عقله وفهمه، بحيث أنه توجه إلى اللَّه تعالى، ودعا على الوضع الصحيح والقانون المستقيم، قاله في الكواكب. وفي رواية للبخاري أيضًا: حتى إذا كان ذات يوم بلا شك، بل بالجزم بيوم، فليس فيه رواية بالجزم بليلة، كما فعل المصنف (دعا ودعا،) أي كرر الدعاء. وفي رواية للبخاري أيضًا: دعا اللَّه ودعاه، وفي مسلم: فدعا، ثم دعا، ثم دعا بالتكرير ثلاثًا، وهو المعهود من عادته، قال عياض: أي أظهر العجز والافتقار إلى اللَّه، لعلمه أنه لا يكشف الضر إلا هو سبحانه، (ثم قال: يا عائشة أشعرت) (بفتحات وبضم العين أيضًا، وكسر تاء ٤٤٢ ذكر دوائه عَِّ من داء السحر أناني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال من طبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شىء؟ قال: في مشط ومشاطه وجف طلع نحلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، الخطاب)، أي أعلمت (أن اللَّه أفتاني فيما استفتيته فيه،) قال عياض: أي أجابني فيما دعوته، فسمي الدعاء استفتاء، والجواب فتيًا، لأن الداعي طالب، والمجيب مسعف، فاستعير أحدهما للآخر. زاد غيره: أو المعنى أجابني عما سألته عنه، لأن دعاءه كان لأن يطلعه على حقيقة ما هو فيه لما اشتبه عليه من الأمر. زاد في رواية: قلت: وما ذاك، قال: (أتاني رجلان،) قال القرطبي: أي ملكان في صورة رجلين، وظاهره أنه في اليقظة، ويحتمل في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي. انتهى. وقال المصنف في قوله: ما وجع الرجل إشعار بوقوع ذلك في المنام، إذ لو كان يقظة لخاطباه وسألاه. وفي رواية الإسلمعيلي: فانتبه من نومه ذات يوم، لكن في حديث ابن عباس، عند ابن سعد: فهبط عليه ملكان، وهو بين النائم واليقظان. وفي رواية الطبراني: أتاني ملكان، وعند ابن سعد: بسند منقطع أنهما جبريل وميكئيل، (فقعد أحدهما عند رأسي) هو جبريل، كما جزم به الدمياطي، (والآخر) ميكائيل (عند رجلي) (بشد التحتية مثنى)، (فقال: أحدهما) جبريل أو ميكائيل لصاحبه. وفي رواية: فقال: الذي عند رأسي للآخر وعند الحميدي: فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: قال الحافظ وكأنها أصوب، (ما وجع الرجل،) أي ما مرضه، (قال: مطبوب،) أي مسحور، يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنى بالطب عن السحر، كما كني بالسليم عن اللديغ. قال ابن الأنباري: الطب من أسماء الأضداد، يقال للعلاج والسحر، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب، أي حاذق، سمي طبيبًا لفطنته، قاله عياض: (قال من طبه،) أي سحره، (قال لبيد:) (بفتح اللام وكسر الموحدة) (ابن الأعصم) (بمهملتين) بوزن الأحمر، زاد في رواية للشيخين، اليهودي من بني زريق (بضم الزاي وفتح الراء وقاف)، وفي طبقات ابن سعد؛ أن متولي السحر أخوات لبيد، وكن أسحر منه وأنه هو الذي دفنه، (قال: في أي شيء) طبه، (قال: في مشط) (بكسر الميم وضمها وسكون ثانيه)، ويجوز الضم، والجمع أمشاط: الآلة التي يمشط بها. وفي رواية القابسي: مشاط الحديد، وغلط قاله الحافظ، وفي القاموس: المشط مثلثة: آلة ٤٤٣ ذكر دوائه عَّله من داء السحر فأتاها رسول الله عَّله في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة يمتشط بها، وفي القرطبي: (بضم الميم)، وأحد الأمشاط التي يمتشط بها، ويطلق على نبت صغير يقال له نبت الذئب، وعلى سلاميات ظهر القدم والعظم العريض من الكف، فيحتمل أن الذي كان فيه أحد الأربعة، (ومشاطة:) (بضم الميم وفتح المعجمة مخففة، فألف، فطاء مهملة) ما يخرج من الشعر عند التسريح، وللبيهقي من حديث ابن عباس: من شعر رأسه، ومن أسنان مشطه، وفي رواية للبخاري: ومشاقة (بالقاف بدل الطاء)، قال الحافظ: وهما بمعنى، وقيل: بالقاف ما يمشط من الكتان. انتهى. وفي البخاري: يقال المشاطة، أي: بالطاء ما يخرج من الشعر إذا مشطوا لمشاقة، أي: بالقاف من مشاقة الكتان، (وجف طلع نخلة:) (بضم الجيم وشد الفاء) الغشاء الذي يكون على الظلع، ويطلق على الذكر والأنثى، فلذا قيده بقوله: (ذكر) بالتنوين، كنخلة، على أن لفظ ذكر صفة لجف، وللمستملي وجب بموحدة بدل الفاء بمعنى واحد. وقال القرطبي: إنه بالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر، وللكشميهني: وجف (بالفاء) طلعة (بتاء تأنيث)، قاله المصنف. (قال: وأين هو قال في بثر ذروان) (بفتح المعجمة وسكون الراء)، وفي رواية لهما: ذي أروان (بفتح الهمزة وسكون الراء) وصوبه أبو عبيد البكري والأصمعي. قال المصنف: وكلاهما صحيح، وعلى الأول: هو من إضافة الشيء لنفسه، قيل: والأصل أروان، ثم لشدة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذروان (بمعجمة بدل الهمزة)، وهي بئر كانت معروفة بالمدينة في بستان بني زريق. زاد في رواية: تحت راعوفة في بئر ذروان (براء فألف) في رواية الأكثر، ولبعضهم (بلا ألف فعين فواو ففاء) حجر يترك في البئر عند الحفر، ثابت لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي والناظر فيها، وقيل: في أسفل البئر، يجلس عليه الذي ينظفها، لا يمكن قلعه لصلابته؛ (فأتاها رسول اللّه عَِّ في ناس من أصحابه). وعند ابن سعد عن ابن عباس: فبعث إلى علي وعمار، فأمرهما أن يأتيا البثر، وعنده أيضًا من مرسل عمر بن الحكم: فدعا جبير بن إياس الزرقي، وهو ممن شهد بدرًا فدله على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه، قال: ويقال إن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي. قال الحافظ: ويجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنسب إليه؛ وأن النبي عَّه. وجههم أولاً، ثم توجه فشاهدها بنفسه، (فجاء) عَِّ بعد أن رجع، (فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة) (بضم النون وتخفيف القاف) (الحناء) (بكسر المهملة والمد)، يعني أن ماء البئر أحمر، ٤٤٤ ذكر دوائه عَِّ من داء السحر الحناء، وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: قد عافانى الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًا، فأمر بها فدفنت. وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى البثر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي رأيتها، قالت عائشة: أفلا تنشرت؟ قال: أما الله شفاني، وأكره أن أثير على الناس كالذي ينقع فيه الحناء، أي أنه تغير لرداءته، أو لما خالطه مما ألقي فيه، (وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) في التناهي في كراهتها وقبح منظرها. ويحتمل أن يريد رؤوس الحيات، فالعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا، وهي حية قبيحة المنظر هائلة جدًا، (فقلت: يا رسول اللَّه، أفلا استخرجته، قال: قد عافاني اللَّه) منه، (فكرهت أن أثور) (بضم الهمزة وفتح المثلثة وكسر الواو مشددة) (على الناس فيه). وللكشميهني: منه (شرًّا) من تذكر المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك، فيؤذي المسلمين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. (فأمر بها،) أي بالبئر (فدفنت) (بالبناء للمجهول)؛ (وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى) عَِّ (البئر حتى استخرجه،) فهذه معارضة للتي قبلها، ولرواية: أفلا أخرجته، قال: لا، قال المهلب: اختلف الرواة على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفين بن عيينة، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أبو أسامة ولفظه، فقلت: يا رسول اللَّه أفأخرجته؟، قال: لا، والنظر يقتضي ترجيح رواية سفين لتقدمه في الضبط، ويؤيده: أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة وزيادة سفين مقبولة، لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين، يعني بالمرة الأولى في قوله: قال: فاستخرج، فبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه عَِّ عنها بدلاً عن الاستخراج، وقد يجمع بأن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفين؛ فالمثبت هو استخراج الجف من البشر، والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلموا السحر. انتهى من فتح الباري. (فقال) عَّله لعائشة: (هذه البئر التي رأيتها) (براء فهمزة مفتوحتين)، وفي رواية: أريتها (بضم الهمزة وكسر الراء)، وحذف المصنف من هذه الرواية؛ فكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قال: فاستخرج، وهو مبني للمجهول، وفاعل قال النبي معَّهِ، كما في المصنف، (قالت عائشة: أفلا تنشرت،) أي فعلت النشرة وهي الرقية التي يعالج بها المريض، (قال: أما اللَّه شفاني،) عبارة المصنف في شرحه: أما والله (بتخفيف الميم)، واللَّه جربوا والقسم ولابن عساكر وأبوي ذر والوقت: أما والله، بالتشديد فقد شفائي. انتهى. ٤٤٥ ذكر دوائه عَد من داء السحر شرًا. وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل - بسند ضعيف - في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي عليه الصلاة والسلام أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليًا وعمارًا لما فما ساقه هنا لا يوافق رواية منهما، (وأكره أن أثير على الناس شرًا) بتذكر السحر، وقد وقع في رواية لمسلم: أن عائشة قالت: أفلا أحرقته؟، قال القاضي عياض: كذا في جميع النسخ، قيل: صوابه أخرجته، كما في الرواية الأخرى، لأنه المناسب لقوله: كرهت أن أثير على الناس شرًّا، أي بإخراجه، لأنه إذا أخرج فقد يوقف على عقه وصفته فيتعلم، وكفى بذلك شرًا، قال: وعندي إن أحرقته صواب، ولا يعترض بما تقدم، لأنها تعني بحرقها حين يخرجها، بل أحرقتها أظهر للذي أرادت من إتلاف عينه وإبطال عمله، وما يتوقع من شره مع بقائه لم يغير. وقال القرطبي: عُندي أن رواية أحرقته أولى، وتعني لبيدًا صانع السحر، فأجابها بأنه يثير شرًّا بين المسلمين واليهود لما كان لهم من العهد والذمة، فلو قتلته لثارت فتنة، وتحدث الناس: أن محمدًا يقتل من عاهد. انتهى، وهذا فيه بعد، وكلام عياض أظهر. (وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل) النبوية (بسند ضعيف،) لأن فيه الكلبي، عن أبي صالح، وهم ضعيفان، (في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي عَلَّهِ؛ أنهم وجدوا وترًا) (بفتح الواو والفوقية). (فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة،) ولفظ البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مرض عَّاللّه مرضًا شديدًا، فأتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه ما ترى قال: طب، قال: وما طب؟، قال: سحر، قال: من سحره؟، قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟، قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في ركية، فأتوا الركية فانزحوا ماءها وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الركية فاحرقوها، فلما أصبح عَّةٍ بعث عمار بن ياسر في نفر، فأتى الركية، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الركية وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]، وفي سياقه نكارة ومخالفة لحديث الصحيحين ظاهرة. (وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع، عن ابن عباس: أن عليًا وعمارًا لما بعثهما ٤٤٦ ذكر دوائه عَ لّ من داء السحر بعثهما النبي عَّةٍ لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه وأنه وجد في الطلعة تمثالاً من شمع تمثال النبي عَّه وإذا فيه أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة. وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل قال: لما رجع رسول الله علٍّ من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق، وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلاً على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. النبي عَِّ لاستخراج السحر، وجدا طلعة) لنخلة، (فيها إحدى عشرة عقدة، فذكر نحوه) من نزول السورتين وانحلال العقد بقراءتهما. (وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه، وإنه وجد في الطلعة تمثالاً بكسر الفوقية، أي صورة (من شمع) بفتح الميم، وتسكن الذي يستصبح به، (تمثال النبي عَّ) بالنصب بدل من تمثالاً، (وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين) بكسر الواو، (فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا) في بدنه، (ثم يجد بعدها راحة،) وهذا كالذي قبله صريح في أنه استخرج ما حواه الجف، فيتأكد الجمع المتقدم. (وقد بين الواقدي) محمد بن عمر بن وافد (السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه) تلميذه محمد (بن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم) المدني، صدوق (مرسل،) لأن عمر من أواسط التابعين، (قال: لما رجع رسول اللَّه عَّه من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق) بتقديم الزاي مصغر، (وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا:) أعلمنا بالسحر، (وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا) ينكؤه، (ونحن نجعل لك جعلاً على أن تسحره لنا سحرًا بنكؤه) بوزن يمنعه، (فجعلوا له ثلاثة دنانير،) فسحره. - ٤٤٧ ذكر دوائه عَ طِّ من داء السحر ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: فأقام أربعين ليلة، وفي رواية وهیب عن هشام ستة أشهر. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعون يومًا من استحکامه. وقال السهيلي: لم أقف في شىء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث عَّ فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري: أنه لبث سنة. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولاً بالإسناد الصحيح فهو المعتمد. وقال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويزها بعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أن نرى جبريل يكلمه وليس هو ثَمّ، وأنه يوحى إليه بشىء ولم يوح إليه بشىء. ومر أن عند ابن سعد أن متولي السحر أخوات لبيد، وكن أسحر منه، وأنه هو الذي ألقاه في البئر. (ووقع في رواية أبي ضمرة:) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض الليثي، المدني (عند الإسمعيلي: فأقام أربعين ليلة). (وفي رواية وهيب:) بالتصغير ابن خالد بن عجلان البصري، (عن هشام) بن عروة، راوي حديث الباب، عن أبيه، عن عائشة: أقام (ستة أشهر) في السحر، (ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعون يومًا من استحكامه:) اتقانه وشدته. (وقال السهيلي: لم أقف في شىء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث عَّ فيها في السحر حتى ظفرت به،) أي وجدته، وأصل معناه الفوز والفلاح (في جامع معمر عن الزهري،) مرسلاً (إنه لبث سنة). (قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولاً) عند أحمد والإسمعيلي (بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد،) إذ الموصول مع صحة إسناده مقدم على المرسل عند التعارض. (وقال المازري) في شرح مسلم: (أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة،) أي شرفها ورفعتها، (قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل،) وهذه كلمة حق أريد بها باطل، (وزعموا أن تجويزها،) أي فعلة السحر بهم، والأظهر تجويزه (بعدم) يبطل (الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أن جبريل يكلمه، وليس هو، ثم) بفتح المثلثة وشد الميم، أي هناك موجودًا، (وأنه يوحي إليه، ولم يوح إليه ٤٤٨ ذكر دوائه عٍَّ من داء السحر قال المازري: وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبي عليه. فيما يبلغه عن الله عز وجل، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، انتهى. وقال غيره: لا يلزم من أنه يظن أنه يفعل الشىء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت ليقظة قلبه وسلامة ذهنه، فلا يبقى على هذا للملحد حجة. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور، أنه يظهر بشيء). (قال المازري: وهذا كله مردود) وباطل، (لأن الدليل) وهو المعجزات، كما في كلام المازري (قد قام على صدق النبي عَّ فيما يبلغه عن الله عز وجل، وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل) لا يلتفت إليه؛ (وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة) بضم فسكون، أي معرض (لما يعرض للبشر، كالأمراض). وقد صح أنه كان يوعك كما يوعك رجلان زيادة في أجره، (فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له،) وعليه يحمل الحديث، فلا طعن فيه مع صحته باتفاق (مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. انتهى) ما نقله من المازري. وبقيته: وقد قال بعض الناس معنى الحديث أنه يخيل إليه أنه وطىء إحدى زوجاته ولم يطأ، وقد يخيل للإنسان في المنام مثل هذا، فلا يبعد أن يتخيله عَّه في اليقظة. وقال بعض أصحابنا: يمكن أن يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة خياله، فتكون اعتقاداته كلها على السداد، فلا يبقى لاعتقاد الملحد طريق، وهذا هو معنى قوله: (وقال غيره لا يلزم من أنه يظن أنه يفعل الشيء ولم يكن فعله؛ أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر، يخطر ولا يثبت ليقظة قلبه وسلامة ذهنه، فلا يبقى على هذا للملحد حجة،) فكان اللائق أن المصنف يقول: ونقل عن بعض أصحابه لإيهامه أن المازري لم يذكره، لا سيما مع فصله بلفظ. انتهى. (وقال القاضي عياض) في الشفاء وفي شرح مسلم: ظهر لي ما هو أجلى وأبعد عن ٤٤٩ ذكر دوائه عَّلِّ من داء السحر له من نشاطه ومن سابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى ((حتى كاد ينكر بصره)) أي صار كالذي ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشىء تخيل أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام في خبر من الأخبار أنه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر. قال بعضهم: وقد سلك النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر به، واحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون مطاعن الملحدة من نفس الحديث، ففي بعض طرقه سحره يهود حتى كاد ينكر بصره، وفي بعضها حبس عن عائشة سنة، وعند البيهقي عن ابن عباس: مرض عَّه وحبس عن النساء والطعام والشراب، فدلت هذه الطرق أن السحر إنما تسلط على ظاهر جسده، لا على عقله، و (يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور) في قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن (أنه يظهر له من نشاطه،) أي طيب نفسه للعمل، كما في الأساس، (ومن سابق عادته) قبل السحر (الاقتدار) (بالرفع فاعل يظهر أي قدرته)، (على الوطء، فإذا دنا) قرب (من المرأة فتر) (بفاء ففوقية ضعف) (عن ذلك،) فلم ينهض له (كما هو شأن المعقود) الممنوع عن الجماع بالسحر، وتسميه العامة المربوط وهذا جواب سؤال هو: إذا قلت: إن السحر لم يؤثر إلا في ظاهر بدنه، يرد عليك أن تخيل ما لم يقع واقعًا، يقتضي خللاً في الذهن والإدراك؛ وحاصل الجواب أنه لا يقتضيه كما كرره، (ويكون قوله في الرواية الأخرى،) وهي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وعروة: سحر يهود بني زريق رسول اللَّه عَُّله، فجعلوه في بئر، (حتى كاد،) أي قارب (ينكر بصره،) أي: ما أُبصر، أو ينكر نفس رؤيته لتأثير السحر، (أي صار كالذي ينكر بصره،) لا إنه أنكره حقيقة، (بحيث أنه إذا رأى الشيء تخيل أنه على غير صفته) للضعف الطارىء في بصره من السحر، (فإذا تأمله عرف حقيقته،) لأن تميزه باق على حاله، لم يطرأ عليه شيء. (ويؤيد جميع ما تقدم) من الأجوبة (أنه لم ينقل عنه عٍَّ في خبر من الأخبار) المروية في قصة السحر (أنه قال قولاً، فكان بخلاف ما أخبر،) إلى هنا كلام عياض بمعناه. (قال بعضهم: وقد سلك النبي عَّ في هذه القصة مسلكي التفويض:) التسليم (وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم) (عطف تفسير) (لأمر ربه واحتسب الأجر .. عند اللَّه (في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي:) خاف (من تماديه أن يضعفه دن ٤٥٠ ذكر دوائه معَ ◌ٍّ من داء السحر عبادته جنح إلى التداوي. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: احتجم النبي عَّه على رأسه، يعني حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال. وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والتوجه، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا كان غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، انتھی ملخصًا. ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي عَ ﴾ مع عظيم مقامه، وصدق توجهه إلى الله وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن فنون،) أي أنواع (عبادته جنح إلى التداوي). (فقد أخرج أبو عبيد) القُسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور، الثقة الفاضل، المصنف، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين، (من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة من كبار التابعين، مات سنة ثلاث وثمانين، (قال: احتجم النبي عَِّ على رأسه، يعني حين طب،) أي سحر، (ثم جنح إلى الدعاء)،) فدعا ربه مرارًا، (وكل من المقامين:) التفويض وتعاطي الأسباب (غاية في الكمال،) فلذا سلكهما. (وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة) بضم النون (مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والتوجه) إلى اللَّه، (فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان،) أي قوة (تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة،) حتى قال الفخر الرازي: لا يظهر تأثير السحر إلا على فاسق، (ولهذا كان غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة،) يعني الشياطين (إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها). (انتهى ملخصًا ويعكر عليه حديث الباب؛ وجواز السحر على النبي عَ له مع عظيم مقامه وصدق توجهه إلى الله وملازمة ورده) من صلاة وذكر وتلاوة وغير ذلك؛ (ولكن يمكن ٤٥١ ذكر دوائه معَِّ من داء السحر ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإن ما وقع به عليه الصلاة والسلام لبيان تجويز ذلك عليه. وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فتدق بين حجرتين ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقلاقل، ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، وهو جيد للرجل إذا حتبس عن أهله. وممن صرح بجواز النشرة، المزني عن الشافعي، وأبو جعفر الطبري وغيرهما. الانفصال،) أي التخلص والتباعد (عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب،) كما يؤخذ من قوله غالب ما يؤثر؛ (وإن ما وقع به عَّ لبيان تجويز ذلك عليه،) ويمكن الانفصال أيضًا؛ بأنه إنما قال سلطان، أي قوة وشدة، والذي وقع له عَّه ليس بسلطانه، إذ لم يغير شيئا من عقله، ولا نقص شيء من عبادته، مع أن الذي سحر به كان بالغًا في القوة، بحيث لو فعل مثله بغيره من ضعفاء القلوب، لاشتد مرضه وأقعد واختل عقله وترك العبادة؛ وكذا قول الرازي: لا يظهر تأثيره إلا على فاسق، أي كل الظهور المخل بالعقل. (وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه) بن كامل اليماني، التابعي المشهور؛ (أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فتدق بين حجرتين، ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقلاقل،) أي قل هو الله أحد والمعوذتان، (ثم يحسو:) يملأ فمه (منه ثلاث حسيات،) يبتلعها، (ثم يغتسل به،) أي بالباقي بعد الحسو، (فإنه يذهب عنه ما كان به) من السحر، (وهو جيد للرجل إذا احتبس،) أي منع (عن) جماع (أهله، وممن صرح بجواز النشرة المزني) إسمعيل، (عن الشافعي) الإمام، (وأبو جعفر) محمد بن جرير (الطبري وغيرهما،) كالشعبي ويحيى بن سعيد، وجاءت بها آثار، واستدل لجوازها بقول عائشة: أفلا تنشرت، فلم ينكر عليها، وإنما قال: أما اللَّه فقد شفائي. وقال الحسن البصري: هي من السحر، وفي أبي داود عن جابر: النشرة من عمل الشيطان، وأجيب؛ بأن المراد بها التي كانت الجاهلية تعالج بها وتعتقد تأثيرها. وقد نقل الطيبي عن بعضهم: أن النشرة نوع من الرقي والعلاج، يعالج بها من يظن أنه مس من الجن، وفي الحديث: لعل طبّا، أي سحرًا أصابه فنشره، أي رقاه بـ ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]، ويقال أيضًا: نشره إذا كتب له نشرة، قاله أبو عبد اللَّه الأبي. ٤٥٢ ذكر دوائه عَلِ من داء السحر قال ابن الحاج في ((المدخل): كان الشيخ أبو محمد المرجاني أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء، وأخبر رحمه الله أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها له في المنام، وقال: إنه مرة رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك في هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهي هذه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه﴾ [التوبة/ ١٢٨]، إلى آخر السورة ﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء/٨٢]، ﴿لو أنزلنا هذا القرءان على جبل﴾ [الحشر/٢١]، [الحشر/ ٢١]، إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يكتب: اللهم أنت المحيي وأنت المميت، وأنت الخالق وأنت البارىء وأنت المبلي، وأنت الشافي، خلقتنا من ماء مهين، وجعلتنا في قرار مكين إلى قدر معلوم، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، يا من بيده الابتلاء والمعافاة، والشفاء والدواء، أسألك بمعجزات نبيك محمد عليه الصلاة والسلام، وبركات (قال ابن الحاج في المدخل: كان الشيخ أبو محمد المرجاني أكثر تداويه بالنشرة، يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه، فيجدون على ذلك الشفاء) بإذن الله، (وأخبر رحمه الله أن النبي ◌َّةِ أعطاها له في المنام، وقال) أيضًا؛ (أنه مرة رأى النبي عَّم قال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك؟،) استفهام تقرير لينبهه على عظم فائدتها وتلقيها بالقبول التام (في هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهي هذه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾،) أي منكم محمد عَليهِ، (﴿عزيز﴾) شديد ((عليه ما عنتم﴾،) أي عنتكم ولقاؤكم المكروه، (﴿حريص عليكم﴾) أن تهتدوا (﴿بالمؤمنين رؤوف﴾) شديد الرحمة (﴿رحيم﴾،) بهم یرید لهم الخير، (إلى آخر السورة ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾) مر أن هذه إحدى آيات الشفاء (﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾، إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين،) أي وسورة المعوذتين، (ثم يكتب: اللهم أنت المحيي وأنت المميت، وأنت الخالق وأنت البارىء، وأنت المبلي) بالأمراض ونحوها، (وأنت الشافي،) منها (خلقتنا من ماء مهين) ضعيف، وهو المني، (وجعلتنا في قرار مكين،) أي حريز، وهو الرحم (إلى قدر معلوم،) وهو وقت الولادة، (اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى،) تأنيث الأحسن، (وصفاتك العلا:) المرتفعة عن جميع الصفات، (يا من بيده الابتلاء:) الاختبار والامتحان بالأمراض (والمعافاة) منها، (والشفاء والدواء، أسألك بمعجزات نبيك محمد عَّله وبركات خليلك إبراهيم وحرمة ٤٥٣ ذكر رقية تنفع لكل شكوى خليلك إبراهيم وحرمة كليمك موسى عليه السلام، اللهم أشفه. [ذكر رقية تنفع لكل شكوى] عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: من اشتكى منكم شيئًا فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطبيين أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله. رواه أبو داود في سننه. كليمك موسى عليه السلام، اللهم اشفه:) عافه مما به. ذكر رقية تنفع لكل شكوى أي مرض، (عن أبي الدرداء) عويمر الأنصاري، الصحابي الجليل، أول مشاهده أحد، مات في خلافة عثمن، وقيل: عاش بعد ذلك، (قال: سمعت رسول اللَّه عَلَّم يقول: من اشتكى منكم شيئًا،) أو اشتكاه أخ له، هكذا لفظ الحديث عند أبي داود، فسقط من المصنف أو نساخه واو للتنويع، (فليقل) بعد وضع يده على الوجع قياسًا على ما سبق: (ربنا،) جوز شيخنا رفعه خبر مبتدأ، أي أنت ربنا، ونصبه منادى، أي: يا ربنا، والمتبادر على رفعه أنه مبتدأ خبره (اللَّه،) وصفته (الذي في السماء تقدس اسمك،) أي تنزه، ويؤيد النصب كاف الخطاب في اسمك، إذ الأصل عدم الالتفات، وخص التنزيه بالسماء، لكون تمامه إنما هو فيها، وإن وجد منه في الأرض فليس كالسموات، فإن سكانها ملائكة لا يعصون اللَّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وأما الأرض فأكثرها كفار وعبدة أوثان، لا يقدسون اسمه حق تقديسه، (أمرك في السماء والأرض) نافذ، (كما رحمتك في السماء) عامة في أهلها من الملائكة وغيرهم، (فاجعل رحمتك في الأرض) عامة، كالسماء. وحكمة ذلك أن ظهور الرحمة في السماء، كالمحقق الظاهر لكل أحد، لسلامة أهلها من الذنوب والبلايا، فسأل أن يجعلها في الأرض بحفظ أهلها من الذنوب، وبمغفرة ما اقترفوه منها، (واغفر لنا حوبنا) بالضم، أي ذنبنا العظيم، وقرىء شاذًا (بالفتح) مصدر حاب حوبًا، وقيل: الضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم، (وخطايانا أنت رب الطبيبين:) جمع طبيب، أي المداوين، وفي بعض النسخ: المطببين، أي الطالبين للطب، أي الدواء، لكن الذي رأيته في النسخ الصحيحة من غير المصنف هو الأول، (أنزل رحمة من عندك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن الله، رواه أبو داود في سننه) والنسائي. كما يأتي قريبًا. ٤٥٤ رقيته مَّة من الصداع [رقيته ◌َ الله من الصداع] روى الحميدي في ((الطب)) عن يونس بن يعقوب عن عبد الله قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الصداع، بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الكبير وأعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار. ورواه ابن السني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأصاب أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ورم في رأسها، فوضع رسول الله عليه الصلاة والسلام يده على ذلك من فوق الثياب فقال: بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله. صنع ذلك ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك، فقالت ذلك ثلاثة أيام. فذهب الورم. رقيته عليه من الصداع مّاللّه بزنة غراب وجع الرأس، ويأتي للمصنف قريبًا بسط حقيقته، (روى الحميدي) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي، صاحب الجمع بين الصحيحين (في الطب) النبوي، (عن يونس بن يعقوب،» (عن عبد اللَّه)) (قال: كان رسول اللَّه عَّه يتعوذ من الصداع،) فيقول (بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه الكبير) عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول، أو معناه أكمل الموجودات وأشرفها، وعلى الوجهين هو من أسماء التنزيه، (وأعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار:) (بفتح النون وفتح العين المهملة) فار منه الدم أو صوت لخروج الدم، كما في القاموس، (ومن شر حر النار، ورواه ابن السني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،) فله طريقان، (وأصاب أسماء بنت أبي بكر) الصديق (رضي اللَّه عنهما ورم في رأسها، فوضع رسول اللَّه ◌َّ يده على ذلك من فوق الثياب،) لأنه لم تمس يده الشريفة يد امرأة غير حلائله، (فقال: بسم اللَّه أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك) هذه المذكورة، ويحتمل دعوته إلى الإسلام والشرائع، فإنها أعظم منزلة عند اللَّه، أي بدعوة نبيك العباد إليك التي حصل بها الهدى وتحمل بسببها المشاق، توسل إلى الله تعالى بتلك الحالة ليكون أنجع في الإجابة، كما في قصة أصحاب الكهف (الطيب) بوزن سيد أي الطاهر أو الزكي لأنه لا أطيب منه (المبارك) العظيم البركة وهي لفظ جامع لأنواع الخير (المكين) (فعيل من المكانة)، أي ذي الرفعة والشرف (عندك))) ومن ذلك أن قرنت ذكره بذكرك، (بسم اللَّه صنع ذلك) المذكور من وضع اليد والقول (ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك فقالت ذلك،) الدعاء (ثلاثة أيام) في ٤٥٥ رقيته عَّم من وجع الضرس رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقي. من وجع الضرس] صَلى الله [رقيته عات. روى البيهقي أن عبد الله بن رواحة شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجع ضرسه، فوضع عليه الصلاة والسلام يده على خده الذي فيه الوجع وقال: اللهم أذهب عنه سوء ما يجده وفحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك، سبع مرات، فشفاه الله قبل أن يبرح. وروى الحميدي أن فاطمة رضي الله عنها أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام تشكو ما تلقى من ضربان الضرس، فأدخل سبابته اليمنى فوضعها على السن الذي تألم، فقال: بسم الله وبالله، أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شىء، فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك وكلمتك، أن تشفي ما بفاطمة بنت خديجة من الضر کله، فسكن ما بها. كل يوم ثلاث مرات، (فذهب الورم، رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقي). رقيته عَّة من وجع الضرس بالكسر: السن مذكر ما دام له هذا الاسم، فإن قيل فيه: سن، فمؤنث، فالتذكير والتأنيث باعتبار لفظين وتذكير الأسماء وتأنيثها سماعي، كما في المصباح وغيره. (روى البيهقي أن عبد الله بن رواحة) الخزرجي، البدري، الأمير الشهيد بمؤته (شكا إلى النبي عَُّ وجع ضرسه، فوضع عَّ يده على خده الذي فيه الوجع وقال: اللهم أذهب عنه سوء ما يجده وفحشه بدعوة نبيك المكين المبارك عندك سبع مرات، فشفاه اللَّه قبل أن بیرح») أي یزول من مكانه. (وروى الحميدي: أن فاطمة رضي اللَّه عنها أتت رسول اللَّه عَلَّه تشكو ما تلقى من ضربان الضرس،) أي شدة وجعه، (فأدخل سبابته اليمنى، فوضع يده على السن الذي تألم،) أي يقوم بها الألم، وهو الوجع، وعبر بالذي نظر الآن المحدث عنه الضرس، وهو مذكر، وإلا فالأولى التي، لأن السن مؤنثة سماعًا، (فقال: بسم اللَّه وبالله، أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شيء،) ومن ذلك وجود عيسى من غير أب، (فإن مريم لم تلد غير عيسى،) فهو تعليل لمقدر (من روحك) أضافه إليه تعالى تشريفًا له (وكلمتك،) أي قول كن، ولم يقل ولدت عيسى من روحك، لئلا يوهم أنها ولدت غير عيسى من غير روحه، (أن تشفي ما بفاطمة بنت خديجة) لم يقل بنتي، لأنه مقام تضرع وانكسار، فنسبها إلى أمها كأنها أجنبية منه، ليكون ٤٥٦ رقية لعسر البول ومن الغريب: ما شاع وذاع عن شيخنا المحب الطبري إمام مقام الخليل بمكة، ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، ويسأل عن اسمه واسم أمه وعن المدة التي يريد المألوم أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين مثلاً بالوتر، قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا یألمه، كما أشيع ذلك واشتهر. ومما جرب أن يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون﴾ [الملك/ ٢٣]، وإن شاءت كتب ﴿وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم﴾ [الأنعام/ ١٣]. [رقية لعسر البول] الدعاء أنجع (من الضر كله، فسكن ما بها،) ومناسبة ذكر مريم دون غيرها من النساء ما بينها وبين فاطمة من الفضل، فكأنه قال: كما أكرمت مريم بتلك العجيبة أكرم فاطمة بذهاب وجعها. (ومن الغريب ما شاع وذاع عن شيخنا المحب) قاضي القضاة محمد بن الإمام رضي الدين (الطبري،) المكي، المتوفى آخر ليلة الأربعاء، ثامن عشر صفر، سنة أربع وتسعين وثمانمائة بمكة، كما في شرح المصنف للبخاري، وليس هو المحب الطبري، الحافظ أحمد المشهور، لأنه متقدم على المصنف بزمان، مات سنة أربع وتسعين وستمائة، (إمام مقام الخليل بمكة). وفي شرحه للبخاري إمام الحرم، الشريف المكي: وما هنا أخص، (ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، ويسأل عن اسمه واسم أمه، وعن المدة التي يريد المألوم أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين، مثلاً بالوتر قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا يألمه، كما أشيع ذلك واشتهر) بمكة، ولم يبين أكان يقرأ أو يقول شيئًا مع وضع يده، أو بمجرد وضعه يذهب اللَّه تعالى الألم كرامة له. (ومما جرب أن يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿قل هو الذي أنشأكم﴾) خلقكم (﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾) القلوب (﴿قليلاً ما تشكرون﴾) ما مزيدة، والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدًا على هذه النعم، (وإن شاءت كتب) مع هذه الآية أو بدونها (﴿وله ما سكن﴾) أي حل (﴿في الليل والنهار﴾) أي كل شيء، فهو ربه وخالقه ومالكه، (﴿وهو السميع﴾) لما يقال، (﴿العليم﴾،) بما يفعل. رقية لعسر البول ٤٥٧ رقية الحمى روى النسائي عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أباه احتبس بوله، فأصابه حصاة البول، فعلمه أبو الدرداء رقية سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطيبين فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن الله أمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرأ. وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي داود. [رقية الحمى] عن أنس قال: دخل رسول الله عٍَّ على عائشة وهي موعوكة، وهي تسب الحمى، فقال: لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن لو شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك، قالت: فعلمني، قال: قولي: اللهم جلدي الرقيق وعظمي الدقيق أي احتباسه، (روى النسائي عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أباه احتبس بوله:) امتنع من الخروج، (فأصابه حصاة البول، فعلمه أبو الدرداء رقيةٍ سمعها من النبي عٍَّ؛) أنه قال: من اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخ له، فليقل: (ربنا اللَّه الذي في السماء تقدس اسمك:) تنزه عما لا يليق بعلي كما لك، (أمرك) نافذ (في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا ذنوبنا:) الكبائر. وفي الرواية السابقة: حوبنا (وخطايانا:) الصغائر، (أنت رب المتطببين) (بموحدتين: جمع متطبب، وهو الطالب للدواء)، (فأنزل شفاء من شفائك ورحمة من رحمتك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن اللَّه، وأمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرأ، وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي داود،) أي روايته عن أبي الدرداء مرفوعًا بدون قصة الرجل. رقية الحمى (عن أنس قال: دخل رسول اللَّه عَِّ على عائشة وهي موعوكة)) أي قام بها الوعك وهو الحمى، (وهي تسب الحمى، فقال: لا تسبيها، فإنها مأمورة) من اللَّه تعالى بالقيام بك، فلا ذنب لها، (ولكن لو شئت علمتك كلمات، إذا قلتهن،) هكذا في نسخ متعددة صحيحة (بتاء فوقية تليها هاء)، وفي بعض النسخ: قلتيهن بزيادة تحتية بين التاء التي هي الفاعل، والهاء التي هي المفعول، إما للإشباع، أو لغة ردية، ولا يصح أن تكون التاء للتأنيث والياء هي الفاعل، لأن ياء الفاعل لا تكون مع الماضي، (أذهبها اللَّه عنك، قالت: فعلمني، قال: قولي اللهم ٤٥٨ رقية الحمى من شدة الحريق، يا أم مِلدم، إن كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع الله إلهًا آخر قال فقالتها فذهبت عنها، رواه البيهقي. وقد جرب ذلك - كما رأيته بخط شيخنا - ولفظه: اللهم ارحم عظمي الدقيق وجلدي الرقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، ولا تفوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. ويكتب للحمى المثلثة - مما ذكره صاحب الهدي - على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرّت، بسم الله مرّت. بسم الله قلَّت، ويأخذ كل يوم ورقة جلدي الرقيق،) أي ارحمه، (وعظمي الدقيق) (بالدال)، أي ليس بغليظ (من شدة الحريق،) أي لهب الحمى، (يا أم ملدم) (بكسر الميم وإسكان اللام، فدال مهملة مفتوحة فميم). قال في النهاية: كنية الحمى، والميم الأولى زائدة، وألدمت عليه الحمى أي دامت، وبعضهم يقولها بالذال المعجمة: (إن كنت آمنت بالله العظيم، فلا تصدعي الرأس، ولا تنثني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع اللَّه إلهًا آخر،) فيه جواز الدعاء على المشركين بالأمراض. (قال) أنس: (فقالتها،) أي هذه الكلمات، (فذهبت عنها، رواه البيهقي؛ وقد جرب ذلك،) فليس تأثير هذا الدعاء خاصًا بعائشة، (كما رأيته بخط شيخنا) بمخالفة قليلة في اللفظ، (ولفظه: اللهم ارحم عظمي الدقيق) (بالدال) (وجلدي الرقيق) (بالراء، وكل منهما معناه خلاف الغليظ)، (وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر) (يوم القيامة) (فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، ولا تغوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع اللَّه إلهًا آخر،) لعله يرتدع فيوحد اللَّه، (فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله). (ويكتب للحمى المثلثة) التي تلازم ثلاثة أيام، ثم تقلع، ثم تأتي كذلك ثلاثًا (مما ذكره صاحب الهدي) ابن القيم فيه (على ثلاث ورقات لطاف،) أي صغار: (بسم اللَّه فرت) (بالفاء)، أي ذهبت بسرعة، (بسم اللّه مرت،) أي جازت، بمعنى أنها لا تستقر. (بسم اللَّه قلت) (بالقاف)، أي عدمت، لأن القلة قد تنتهي إلى العدم، (ويأخذ كل يوم ورقة، ويجعلها في فمه، ٤٥٩ رقية الحمى ويجعلها في فمه ويبلعها بماء. وقد رخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرءان وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه. قال ابن الحجاج في (المدخل)): وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية، فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيها: أزلي لم يزل، ولا يزال، يزيل الزوال، وهو لا يزال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء/ ٨٢]. وقال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، اللهم رب جبريل ويبلعها بماء،) بحيث يزيل الماء صورة الحروف حتى لا يلاقي النجاسة في الباطن، قاله شيخنا بناءً على مذهبه؛ أن الباطل نجس معفوّ عنه، أما على مذهبنا أنه طاهر ولا يحكم له بالنجاسة حتى يخرج، فلا يحتاج إلى إزالة الماء صورة الحروف، (وقد رخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن، وشربه وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل اللّه فيه،) أي القرآن. (قال ابن الحجاج في المدخل: وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية،) أي زاوية الشيخ، (فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها، فييرأ بإذن اللَّه تعالى، وكان المكتوب فيها أزلي). قال صاحب مختار الصحاح: الأزل القدم، يقال: أزلي ذكر بعض أهل العلم؛ أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار، فقالوا: يزلي، ثم أبدلت الياء ألفًا، لأنها أخف، (لم يزل ولا يزال يزيل الزوال،) أي الإعراض، (وهو لا يزال) باق، (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). زاد في نسخة: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾، (وقال المروزي) أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم ثقة حافظ: (بلغ أبا عبدالله) أحمد بن حنبل (إني حممت، فكتب لي من الحمى،) أي من أجلها (رقعة فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، بسم اللَّه وباللَّه ومحمد رسول اللَّه، يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا،) وهو الحرق، (فجعلناهم الأخسرين) في مرادهم، ومناسبتها للحمى أنها من فيح جهنم، كما في ٤٦٠ رقية الحمى وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك أي كبريائك إله الحق آمين. ومما جرب للخراج، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب عليه ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتار﴾ [طه/١٠٥، ١٠٦، ١٠٧]. ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض، أو شىء نظيف، حديث ابن عباس: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين، وكأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف/٣٥]. الحديث (اللهم رب جبريل وميكئيل وإسوفيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوّتك وجبروتك، أي كبريائك إله الحق) منادى بحذف الأداة (آمين،) ختم بها الدعاء رجاءً للإجابة. (ومما جرب للخراج) بضم الخاء المعجمة وخفة الراء فألف فجيم، قال في المصباح: كغراب بثر الواحدة خراجة، (ونقله صاحب زاد المعاد) ابن القيم فيه: (أن يكتب عليه ﴿ويسألونك عن الجبال﴾) كيف تكون يوم القيامة، (﴿فقل﴾) لهم: (﴿ينسفها ربي نسفا﴾،) بأن يفتتها كالرمل السائل، ثم يطيرها بالرياح (﴿فيذرها قاعا﴾) منبسطًا ((صفصفا﴾) مستویا (﴿لا ترى فيها عوجًا:) انخفاضا (﴿ولا أمتا﴾،) ارتفاعا. (ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال) بالخاء المعجمة نسبة إلى الخل (عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل، قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض) (بجيم فألف فميم)، قال في المقدمة: إناء معروف من فضة أو غيرها، وهو مستدير ٧ قعر له غالبًا. انتهى. ومعلوم أن أحمد لا يكتب في إناء فضة، (أو شىء نظيف) إن لم يكن جامًا أبيض. (حديث ابن عباس:) كلمات الفرج (لا إله إلا اللّه الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين،) مر شرحه قريبًا، ويزيد على كتابة هذا الحديث كتابة قوله تعالى : (﴿كأنهم يوم يرونها﴾،) أي الساعة (﴿لم يلبثوا﴾) في قبورهم (﴿إلا عشية أو ضحاها﴾) إلا عشية يوم أو بكرته، وصح إضافة الضحى إلى العشية لما بينهما من الملابسة، إذ هما طرفا النهار وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة، (﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون﴾) من