Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ النوع الأول في طبه عَليه بالأدوية الإلهية الرقية من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والأذن، ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد اللَّه أن النبي صَّ قال: ((ألا تعلمين هذه - يعني حفصة رقية النملة)»؟ والنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد. وقيل: المراد بالحصر يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف أقطع إلا ذو الفقار. والحمة والنملة،) فزيادة النملة تعطي أن الحصر ليس بحقيقي. (وفي حديث آخر: والأذن،) أي وجع الأذن، فهذه ثلاث، ورد النص عليها الدم والنملة والأذن، فليس الحصر بمراد، (ولأبي داود من حديث الشفاء) (بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والمد)، كما قاله ابن الأثير وغيره، وضبطها ابن نقطة وغيره بالقصر، وهو المعتمد (بنت عبد اللَّه) بن عبد شمس القرشية العدوية، لها أحاديث، وهي غير الشفاء بنت عوف التي حضرت ولادته عَِّ: (أن النبي عَّ قال) لها: (ألا تعلمين هذه، يعني حفصة) بنت عمر أم المؤمنين، (رقية النملة،) فقالت: بسم اللَّه ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف الباس رب الناس، ترقى بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانًا نظيفًا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق، وتطليه على النملة، ذكر المصنف فيما يأتي. وفي النهاية قيل: إن هذا الكلام لعب وممازحة، كقوله للعجوز: لن يدخل الجنة عجوز، وذلك أن رقية النملة شىء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال: العروس تحتفل وتختصب وتكتحل، وكل شىء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، فأراد عَِّ بهذا المقال: تأبين حفصة، لأنه ألقى إليها سرًا، فأنشته. انتهى. (والنملة) (بفتح النون) وإسكان الميم (قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد،) كالساق، سمي بذلك لأن صاحبه يحس في مكانه، كأن نملة تدب عليه وتعضه، وقال الخطابي: هي قروح تخرج في الجنبين، ويقال: إنها قد تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى. (وقيل: المراد بالحصر) في حديث، لا رقية إلا من عين أو حمة، (يعني الأفضل، أي: لا رقية أنفع) ولا أولى من رقية هذين، لما فيهما من زيادة الضرر، (كما قيل) في شرح خبر: لا سيف إلا ذو الفقار، الذي أخرجه الحسن بن عرفة عن أبي جعفر الباقر، قال: نادى ملك من السماء يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي؛ أن معناه: (لا سيف أقطع إلا ذو ٣٨٢ النوع الأول في طبه عَة بالأدوية الإلهية وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما. وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود، رفعه إن الرقى والتمائم والتولة شرك. والتمائم: جمع تميمة وهي خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات. والتِوَلَّة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا - شىء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر. وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند الفقار:) اسم لأحد أسيافه عَ لّه، فلا ينافي أن السيوف كثيرة، وفي نسخة: بحذف اقطع، ولعلها لا تصح لقوله، كما قيل: نعم. لو قال كما في خبر لتعين حذفها. (وقال قوم، المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء،) لئلا يقع به فيسىء اعتقاده، ولأنها طب روحاني، وأطباء الأدوية الجسمانية ينهون عن استعمال الدواء بلا مرض، (والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما،) وله وجه. (وروى أبو داود وابن ماجه) والإمام أحمد، (وصححه الحاكم،) وأقره الذهبي (عن ابن مسعود، رفعه: إن الرقى والتمائم) (بفوقية فميمين بينهما همزة)، (والتولة) (بكسر التاء وضمها) (شرك،) أي: من الشرك سماها شركا، لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية، وكان مشتملاً على ما يتضمن الشرك، ولأن اتخادها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك، قاله البيضاوي، وقال الطيبي: المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير، وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. (والتمائم: جمع تميمه، وهي) في الأصل (خرزة أو قلادة تعلق في الرأس) للأولاد لدفع العين، ثم توسعوا فيها، فسموا بها كل عوذة، (كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات) بذاته، فلذا أطلق عليه اسم الشرك. (والتولة بكسر المثناة) الفوقية وضمها كما في ابن رسلان (وفتح الواو واللام مخففًا، شىء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها) إليها، (وهو ضرب من السحر). وفي القاموس: التولة، كهمزة السحر، أو شبهة وخرزة تحبب معها المرأة إلى زوجها، كالتولة، كعنبة فيهما، (وإنما كان ذلك من الشرك، لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع ٣٨٣ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية غير اللَّه، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء اللَّه وكلامه. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا إليه سبحانه وتعالى، في كل ما وقع وما يتوقع. وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر اللَّه تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني ادم تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر اللَّه وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك. وعلى كراهة الرقي بغير كتاب اللَّه علماء الأمة. من عند غير اللَّه))) وهكذا كان اعتقادهم، (ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه،) ولا من عقلها تبركًا بذكر اللَّه، عالمًا لا انه لا كاشف إلا اللَّه، (فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى،) ففيه رد على القوم الذين حملوا النهي على ما قبل الوقوع، (ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا) عطف تفسير (إليه سبحانه وتعالى في كل ما وقع وما يتوقع،) فهذا الاتفاق يرد أيضًا على أولئك القوم. (وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقي هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي له، بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه،) يخلطه المعزم وغيره (من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم:) عتاتهم الخارجين عن الطاعة، (ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني ادم تصادق الشياطين، لكونهم أعداء بني ادم فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين، أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء)،) أي أسماء الشياطين (سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه، خاصة) وكتابه من ذكره، (وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير كتاب اللَّه علماء الأمة،) يريد وبغير أسمائه وذكره. ٣٨٤ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية وقال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك. والثاني: ما كان بكلام اللَّه أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب. والثالث: ما كان بأسماء غير اللَّه تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى اللَّه تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقي بكتاب الله، وبما يعرف من ذكر اللَّه. فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما تعرف من كتاب اللَّه وذكر اللَّه. وفي الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التي كان ترقي عائشة: أرقيها (وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام: أحدها ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك، أو يؤدي إلى شرك، والثاني: ما كان بكلام اللَّه أو بأسمائه، فيجوز) اتفاقًا، (فإن كان مأثورًا) عن النبي عَِّ أو أصحابه، (فيستحب) فعله، (والثالث: ما كان بأسماء غير اللَّه تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات، كالعرش). (قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى اللَّه تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به،) كأن وصفه بأوصافى تقتضي تعظيمه حتى استحق أن يتبرك به، ويجعل ذكره سببًا لشفاء المريض، (فينبغي أن يجتنب، كالحلف بغير الله تعالى،) المختلف في كراهته وحرمته. (وقال الربيع) بن سليمان: (سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب اللَّه وبما يعرف من ذكر اللَّه، فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين، قال: نعم إذا رقوا بما تعرف) (بفتح التاء وكسر الراء) يا ربيع (وبضم التاء فتح الراء) صفة لما، أي برقية تعرف (وبتحتية مبني للمفعول) (من كتاب اللّه)) لعل المراد به ما يعظمونه، كغير المبدل من التوراة والانجيل، ويحتمل العموم، ويقيد جواز تمكينهم من القرءان بمن رجي إسلامه منهم. قال شيخنا: (وذكر اللَّه) تعالى، (وفي الموطأ) في كتاب الجامع، عن يحيى بن سعيد ٣٨٥ النوع الأول في طبه عَّل بالأدوية الإلهية بكتاب اللَّه. قال النووي وقال القاضي عياض: واختلف قول ملك في رقية اليهودي والنصراني المسلم، وبالجواز قال الشافعي واللَّه أعلم. وروى ابن وهب عن ملك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليلمن، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، رقية الذي يصاب بالعين. روى مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ◌َ له: ((العين حق، ولو كان شىء سابق القدر لبسقته العين). أي أن الإصابة بالعين شىء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه. قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من المبتدعة الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن؛ (أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة،) لفظه: أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: (أرقيها بكتاب اللَّه) القرءان والتوراة ان كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها. (قال النووي: وقال القاضي عياض، واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم) بالجواز وعدمه، (وبالجواز قال الشافعي، والله أعلم) بالصواب من القولين، (وروى ابن وهب عن ملك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي یکتب خاتم سليمن، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم) تعليل للكراهة (رقية الذي يصاب بالعين،) أي هذا بيان ما يرقى به المصاب بالعين، وأنها حقٍ، (روى مسلم) في الطب من صحيحه، والإمام أحمد، (عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه عَّهِ العين حق، ولو كان شىء سابق القدر) (بفتحتين)، أي: لو فرض أن لشىء قوة بحيث يسبق القدر (لسبقته العين،) لكنها لا تسبق القدر، فكيف غيرها، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة. قال القرطبي: فلو مبالغة في تحقيق إصابة العين جرى مجرى التمثيل، إذ لا يرد القدر شىء، فإنه عبارة عن سابق علم اللَّه ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه فهو كقولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى ولو صعدت السماء وقال البيضاوي معناه أن إصابة العين لها تأثير ولو أمكن أن يعاجل القدر شىء فيؤثر في إفناء شىء وزواله قبل أوانه المقدر لسبقته العين (أي أن الإصابة بالعين شىء ثابت موجود،) تفسير لقوله: حق، (وهو من جملة ما تحقق كونه،) أي وجوده بالفعل، لا أنه بطريق الإمكان. (قال المازري:) (بفتح الزاي وكسرها نسبة إلى جزيرة بصقلية) كما في الديباج وغيره، وتقدم مرارًا (أخذ الجمهور بظاهر الحديث) من تأثيرها بارادة اللَّه وخلقه، (وأنكره طوائف من ٣٨٦ النوع الأول في طبه عَّه بالأدوية الإلهية لغير معنى، لأن كل شىء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة. وقد إشتكى بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ وأجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نقل عن بعض من كان معيانًا أنه قال: إِذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد. المبتدعة لغير معنى،) كقول بعض الطبائعيين: لا شىء إلا ما يدركه الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، وهذا لا معنى له، (لأن كل شىء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول،) أي من الأمور التي تقول العقول بإمكانها، وكل ما جوزته وجاء في السنة وجب قبوله والأخذ بظاهره، كما أشار له بقوله: (فإذا أخبر الشارع بوقوعه، لم يكن لإنكاره معنى) سوى العناد والمكابرة، (وهل من فرق بين إنكارهم هذا،) أي إصابة العين استفهام انكاري بمعنى النفي، أي لا فرق بين إنكارهم هذا (و) بين (إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة،) ومعلوم انه لا يعبأ به، بل قد يكون كفرًا. (وقد اشتكى بعض الناس هذه الإصابة، فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟) اسم مفعول من عانه، إذا أصابه بالعين تقول، كما في الفتح: عنت الرجل أصبته بعينك، فهو معين ومعيون؛ (وأجيب بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون،) فيحصل له الضرر بتقدير اللَّه. (وقد نقل عن بعض من كان معيانا) (بكسر الميم شديد الإصابة بالعين كعيون) (أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني،) أي فإذا خرجت قد تصل إلى بدن المعيون، (ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد،) وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها، كما في الفتح، (ومن ذلك أن الصحیح قد ینظر إلى العین الرمداء) (بالمد مؤنس أرمد، کحمراء مؤنس أحمر) (فيرمد،) ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو. ٣٨٧ النوع الأول في طبه عَلّه بالأدوية الإلهية وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه. وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها اللَّه تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة أو لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه (وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث:) يخرج (من عينه قوّة سمية تتصل بالمعين فيهلك:) يموت (أو يفسد) جسمه أو عقله، (وهو كإصابة السم من نظر الافعى:) حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، لا تزال مستديرة على نفسها، لا ينفع منها ترياق ولا رقية، فالمراد أن جنسًا من الأفاعي إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وعبارة المازري عقب قوله: فيهلك أو يفسد، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب، تتصل باللديغ فيهلك، وان كان غير محسوس لنا، فكذا العين، وهذا غير مسلم لانا بينا في علم الكلام أن لا فاعل إلا اللَّه، وبينا فساد القول بالطبائع، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئاً، فبطل ما قالوه، ثم المنبعث من العين ان كان عرضًا فباطل لأنه لا يقبل الانتقال وان كان جوهرًا فباطل أيضًا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسد لبعضها بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه. (وأشار) المازري (إلى منع الحصر في ذلك،) أي خروج سمية من عين العائن (مع تجويزه) خروجها، لا على سبيل القطع، (وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة: أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها اللّه تعالى، أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة) تخرج من العين، ولفظ المازري خفية، أي غير ظاهرة، (أولا هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه،) إذ لا مستند لذلك، وإنما هو من مجوّزات العقل، وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله. (ومن قال ممن ينتمي) ينتسب (إلى الاسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم) هناك (جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن، فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري) سبحانه (الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السم) وعند قطع الرأس، (فقد أخطأ بدعوى القطع،) إذ لا دليل عليه، (ولكنه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة) ٣٨٨ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة. انتهى. وهو كلام سديد. وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى اللَّه به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه: أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس. قال الراوي: يعني العين. وقد أجرى اللَّه العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، كذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه. وكثير من ألجأ العقل إليها. (انتهى) كلام المازري، (وهو كلام سديد،) أي صواب، لموافقته مذهب أهل السنة. وقال ابن العربي: الحق أن اللَّه تعالى يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يرفعه قبل وقوعه بالرقية، (وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة؛) أن إصابة العين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في غيرها، وقيل: إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به، كما في الفتح؛ (بل) المراد (ما أجرى اللَّه به العادة من حصول الضرر للمعيون) بخلق الله تعالى. (وقد أخرج البزار) والبخاري في التاريخ، والطيالسي والحكيم الترمذي (بسنده،) قال الحافظ، وتبعه السخاوي بسند حسن وصححه الضیاء (عن جابر، رفعه: أُکثر من يموت) من أمتي، كما في البزار وغيره، فكأنه سقط من قلم المؤلف (بعد قضاء الله وقدره،) أي بعد تحتمهما فيما سبق، فهو حال من الخبر، أو المبتدأ عند سيبويه (بالنفس). (قال الراوي: يعني العين،) لأنه جاء صريحًا عند من عزيناه لهم بلفظ بالعين، قال الحكيم الترمذي: وذلك لأن هذه الأمة فضلت باليقين على سائر الأمم، فحجبوا أنفسهم بالشهوات، فعوقبوا بآفة العين، فإذا نظر أحدهم بعين الغفلة، كانت عينه أعظم، والذم له ألزم، ﴿قل إن الهدى هدى اللَّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾، فلما فضلهم اللَّه باليقين لم يرضٍ منهم أن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة، وتتعطل منة اللَّه عليهم وتفضيله لهم؛ (وقد أجرى اللَّه العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه،) أي يستحي منه (من الخجل،) هو كالاستحياء، (فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك) النظر، (وكذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم) (بفتح الياء ٣٨٩ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق اللَّه تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة. والحاصل: أن التأثير بإرادة اللَّه وخلقه ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى اللَّه تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن - لا وقاية له - أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره. قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة، فمن التعوذات والرقى: والقاف)، يمرض (بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق اللَّه تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين،) لفظ الفتح، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، أي نسبة مجازية، (وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها:) صفتها (الخبيثة، والحاصل أن التأثير بإرادة اللَّه وخلقه،) وعبارة الفتح، والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر اللّه تعالى السابق لا بشىء يحدثه الناظر في المنظور، (ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح،) وهذا الحادث بلا مماسة العين بشىء من أجزاء المعيون، (كالذي يحدث) في البدن (من) الشفاء من المرض ونحوه بسبب (الأدعية والرقي والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن) حال كونه، (لا وقاية له،) أي غير متحصن بشىء يمنع من تأثير العين، كالأدعية وخشب شجر المخيط. قال السخاوي: بلغني ان الولي العراقي لم يكن يفارق رأسه، فتبعته (أثر فيه) الضرر بخلق اللَّه، (وإلا لم ينفذ فيه السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء. انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره). (قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي) الوارد في الأحاديث من الرقي بالأدعية ونحوها ٣٩٠ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامة. (لهذه العلة،) أي إصابة العين، (فمن التعوّذات والرقى الإكثار من قراءة المعوّذتين،) لحديث عائشة السابق: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث، ولحديثها أيضًا: كان عَِّ إِذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري. (والفاتحة) لحديث الصحيحين في الذي رقى اللديغ بالفاتحة، فقال عَله: وما أدراك أنها رقية. وروى البيهقي في الشعب، عن جابر، رفعه: ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرءان قلت: بلى، قال: فاتحة الكتاب، قال راويه: وأحسبه قال: فيها شفاء من كل داء. وله ولسعيد بن منصور، عن أبي سعيد مرفوعًا: «فاتحة الكتاب شفاء من السم))، وللدیلمي عن عمران بن حصین، مرفوعًا: ((في كتاب اللَّه عز وجل ثمان آيات للعين، لا يقرأها عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس أو جن فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي)»، هكذا في نسخة صحيحة بخط الحافظ ابن حجر من الفردوس للديلمي، فأوهم السخاوي في قوله، فذكر منها الفاتحة وآية الكرسي، والصواب أن يسقط قوله، فذكر منها لإيهامه انه بقي ست آيات، مع أنه بين أن السبع الفاتحة وآية الكرسي الثامنة، بقوله عَّله: ((فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي))، يعني الثامنة، (وآية الکرسي) سميت بذلك لذ کره فیها. روى الديلمي، عن أبي إمامة: سمعت عليًا يقول: ما أرى رجلاً أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: ﴿اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ إلى قوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾، فلو تعلمون ما هي، أو ما فيها لما تركتموها، على حال أن رسول اللَّه عَ لّه قال: أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي؛ قال علي: فما بت ليلة منذ سمعته من رسول اللَّه عَ لّ حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من علي، ثم سلسله الباقون إلى الديلمي، وفي خبر سيدة البقرة آية الكرسي، أما إن فيها خمس كلمات، في كل كلمة خمسون بركة. (ومنها: التعوذات النبوية، نحو: أعوذ بكلمات الله:) صفاته القائمة بذاته، وقيل: العلم، لأنه أعم الصفات، وقيل: القرءان، وقيل: جميع ما أنزله على أنبيائه، لأن الجمع المضاف إلى --- " المعارف يعم (التامة،) أي الفاضلة التي لا يدخلها نقص (من كل شيطان وهامة) (بشد الميم) ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وجمعها هوام مثل دابة ودواب، وقد يطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، كقوله عَّله لكعب بن عجرة: أيؤذيك هوام رأسك، يعني القمل على ٣٩١ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وبرأ وذراً، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن. وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه. كما قال عَّ له لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: ألا بؤكت عليه. الاستعارة بجامع الأذى، (ومن كل عين لامة)) أي مصيبة بسوء، وهي كل ما يخاف من فزع وشر، قاله المجد. وفي النهاية: أي ذات لمم، ولذا لم يقل ملمة، واللمم طرف من الجنون يلم بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه؛ (ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات،) بالجمع، وفي السابقة بالافراد. قال الحكيم الترمذي: وهما بمعنى، فالمراد بالجمع الجملة، وبالواحدة ما تفرق في الأمور والأوقات، ووصفها بالتمام إشارة إلى إنها خالصة من الريب والشبه، وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلاً، (التي لا يجاوزهن،) لا يتعداهن (بر:) (بفتح الياء) تقي محسن، (ولا فاجر:) مائل عن الحق، أي لا ينتهي علم أحد إلى ما يزيد عليها (من شر ما خلق وبرأ وذراً،) قيل: هما بمعنى خلق. قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال: ﴿هو الذي ذرأكم في الأرض﴾ [الملك: ٢٤]. وقال: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ [البقرة: ٥٤]، فذكر الثلاثة لافادة اتحاد معناها، وقيل: البرء والذرء يكون طبقة بعد طبقة وجيلاً بعد جيل، والخلق لا يلزم فيه ذلك، (ومن شر ما ينزل من السماء) من العقوبات، كالصواعق، (ومن شر ما يعرج فيها) مما يوجب العقوبة، وهو الأعمال السيئة، (ومن شر ما ذراً:) خلق (في الأرض) على ظهرها، (ومن شر ما يخرج منها) مما خلقه في بطنها،(ومن شر فتن الليل والنهار) الواقعة فيهما وهو من الإضافة إلى الظرف (ومن شر طوارق الليل والنهار):) جمع طارق، وهو الحادث الآتي بالليل، وإطلاقه على الآتي نهارًا على سبيل الاتساع (إلا طارقّاً) نصب، لأنه استثناء متصل من كلام موجب، فهو منصوب. وفي نسخة: بالجر بدلاً من طوارق، لأنه نفى معنى، أي فلا يصيبني شىء من طوارق الليل إلا طارق (يطرق) (بضم الراء)، أي يأتي (بخير يا رحمن،) وفي ختمه بذلك مزيد الاستعطاف. (وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه،) لأنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، (كما قال عََّّ لعامر بن ربيعة) بن كعب بن ٣٩٢ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية ومما يدفع إصابة العين: قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ومنها رقية جبريل النبي عَِّ كما رواه مسلم: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد. اللَّه يشفيك، بسم اللَّه أرقيك. وعنده أيضًا من حديث عائشة: كان جبريل يرقي النبي عَّم إذا اشتكى: بسم اللَّه يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ملك العنزي (بنون ساكنة وزاي منقوطة) حليف الخطاب، أسلم قديمًا، وهاجر وشهد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمن، (لما عان سهل) (بسكون الهاء) (ابن حنيف) (بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء) ابن واهب الأنصاري، الأوسي، البدري، مات في خلافة علي. (ألا) (بالفتح والتشديد)، بمعنى هلا، وبها جاء في بعض طرقه: (بركت عليه،) أي قلت بارك اللّه فيك، فإن ذلك يبطل ما يخاف من العين ويذهب تأثيره، قاله الباجي. (ومما يدفع إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا باللّه)) كما قال تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء اللَّه لا قوة إلا بالله﴾ [الكهف: ٣٩]، وقال عَِّ: ((من رأى شيئًا فاعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا باللّه لم يضره)، رواه البزار وابن السني عن أنس، ففيهما استحباب هذا الذكر عند رؤية ما يعجب. واستدل لملك بالآية على استحبابه لكل من دخل منزله، كما قاله ابن العربي، وأخرج ابن أبي حاتم، عن مظرف قال: كان لملك إذا دخل بيته قال: ما شاء الله لا قوة إلا باللّه، قلت له: لم تقول هذا؟، قال: ألا تسمع اللَّه تعالى يقول: وتلا الآية. وأخرج عن الزهري مثله، (ومنها: رقية جبريل النبي عَّله، كما رواه مسلم) في الطب عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي عَّه، فقال: يا محمد اشتكيت، قال: نعم، قال: (بسم الله رقيك) (بفتح الهمزة) من رقى يرقي، کرمى يرمي (من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد). قال عياض: يحتمل أن يريد بالنفس نفس الحيوان، ويحتمل أن يريد بها العين، لأن النفس تطلق على العين، يقال: أصابته نفس، أي عين، والنافس العائن، وتطلق النفس والعين على أشياء أخر ليست مرادة هنا (اللَّه يشفيك،) (بفتح أوله) يعافيك، (بسم الله أرقيك،) ختمه بما بدأه به، ليكون أنجع، فإن في تكرار الرقية نفعًا مشاهدًا، (وعنده))) أي مسلم (أيضًا) في الطب (من حديث عائشة: ((كان جبريل يرقى النبي عَّةٍ إذا اشتكى)،) أي مرض، والشكاية المرض، وليس المراد أنه أخبر بما يجد من الألم والاستقراء، يدل ان تداويه أو أكثره، إنما هو بالرقي لا بأدوية، لأن الأدوية إنما تستعمل في الأمراض التي من قبل فساد المزاج، ومزاجه عَّه خير الأمزجة، قاله أبو عبد اللَّه الأبي: (بسم اللَّه) لفظ مسلم، قال: بسم اللَّه (بيريك). ٣٩٣ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية ذي عين. وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: العين حق، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا. وظاهر الأمر الوجوب، وحكى المازري فيه خلافًا وصحح الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى. قال القرطبي: الاسم هنا المسمى، فكأنه قال: اللَّه يبريك، كما قال: سبح اسم ربك الأعلى، أي سبح ربك، والاسم في الأصل عبارة عن الكلمة الدالة على المسمي، والمسمى هو مدلولها إلا انه يتوسع، فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة، فتدبر هذا، فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال، (ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد،) خصه بعد التعميم لخفاء شره، (ومن شر كل ذي عين) عطف خاص على عام، لأن كل عائن حاسد، ولا عكس، فلما كان الحاسد أعم، كان تقديم الاستعاذة منه أهم، قال عياض: فيه دليل على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا ما في جسمه، بمرض أو في ماله، وذلك باذن اللَّه سبحانه. وقال ابن القيم: أعاذه من الحاسد، لأن روحه مؤذية للمحسود، مؤثرة فيه أثرًا بينًا، لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين. (وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: ((العين حق ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين،) أعاده لأنه ترك سابقًا بقيته، وهي: (وإذا استغسلتم،) أي إذا طلب منكم أيها المتهمون بأنكم عنتم غسل الأعضاء الآتي بيانها، (فاغسلوا))) ندبًا أو وجوبًا، وهو الأصح كما يأتي، ولأحمد والطبراني، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: العين حق تستترل الحالق (بحاء مهملة) الجبل العالي. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رفعه: العين حق، وزاد أحمد برجال الصحيح من حديثه، ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم، وحديث: العين حق تدخل الرجل القبر والجمل القدر، رواه أبو نعيم وابن عدي من حديث جابر، وابن عدي من حديث أبي ذر، وفي إسنادهما مقال، (وظاهر الأمر) في قوله: فاغسلوا (الوجوب،) لأنه الأصل فيه. (وحكى المازري: فيه خلافًا) بالوجوب والندب (وصحح الوجوب،) وتبعه القرطبي، فقال: هو خطاب للعائن إذا فهم انه أصاب بالعين، فيجب عليه الغسل، ويبعد (وقال) المازري: وببعد الخلاف فيه (متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى،) قال: وبهذا التقرير يرتفع ٣٩٤ النوع الأول في طبه عٍَّ بالأدوية الإلهية ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ بن حجر: وقد وقع في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي: أن أباه حدثه أن النبي عَّه. خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل - أي صرع- وسقط إلى الأرض. فأتى الخلاف. وقال ابن عبد البر: الأمر للوجوب، لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينفعه ولا يضره، لا سيما إذا كان بسببه، وكان هو الجانى عليه، فواجب على العائن الغسل، (ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال). (قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع،) وفي نسخة: وقعت: أي صفة الاغتسال (في حديث سهل بن حنيف) (بضم ففتح)، (عند أحمد والنسائي،) سقط من قلم المصنف قول الحافظ، وصححه ابن حبان من طريق الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وبه يصح قوله (إن أباه) أي أبا أبي أمامة وهو سهل بن حنيف، أما على السقط ففاسد، إذ تصير الصحبة لحنيف، ولا صحبة له، إنما هي لابنه سهل، (حدثه: أن النبي ◌َّهِ خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار:) (بفتح الخاء المعجمة والراء الأولى الشديدة) موضع قرب الجحفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقال ابن عبد البر: موضع بالمدينة، وقيل: من أوديتها. انتهى. لكن يؤيد الأول قوله (من الجحفة: اغتسل سهل بن حنيف،) وفي رواية لملك عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه: فنزع، أي سهل جبة كانت عليه، (وكان أبيض حسن،) أي مليح (الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم،) أي ما رأيت في يوم جلدًا في البياض والحسن كهذا الجلد، (ولا جلد مخبأة) (بضم الميم وخاء معجمة وموحدة وهمز)، وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون ولا تبرز للشمس فتغيرها، - يعني: أن جلد سهل کجلد المخبأة إعجابًا بحسنه. وفي رواية مالك المذكورة: ولا جلد عذراء بدل مخبأة، فكأنه جمع بينهما، فاقتصر كل راو على ما سمعه، أو أحدهما بالمعنى، لكن لا شك أن مخبأة أخص، (فلبط سهل) (بضم اللام ! وكسر الموحدة وطاء مهملة)، (أي صرع وسقط إلى الأرض) وزنًا ومعنى. وقال ابن وهب: لبط: وعك، وكأنه فسره برواية لملك بلفظ: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، جمعًا بين الروايتين لاتحاد القصة والمخرج، ولا يتعين لجواز أن سقوطه من شدة وعكه، وهذا أولى إبقاء للفظين على حقيقتهما. ٣٩٥ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية رسول اللَّه عَّ فقال: هل تتهمون من أحد؟ قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت. ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. زاد في رواية: حتى ما يعقل لشدة الوجع، (فأتى رسول اللَّه عَّه)) زاد لملك عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، فقيل له: يا رسول اللَّه هل لك في سهل بن حنيف؟؛ واللَّه ما يرفع رأسه، (فقال: هل تتهمون من أحد) عانه؟، (قالوا:) نتهم (عامر بن ربيعة،) وكأنهم لما قالوا ذلك ذهب عبر إلى سهل لتثبت الخبر منه. ففي رواية لملك، عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه: فأتى رسول اللَّه عَّهِ، فأخبر أن سهلاً وعك، وانه غير رائح معك، فأتاه عَِّ، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر بن ربيعة، (فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال: علام،) أي لم، وفيه معنى الإنكار (يقتل أحدكم أخاه) في الإسلام، أي يكون سببًا في قتله بالعين، زاد في رواية: وهو غني عن قتله، (هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت) به، كما هو الرواية، قال أبو عمر: أي قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فيجب على كل من أعجبه شىء أن يبارك، فإذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة. وقال الباجي: أي قلت: بارك الله فيك، وللنسائي وابن ماجه عن أبي إمامة، وابن السني عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعًا: ((إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة)). وروى ابن السني، عن سعيد بن حکیم قال: کان ټے إذا خاف أن یصیب شيئًا بعينه، قال: اللهم بارك فيه ولا تضره، (ثم قال اغتسل له) ولذلك عن محمد: توضأ له، وظاهر أنه ليس المراد الوضوء ولا الغسل الشرعيين، بل الصفة التي بينها، بقوله: (فغسل) عامر (وجهه ویدیه،) وفي رواية بدل هذا، وظاهر كفيه (ومرفقيه،) زاد في رواية: وغسل صدره (وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح،) زاد في رواية، قال: وحسبته قال: وأمر فحسا منه حسوات، (ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره) وظاهره، أو صريحه أن الصاب غير العائن. ووقع عند ابن ماجه عن أبي أمامة: ثم دعا عَّلّه بجاء، فأمر عامًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه (ثم كفأ) (بالهمز)، أي قلب (القدح، ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس) لزوال علته. قال المازري: المراد بداخلة إزاره الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن: (بفتح الحاء ٣٩٦ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية قال المازري: وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى. وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل: أراد وركه لأنه معقد الإزار. ورأيت مما عزي لخط شيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي: قال ابن بكير راويه عن الملك: إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد. وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء الى العائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده المهملة وسكون القاف موضع الإزار، وقيل: الخاصرة فقط، وهذا التفسير نقله ابن عبد البر عن ابن حبيب، وقال نحوه ابن وهب عن ملك. (قال المازري): (وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج،) والجمهور على الأول. (انتهى) كلام المازري. (وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار) بيان لما، فداخلة الإزار على قوله هي القطعة من الإزار التي تلاقي البدن، (وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد،) أي انه يغسل من بدنه ما ستره الإزار، فما قبله فسرها بما يلاقي البدن من الثوب، وهذا بما يلاقيه الثوب من البدن . (وقيل: أَراد وركه:) بفتح الواو وكسرها وسكون الراء، وبفتحها وكسر الراء ما فوق الفخذ مؤنثة، كما في القاموس، فقوله (لأنه معقد الإزار) وجهه أنه لما كان قريبًا من محل عقده سماه معقدًا، (ورأيت مما عزى لخط شيخنا الحافظ أبي الخير) محمد بن عبد الرحمن (السخاوي). (قال ابن بكير:) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي، مولاهم المصري، وقد ينسب إلى جده ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من لملك مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين وله سبع وسبعون سنة (راويه)) أي الحديث (عن ملك) وهو من جملة رواة الموطأ؛ (إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد). (وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض) بغرفة منه (ثم يمجه في القدح، ثم) يأخذ منه ماء (يغسل وجهه فيه،) أي القدح مرة واحدة، (ثم يدخل يده اليسرى) في ٣٩٧ النوع الأول في طبه عَ لَّه بالأدوية الإلهية اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن اللَّه تعالى، انتھی. قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه. القدح، (فيصب على يده اليمنى) صبة واحدة، (ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على يده اليسرى،) واحدة (ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن) واحدة، (ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر) صبة واحدة، (ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه اليمنى،) واحدة (ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى) صبة واحدة (ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى) صبة واحدة فيهما، (ثم يغسل داخل إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض) حتى يفرغ، (ثم يصب ذلك الماء المستعمل) فاعل يصب (على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة، فيبرأ باذن الله تعالى. انتهى) كلام النهاية. وأصله من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، وقال: إنه من العلم. رواه ابن أبي شيبة. قال ابن عبد البر: وهو أحسن ما فسر به، لأن الزهري راوي الحديث، زاد عياض: أن الزهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه، واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، قال: وجاء من رواية عقيل عن الزهري مثله، إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، وفيه في غسل القدمين، أنه لا يغسل جميعهما، وإنما قال: ثم يفعل مثل ذلك في طرف قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه، والیسری کذلك. انتهى. وهو أقرب لقول الحديث: وأطراف رجليه، وهذه الصفة تنفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام، فقد أرشد عَّله إلى ما يدفعه، بقوله: ألا بركت عليه، وفي رواية: فليدع بالبركة كما مر. (قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه،) قال: وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات. ٣٩٨ النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا اللَّه ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله: الخواص. قال ابن القيم: ومن علاج ذلك والاحتراز عنه، ستر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوي في كتاب شرح السنة: أن عثمن بن عفان رأى صبيًا مليحًا، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره، ومعنى دسموا نونته: أي سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصغير. (وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم،) يعني أنه من التعبد كغيره من الأحكام التعبدية، (وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة،) فوجب قبوله وان لم يعقل معناه، (أو متفلسف، فالرد عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل) عنده (بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص،) أي أنها تفعل بخاصية فيها، فليكن ذلك على قوله مثله، وهذا مجاراة للخصم وإن لم يقل به. وقال ابن القيم: هذه الصفة لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر بها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجربًا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصة، فما الذي ينكر جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكان أثر تلك العين كشعلة من نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شىء أرق من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصًا، وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذًا، فتطفأ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء. انتهى. (قال ابن القيم: ومن علاج ذلك،) أي دفع العين قبل حصولها (والاحتراز عنه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكره البغوي) المتأخر، محيي السنة، صاحب التفسير (في كتاب شرح السنة أن عثمن بن عفان رأى صبيًا مليحًا،) أي حسنًا، (فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال) البغوي (في تفسيره)،) أي تفسير هذا اللفظ في كتاب شرح السنة: (ومعنى دسموا نونته، أي سودوا نونته، والنونة النقرة التي تكون في ذقن الصغير:) (بفتح الذال والقاف) مجتمع اللحيين من أسفلهما. ٣٩٩ النوع الأول في طبه عَّه بالأدوية الإلهية وذكر عن أبي عبد اللَّه الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان في الرفقة رجل عائن قلما نظر إلى شىء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد اللَّه: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد اللَّه، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد اللَّه فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى. فقال: دلوني عليه، فوقف عليه فقال: بسم اللَّه حَبْس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسقًا وهو حسير. فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها. انتهى. (وذكر:) وأخرجه ابن عساكر وعيره (عن أبي عبد اللَّه) واسمه سعيد بن يزيد (الساجي:) (بسين مهملة وجيم) نسبة إلى الساج الخشب، كان له آيات باهرة وكرامات ظاهرة؛ (أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة،) نشطة خفيفة، (فكان في الرفقة رجل عائن، فلما نظر إلى شىء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد اللَّه: احفظ ناقتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين) (بالنون) أي ترصد (غيبة) أي وقت غيبة، (أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد اللَّه، فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه،) فدلوه على مكانه، (فوقف عليه، فقال: بسم اللَّه حبس) (بفتح فسكون)، كما سمعته من الوالد مرارًا ناقلاً له عن شيخه الأجهوري، فهو مبتدأ خبره بسم اللَّه، أي منع (حابس،) أي مانع تأثير ضرر عين العائن، (وحجر يابس) يصيب العائن، (وشهاب قابس:) كوكب يحرق العائن، (رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه،) ممن هو على شكله، أو المراد أحب الأشياء إليه، فيصدق ببعض أجزائه كعينيه، (فارجع البصر هل ترى من فطور:) صدوع وشقوق، (ثم ارجع البصر كرتين:) كرة بعد كرة (ينقلب:) يرجع (إليك البصر خاسئًا:) ذليلاً لعدم إدراك خلل، (وهو حسير:) منقطع عن رؤية خلل، (فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها) لفك العين عنها. (انتهى) وهذا من المجربات في إزالة أثر العين. ومما يدفع العين أيضًا ما ذكره القاضي حسين، أحد أئمة الشافعية، قال: نظر بعض الأنبياء إلى قومه يومًا فاستكثرهم وأعجبوه، فمات منهم في ساعة سبعون ألفًا، فأوحى اللَّه إليه أنك عنتهم، ولو أنك إذ عنتهم حصنتهم لم يهلكوا، قال: وبأي شىء أحصنهم، فأوحى اللَّه إليه، تقول: حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوة ٤٠٠ النوع الأول في طبه عَّةٍ بالأدوية الإلهية وفي حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين قد تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشىء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الإصابة بالعين قد تقتل. وقد اختلف في جريان القصاص بذلك: فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا. انتهى. ولم تتعرض الشافعية للقصاص، بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعد إلا بالله العلي العظيم. قال المعلق عن القاضي: وكانت عادة القاضي حسين إذا نظر إلى أصحابه فأعجبه سمتهم وحسن حالھم حصنهم بهذا. (وفي حديث هذا الباب: من الفوائد أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال) على الوجه المتقدم، (وإن الاغتسال من النشرة:) (بضم النون) رقية يعالج بها المجنون والمريض، كما في القاموس: (النافعة) وتأتي للمصنف صفتها في الكلام على السحر، (وإن العين قد تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح،) إذ لا شك أن عامر بن ربيعة من الصالحين، إذ هو من أهل بدر، وأسلم قديمًا، (وإن الذي يعجبه الشىء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه،) من قوله: ألا بركت، (وأن الإصابة بالعين قد تقتل،) لقوله: علام يقتل أحدكم أخاه. (وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل، فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا) وأما عندنا، فيقتل قتل بسحره أم لا، لأنه کالزنديق (انتهى) كلام القرطبي بما زدته. (ولم تتعرض الشافعية للقصاص،) أي لم يقولوا به، فلا ينافي قوله: (بل منعوه،) وإلا فمنعهم القصاص تعرض، (وقالوا: إنه،) أي النظر الذي يصيب به (لا يقتل غالباً، ولا يعد