Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية مهلكًا. وقال النووي في ((الروضة): ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلاً، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة، وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين، انتهى. قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما عسر. ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره مهلكا). (وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف) يقتص من العائن (ولم يقع منه فعل أصلاً، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة) (عطف تفسير، لحسد)، (وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. انتهى). لكن يقال عليه لما حصل زوال الحياة بالإصابة بالعين وإن لم يتعين في الأصل طلب بما يطلب به من أزال الحياة، بالضرب مثلاً. (قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه،) أي العائن، فإن السحر ليس بمنضبط ولا عام، والذي ينشأ عن حصول مكروه لا يتعين في زوال الحياة، (والفرق بينهما عسر). قال شيخنا: ويمكن الفرق بأن الساحر يحصل منه أفعال يضاف إليها القتل عادة، كالعزائم التي يقصد بها القتل، ولذا قالوا: يثبت السحر، بقوله: قتلته بسحري، وسحري يقتل غالبًا، أو بالقسم الفلاني، وشهد عدلان كانا يعرفان السحر وتابا أن هذا القسم يقتل غالبًا انتهى وتعسفه لا یخفی. (ونقل ابن بطال) العلامة أبو الحسن علي، (عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس:) مخالطتهم، (وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه:) أعطاه (ما يقوم به) وجوبًا من بيت المال وكف أذاه عن الناس، (فإن ضرره أشد من ضرر ٤٠١ النوع الأول في طبه عَّه بالأدوية الإلهية اشد منضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس واشد من ضرر الثوم الذي منع أكله من حضور الجماعة. قال النووي: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه ذكر رقيته معد له. زاد المصنف هنا وفي شرحه في التي كان يرقى بها عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنسٍ بن ملك فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول اللّه عَ لَه؟ قال: بلى، قال: قل اللَّهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا. رواه البخاري. وقوله: ((اذهب الباس)): بغير همزة للمواخاة، وأصله الهمز. المجذوم الذي منعه عمر بن الخطاب والعلماء بعده (من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم) بضم المثلثة (الذي منع آكله،) أي منعه النبي عَّهِ (من حضور الجماعة) بالمسجد لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بإبعادها إلى حيث لا يتأذى بها . .، هذا بقية نقل ابن بطال. (قال النووي:) تبعًا لعياض، (وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه) فيعمل به، (ذكر رقيته عَّ له)) هذه الترجمة للبخاري بلفظ: باب رقية النبي عليه. (زاد المصنف هنا، وفي شرحه في التي كان يرقى بها) غالبًا من الرقى العامة، لا في داء بعينه، فلا يرد أن ما كان يرقى به لا يختص بهذه (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني بموحدة ونونين، البصري، مات سنة ثلاثين ومائة، (قال: دخلت أنا وثابت) بن أسلم البناني أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة وله ست وثمانون سنة (على أنس بن ملك فقال ثابت: يا أبا حمزة) بمهملة وزاي كنية أنس، (اشتكيت) بضم التاء، أي مرضت. وفي رواية: إني اشتكيت، (فقال أنس: ألا) (بتخفيف اللام للعرض والتنبيه (أرقيك) بفتح الهمزة (برقية رسول اللَّه عَّر)) من إضافة المصدر إلى فاعله، أي بالرقية التي كان يرقى بها، وحديث مسلم السابق في المصنف يدل على أن الإضافة في مثل هذه للمفعول، كما في الفتح، (قال) ثابت: (بلى) ارقني، (قال: قل اللهم رب الناس مذهب) بضم الميم وكسر الهاء (البأس:) الشدة (اشف) بكسر الهمزة (أنت الشافي،) فيه جواز تسمية اللَّه تعالى بما ليس في القرءان ما لم يوهم نقصًا، وكان له أصل في القرءان كهذا، ففيه: وإذا مرضت فهو يشفين، (لا شافي إلا أنت،) إذ لا ينفع الدواء إلا بتقديرك، (شفاء) بالنصب على أنه مصدر اشف، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي هو (لا يغادر سقمًا) بفتحتين وبضم ثم سكون (رواه البخاري) في الطب. (وقوله: أذهب،) كذا في النسخ تبعًا للفتح، مع أن المصنف قدمه بلفظ: مذهب، وضبطه ٤٠٣ النوع الأول في طبه مَّة بالأدوية الإلهية وفي قوله: ((لا شافي إلا أنت)) إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير اللَّه وإلا فلا ينجع. وقوله: ((لا يغادر)) - بالعين المعجمة - أي لا يترك. وفي البخاري إيضًا عن مسروق عن عائشة: أن النبي عَِّ كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: ((اللهم رب الناس أذهب البأس، واشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)). وقوله ((يمسح بيده)) أي على الوجع. في شرحه (بضم الميم) (البأس بغير همز للمواخاة،) لقوله الناس، (وأصله الهمز). زاد المصنف في شرحه، وفي الفرع (بالهمز على الأصل). (وفي قوله: لا شافي إلا أنت إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير اللَّه، وإلا فلا ينجع) جواب الشرط الأول، وجواب الثاني، وهو: وإلا محذوف، أي نجع، أي إن لم يصادف لم ينجع، وإن صادف نجع. (وقوله: لا يغادر - بالغين المعجمة -، أي لا يترك) سقمًا إلا أذهبه. (وفي البخاري أيضًا:) تلو هذا الحديث، وبعده بباب (عن مسروق) بن الأجدع بن ملك الهمداني، الوداعي، الكوفي، الفقيه، العابد، المخضرم، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (عن عائشة: أن النبي عَّله. كان يعوّذ) (بضم الياء وكسر الواو الثقيلة وذال معجمة)، أي يطلب من اللَّه عصمة (بعض أهله). قال الحافظ: لم أقف على تعيينه، (يمسح بيده اليمنى) على الوجع، على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع قاله الطبري، وظاهر الحديث: كان المسح بحائل أم لا، لكن الأولى بلا حائل إلا لمانع، ككون المرض بالعورة، (ويقول: اللهم رب الناس أذهب) (بهمزة مفتوحة قبل الذال) (البأس). قال المصنف: (بالهمز في فرع اليونينية، والمشهور حذفه ليناسب سابقه) (واشفه) (بكسر الهاء)، أي العليل، أو هي هاء السكت، (وأنت الشافي،) بإثبات الواو في الكلمتين للحموي والمستملي، وحذفها فيهما للكشميهني، (لا شفاء) (بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف، أي حاصل لنا أو له (إلا شفاؤك شفاء،) أي اشف (شفاء لا يغادر سقمًا) (التنوين للتقليل). (وقوله: يمسح بيده، أي على الوجع) تفاؤلاً لزوال ذلك الوجع، (وقوله: إلا شفاؤك، ٤٠٤ النوع الأول في طبه عَ ◌ّه بالأدوية الإلهية وقوله ((إلا شفاؤك)) بالرفع بدل من موضع: لا شفاء. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللَّه عَّه كان يرقي يقول: ((امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت. رواه البخاري أيضًا. وفي صحيح مسلم، عن عثمن بن أبي العاص، أنه شكا إلى رسول اللَّه عَ ليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي عَّهِ: ((ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم اللَّه، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. بالرفع بدل من موضع لا شفاء). وقال في المصابيح: الكلام في عرابه، كالكلام في لا إله إلا اللَّه، ولا يخفى أنه بحسب صدر الكلام نفي لكل إله سواه تعالى، وبحسب الاستثناء إثبات له وللألوهية، لأن الاستثناء من النفي إثبات، لا سيما إذا كان بدلاً، وأنه يكون هو المقصود بالنسبة، ولهذا كان البدل الذي هو المختار في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة الشريفة، حتى لا يكاد يستعمل لا إله إلا اللَّه بالنصب، ولا إله إلا إياه، فإن قيل: كيف يصح، مع أن البدل هو المقصود، والنسبة إلى المبدل منه سلبية فالجواب إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا، فالبدل هو المقصود المعتبر في المبدل منه، لكن بعد نقضه ونفي النفي إثبات. (وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أن رسول اللَّه عَّ}. كان يرقي) (بفتح أوله وكسر القاف) وهو بمعنى قوله في الرواية قبله: كان يعوذ، حال كونه (يقول: امسح،) أي أزل، وهو بمعنى الرواية قبله: أذهب (البأس) الضرر (رب الناس، بيدك الشفاء) لا بيد غيرك، (لا كاشف له،) أي المرض (إلا أنت) وهو بمعنى قوله: اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، (رواه البخاري أيضًا:) تلو الحديث قبله من الباب المذكور، وهذا من إفراده عن مسلم. (وفي صحيح مسلم عن عثمن بن أبي العاصي،) الثقفي، الطائفي، استعمله النبي عليه. على الطائف، ومات بالبصرة في خلافة معوية؛ (أنه شكا إلى رسول اللَّه عَّه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم). وفي الموطأ قال عثمن: وبي وجع قد كاد يهلكني، (فقال) له (النبي عَّر: ضع يدك) اليمنى (على الذي تألم) (بفتح اللام) (من جسدك) . وفي رواية الطبراني والحاكم: ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات، وفي الموطأ، فقال: امسحه بيمينك سبع مرات، (وقل: بسم اللَّه،) أي هذا اللفظ (ثلاثًا) من المرات، (وقل سبع مرات أعوذ:) أعتصم (بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) من ٤٠٥ ذكر طبه عٍَّ من الفزع والأرق المانع من النوم وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة. [ذكر طبه عَ لَّه من الفزع والأرق المانع من النوم] عن بريدة قال: شكا خالد إلى النبي عَّه فقال: يا رسول اللَّه، ما أنام الليل وجعي هذا، كما زاده في حديث أنس عند الترمذي، وحسنه، والحاكم، وصححه عن محمد بن سالم، قال: قال لي ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت، فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: بسم الله، أعوذ بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترّا، قال: فإن أنس بن ملك حدثني: أن رسول اللَّه عَّ﴾ حدثني بذلك. وفي رواية الطبراني والحاكم عن عثمن أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع. ومعنى أحاذر: أخاف، زاد في رواية الموطأ: قال عثمن: فقلت ذلك، فأذهب اللَّه ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم، وهذا من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر اللَّه والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته. قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل، أن يقول من يعوّذه من شر ما يجد ويحاذر، وأن يقول: أعيذك، قال شيخنا: ويحتمل أن يقول هذا اللفظ مطلقًا، تبركًا بالمروي، ويلاحظ أن المعنى ما أجده بهذا المريض وأخافه عليه، لكن يؤيد الأول حديث البخاري عن ابن عباس: كان عَِّ يعوّذ الحسن والحسين: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ويقول: إن أباكما كان يعوّذ بهما اسماعيل وإسحق، (وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء) الطبيعي (لإخراج المادة،) أي لاستقصاء إخراجها، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وقد حض عَّهُ على السبع في غير ما موضع، بشرط قوّة اليقين وصدق النية. ذكر طبه عليه من الفزع والأرق المانع من النوم الفزع: الخوف والأرق، (بفتحتين) السهر بالليل، ولم يذكر تحت الترجمة شيئًا للفزع، فلعله أراد الأرق ونحوه من كل ما يحذر، ومنه الفزع، وربما يشعر به قول الحديث: من شر خلقك كلهم، ويحتمل؛ أنه بيض لذكر حديث للفزع فنسي، وقد روى لملك في الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول اللَّه عَية: إني أروع في منامي، فقال له عَّهُ: قل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، (عن بريدة) ابن الحصيب (بالتصغير فيهما وحاء وصاد مهملتين) الأسلمي، الصحابي المشهور، (قال: شكا خالد) بن الوليد المخزومي سيف اللَّه (إلى ٤٠٦ ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة بيرد الرجوع إلى اللَّه تعالى من الأرق، فقال ◌َ له: ((إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي، عزَّ جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك)). رواه الترمذي. [ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى] في المسند مرفوعًا: ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: (إنا لله وإنا إليه النبي عَّ، فقال: يا رسول اللّه ما أنام الليل من الأرق:) السهر، ثم يحتمل أنه أراد الليل كله أو معظمه، كخبر: لا يضع العصا عن عاتقه، (فقال عَّ: إذا أويت) (بقصر الهمزة) على الأفصح، قال شيخ الإسلام وغيره: إن كان أوى لازمًا كما هنا، فالقصر أفصح وإن كان متعديًا، كالحمد لله الذي آوانا، فالمد أفصح، عكس ما وقع لبعضهم (إلى فراشك،) أي انضممت إليه ودخلت فيه لتنام، (فقل) استحبابًا: (اللهم رب السموات السبع وما أظلت،) أي سترت، (ورب الأرضين السبع) ، كما في الترمذي، فسقط من المصنف: (وما أقلت،) أي حملت، (ورب الشياطين وما أضلت:) أغوت، وعبر بما إرادة للعموم، نحو: للَّه ما في السموات وما في الأرض، (كن لي جارًا،) أي مجيرًا، مؤمنًا لي مما أخاف (من شر خلقك كلهم جميعًا،) جمع بين التأكيدين زيادة في التأكيد، (أن يفرط) (بضم الراء، أي يتعدى) (على أحد منهم) بكلام أو غيره، يؤذيني (أو يبغي علي،) أي يظلمني ويعتدي (عز:) غلب (جارك) من أجرته، (وجل:) عظم (ثناؤك) (بالمد) مدحك، فلا يمكن إحصاؤه، (ولا إله غيرك) يرجى لكشف الضر وإجابة الدعاء، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، (رواه الترمذي) في سننه. ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة بيرد الرجوع إلى الله تعالى (في المسند) يطلق، كما في الألفية على المرفوع وعلى المتصل، وهو المراد بقوله، (مرفوعًا:) ولا ينبغي أن يريد مسند أحمد لئلا يعاب بقصر العزو له، مع أن هذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم ولملك وأصحاب السنن، عن أم سلمة، سمعت رسول اللَّه عَّالله يقول: (ما من أحد،) وفي رواية: ما من مسلم، وأخرى: ما من عبد. قال الطيبي: نكرة وقعت في سياق النفي، وضم إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول (تصيبه مصيبة،) أي مصيبة كانت، لقوله عَّله: كل شىء ساء المؤمن فهو مصيبة، رواه ابن السني. ٤٠٧ ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة بيرد الرجوع إلى اللَّه تعالى راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره اللَّه في مصيبته وأخلف له خيرًا منها)). قال في الهدى البنوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته. أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك للَّه تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير. قال الباجي: لفظ مصيبة موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله خير أو شر، لكن خص في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره، (فيقول:) زاد في رواية، كما أمره اللَّه، أي بالثناء والتبشير لقائله المقتضى ندبه، والمندوب مأمور به على المختار في الأصول، (إنا لله) ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا، (اللهم أجرني) (بقصر الهمزة وضم الجيم وسكون الراء). قال عياض: يقال أجر (بالقصر والمد)، والأكثر أنه مقصور لا يمد، أي اعطني أجري وجزاء صبري وهمي (في مصيبتي، واخلف) (بقطع الهمزة وكسر اللام) (لي خيرًا منها إلا أجره اللَّه:) أثابه وأعطاه الأجر (في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها،) فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله. قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على اللَّه ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، صلوات الله ورحمته والهدى، قاله أبو عمر بن عبد البر. وبقية الحديث قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه عَّله، ثم إني قلتها: فأخلف اللَّه لي خيرًا منه، رسول اللَّه عَله. (قال) ابن القيم (في الهدي النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته:) الدنيا، (وآجلته:) الآخرة، (فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق،) أي اتصف (العبد بمعرفتهما، تسلى عن مصيبته،) وصبر (أحدهما،) أي الأصلين؛ (إن العبد وأهله وماله ملك للَّه تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير،) وقد ضربت المثل بالعارية أم سليم لزوجها أبي طلحة لما مات ابنه منها أبو عمير وتحته في جانب البيت، وكان أبو طلحة خارجًا عنه، فلما جاء قال: كيف الغلام؟، قالت: هدأت نفسه، وأرجو أنه استراح، وقربت له العشاء، فتعشى، ثم تطيبت وتعرضت له حتى واقعها، فلما أراد أن يخرج، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا قد أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا ٤٠٨ ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى اللَّه تعالى والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات وبالسيئات، فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء. قال: ومن علاجه أن يطفىء نار مصيبته بيرد التأسي بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير في إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإنّ متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملأت دارًا حبرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بیوم سرورٍ، إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، واسترجع، ثم صلى مع النبي عَ له، ثم أخبره بما كان منهما، فقال: لعل اللَّه أن يبارك لكما في ليلتكما. وفي رواية: اللهم بارك لهما، فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة، قال بعض الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد، كلهم قد قرأوا القرءان، كما مر ذلك مبسوطًا في الصحيحين وغيرهما. (والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى اللَّه، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا،) كما قال تعالى: ﴿ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا﴾ [مريم: ٨٠]، (كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن) يأتي (بالحسنات) إن كان محسنًا، (وبالسيئات) إن كان مسيئًا، (فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى،) أي يحزن (على مفقود، ففكره في مبدئه، ومعاده) عوده يوم القيامة، (من أعظم علاج هذا الداء، قال: ومن علاجه أن يطفىء نار مصيبته ببرد التأسي:) الاقتداء (بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلي، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم،) تشبيه بليغ بحذف الأداة، (أو ظل زائل) عن قريب، (إن أضحكت قليلاً أبكت کثیرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا،) زمنًا طويلاً، (وإن متعت قليلاً) بشىء من زهرتها (منعت طويلاً، وما ملأت دارًا حبرة) (بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة)، أي نعمة وسعة (إلا ملأتها عبرة) (بفتح المهملة) الدمع قبل أن يفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء: جمعها عبرات، كما في القاموس، (ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور). (قال ابن مسعود) عبد اللَّه الصحابي: (لكل فرحة ترحة) (بفتح الفوقية وسكون الراء)، ٤٠٩ ذكر طبه عَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه وما ملىء بيت فرحًا إلا ملىء ترحًا. [ذكر طبه عَ ليهِ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب] والكرب عن ابن عباس أن رسول اللَّه عَ لَّه كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السموات السبع ورب الأرضين ورب العرش الكريم. رواه الشيخان. وقوله ((عند الكرب)) أي عند حلول الکرب. هم: (وما ملىء بيت فرحًا إلا ملىء ترحًا) (بفتحتين)، أي هما. ذكر طبه عٍَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إضافة بيانية، أي بدواء هو التوجه (إلى الرب،) الهم الفكر فيما يتوقع حصوله من أذى حزن، كما في السبل، وفي القاموس: الهم: الحزن، جمعه هموم، (والكرب:) الحزن بالنفس، كالكربة بالضم، والإضافة بيانية فيهما، أي من داء هو الهم والكرب، أو المراد بالداء الأثر الحاصل من الهم، من نحو سهر ومرض وصفرة ونحول، فالإضافة حقيقية. (عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَّ كان يقول عند الكرب) (بفتح الكاف وسكون الراء فموحدة)، وهو ما يدهم الإنسان، فيأخذ بنفسه، فيغمه ويحزنه: (لا إله إلا اللّه العظيم:) المطلق، البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، ولا شىء يعظم عليه، (الحليم:) الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، فيؤخره مع القدرة عليه، (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) (بالجر) (لا إله إلا اللَّه رب السموات السبع، ورب الأرضين، ورب العرش الكريم) (بجره)، كالعظيم قبله نعت للعرش في رواية الجمهور. ونقل ابن التين عن الداودي؛ أنه رواه برفع العظيم والكريم نعتان للرب، أو نعتان للعرش، على أنه خبر مبتدأ محذوف، قطع عما قبله للمدح، ورجح بحصول توافق القرائن، ورجح بعضهم الأول، بأن وصف الرب بالعظيم والكريم أولى من وصف العرش بهما، وتعقب بأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس؛ بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سليمن، ووصف العرش بالكرم، لأن الرحمة تنزل منه، أو لنسبته إلى أكرم الأکرمین. قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب، لأنه يقتضي التربية، (رواه الشيخان) في الدعوات بهذا اللفظ من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، (وقوله عند الكرب، أي عند حلول الكرب،) أي نزوله وقيامه به، (وعند مسلم) من ٤١٠ ذكر طبه عَ ل من داء الهم والكرب بدواء التوجه وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب. وعنده أيضًا: كان إذا حز به أمر- وهو بفتح المهملة والزاي - أي هجم عليه او غلبه. قال الطبري: معنى قول ابن عباس ((يدعو))، وإنما هو تهليل وتعظيم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد («كان إذا حزبه أمر قال ... )) فذكر الذكر المأثور، وزاد: ثم دعا. قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة وقد سئل عن الحديث الذي فيه ((أكثر ما كان يدعو به النبي عَِّ بعرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له)) الحديث. فقال سفين: هو ذكر وليس فيه طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَلّم (كان يدعو بهن،) أي بالكلمات المذكورة بعطف التفسير، بقوله: (ويقولهن عند الكرب،) فذكره بمثل حديث هشام، غير أنه قال رب السموات والأرض، قاله مسلم، أي أنه أسقط رب قبل الأرض، وهذا على عادة مسلم في تحري الألفاظ، (وعنده أيضًا) من طريق يوسف بن عبد الله بن الحرث عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن النبي ◌ٍَّ (كان إذا حز به أمر) فذكر مثله، (وهو بفتح المهملة والزاي) المنقوطة وموحدة، (أي هجم عليه أو غلبه،) وهما متقاربان. (قال الطبري: معنى قول ابن عباس: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين). (أحدهما أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء،) ولا يبعده قوله يدعو بهن، لأن المراد يدعو ملتبسًا أو متوسلاً بهن، (كما عند) (بالنون) (عبد) بلا إضافة (ابن حميد،) أحد الحفاظ، أي كما رواه في مسنده، بلفظ: (كان إذا حز به أمر قال فذكر الذكر المأثور،) أي: لا إله إلا اللَّه إلى آخره، (وزاد: ثم دعاء) وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه، بلفظ: ثم يدعو، ورواه الطبراني في الكبير، وزاد في آخره: اصرف عني شر فلان، أي يعينه باسمه، فإن له أثرًا بينًا في دفع شره. (قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش) سليمن بن مهران، (عن إبراهيم) النخعي، (قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء،) أي قدمه عليه، فالظرف بيان للمقدم عليه، (استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء) في الاستجابة وعدمها. (ثانيهما: ما أجاب به) سفيان (بن عيينة، وقد سئل عن الحديث الذي فيه أکثر ما كان يدعو به النبي ◌ٍَّ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث،) وقد رواه ٤١١ ذكر طبه عَّر من داء الهم والكرب بدواء التوجه دعاء، ولكن قال النبي عَّله عن ربه عز وجل: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان: الذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضك الثناء ابن أبي شيبة عن علي، مرفوعًا: ((أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قدير)، (فقال سفين: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي عَّله) فيما يرويه (عن ربه عز وجل،) بواسطة الملك أو بدون واسطة، وجهان في جميع الأحاديث الإلهية: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) تصريح الدعاء. (وقال أمية بن أبي الصلت) عبد اللّه بن ربيعة الثقفي: كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث، وينشد في ثنائه الشعر المليح، ويطمع في النبوة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حصار الطائف سنة ثمان كافرًا. وفي مسلم عن الشريد بن سويد: أنه أنشد النبي ◌َِّ من شعر أمية مائة بيت، وفي ابن عساكر وغيره مرفوعًا: ((آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه)» (في مدح عبد الله بن جدعان) (بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين، فألف، فنون) ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، يكنى أبا زهير، وهو أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وابن عم عائشة، ولذا قالت للنبي عَّل: إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف، فهل ينفعه ذلك؟، فقال: لا. إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. رواه مسلم: (أأذكر حاجتي أم قد كفاني،) يحتمل أن الاستفهام تقريري والظاهر أنه استفهام إنكاري أي لا أذكرها بل قد كفاني (حياؤك) بفتح المهملة والتحتية والمد، عن ذكر حاجتي، (إن شيمتك:) (بمعجمة) طبيعتك التي خلقت عليها (الحياء،) المقتضى مزيد الكرم، المغني عن ذكر الحاجة، ويحتمل أنه (، بكسر الحاء وموحدة فيهما) أي عطاؤك بلا عوض (إذا أثنى عليك،) أي مدحك (المرء يومًا:) قطعة من الزمان لا حقيقة اليوم، (كفاه من تعرضك) (مصدر مضاف لمفعوله)، أي كفاه من سؤاله لك، أو من طلب معروفك (الثناء،) أي ثناؤه عليك، وأنشده غير المصنف من تعرضه الثناء، وهو ظاهر، والمعنى على الضبط الأول: إن الثناء عليك يحملك على البحث عن حاجة المثني والتقيد بأمره، فيكفيه ذلك عن ذكرها. وعلى الثاني: إن عطاءك بمعنى إعطائك، يغني ذا الحاجة عن السؤال، ويجعل مجرد الثناء كافيًّا، بل لا يحتاج إليه، فإن مجرد علمك بالحاجة كاف في بذل معروفك، فليس القصد بالثناء إلا مجرد ٤١٢ ذكر طبه عَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق. ثم إن حديث ابن عباس هذا- كما قال ابن القيم - قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء، ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل الحضور عندك، وبعد البيتين: كريم لا بغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء فأرضك كل مكرمة بناها بنوتيم وأنت لها سماء (فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق،) وأيد الاحتمال الثاني بحديث سعد بن أبي وقاص، رفعه: دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالی له. أخرجه الترمذي والنسائي، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: كانت ليونس، خاصة أم للمؤمنين عامة، فقال عٍَّ: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾ [الأنبياء: ٨٨]، (ثم إن حديث ابن عباس هذا كما قاله ابن القيم) في زاد المعاد في هدى خير العباد، (قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية) بكلمة الإخلاص، وكونه رب كل شيء، وذلك أصل التنزيهات الجلالية، (ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم) بقوله: العظيم الحليم، (وهاتان الصفتان،) أي التوحيد والوصف (مستلزمتان لكمال القدرة) من لفظ العظيم، لأن العظمة دالة على كمال القدرة (والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء،) بقوله: الحليم الذي يدل على العلم، إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية، (ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي). كذا في بعض النسخ، وفي أكثرها سقوطه والكرسي، وهو الذي في الهدي (الذي هو)،) أي العرش (سقف المخلوقات) لارتفاعه عن جميعها، فهو مظل على جميع العالم، كالسقف، (وأعظمها) جرمًا، (والربوبية التامة تستلزم توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلاّ له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات کل کمال له، ٤١٣ ذكر طبه عَلَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور وما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى أو أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها. قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي قد سعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ◌َّه في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي وسلب كل نقص وتمثيل عنه،) وذلك أصل التنزيهات الجلالية، كما قاله الطيبي؛ (وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه،) إذ الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، كما مره (فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب) إذا ورد عليه ما سبق عند علمه بكمال العظمة ... الخ (أولى أو حرى) عطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ، (ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة،) أي إلى السعة الحاصلة للداعي بسبب ما قام به من البهجة (والسرور، إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه،) أي في ذاته (أنوارها وباشر قلبه حقائقها،) لا من لم يصل إلى ذلك. (قال ابن بطال،) العلامة المحدث أبو الحسن علي شارح البخاري: (حدثني أبو بكر الرازي،) (قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم) الحافظ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، صاحب الحلية وغيرها، (فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي،) لفظ ابن بطال، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا، (قد سعى به عند السلطان، فسجن، فرأيت النبي عَّه في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح،) أي تنزيه اللَّه تعالى (لا يفتر) عنه فهو منه كغيره من الملائكة، كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، كما قال تعالى: ﴿يسبحون الليل والنهار ٤١٤ ذكر طبه عٍَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه النبي عَ لّهِ قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج اللَّه عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلاً حتى أخرج. وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم: لقنني رسول اللَّه عزّلاّ}. هذه الكلمات وأمرني إن نزل بي کرب أو شدة أن أقولها: لا إله إلا اللَّه الكريم العظيم، سبحان اللَّه تبارك اللَّه رب العرش العظيم، والحمد للَّه رب العالمين. وفي لفظ: ((الحليم الكريم)) في الأول، وفي لفظ: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له العليم العلي العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي لفظ لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم سبحانه، تبارك وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. أخرجها كلها النسائي. لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠]، (فقال لي النبي عَّله: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه) بخلاصه من السجن، (قال: فأصبحت، فأخبرته) بهذا المنام (فدعا به، فلم يمكث إلا قليلاً حتى أخرج) من السجن. (وفي حديث علي عند النسائي، وصححه الحاكم) وابن حبان: (لقنني:) خاطبني شفاهًا، وفهمني (رسول اللَّه عَّ هذه الكلمات، وأمرني إن نزل بي کرب:) حزن يأخذ بنفسي، (أو شدة) من نحو مرض، (أن أقولها،) وهي: (لا إله إلا اللَّه الكريم،) المعطي فضلاً، (العظيم) الذي لا شيء يعظم عليه، (سبحان اللّ:) تنزيهًا له عما لا يليق بعلي قدره، (تبارك اللَّه) تعالى وتكاثر خيره، (رب العرشِ العظيم) (بالجر فقط)، هنا صفة للعرش لا بالرفع لتقدم وصف اللَّه تعالى به، (والحمد لله رب العالمين،) أي ملك جميع الخلائق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك، وغلب في جمعه (بالياء والنون) أولو العلم على غيرهم، وهو من العلامة، لأنه علامة على موجده. (وفي لفظ: الحليم الكريم في الأول،) أي أنه أبدل العظيم بالحليم. (وفي لفظ:) أي رواية (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم) لكل معلوم، أو البالغ في العلم، فعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات، محيط بها، سابق على وجودها، (العلي) فعيل من العلو، وهو البالغ في علو مرتبته إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، (العظيم لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له،) أعاده ليكون أنجع وأغلب. (وفي لفظ: لا إله إلا اللّه، الحليم الكريم، سبحانه تبارك وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أخرجها كلها النسائي) أحمد بن شعيب المصري، أبو عبد الرحمن، ٤١٥ ذكر طبه مَّلُ من داء الهم والكرب بدواء التوجه وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه عَّم كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: سبحان اللَّه العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قیوم. وعنده أيضًا من حديث أنس: أنه يِّ كان إذا حز به أمر قال: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث. قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)) في رفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة ((الحياة)) متضمنة لجيمع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة (القيومية)) متضمنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم، والحياة أحد الحفاظ، فينبغي للمكروب أن يأتي بجميع هذه الروايات، لأنها كلها فيها حث أكيد، واختلاف ألفاظها إن كان من الرواة، فيتأكد ذكر جميعها حتى يصادف لفظ النبي عَّهِ، وإن کان نطق بجميعها في أوقات، فیتعین التأسي به في ذ کر جميعها. (وروى الترمذي عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّه عٍَّ كان إذا أهمه الأمر:) أقلقه وأزعجه، (رفع طرفه) بصره (إلى السماء) مستغيثًا متضرعًا، (فقال: سبحان اللَّه العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم،) من أبنية المبالغة، والقيم معناه: القائم بأمور الخلق ومدبر العالم في جميع أحواله، والقيوم: القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به، (وعنده أيضًا من حديث أنس أنه عَِّ كان إذا حز به) (بحاء مهملة وزاي وموحدة مفتوحات) (أمر،) أي هجم عليه، أو غلبه، أو نزل به هم، أو غم، وفي رواية: حزنه (بنون)، أي أوقعه في الحزن، يقال: أحزنني الأمر وحزنني، فأنا محزون، ولا يقال: محزن. ذكره ابن الأثير، (قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) مما نزل بي؛ (قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث في رفع هذا الداء:) الكرب الذي نزل به (مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال،) لأن معنى القيوم: الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه على أحسن الأحوال وأجمعها، (ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به) اللَّه سبحانه (أجاب، وإذا سئل به أعطى، هو اسم الحي القيوم) في أحد الأقوال، والإضافة بيانية، أي الاسم الذي هو الحي القيوم، (والحياة التامة) صفة (تضاد جميع الآلام والأسقام، ولهذا لما ٤١٦ ذكر طبه عَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه التامة تضاد جميع الآلام والأسقام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شىء من الآفات. فالتوسل بصفة («الحياة والقيومية) له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. فلهذا الاسم ((الحي القيوم)) تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات ولهذا كان عَّةٍ إذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم. وروى أبو داود عن أبي بكر الصديق، أن رسول اللَّه عَ لّه قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت. وفي هذا الدعاء- كما قاله في زاد المعاد - من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده، مما له تأثير في دفع كملت حياة أهل الجنَّة، لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة،) أي يخالفها (ويضر بالأفعال) (بضم أوله من أضر لتعديه بالباء)، فإن تعدى بنفسه، فمن ضر نحو: لن يضروكم، (فلهذا الاسم الحي القيوم تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات، ولهذا كان عَّه إذا اجتهد في الدعاء، قال: يا حي يا قيوم،) كما في الحديث قبله. (وروى أبو داود) في الأدب، وأحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، وصححه (عن أبي بكر الصديق،) كذا في النسخ والذي في أبي داود: ومن ذكرت معه إنما هو عن أبي بكرة، واسمه نفيع بن الحرث: (إن رسول اللَّه عَّ قال: دعوات المكروب) المغموم المحزون، أي الدعوات النافعة له، المزيلة لكربه، وكأنه جمعها لاشتمالها على أفراد، كأنها محيطة بجميع دعوات المكروب، لاشتمالها على ما هو جامع لكشف كل كرب، أو المراد: أن هذا من جملتها («اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت))) ختمه بهذه الكلمة الحضورية الشهودية إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب ويزيل كربه إذا كان مع حضور وشهود، ومن شهد فيه بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة وحضور البال، فهو حري بزوال الكرب في الدنيا، والرحمة ورفع الدرجات في العقبى. (وفي هذا الدعاء، كما قاله في زاد المعاد) في هدى خير العباد؛ (من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله، ولا يكله إلى نفسه،) ولا أقل قليل، لقوله: طرفة عين، (والتوسل إليه ٤١٧ ذكر طبه عَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه هذا الداء. وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود مرفوعًا: كلمات الكرب: اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا. وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود عن النبي عٍَّ قال: ما أصاب عبدًا همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بتوحيده) شيء عظيم (مما له) (بميمين)، متعلق بما قدرنا (تأثير) نفع زائد على غيره (في دفع هذا الداء. وفي نسخة: ما له (بميم واحدة، وهو المبين المقدم عليه بيانه) أي في هذا الدعاء شيء عظيم له تأثير من تحقيق الرجاء إلى آخره؛ (وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس) (بمهملتين مصغر الخثعمية، صحابية لها أحاديث، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، (عند أبي داود، مرفوعًا: كلمات الكرب:) الدعوات النافعة له بشرط صدق النية وخلوص الطوية: (الله) (بالرفع مبتدأ والخير) (ربي لا أشرك به،) أي بعبادته (شيئًا) من الخلق بریاء أو طلب أجر، كمن يسره أن يطلع على عمله، أو المراد: لا أشرك بسؤاله أحدًا غيره، كما قال تعالى: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدًا﴾ [الجن: ٢٠]. وقد رواه بأتم منه ابن أبي الدنيا، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول اللَّه علّم. يقول: من أصابه غم أو سقم أو شدة أو لأواء أو أزل، فقال: اللَّه اللّه ربي، لا أشرك به، كشف ذلك عنه، ورواه الخطيب عنها مرفوعاً: ((إذ انزل بأحدكم غم، أو هم، أو سقم، أو لأواء وأزل، فليقل: اللَّه اللَّه ربي، لا أشرك به شيئًا ثلاث مرات)). وللطبراني في الأوسط، عن عائشة مرفوعًا: ((إذا أصاب أحدكم هم أو لأواء، فليقل: اللَّه اللَّه ربي، لا أُشرك به شيئًا)». وللنسائي عن عمر بن عبد العزيز، مرسلاً، مرفوعًا: إذا أصاب أحدكم هم، أو حزن، فليقل سبع مرات: اللَّه الله ربي، لا أشرك به شيئًا، وذكر الجلالة مرتين استلذاذًا بذكره واستحضارًا لعظمته وتأكيدًا للتوحيد، فإنه الاسم الجامع للصفات الجلالية والجمالية والكمالية. (وفي مسند الإمام أحمد) وابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم، (من حديث ابن مسعود، عن النبي ◌َّه قال: ما أصاب عبدًا،) أي مسلمًا، ففي رواية الثلاثة. المذكورين: ما أصاب مسلمًا قط (هم:) فكر فيما يتوقع حصوله من أذى، (ولا حزن) (بضم فسكون)، (فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك) (برفع ابن صفة ثانية لعبدك، فهو من تعدد الصفات، بحذف. العاطف، فتكتب الألف والمراد بالعبد والأمة الجنس الصادق بجميع أصوله، وبهذا يظهر قوله ٤١٨ ذكر طبه عَّهِ من داء الهم والكرب بدواء التوجه بيدك، ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرءان العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزن وهمه، وأبدله مكانه فرحًا. وإنما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، وإثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، واللَّه سبحانه وتعالى عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، ثم توسله الآتي: وعبودية آبائه وأمهاته، (ناصيتي بيدك) الناصية قصاص الشعر، جمعها النواصي، كما في المصباح. وفي القاموس؛ وقصاص الشعر مثلثة، حيث ينتهي منبته من مقدمه ومؤخره، ولم يرد الناصية خاصة، فهو كخبر الخيل في نواصيها الخير (ماض،) أي: نافذ (في حكمك،) لا انفكاك لي عنه، ولا حيلة في دفعه، (عدل في قضاؤك:) حكمك، لا جور فيه ولا ظلم، (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك،) أي جنسه، فيصدق بجميع كتبه المنزلة، (أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت:) اختصصت (به في علم الغيب عندك،) فلم يطلع عليه أحدًا، (أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي،) لأرتع في زهور معارفه، (ونور صدري). وفي رواية ابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم: ونور بصري بدل صدري، فينبغي للداعي أن يجمع بينهما، (وجلاء) (بكسر الجيم والمد)، أي كاشف (حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحًا،) أي سرورًا. وفي رواية الثلاثة الذين ذكرتهم: إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحًا، قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتعلم هذه الكلمات، قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن، (وإنما كان هذا الدعاء) المذكور (بهذه المنزلة) الرتبة العلية، (لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته،) وذلك صفة الإنسان الحقيقية، (وإن ناصيته،) أي: جملته (بيده) قدرته، (يصرفها،) أي يقلبها (كيف يشاء،) وعبر عن ذلك بالناصية، إشارة إلى أنه بمنزلة الأسير الذي . يجره آسره بشعر رأسه، ليفعل به ما يريده، (وإثبات) (بالجر عطف على عبودية الداعي) (القدر) (بفتحتين)، (وإن أحكام الرب تعالى نافذة) (بالمعجمة) (في عبده، ماضية فيه،) هو بمعنى ما قبله، حسنه اختلاف اللفظ، (لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها) عنه بوجه، (واللّه ٤١٩ ذكر طبه عَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه بأسماء الرب تعالى التي سمي بها نفسه، ما علم العباد منها، وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلاً للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرءان العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تامًا. وفي سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول اللَّه عَلَّه. ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة سبحانه وتعالى عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده،) لأنه المالك الحقيقي، (ثم توسله) (بالجر عطفًا على اشتماله المجرور باللام، أو على الاعتراف) (بأسماء الرب تغالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل،) وهي ما يتقرب به إلى الشيء، (وأحبها إلى اللَّه تعالى، وأقربها تحصيلاً للمطلوب، ثم سؤاله) (بالجر عطف على توسله)، وهي أولى من نسخة: ثم سأله (أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان،) أي يسعى وينشط، فهو تشبيه بليغ، أو استعارة، (وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء))) يزيله بحيث لا يبقى له أثر، (ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع:) جمع طبع، وهو الصدأ والدنس، كما في القاموس، (والأصدية:) جمع صدأ، وهو الوسخ الذي يعلو الحديد، فهما متقاربان، ولذا أفرد الضمير في قوله: (وغيرها،) لأن المراد منها شيء واحد، وهو الآثار التي تكون في الثياب ونحوها من الدنس، (فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء، أعقبه شفاءً تامًا،) وصدقه باليقين التام، وصدق النية وخلوص الطوية، وأن لا يقصد به التجربة، لأن قاصد ذلك عنده شك. (وفي سنن أبي داود) في الصلاة، (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن لملك بن سفين الصحابي بن الصحابي، (قال: دخل رسول اللَّه عَ ل ذات يوم المسجد) النبوي، (فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة)، غير منسوب ولا مسمى، ويجوز أنه أبو أمامة بن ثعلبة الحرثي، لكن أفرده ابن منده، وتبعه أبو نعيم بالترجمة، عنه وعن الباهلي، فهو غيرهما، كما أشار إليه في ٤٢٠ ذكر طبه عٍَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول اللَّه، فقال: أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب اللَّه عز وجل همك، وقضى عنك دينك، قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: ففعلت ذلك الإصابة، (فقال: يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة، فقال: هموم لزمتتي وديون يا رسول اللَّه، فقال: أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب اللَّه عز وجل همك وقضى عنك دينك، قلت: بلى يا رسول اللَّه) علمني، (قال: قل إذا أصبحت:) دخلت في الصباح، (وإذا أمسيت:) دخلت في المساء، فصريحه المبادرة لقول ذلك أول الليل وأول النهار: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) (بفتح الحاء المهملة والزاي)، كما ضبطه المصنف كغيره، وهو الرواية: مصدر حزن كتعب، وهو المناسب، لكونه مستعاذًا منه من الاسم الذي هو الحزن (بضم فسكون). وفي البخاري: البخل، والبخل واحد مثل الحزن، والحزن، أي (بضم فسكون فيهما، وبفتحتين فيهما، وليس العطف لاختلاف اللفظين مع اتحاد المعنى)، كما ظن، بل الهم في أمر يتوقع، والحزن فيما وقع قبل، والهم من الحزن الذي يذيب الإنسان، فهو أشد من الحزن، وهو خشونة في النفس، فالفرق بينهما بالشدة والضعف، (وأعوذ بك من العجز:) القصور عن فعل الشيء ضد القدرة، فهو ما لا يستطيعه الإنسان، (والكسل) ترك الشيء والتراخي عنه مع كونه يستطيعه، (وأعوذ بك من الجبن:) (بضم الجهم وسكون الموحدة) الخوف والخور من تعاطي الحرب ونحوها، خوفًا على المهجة، (والبخل:) ضد الكرم، (وأعوذ بك من غلبة الدين،) أي استيلائه وكثرته، (وقهر الرجال:) غلبتهم. وقال التوربتشي: غلبة الدين: أن يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وقهر الرجال: الغلبة، لأن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، كما هنا لما في رواية، وغلبة الرجال، كأنه أراد هيجان النفس من شدة الشبق وإضافته إلى المفعول، أي يغلبهم ذلك إلى هذا المعنى سبق فهمي، ولم أجد في تفسيره نقلاً. وقال بعضهم: قهر الرجال جور السلطان، وقال الطيبي: من مستهل الدعاء إلى قوله، والجبن يتعلق بإزالة الهم، والآخر بقضاء الدين، فعليه قوله: وقهر الرجال إما أن يكون إضافته إلى الفاعل، أي قهر الدائن إياه وغلبته عليه بالتقاضي، وليس معه ما يقضي دينه، أو إلى المفعول؛ بأن لا يكون له أحد يعاونه على قضاء دينه من رجاله وأصحابه.