Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
كان رسول اللَّه عَِّ إذا دخل المسجد صلى على محمد ثم قال: اللَّهم اغفر لي
ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال:
اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك.
ومنها: في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى التكبيرات،
وبعد الأولى أولى، وأن يصلي على النبي عَِّ بعد الثانية، ويدعو للميت بعد
الثالثة، وبعد الرابعة يقول: اللَّهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وفي ذلك حديث
رواه الشافعي والنسائي.
(ومنها: عند دخول المسجد،) لأنه محل الذكر (والخروج منه لما رواه أحمد) وأبو
داود والنسائي (عن فاطمة) الزهراء سيدة نساء العالمين، (قالت: كان رسول اللّه عَّ إذا دخل
المسجد صلى على محمد) وسلم، كما عند أحمد وغيره، فسقط من قلم المصنف،
ولأحمد وابن ماجه يقول: بسم اللّه والسلام على رسول اللّه، فأبرز اسمه الميمون على سبيل
التجريد الملتجىء إلى منصب الرسالة تعظيمًا لها كأنه غيره، امتثالاً لأمر اللّه بآية صلوا عليه، (ثم
قال: اللهم اغفر لي ذنوبي،) وإن كان لا ذنب له تعليمًا لأمته وتواضعًا وإجلالاً لربه، (وافتح
لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم).
وفي رواية أيضًا، قال: بسم اللّه والسلام على رسول اللّه، (ثم قال: اللهم اغفر لي
ذنوبي،) أبرز نفسه عند الغفران تحليًا بالإنكسار بين يدي الملك الجبار، (وافتح لي أبواب
فضلك،) خصه بالخروج والرحمة بالدخول لاشتغال الداخل بما يزلفه إلى اللّه وثوابه، فناسب
الرحمة الصادقة بكل خير، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل اللّه من الرزق، فناسب الفضل
الذي هو الزيادة عما حصل من الثواب، (ومنها: في صلاة الجنازة، فإن السنّة).
أي: الطريقة (أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى التكبيرات،) فلا ينافي وجوب الفاتحة عنده
عقب، أي: تكبيرة، (و) لكن (بعد الأولى أولى) أفضل، (وأن يصلي على النبي عَّه بعد)
التكبيرة (الثانية) مقدمًا عليها التحميد، كالحمد لله رب العالمين، يختمها بالدعاء للمؤمنين
والمؤمنات، كأن يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، (ويدعو للميت بعد الثالثة وبعد
الرابعة، يقول: اللهم لا تحرمنا أجره،) أي: أجر الصلاة عليه أو أجر المصيبة به، لأَن المؤمن
مصاب بأخيه، (ولا تفتنا بعده) بما يشغلنا عن اللّه، فإن كل شاغل عنه فتنة، (وفي ذلك حديث
رواه) الإِمام (الشافعي والنسائي،) لكن في إسناده ضعف، كما قال الخيضري.
(ومنها: عند التلبية لما رواه الشافعي والدارقطني عن القسم بن محمد بن أبي بكر

٢٢٢
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
ومنها: عند التلبية، لما رواه الشافعي والدارقطني عن القسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على
النبي عَّ على كل حال.
ومنها: عند الصفا والمروة، لما روى إسمعيل القاضي عن عمر بن الخطاب
أنه قال: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعًا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا
فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرًا بين حمد لله
تعالى وثناء عليه، وصلاة على النبي عَّه ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك.
قال ابن كثير: إسناده حسن جيد قوي.
ومنها: عند الاجتماع والتفرق، لما روى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول
اللَّه عَِّ قال: ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا اللَّه فيه ولم يصلوا على نبيه إلا
الصديق،) أحد فقهاء المدينة، (قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على
النبي عَّهِ على كل حال،) أي: بعد كل مرة من صيغ التلبية المعروفة، وليس المراد أن يؤخرها
إلى فراغ التلبية بالمرة، وذلك عند الشروع في التحلل.
(ومنها: عند الصفا والمروة لما روى إسمعيل القاضي عن عمر بن الخطاب أنه قال:
إذا قدمتم) مكة، (فطوفوا بالبيت سبعًا، وصلوا عند المقام) لإبراهيم (ركعتين، ثم ائتوا الصفا،
فقوموا عليه من حيث،) أي: في مكان (ترون البيت) فيه، (فكبروا سبع تكبيرات تكبيرًا،)
مصحوبًا بتعظيم دائر (بين حمد للّه تعالى وثناء عليه، وصلاة على النبي عَّةٍ ومسألة
لنفسك،) فإنها من مواطن الإجابة.
وفي نسخة: بعد حمد، وهي ظاهرة، (وعلى المروة مثل ذلك).
(قال ابن كثير: إسناده حسن جيد قوي،) وهو موقوف، (ومنها عند الاجتماع والتفرق،)
أي: في المجلس الذي يقع فيه اجتماع وافتراق، لا أنها مطلوبة عندهما، إذ لا دليل على ذلك
في الحديثين اللذين ساقهما بقوله: (لما روى الترمذي،) وقال: حسن، ولعله لشواهده، وإلا ففيه
صالح مولى التوأمة، ضعيف (عن أبي هريرة) وأبي سعيد معًا (أن رسول اللَّه عَ لَّه قال: ما جلس
قوم مجلسًا لم يذكروا اللّه فيه ولم يصلوا) فيه (على نبيه إلا كان عليهم ترة،) بكسر
الفوقية وفتح الراء، لا بفتحهما كما زعم، وهاء تأنيث عوض عن الواو المحذوفة، كعدة، وزنة
مرفوع بكان التامة، أي: وقعت وحصلت، أو اسمها، وعليهم خبر مقدم، وجوز نصبها خبر واسم
كان مستتر، عائد على الجلسة المفهومة مما قبله، وهي النقص أو التبعة أو الحسرة، قيل: وهو

٢٢٣
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
وروى إسماعيل القاضي عن أبي سعيد قال: ما من قوم يقعدون ثم يقومون
ولا يصلون على النبي عَّةٍ إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يروا من
الثواب.
ومنها: عند الصباح والمساء، لما روى الطبراني من حديث أبي الدرداء
مرفوعًا. من صلى علي حين يصبح عشرًا، وحين يمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم
القيامة
أقرب لوروده في الحديث الثاني، فهم في مشيئة الله، (فإن شاء عذبهم) يعد له على ذلك،
(وإن شاء غفر لهم) بفضله، فيتأكد الذكر والصلاة عند ذلك، ويحصلان بأي: لفظ كان، لكن
الأكمل في الذكر: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي
الصلاة ما في آخر التشهد، والمراد بالعذاب اللوم على تركها، كما يلام فاعل المكروه،
وبالمغفرة ترك اللوم، لأنها لا تستدعي سبق ذنب، فلا حجة فيه للقائل بوجوب الصلاة عليه في
کل مجلس.
(وروى إسمعيل القاضي عن أبي سعيد) الخدري سعد بن لملك بن سنان الصحابي، ابن
الصحابي، (قال: ما من قوم يقعدون) في مجلس، (ثم يقومون) منه (ولا يصلون على
النبي عٍَّ إلا كان عليهم حسرة) ندامة وأسفًا في الموقف على ما فاتهم، (وإن دخلوا الجنة
لما يروا من الثواب) لمن صلى عليه، وليس المراد أن الحسرة تلازمهم بعد دخولها، إذ بعده
لا حسرة، ويجوز تمام كان ونقصها، وجعله نفس الحسرة مبالغة، كقوله: وإنه لحسرة أو إسناد
مجازي، وقد أبعد المصنف النجعة في العزو مع كونه موقوفًا، وقد جاء مرفوعًا في أحد دواوين
الإِسلام.
فأخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي ◌َّه، قال: لا يجلس قوم مجلسًا، ثم لا يصلون
فيه على رسول اللّه إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب، وقد ذكره
بهذا اللفظ عياض إلا أنه لم ينسبه للنسائي.
(ومنها: عند الصباح) أول النهار (والمساء) أول الليل، لا بالمعنى اللغوي، وهو أن
الصباح أول النهار، والمساء ما بين الظهر إلى المغرب، (لما روى الطبراني) بإسنادين أحدهما
جيد، وقد حسنه بعض الحفاظ، ولعله لشواهده، وإلا ففيه انقطاع، لأنه (من حديث) خالد
الحذاء عن (أبي الدرداء) وخالد لم يسمع من أبي الدرداء، (مرفوعًا: من صلى على حين
يصبح عشرًا) من المرات، (وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة،) أي: شفاعة خاصة

٢٢٤
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
ومنها: عند الوضوء، لحديث ابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول
الله عَّهِ: ((لا وضوء لمن لم يصل على النبي عَ﴾).
ومنها: عند طنين الأذن، لحديث أبي رافع عند ابن السني مرفوعًا: إذا طنت
أذن أحدكم فليذكرني، وليصل علي وليقل ذكر الله من ذكرني بخير.
غير العامة جزاء على صلاته عند شدة الاحتياج، فلو لم يكن لها ثواب إلا هذا لكفى.
قال الأبي: وقضية اللفظ حصول الصلاة بأي: لفظ كان وإن كان الراجح الصيغة الواردة
في التشهد.
(ومنها: عند الوضوء لحديث ابن ماجه عن سهل بن سعد) الساعدي، (قال: قال
رسول اللّه عَ لَهُ: لا وضوء) كامل (لمن لم يصل على النبي عَبد») لكنه حديث ضعيف كما
في الفتح، (ومنها: عند طنين الأذن،) أي: تصويتها (لحديث أبي رافع) أسلم أو إبراهيم أو
صالح، أو غير ذلك إلى عشرة أقوال، أشهرها: أسلم (عند ابن السنّي،) وكذا الطبراني في
الثلاثة، والعقيلي وابن عدي والخرائطي والحكيم الترمذي.
قال السخاوي: وسنده ضعيف، بل قال العقيلي: لا أصل له. انتهى. وتعقب بأن الحافظ
النور الهيثمي، قال: إسناد الطبراني في الكبير حسن، وقد رواه ابن خزيمة وهو ممن التزم تخريج
الصحيح، وبه شنعوا على ابن الجوزي زعمه أنه موضوع (مرفوعًا،) لفظة استعملوها بمعنى قال
مٍَّ: (إذا طنت) بالتشديد، أي: صوتت (أذن أحدكم، فليذكرني) بنحو محمد رسول اللّه
(وليصل عليّ) بنحو عَ له، ففيه عدم الاكتفاء بذكره حتى يصلي عليه، (وليقل ذكر اللّه من
ذكرني بخير،) لأن الأرواح ذات طهارة ونزاهة ولها سمع وبصر متصل ببصر العين ولها سطوع
في الجو تحول وتجول، ثم تصعد إلى مقامها الذي منه بدت، فإذا تخلصت من شغل النفس
أدركت من أمر اللّه ما يعجز عنه البشر، فهما ولولا تمغلها لرأت العجائب، لكنها تدنست بما
تلبست، وتوسخت بما تقمصت من ثياب اللذات، وتكدرت بما تشربت من كأس حب
الخطيئات، ورسول اللّه عَّ لما قيل له: إلى أين، قال: إلى سدرة المنتهى، فهو متشمر هناك،
يقول: يا رب أمتي أمتي حتى ينفخ في الصور، فطنين الأذن من قبل الروح تجد تحفتها
وطهارتها وسطوعها وشوقها إلى المقام الذي فيه المصطفى، فطنت لما جاءت به من الخبر،
فلذا قال: فليصلِ عليّ، لأنه ذكره عند اللّه في ذلك الوقت، وطلب شيئًا استوجب به الصلاة أداء
لحقه، فلذا شرعت الصلاة عليه عند طنين الأذن، كما شرعت عند خدر الرجل لخبر ابن السنّي:
أن رجلاً خدرت رجله عند ابن عباس، فقال له: أذكر أحب الناس إليك، فقال محمد عَّه:
فكأنما نشط من عقال. ذكره في فتح القدير.

٢٢٥
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
ومنها: عند نسيان الشىء، لحديث أبي موسى المديني، بسند فيه ضعف،
عن أنس يرفعه: إذا نسيتم شيئًا فصلوا علي تذكروه إن شاء الله.
ومنها: بعد العطاس، كما ذهب إليه أبو موسى المديني وجماعة، ونازعهم
في ذلك آخرون، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله، كالأكل والشرب والوقاع
ونحو ذلك.
ومنها: عند زيارة قبره الشريف، لحديث أبي داود عن أبي هريرة: أن رسول
اللَّه ◌َطِّ قال: ما من أحد يسلم علي إلاَّ رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه
السلام.
وروى ابن عساكر: من صلى علي عند قبري سمعته.
(ومنها: عند نسيان الشىء لحديث أبي موسى) محمد بن عمر بن أحمد (المديني،)
الأصفهاني، الحافظ، الكبير، صاحب التصانيف (بسند فيه ضعف عن أنس يرفعه: إذا نسيتم
شيئًا فصلوا عليّ) جواب إذا (تذكروه إن شاء اللّه) حذفت نونه لكونه في جواب الطلب.
(ومنها: بعد العطاس، كما ذهب إليه أبو موسى المديني وجماعة) لما جاء بسند
ضعيف من عطس، فقال: الحمد لله على كل حال، ما كان من حال، وصلى الله على محمد
وعلى أهل بيته.
أخرج اللّه من منخره الأيسر طائرًا، يقول: اللهم اغفر لقائلها، (ونازعهم في ذلك آخرون،
وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر اللّه، كالأكل والشرب والوقاع ونحو ذلك،) كالتعجب
وإشهار المبيع، والذبح والعثرة، وفي الحمام ومواضع الأقذار، ومذهب ملك كراهتها في ذلك
کله.
(ومنها: عند زيارة قبره الشريف لحديث أبي داود عن أبي هريرة، أن رسول اللّه عَ لَّه.
قال: ما من أحد يسلم على) في أي: محل كان، وزيادة عند قبري، قال الحافظ: السخاوي:
لم أقف عليها فيما رأيته من طرق الحديث، (إلا رد اللّه على روحي،) أي: نطقي (حتى أرد
عليه السلام،) أو هو عبارة عن استمرار حياته على الدوام، وأن روحه لا تفارقه أبدًا لاستحالة
خلو الوجود من أحد يسلم عليه عادة، ويأتي إن شاء اللّه مزيد لذلك في المقصد العاشر.
قال السيوطي: كذا رواية أبي داود رد علي، وللبيهقي إلى، وهي ألطف وأنسب، لأن رد
يعدي بعلى في الإهانة، ويإلى في الإكرام، فمن الأول ﴿يردوكم على أعقابكم﴾، ومن الثاني:
﴿فرددناه إلى أمه﴾. انتهى، ولا يطرد هذا بدليل رواية علي هنا في الإكرام، ثم المصنف استدل
بعمومه على ترجمته الخاصة، ولذا عقبه بالخاص، فقال: (وروى ابن عساكر) وعبد الرزاق وابن

٢٢٦
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة وليلتها، فعن أوس بن أوس الثقفي قال:
قال رسول اللَّه عَُّله: من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض،
وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فاكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة
علي، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت - يعني: وقد
أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من صلى عليّ عند قبري سمعته،) ومن صلى عليّ
نائيًا أبلغته، هذا بقية الحديث، والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر، بحيث يصدق عليه عرفًا أنه
عنده، وبالبعد عنه ما عدا ذلك وإن كان بالمسجد، وفي القول البديع: إذا كان المصلي عند قبره
الشريف سمعه عَ لّه بلا واسطة، سواء كان ليلة الجمعة أو غيرها، وما يقوله بعض الخطباء ونحوهم
أنه يسمع بأذنيه في هذا اليوم من يصلي عليه، فهو مع حمله على القريب لا مفهوم له. انتهى.
وعورض هذا الخبر بحديث: من صلى عليّ عند قبري وكل اللّه به ملكًا يبلغني، وكفي
أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة، وجمع بأنه يسمع الصلاة والسلام عند
قبره بلا واسطة، ويبلغه الملك أيضًا إشعارًا بمزيد خصوصيته والاعتناء بشأنه والاستمداد له بذلك،
وخبر الطبراني وغيره عن الحسن بن علي مرفوعًا: حيثما كنتم فصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني،
معناه: لا تتكلفوا المعاودة إلى قبري، لكن الحضور فيه مشافهة أفضل من الغيبة، والمنهي عنه
الاعتياد الرافع لكمال الحشمة، (وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة وليلتها،) وأقل الكثرة
ثلاثمائة، قاله أبو طالب في القوت.
قال السخاوي: لم أقف له على مستند، فلعله تلقاه عن أحد من الصالحين عرفه بتجارب
أو غيره أو رآه أول ما يحصل به الكثرة، (فعن أوس بن أوس) (بفتح الهمزة وسكون الواو)،
(الثقفي،) الصحابي، سكن دمشق، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة من رواية
الشاميين عنه، وهو غير أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي، الصحابي، على الصحيح خلافًا لابن
معين وغيره في أنهما واحد، فإنه خطأ كما في الإصابة وغيرها، (قال: قال رسول اللّه عَّه: من
أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم،) وذلك يوجب لليوم شرفًا ومزية، (وفيه قبض،)
وذلك سبب للشرف أيضًا، فإنه سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس والخلاص من تعب الدنيا،
(وفيه النفخة،) أي: النفخ في الصور، وذلك شرف أيضًا، لأنه من أسباب توصل أرباب الكمال
إلى ما أعد لهم من النعيم المقيم، والموت أحد الأسباب الموصلة للنعيم، فهو وإن كان فناء
ظاهرًا، لكنه بالحقيقة ولادة ثانية ذكره الراغب (وفيه الصعقة) من شدة الوجل وهي غير النفخة
وقد ذكرها تعالى بفاء التعقيب في، ونفخ في الصور، فصعق، (فأكثروا على من الصلاة فيه،)
أي: في يوم الجمعة، (فإن صلاتكم معروضة عليّ،) أي: موصلة إلى توصل الهدايا، قاله ابن
الملقن، (قالوا: يا رسول اللّه، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت) (بفتح الهمزة والراء

٢٢٧
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
بليت - قال: إن اللَّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، رواه أحمد وأبو
داود والنسائي. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني.
قال الحافظ ابن كثير: وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة أن
النبي عَّلِ أمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، لكن في إسناده
ضعف.
وسكون الميم، وروي بضم الهمز وكسر الراء، قاله المنذري، وقال غيره: أرمت، بفتح فسكون
ففتح على الأشهر.
وفي رواية: أرممت، أي: صرت رميمًا، (يعني: وقد بليت، قال: إن اللّه حرم على
الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء،) لأنها تتشرف بوقع أقدامهم عليها، وتفتخر بضمهم إليها،
فكيف تأكل منهم، ولأنهم تناولوا ما تناولوا منها بحق وعدل، وسخرها لهم لإِقامة العدل عليها،
فلم يكن لها عليهم سلطان، فكما أن حفظ أجسادهم من البلاء خرق للعادة المستمرة، كذلك
عرض صلاتهم عليه وسماعها منهم، فالجواب مطابق للسؤال، قاطع لعرق الاستبعاد، لأن
الخوارق لا يقاس عليها.
(رواه أحمد وأبو داود والنسائي) وابن ماجه في الجنائز، كلهم عن أوس، وهو الصواب،
ووقع عند ابن ماجه في الصلاة تسمية الصحابي شداد بن أوس، وهو وهم نبه عليه المزي وغيره.
وقد رواه ابن ماجه في الجنائز على الصواب، (وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن
حبان والدارقطني) والحاكم، وقال: على شرط البخاري، وحسنه عبد الغني والمنذري. وقال ابن
دحية أنه صحيح، محفوظ بنقل العدل عن العدل، ومن قال: إنه منكر أو غريب لعلة خفية به،
فقد استروع، لأن الدارقطني رد ذلك.
(قال الحافظ ابن كثير: وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامه؛ أن النبي عَّةِ أمر
بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة،) لفظ البيهقي في الشعب عن مكحول
عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللّه عَةٍ: أكثروا عليّ من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة
أمتي تعرض عليّ يوم الجمعة، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم مني منزلة، (ولكن في
إسناده ضعف،) لأن مكحولاً لم يسمع من أبي أمامة عند الجمهور، لكن أثبت الطبراني سماعه
منه، ولذا قال المنذري: سنده حسن إلا أن مكحولاً، قيل: لم يسمع من أبي أمامة. انتهى.
وليس في حديث أبي أمامة تصريح بليلة الجمعة، كما فعل المصنف. نعم جاء في
حديث أنس عند ابن عدي، وأبي هريرة عند البيهقي، والطيراني مرفوعًا: أكثروا في الصلاة عليّ
في الليلة الغراء واليوم الأزهر، فإن صلاتكم تعرض عليّ، وفي إسناده ضعف، أي: عرضًا خاصًا

٢٢٨
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
فإن قلت: ما الحكمة في خصوصية الإكثار من الصلاة عليه عَل يوم
الجمعة وليلتها؟
أجاب ابن القيم بأن رسول اللَّه عَِّ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام،
فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمته
في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده عَّهِ، فجمع اللَّه لأمته بين خيري الدنيا
والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم فإنها تحصل لهم يوم الجمعة، فإن بعثهم إلى
منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو عيد لهم
في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم اللَّه بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله
إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداه القليل من
حقه عَ طِّ أن يكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته.
وأما فضيلة الصلاة عليه عَّ فقد ورد التصريح بها في أحاديث قوية، لم
فيه زيادة شرف للمصلي حينئذٍ، فلا ينافي أنها تعرض في أي وقت صلى عليه، كما جاء في
أحاديث، وللبيهقي عن أنس: أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن فعل
ذلك كنت له شهيدًا وشافعًا يوم القيامة، أي: شهيدًا بأعماله التي منها الصلاة عليّ، وشافعًا له
شفاعة خاصة اعتناء به، وإلا فشفاعته عامة.
(فإن قلت: ما الحكمة في خصوصية الإكثار من الصلاة عليه عَّةٍ يوم الجمعة
وليلتها، أجاب ابن القيم بأن رسول اللّه عَ﴾- سيد الأنام،) كسحاب جميع الخلق أو الجن
والإِنس، خاصة ويقال: آنام بالمد، كساناط، وأنيم كأمير، (ويوم الجمعة سيد الأيام) للأسبوع،
(فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا
والآخرة، فإنما نالته على يده عَّةِ، فجمع اللّه لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، وأعظم)
(بالجر عطف على خيري)، أي: وبين أعظم (كرامة تحصل لهم فإنها تحصل لهم، يوم
الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا
الجنة، وهو عيد لهم في الدنيا،) كما في الحديث: (ويوم فيه يسعفهم اللّه بطلباتهم:) جمع
طلبة بزنة كلمة وكلمات (وحوائجهم، ولا يرد سائلهم) في الساعة التي فيه، كما صح، (وهذا
كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداه القليل من حقه عَ﴾.
أن يكثر) كل أحد (من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته)، وفقنا اللَّه لذلك بمنه.
(وأما فضيلة الصلاة عليه عَليه) أي: الثواب المترتب لقائلها، كتكفير الخطايا وتزكية

٢٢٩
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
يخرج البخاري منها شيئًا، أمثلها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، عن
النبي عَّهِ ((من صلى علي واحدة صلى اللَّه عليه بها عشرًا)).
وعن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال: خرج رسول اللَّه عَِّ لحاجة،
فلم يجد أحدًا يتبعه، فأتاه عمر بمطهرة من خلفه، فوجد النبي عَ ◌ّهِ ساجدًا ،
الأعمال ورفع الدرجات ومغفرة الذنوب وصلاة الملائكة واستغفارها لقائلها وكناية قيراط مثل
أحد من الأجر، والكيل بالمكيال، إلا وفي كفاية أمر الدنيا والآخرة لمن جعل صلاته كلها صلاة
عليه، ومحق الخطايا وفضلها على عتق الرقاب والنجاة بها من الأهوال، وشهادة الرسول بها،
ووجوب الشفاعة، ورضا اللّه ورحمته، والأمان من سخطه، والدخول تحت ظل العرش، ورجحان
الميزان، وورود الحوض، والأمان من العطش، والعتق من النار، والجواز على الصراط ورؤية
المقعد المقرب من الجنة قبل الموت وكثرة الأزواج في الجنة ورجحانها على أكثر من عشرين
غزوة وقيامها مقام الصدقة للمعسر، وأنها زكاة وطهارة وينمو المال ببركتها، وتقضي بها مائة من
الحوائج، بل أكثر، وأنها عبادة، وأحب الأعمال إلى اللّه تعالى وتزيين المجالس، وتنفي الفقر
وضيق العيش، ويلتمس بها مظان الخير، وأن فاعلها أولى الناس به، وينتفع هو وولده وولد ولده،
بها ومن أهديت في صحيفته بثوابها، وتقرب إلى اللّه عزّ وجلّ رسوله، وأنها نور، وتنصر على
الأعداء، وتطهر القلب من النفاق والصدأ، وتوجب محبة الناس ورؤية النبي عَّه في المنام، وتمنع
من اغتياب صاحبها، وهي من أبرك الأعمال وأفضلها وأكثرها نفعًا في الدين والدنيا، وغير ذلك
من الثواب، هكذا ترجم في القول البديع، ثم ذكر الأحاديث في ذلك كله، والمصنف ذكر
بعضها، (فقد ورد التصريح بها في أحاديث قوية،) باعتبار مجموعها، فلا ينافي أن بعضها
ضعيف يعمل به في الفضائل، (لم يخرج البخاري منها شيئًا،) لأنها ليست على شرطه، (أمثلها
ما أخرجه مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي والإِمام أحمد وابن حبان (من حديث أبي
هريرة، عن النبي ◌َّله: من صلى عليَّ واحدة)، زاد في رواية البزار من تلقاء نفسه (صلى الله عليه بها
عشرًا،) أي: من دعا لي مرة رحمه اللّه وأقبل عليه بعطفه عشر مرات، وأعطاه الفضل بالدرجات
المقدرة له.
وفي بعض ألفاظ الترمذي: من صلى عليّ مرة واحدة كتب الله له بها عشر حسنات،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والصلاة عليه وإن كانت تحصيل الحاصل ليكن حصول
الأمور الجزئية قد يكون مشروطًا بشروط، من جملتها الدعاء.
(وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال: خرج رسول اللّه عٍَّ لحاجة») هي حاجة
البراز، كما في حديث أنس: خرج يتبرز، (فلم يجد أحدًا يتبعه، فأتاه عمره) وفي حديث أنس:

٢٣٠
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
فتنحى عنه حتى رفع النبي عَّ الله رأسه، فقال له: أخشيت يا عمر حين وجدتني
ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة
واحدة صلى اللَّه عليه عشر صلوات، ورفعه عشر درجات. رواه الطبراني. قال ابن
كثير: وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه ((المستخرج
على الصحيحين).
وعن أبي طلحة أن رسول اللَّه عَّه جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه،
فقالوا: يا رسول اللَّه إنا لنرى السرور وجهك، فقال: إنه أتاني الملك فقال: يا
ففزع، عمر فأتاه، أي: بدعائه، كما في رواية: فدعاني فأتيته، أو بغير دعاء إن تعددت القصة
(بمطهرة) (بكسر الميم) أدواة فيها ماء (من خلقه، فوجد النبي عَّ ساجدًا، فتنحى عنه،) زاد
أنس: فجلس وراءه (حتى رفع النبي عَّ رأسه، فقال له: أخشيت:) أخفت من قربك لي (يا
عمر حين وجدتني ساجدًا) أن تشغلني عن مناجاة ربي، (فتنحيت عني،) فالاستفهام للتقرير،
ويحتمل كما في نسخ كثيرة صحيحة أنه أحسنت (بفتح الهمزة وإسكان الحاء وبالسين
المهملتين ونون ساكنة، من الإحسان مدح لعمر في تنحيه عنه حينئذٍ، وهو أنسب بالسياق؛ (أن
جبريل أتاني) في سجودي، كما هو ظاهر، ويحتمل قبل سجوده، وسجد شكرًا، كما في
حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد، وصححه الحاكم والبيهقي، وإنما لم أحزم بالثاني، لأن
عمر لم يذكر في خبر عبد الرحمن، واختلف المخرج، فيحتمل التعدد، (فقال: من صلى عليك
من أمتك) أمة الإِجابة (صلاة واحدة صلى اللّه عليه عشر صلوات)) أي: رحمه رحمة مضاعفة
معظمة لا تشابه غيرها، لأن إضافتها إلى اللّه إضافة تعظيم وتشريف، وإن كان كل من جاء
بالحسنة له عشر أمثالها، (ورفعه عشر درجات) بأعلاء مقاماته في جنات النعيم وعلو منزلته لقربه
من العزيز الرحيم. (رواه الطبراني).
(قال ابن كثير: وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي،) حيث أخرجه
(في كتابه المستخرج على الصحيحين،) الذي سماه بالأحاديث المختارة، أي: من الأحاديث
التي ليست في الصحيحين.
وقد صرح الزركشي وغيره، بأن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، (وعن أبي
طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، (أن رسول اللّه عَّةٍ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه،)
وفي رواية الطبراني، عن أبي طلحة. دخلت على رسول اللّه عَّله وأسارير وجهه تبرق، والجمع
بينهما أن المصطفى جاء إلى محل لم يكن فيه أبو طلحة، ثم دخل عليه أبو طلحة فيه،
(فقالوا: يا رسول اللّه إنا لنرى السرور في وجهك،) لأنه كان إذا سر استنار وجهه، (فقال: أنه

٢٣١
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
محمد، أما يرضيك أن ربك عز وجل يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا
صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا، قال:
بلى، رواه الدارمي وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائي، واللفظ له.
وعن عامر بن ربيعة، أن رسول اللَّه عَّه قال: ((من صلى على صلاة لم تزل
الملائكة تصلي عليه ما صلي علي، فليقلَّ عبد من ذلك أو ليكثر)). رواه أحمد
وابن ماجه من حديث شعبة.
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي: من صلى على رسول اللَّه عَ لَّه صلاة
أتاني الملك) جبريل، كما صرح به في روايات أخر، (فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك
عزّ وجلّ يقول أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك،) وفي رواية: من عبادي، والمراد بهم أمته
(إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا،) ورواية:
بحذف ولا يسلم ... الخ.
من تقصير بعض الرواة، (قال: بلى،) زاد في رواية: يا رب، (رواه الدارمي) عبد الله بن
عبد الرحمن، أحد الأعلام الحفاظ، (وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائي، واللفظ له)
والطبراني، عن أبي طلحة: دخلت على رسول اللّه عَّ له وأسارير وجهه تبرق، فقلت: يا
رسول اللّه ما رأيتك أطيب نفسًا، ولا أظهر بشرًا من يومك هذا، قال: ومالي لا تطيب نفسي،
ويظهر بشري، وإنما فارقني جبريل الساعة، فقال: يا محمد من صلى عليك من أمتك صلاة كتب
اللّه له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات، وقال له الملك: مثل
ما قال لك، قلت: يا جبريل وما ذلك الملك؟، قال: إن اللّه عزّ وجلّ وكل ملكًا من لدن خلقك
إلى أن يبعثك، لا يصلي عليك، أحد من أمتك إلا قال: وأنت صلى اللّه عليك وفيه روايات أخر
بألفاظ مختلفة إما من الرواة، أو حدث به أبو طلحة في أوقات بألفاظ مختلفة، (وعن عامر بن
ربیعة) بن کعب بن ملك العنزي،بسکون النون، حلیف الخطاب، صحابي مشهور، أسلم قديمًا،
وهاجر وشهد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمن (أن رسول اللّه عَ لّه قال: من صلى عليّ صلاة،)
في أي: وقت كان (لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى،) أي: مدة صلاته (عليّ، فليقل
عبد من ذلك أو ليكثر،) العطف للتخيير، والفاء فصيحة، أي: إذا عرف بقاء هذا ودوامه ونفعه،
فإن شاء أكثر ليربح ربحًا كثيرًا دائمًا، وإلا اقتصر على قليل نافع، وهو في الحقيقة حث على
الإكثار، (رواه أحمد وابن ماجه) بإسناد حسن (من حديث شعبة) ابن الحجاج، الواسطي،
البصري، عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه.
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي: من صلى على رسول اللّه عَّهُ صلاة صلى اللّه

٢٣٢
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة، فليقلَّ عبد من ذلك أو ليكثر، رواه أحمد.
والتخيير بعد الإعلام بما فيه الخيرة في المخير فيه على جهة التحذير من
التفريط في تحصيله، وهو قريب من معنى التهديد.
وروى الترمذي، أن أَبي بن كعب قال: يا رسول اللّه، إني أكثر الصلاة
فكم أجعل لك من صلاتى؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن
زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف، قال: ما شيئا، وإن زدت، فهو خير لك،
قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك
صلاتي كلها، قال: إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك. ثم قال: هذا حديث
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي: من صلى على رسول اللّه عَ ◌ّ صلاة صلى اللّه
عليه وملائكته سبعين صلاة،) حقيقة، أو المراد التكثير، (فليقل عبد من ذلك، أو ليكثر، رواه
أحمد) بإسناد حسن، ومثله: لا يقال بالرأي: فهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، (والتخيير بعد
الإعلام بما فيه الخيرة في المخير، فيه على جهة التحذير من التفريط في تحصيله،) فهو
في الحقيقة حث على الإكثار، فإن العاقل لا يترك الخير الكثير ما أمكنه، ففيه من البلاغة ما
لا يخفى، (وهو قريب من معنى التهديد) في نحو قوله: ﴿اعملوا ما شتئم﴾، ليس أمرًا لهم
بعمل ما شاؤا، بل هو وعيد شديد بالمجازاة على الطعن والتحريف والتأويل الباطل واللغو في
القرآن.
(وروى الترمذي) وأحمد والحاكم، وصححه: (أن أبي بن كعب قال:) كان
رسول اللّه عَظٍّ إذا ذهب ربع الليل قام، فقال: (يا أيها الناس اذكروا اللّه اذكروا اللّه،) جاءت
الراجفة، تتبعها الرادفة، قال أبي بن كعب، فقلت: (يا رسول اللّه إني أكثر الصلاة، فكم أجعل
لك من صلاتي،) قال المنذري: معناه أكثر الدعاء، فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟،
(قال: ما شئت،) يعني: أي: قدر أردت وتيسر لك، (قلت:) أجعل لك (الربع، قال: ما شئت،
وإن زدت، فهو خير لك:) نافع في الدنيا والآخرة، (قلت: فالنصف، قال: ما شئت، وإن زدت،
فهو خير لك، قلت: فالثلثين، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك،) فلم يعين عَ لّ شيئًا
معينًا لئلا ينغلق عليه باب المزيد، ولم يزل يفوض الاختيار إليه مع الحث على المزيد، حتى
قال: (قلت: اجعل لك صلاتي كلها؟، قال: إذن تكفي) أنت (همك،) بالنصب مفعول تكفي
الثاني، والأول أنت المضمر القائم مقام الفاعل، (ويغفر) بالرفع (ذنبك،) ويروى بنصب يغفر
بإذن، لأنها مكفرة للذنوب، والمعنى أنها تغنيك عن غيرها، لأن فيها خيري الدارين، فهو بمعنى
الحديث القدسي: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، (ثم قال)

٢٣٣
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
حسن.
فهذا ما يتعلق بالصلاة، وأما السلام فقال النووي: يكره إفراد الصلاة عن
السلام، واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية، يعني قوله تعالى: ﴿إِن اللَّه
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾
[الأحزاب/٥٦].
وتعقبوه: بأن النبي ◌َِّ علم الصحابة التسليم قبل تعليمهم الصلاة، كما هو
مصرح به في قولهم: يا رسول اللَّه قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي
عليك، وقوله عليه الصلاة والسلام بعد أن علمهم الصلاة والسلام: كما قد
علمتم، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة عليه.
لكن قال في فتح الباري: إنه يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلاً، أما لو
صلى في وقت، وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً.
وقال أبو محمد الجويني من أصحابنا: السلام بمعنى الصلاة، فلا يستعمل
الترمذي: (هذا حديث حسن) صحيح، ولم يقتصر على حسن، كما نقل المصنف، (فهذا ما
يتعلق بالصلاة) مما أراد، يراده في فضلها وإلا فهو يحتمل جزأ حافلاً، وقد كفي السخاوى فيه
وشفي، (وأما السلام،) أي: ما يتعلق به، (فقال النووي: يكره افراد الصلاة عن السلام،
واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية، يعني قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على
النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾،) فظاهر الأمر بهما كراهة، أفراد
أحدهما عن الآخر، وإليه ذهب بعض المالكية، (وتعقبوه بأن النبي عَّ علم الصحابة التسليم
قبل تعليمهم الصلاة،) بقوله: قولوا اللهم صلّ على محمد إلى آخر ما مر، (كما هو مصرح به
في قولهم: يا رسول اللّه قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك، وقوله عليه
الصلاة والسلام بعد أن علمهم الصلاة والسلام،) بالرفع مقول القول، (كما قد علمتم) من
العلم، أو التعليم، (فأفرد التسليم عليه مدة قبل الصلاة عليه،) فكيف يكره ذلك.
(لكن قال في فتح الباري أنه يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلاً، أما لو صلى
في وقت وسلم في وقت آخر، فإنه يكون ممتثلاً للأمر، فلا يكون منفردًا للسلام، لأنهم
جمعوا بين الصلاة والسلام بعد أن علمها لهم، لكن هذا المعنى ليس مرادًا للنووي، فلا يصح
جوابًا عنه.
(وقال أبو محمد الجويني: من أصحابنا السلام بمعنى الصلاة، فلا يستعمل في)

٢٣٤
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
في الغائب ولا يفرد غير الأنبياء به، فلا يقال: علي عليه السلام، سواء في هذا
الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو
السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى.
وقد جرت عادة بعض النساخ أن يفردوا عليًا وفاطمة رضي اللَّه عنهما
بالسلام، فيقولوا: عليه أو عليها السلام من دون سائر الصحابة في ذلك، وهذا وإن
كان معناه صحيحًا لكن ينبغي أن يساوي بين الصحابة رضي اللَّه عنهم في ذلك،
فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، والشيخان وعثمن أولى بذلك منهما، أشار إليه
ابن كثير.
وأما الصلاة على غير النبي عَِّ فاختلف فيها.
وأخرج البيهقي بسند واه من حديث بريدة رفعه: لا تتركن في التشهد
الصلاة علي وعلى أنبياء اللَّه.
الشخص (الغائب، ولا يفرد غير الأنبياء به، فلا يقال علي عليه السلام،) بل رضي اللّه عنه،
(سواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليك أو
عليكم، أو السلام عليك أو عليكم وهذا مجمع عليه. انتهى).
(وقد جرت عادة بعض النساخ، أن يفردوا عليًا وفاطمة رضي اللّه عنهما بالسلام،
فيقولوا) علي (عليه أو) فاطمة (عليها السلام دون سائر الصحابة في ذلك، وهذا وإن كان
معناه صحيحًا،) لأن المراد السلام أو التحية، (لكن) ذلك مكروه، أو خلاف الأولى، أو محرم
على ما يأتي قريبًا، و(ينبغي) أن فعل ذلك المكروه، (أن يساوي بين الصحابة رضي الله عنهم
في ذلك،) لأن إفراد علي وفاطمة بذلك صار من شعار أهل البدع، (فإن هذا من باب التعظيم
والتكريم، والشيخان وعثمن أولى بذلك منهما،) أي: علي وفاطمة، (أشار إليه ابن كثير،)
ويأتي له مزید قريبًا.
(وأما الصلاة على غير النبي عَّلة) من الأنبياء أو غيرهم، (فاختلف فيها) فقيل: يطلبها
على الأنبياء، وقيل: بعدمه، وأما غيرهم، ففي جوازها استقلالاً، وعدمه خلاف لا تبعا، فيجوز
بإجماع هذا حاصل ما ذكره.
(وأخرج البيهقي بسند واه) أي: ضعيف جدًا من، وهي الحائط إذا مال للسقوط، وفي
نسخة واهي (بالياء)، وكل صحيح، لكن حذفها من المجرد من أل، كما هنا هو الكثير (من
حديث بريدة) بن الحصيب، (رفعه: لا تتركن) أيها المصلي (في التشهد الصلاة عليّ وعلى

٢٣٥
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وأخرج إسمعيل القاضي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة صلوا على أنبياء
اللَّه.
وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس رفعه: إذا صليتم علي فصلوا على
أنبياء اللَّه، فإن اللَّه بعثهم كما بعثني.
وثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبي عَّهِ. أخرجه ابن أبي شيبة من
طريق عثمن عن عكرمة عنه قال: ما أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على
النبي ێله. وسنده صحيح.
وحكي القول به عن الملك، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز.
وقال سفين: يكره أن يصلي إلا على نبي.
أنبياء اللّه،) أريد بهم ما يشمل الرسل.
(وأخرج إسمعيل القاضي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة،) رفعه: (صلوا على
أنبياء الله،) وأخرجه عبد الرزاق وغيره بسند واهٍ، عن أبي هريرة، مرفوعًا: صلوا على أنبياء الله
ورسله، فإن اللّه بعثهم، كما بعثني ورسله، عطف خاص عليّ عام.
(وأخرج الطبراني) بإسناد ضعيف، كما قال الحافظ (من حديث ابن عباس، رفعه: إذا
صليتم عليّ، فصلوا على أنبياء اللّه، فإن اللّه بعثهم، كما بعثني،) تعليل لأمره؛ بأنهم ساوره
في أصل البعثة، فيصلي عليهم، وحكمة ذلك أنهم لما بذلوا أعراضهم في اللّه لأعدائه، فنالوا
منهم وسبوهم، أعاضهم اللّه الصلاة عليهم، وجعل لهم أطيب الثناء في السماء والأرض،
وأخلصهم بخالصة ذكرى الدار، ففي هذه الأحاديث استحباب الصلاة عليهم، وورد أيضًا من
حديث أنس عند الخطيب، ووائل بن حجر عند ابن عساكر، وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها قد
تحصل القوة، (وثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبي عَّه).
(أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمن عن عكرمة، عنه قال: ما أعلم الصلاة تنبغي،)
أي: تجوز وتطلب (من أحد على أحد إلا على النبي عَّةٍ) وقوفًا مع ظاهر القرآن (وسنده
صحيح) إلى ابن عباس، موقوف عليه، وفيه تورك على قول عياض الأسانيد، عن ابن عباس لينة.
(وحكي القول به عن ملك) الإِمام، (وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وقال سفين)
الثوري فيما رواه عبد الرزاق والبيهقي: (يكره أن يصلى إلا على نبي،) ولما فيه الكراهة من
معنى النفي، عم وصح وقوع الاستثناء المفرغ بعده.
وروى البيهقي أيضًا، عن سفين: يكره أن يصلى على غير النبي عَّة، وهذا موافق لابن

٢٣٦
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وعن بعض شيوخ ملك: لا يجوز أن يصلي إلا على محمد عَّهِ.
قالوا: وهذا غير معروف عن لملك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء
وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به.
وخالفه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به، واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة،
فلا تمنع إلا بنص أو إجماع.
وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كان على سبيل التبعية كما تقدم في
عباس، (وعن بعض شيوخ لملك) لفظ الشفاء: وجدت بخط بعض شيوخي مذهب لملك
(لا يجوز أن يصلى إلا على محمد عَّ﴾») فلا يصلى على غيره من الأنبياء استقلالاً، وكان
الأصوب لو قال المصنف، وعن بعض الشيوخ بدون إضافة مذهب لملك بالرفع ليوافق النقل، وقد
حرف في نسخ، زاد وإياه، وهي خطأ، فإن قائل ذلك شيخ عياض لا المصنف، (قالوا:) عياض
وغيره، (وهذا غير معروف عن ملك وإنما قال) لملك في المبسوط: (أكره الصلاة على غير
الأنبياء،) وبين وجه الكراهة بقوله: (وما ينبغي لنا أن نتعدى) نتجاوز (ما أمرنا به،) إلى غيره،
بل نقتصر عليه، (وخالفه يحيى بن يحيى) بن كثير الليثي، مولاهم القرطبي أبو محمد، فقيه،
مجاب الدعوة، قليل الحديث، وله أوهام، روى الموطأ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين على
الصحيح، (فقال: لا بأس به،) أي: بما ذكر من الصلاة على غير الأنبياء.
ولفظ الشفاء: قال يحيى بن يحيى لست آخذ بقوله، أي: لملك ولا بأس بالصلاة على
الأنبياء كلهم، وعلى غيرهم احتج بحديث ابن عمر، وحديث تعليم النبي عَّه، وفيه وعلى
أزواجه وآله. انتھی.
وتعقب بأن هذا بطريق التبعية والكراهة استقلالاً، فلا يتجه به، رد قول لملك، وأما قوله:
(واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا تمنع إلا بنص أو إجماع،) لأن الأصل أن كل لفظ وضعٍ
لمعنى، يجوز إطلاقه على ما وجد فيه ذلك المعنى، وتعقب بأنه لم يوضع لمطلق لدعاءَ
بالرحمة، بل مقيد بتعظيم يليق بمقام النبوة، فليس المحتج بذلك يحيى، بل عياض، فإنه بعد أن
ذكر احتجاج يحيى بالحديثين، نقل عن أبي عمران الفارسي أنه اختار قول ابن عباس بكراهة
الصلاة على غير المصطفى، ونقل حديث أبي هريرة: صلوا على أنبياء الله ورسله ... الخ. قال:
والأسانيد من ابن عباس لينة، والصلاة في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء، وذلك على
الإِطلاق حتى يمنع منه حيث صحيح أو إجماع. انتهى.
(وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كان على سبيل التبعية) للأنبياء، (كما تقدم في

٢٣٧
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
الحديث: اللهم صل على محمد وآل محمد ونحوه، فهذا جائز بالإجماع. وإنما
وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم.
فقال قائلون بجواز ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وهو الذي يصلي عليكم
وملائكته﴾ [الأحزاب/٤٣] وبقوله: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾
[البقرة/١٥٧]، وبقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها
وصلٌ عليهم﴾ [التوبة/١٠٣]، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول
اللَّه عَ لِّ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللَّهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال:
اللهم صل على آل أبي أوفى. أخرجه الشيخان.
الحديث: اللهم صل على محمد وآل محمد ونحوه، فهذا جائز بالإِجماع،) وعليه يحمل
قول عياض: عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير النبي عَه، أي: تبعًا بدليل
حكايته، الخلاف بعد في الاستقلال، فلا يعترض عليه في حكاية الاتفاق فيما اختلف فيه، (وإنما
وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم، فقال قائلون: بجواز ذلك، واحتجوا
بقوله تعالى: ﴿وهو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾﴾ [الأحزاب/٤٣]، ففيها دليل على جواز
الصلاة على كل مؤمن، لا سيما وسبب نزلوها ما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد، قال: لما
نزلت ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب/٥٦].
قال أبو بكر: يا رسول اللّه ما أنزل اللّه عليك خير إلا أشركنا فيه، فنزلت هو الذي يصلي
عليكم وملائكته، وصلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء والاستغفار، (وبقوله: ﴿أولئك
عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾) [البقرة/١٥٧]، عطف تفسير، وإن قلنا: أنها أعم، لأنه يجوز
التفسير بالأعم المقصود منه، فلا يرد أن العطف يقتضي المغايرة، لأن الصلاة رحمة مشتملة على
تعظيم وتكريم، وأجيب للجمهور، بأن الآيتين من فعل الله وملائكته، ولم يرد إذنه للمؤمنين بذلك،
كما قال: صلوا عليه، (وبقوله تعالى: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾،) بمغفرة ذنوبهم
(﴿وتزكيهم بها وصلٍ عليهم﴾) [التوبة/١٠٣]، فأمره بالدعاء بلفظ الصلاة، دليل على الجواز
استقلالاً، (وبحديث عبد الله بن أبي أوفى) (بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة لا مفتوحة)،
كما زعم من وهم علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي، صحابي شهد الحديبية، وعمر بعد
النبي عَ له دهرًا، مات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، (قال: كان
رسول اللّه عَّله إذا أتاه قوم بصدقتهم،) أي: بزكاة أموالهم، (قال: اللهم صلٍ عليهم،) ارحمهم
وطهرهم، وزك أموالهم التي بذلوا زكاتها، (فأتاه أبي) علقمة، شهد هو وابنه عبد الله بيعة
الرضوان تحت الشجرة (بصدقته:) زكاته، (فقال: اللهم صلٍ على آل أبي أوفى).

٢٣٨
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد
صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال أبو بكر عٍَّ أو:
قال علي عَّله، وإن كان المعنى صحيحًا، كما لا يقال: محمد عز وجل، وإن
كان عزيزًا جليلاً، لأن هذا من شعار ذكر اللَّه عز وجل.
وحملوا ما ورد من ذلك في الكتاب والسنة على الدعاء لهم، ولهذا لم
يثبت شعارًا لآل أبي أوفى. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك، لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من
قال الحافظ: يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشىء، كقوله في قصة أبي
موسى: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل
القدر، وفيه جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه لملك والجمهور.
قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة
للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب الخطابي عنه بأن أصل الصلاة الدعاء، إلا أنه
يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي عَّة على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه
دعاء له بزيادة القربة والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره. انتهى. (أخرجه الشيخان) في الزكاة
واللفظ لمسلم.
واحتجوا أيضًا بقول إمرأة جابر: يا رسول اللّه صلٍ عليّ وعلى زوجي، فقال: اللهم صلٍ
عليهما، (وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز افراد غير الأنبياء بالصلاة،) وأجابوا عن هذه
الاحتجاجات؛ بأن ذلك كله وقع مع النبي عَةٍ، ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما شاء،
وليس لغيره أن يتصرف فيه إلا بإذنه، ولم يثبت عنه إذن في ذلك، واحتجوا للمنع، (لأن هذا قد
صار شعارًا للأنبياء، إذا ذكروا فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال أبو بكر عَّله، أو قال علي
◌َِّ، وإن كان المعنى صحيحًا؛) وإنما يقال صلى اللّه على النبي وعلى خليفته، أو صديقه، أو
ابن عمه ونحو ذلك، لأنه لا يلزم من صحة المعنى جواز الإِطلاق، (كما لا يقال محمد عزّ
وجلّ، وإن كان عزيزًا جليلاً، لأن هذا) الثناء صار (من شعار ذكر الله عزّ وجلّ،) فلا يشاركه
فيه غيره، وإن صح المعنى؛ (وحملوا ما ورد من ذلك في الكتاب) من الآيات الثلاث السابقة
(والسنّة،) كحديث ابن أبي أوفى، وحديث امرأة جابر: (على الدعاء لهم) بالمغفرة من صاحب
الحق، ولم يأذن لغيره، (ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى،) فلم ينقل أن أحدًا قال لهم:
ذلك غير المصطفى، لأنه في كلامه بمعنى الدعاء بالمغفرة، (وهذا مسلك حسن).
(وقال آخرون: لا يجوز ذلك) استقلالاً، فهو إعادة لقول الجمهور ليقويه بقوله، (لأن

٢٣٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعقتدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو كراهة التنزيه، أو
خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها النووي في كتاب ((الأذكار))، ثم قال:
والصحيح الذي عليه الأكثرون، أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد
نهينا عن شعارهم.
الفصل الثالث
في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام وقرابته
وأهل بيته وذريته
الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء،) التابعين لما مالت إليه نفوسهم،
(يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدي بهم في ذلك،) ولفظ الحافظ: ويقوى المنع؛ بأن
الصلاة على غير النبي صارت شعارًا لأهل الأهواء، يصلون عليّ من يعظمونه من أهل البيت
وغيرهم، (ثم اختلف المانعون من ذلك هل هو،) أي: المنع (من باب التحريم، أو كراهة
التنزيه، أو خلاف الأولى على ثلاثة أقوال، حكاها النووي في كتاب الأذكار،) وحكاها غيره
أيضًا، (ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع،
وقد نهينا عن شعارهم).
قال عياض: هو أمر لم يكن معروفًا في الصدر الأول، كما قال أبو عمران، وإنما أحدثه
الرافضة والشيعة في، فإن التشبه بأهل البدع منهي عنه عند ذكرهم بالصلاة، وساووهم
بالنبي عَّ ◌ُله، وأيضًا بعض الأئمة، فشاركوهم، فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك. انتهى.
وقد روى إسماعيل بن إسحق في كتاب أحكام القرآن له بإسناد حسن عن عمر بن
عبد العزيز؛ أنه كتب: أما بعد، فإن ناسًا من الناس التمسوا عمل الدنيا بعمل الآخرة، وأن ناسًا من
القصاص أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي عَ له، فإذا جاءك
كتابي هذا، فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين، ويدعوا ما سوى ذلك،
ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال: لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي عَّل﴾،
ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار.
(الفصل الثالث)
(في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام و) ذوي (قرابته،) أو
استعمله بمعنى الأقارب مجازًا، (وأهل بيته وذريته) (بضم الذال وكسرها) أولاده وأولادهم

٢٤٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
قال الطبراني: أعلم ان اللَّه تعالى لما اصطفى نبيه عَّه على جميع من
سواه، وخصه بما عمه به من فضله الباهر وحباه، أعلى ببركته من انتمى إليه نسبًا
أو نسبه، ورفع من انطوى عليه نصرة وصحبه، وألزم مودة قرباه كافة بريته، وفرض
محبة جملةٍ أهل بيته المعظم وذريته، فقال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا
المودة في القربى﴾ [الشورى/٢٣].
ويروى أنها لما نزلت قالوا: يا رسول، من قرابتك هؤلاء؟ قال: علي وفاطمة
وابناهما. وقال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
والألفاظ المذكورة متداخلة لا متباينة.
(قال الطبراني: العلم أن اللَّه تعالى لما اصطفى) أي فضل (نبيه عَّ على جميع من
سواه) من الأنبياء والملائكة فعداه بعلي، لأنه ضمنه معي فضل، فلا يرد أنه يتعدى بنحو
اصطفيتك من كذا، قاله السمين في ﴿إِن اللَّه اصطفى آدم﴾، (وخصه بما عمه،) أي شمله (به)
من عم الشىء عمومًا، شمل (من فضله الباهر) الغالب علي غيره، (وحباه): أعطاه بلا عوض،
والمراد بما أفاضه عليه، من العطايا التي شملت جميع أجزائه حتى كأن كل جزء منه اختص
بفضيلة قصرت عليه لا تتجاوزه إلى غيره والباء في بما داخلة على المقصور، (أعلى:) رفع
(ببركته من انتمى،) انتسب (إليه) بأن عد من أتباعه (نسبًا،) كقرابة (أو نسبة،) كصحبة
ومناصرة، (ورفع من انطوى)، انضم واجتمع (عليه نصره وصحبه) بحيث أشبه في إيصاله به طي
بعض، أجزاء الصحيفة على بعض، (وألزم مودة قرباه،) أي محبة أقربائه (كافة بريته:) جميع
خلقه، (وفرض محبة جملة أهل بيته المعظم وذريته) بالأخذ في أسبابها باستحضار حثه عَّه.
على حبهم والتودد إليهم، لا الإثم بترك المحبة، لأنها ليست اختيارية، أما بالمبتلى بكراهة
بعضهم لمعنى فيه فيجب عليه السعي في أسباب محبته من حيث قربه له عليه السلام، وإن كره
وقوع المعصية منه، (فقال تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه﴾ [الأنعام: ٩٠]،) أي التبليغ والإرشاد
(﴿أجرًا إلا المودة في القربى)) أي تودوا قرابتي، أو أن تودوني لقرابتي منكم، وقيل:
الاستثناء منقطع، والمعنى لا أسألكم أجرًا قط، ولكن أسألكم المودة في القربى حال منها، أي
إلا المودة ثابتة في ذوي القربى متمكنة في أهلها، أو في حق القرابة، ومن أجلها كما في
حديث الحب في اللَّه والبغض في اللَّه))، قاله البيضاوي: ولعل وجه الاستدلال بها على وجوب
محبة القرابة وآل البيت أنه لما سألهم محبة قرابته دل على اعتنائه بهم وقضية ذلك إيجابه علينا.
(ویروی) عند ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس (أنها لما نزلت قالوا:
يا رسول من قرابتك هؤلاء) الذين نزلت فيهم الآية، (قال: علي وفاطمة وابناهما).