Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية العبدي عن المذهب فيها ثلاثة أقوال في الصلاة: الوجوب، والسنية، والندب. ورأيت مما عزى للقاضي أبي بكر بن العربي في ((سراج المريدين)): قال ابن المواز والشافعي: الصلاة على النبي عٍَّ من فرائض الصلاة وهو الصحيح. انتهى. وقد يلزم القائل من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر كالطحاوي، ونقله السروجي في شرح الهداية عن أصحاب المحيط والعقد والتحفة من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره عَّه في آخر التشهد في قوله: وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، لكن لهم أن يلتزموا ذلك ولا يجعلونه شرطًا في صحة الصلاة. (العبدي:) (بفتح فسكون) نسبة إلى عبد القيس بن ربيعة بن نزار البصري، المالكي، إمام المالكية بالبصرة، وصاحب تدريسهم، ومدار فتياهم، وله تصانيف. قال أبو علي: الصدفي: كان مشهورًا بإمامة، وتقدم وصلاح، وكان يملي كل جمعة بجامع البصرة وعلى رأسه مستمليان يسمعان الناس ما يمليه، سمع منه أبو علي الصدفي، وخلق كثير (عن المذهب،) أي: عن أهل مذهب لملك (فيها،) أي: الصلاة (ثلاثة أقوال في الصلاة الوجوب،) وهو ضعيفها، (والسنية والندب،) وهما مرجحان، وليس المذهب (بضم الميم) علم على كتاب لسند بن عنان، سماه الطراز المذهب، لأنه عصري عياض، ومات قبله بثلاث سنين، ولا المذهب لابن راشد القفصي، لتأخره جدًا عن عياض، وإنما نبهت على هذا، لأن بعض المالكية تشدق في درس شيخنا، فقال: هو عن المذهب (بضم الميم) إما لابن راشد، وإما لسند، وما علم أن أبا يعلى متقدم عنهما، لأنه شيخ شيوخ عياض، (ورأيت مما عزى،) نسب (للقاضي أبي بكر) محمد (بن العربي،) الفقيه، المالكي، الحافظ (في) كتابه (سراج المريدين.) (قال ابن المواز والشافعي: الصلاة على النبي عَُّ من فرائض الصلاة، وهو الصحيح. انتھی). لكنه خلاف المشهور، (وقد يلزم القائل من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر، كالطحاوي، ونقله السروجي) شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني المصري قاضيها، كان بارعًا في علوم شتى، مات في ربيع الآخر، سنة إحدى وسبعمائة، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة (في شرح الهداية،) اسم كتاب نفيس في الفقه، للبرهان أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني، (عن أصحاب المحيط والعقد والتحفة، من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد، لتقدم ذكره عَِّ في آخر التشهد، في قوله: وأشهد أن محمدًا رسول اللّه، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، ولا يجعلونه شرطًا في صحة الصلاة،) لأنه لا يلزم من الوجوب، كونه ١٨٢ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ولم يخالف الشافعي أحد من أصحابه في ذلك. بل قال بعض أصحابنا بوجوب الصلاة على الآل، كما حكاه البندنيجي والدرمي، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولاً عن الشافعي، قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أنه وجه لا قول، على أن الجمهور على خلافه، والقول بوجوبه ظهور للحديث. وأما مخالفة الخطابي من أصحاب الشافعي الشافعي فلا يعتد به لمقتضى الأمر المحمول على الوجوب إجماعًا، وأولى أحواله الصلاة ولا مانع من احتمال كونه مرادًا. وأما قوله: ولا أعلم له فيها قدوة، فيقال عليه: لا ريب أن الشافعي قدوة يقتدي به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له إلى غيره. وأما قوله في ((الشفاء»: والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل شرط صحة، (ولم يخالف الشافعي أحد من أصحابه،) أي: أهل مذهبه (في ذلك، بل قال بعض أصحابنا بوجوب الصلاة على الآل، كما حكاه البندنيجي) (بفتح الموحدة والمهملة وسكون النون الأولى وكسر الثانية، ثم تحتية وجيم نسبة إلى بندنيجين، بلفظ المثنى بلد قرب بغداد) (والدرمي، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولاً عن الشافعي، قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أنه وجه لا قول،) والقول في اصطلاحهم نص الإمام، والوجه لغيره (على أن الجمهور) من أهل المذهب (على خلافه، والقول بوجوبه ظهور للحديث،) لقوله، قولوا اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد، (وأما مخالفة الخطابي من أصحاب الشافعي،) أي: أهل مذهبه (الشافعي) حيث قال: ليست واجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء، إلا الشافعي، ولا أعلم له فيها قدوة. وكذا قال أبو الطيب الطيري، من الشافعية: إن الشافعي لم يسبق إلى ذلك، كما في الفتح، (فلا يعتد به)) أي: بخلافه، فذكره على معنى مخالفة (لمقتضى الأمر، المحمول على الوجوب إجماعًا، وأولى أحواله الصلاة، ولا مانع من احتمال كونه مرادًا،) وأنت خبير بأن هذا لا يصلح تعليلاً لنفي الاعتداد بخلافه، إذ هو محل النزاع. (وأما قوله) أي: الخطابي: (ولا أعلم له فيها قدوة، فيقال عليه، لا ريب أن الشافعي قدوة يقتدى به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له إلى غيره،) لكن هذا لا يقال لمثل الخطابي، فهو لا يجهل أن الشافعي قدوة، فإنما مراده بالقدوة ما يقتدى به من الأدلة الصحيحة لذلك. (وأما قوله في الشفاء،) وظاهره أنه من جملة نقله عن الخطابي، لأنه وصله بقوله: ١٨٣ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه. ففيه نظر، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب، وأنى يوجد ذلك؟ وأما قوله: وقد شنع الناس عليه - يعني الشافعي - في هذه المسألة جدًا، فلا معنى له، وأي شناعة في ذلك؟ ولم يخالف نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا ولا مصلحة راجحة. بل القول بذلك من محاسن مذهبه، ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلف اللَّه في الصلاة التي هي رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار شارعها والثناء عليه أولى بالتشنيع. وأما نقله الإجماع فقد تقدم ما فيه. لا أعلم له فيها قدوة، (والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة، عمل السلف الصالح قبل الشافعي، وإجماعهم عليه، ففيه نظر، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد) لعدم صحة إرادة الفعل، لأنهم كانوا يصلون، (فيحتاج إلى نقل صريح عنهم؛ بأن ذلك ليس بواجب، وأني)، أي: من أين (يوجد) له (ذلك،) ولا نظر ولا استبعاد بعد تواتر نقل الأئمة عنهم أنهم قائلون بعدم الوجوب، فهم قطعًا معتقدون ذلك. (وأما قوله:) أي: عياض قبل هذا، (وقد شنع الناس عليه،) أي: نسبوه إلى الشناعة، وعدوا قوله شاذًا مبتدعًا، وأصل معناه القبح، (يعني الشافعي في هذه المسألة جدًا،) أي: كثيرًا، منهم: الطبري والقشيري وابن المنذر والخطابي، كما في الشفاء، (فلا معنى له، وأي: شناعة في ذلك و) الحال أنه (لم يخالف نصًا) لكتاب ولا سنّة، (ولا إجماعًا ولا قياسًا، ولا مصلحة راجحة،) وفي نسخة واضحة، أي: ظاهرة بينة، والأولى أنسب بكلام أهل الأصول، والمراد بها المبالغة في الرد على من شنع، لا أن ما فيه مصلحة مطلوب، حتى يتوهم أنه جرى على قول المعتزلة، الأحكام تابعة لمصلحة الفعل أو الترك، (بل القول بذلك من محاسن مذهبه،) لما فيه من زيادة تعظيم المصطفى، (ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلق اللّه في الصلاة، التي هي رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار شارعها) عليه السلام، سمي شارعًا لظهوره على يديه، وإلا فالشارع في الحقيقة هو الله تعالى، (والثناء عليه أولى بالتشنيع،) ولا شناعة، لأن تجويز ذلك من جملة الرحمة التي أرسل بها، حتى لا ينال أمته الإِثم إذا لم يصلوا عليه، بل يثابوا على الصلاة، ولمشقة الوجوب بخلاف السنة التي قالوا بها. (وأما نقله الإِجماع، فقد تقدم ما فيه) من حكايته عن جماعة من الصحابة والتابعين الوجوب، لكن لا صراحة عنهم أنها تبطل بتركه، الذي هو محل النزاع، فالوجوب في الجملة ١٨٤ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وأما قوله: إن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود، فلم يقل به أحد، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد عباداته عٍَّ. وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبي عَّه رجلاً يدعو في صلاته، لم يحمد اللّه، ولم يصل على النبي عَّ فقال: عجل هذا، ثم دعاه إليه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي عليّ، ثم ليدع بما شاء. لا ينافي نقل الإِجماع قبل الشافعي على عدم البطلان، وإلى هذا لوح الحافظ، فقال: ومنهم، أي: العلماء من قيد، تفرد الشافعي بكونه عينها بعد التشهد لا قبله ولا فيه، حتى لو صلى على النبي عَّ ◌ُلّه في أثناء التشهد مثلاً لم يجزىء عنده اهـ (وأما قوله: أن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود، فلم يقل به أحد، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مقصد عباداته عَّ ◌ُل)) من رواية مسلم، فنقله هنا عن غير المصنف من عدم استحضار ما في الكتاب المشروح، والتشنيع بهذا على عياض ليس بذاك، إذ غاية ما فيه أنه سبقه قلمه أو حفظه، والمقصود منه هو استدلاله قائم، لأنه قال: وهذا تشهد ابن مسعود، الذي اختاره الشافعي ليس فيه الصلاة على النبي عَ لّه، فيقال: صوابه ابن عباس، وليس فيه أيضًا الصلاة عليه. صلوات اللّه عليه (وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وكذا) صححه (ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة) بفتح الفاء على الأفصح، وتضم ومعجمة ولام (ابن عبيد) بضم العين ابن ناقد بن قيس الأنصاري، الأوسي، أول ما شهد أحد ثم نزل دمشق وولى قضاءها، ومات سنة ثمان وخمسين، وقيل: قبلها، (قال: سمع النبي ◌َِّ رجلاً يدعو في صلاته، لم يحمد اللّه، ولم يصلٍ على النبي عَِّ، فقال: عجل هذا) بفتح العين وكسر الجيم، أي: أسرع بدعائه وأتى به في غير محله، (ثم دعاه،) أي: طلب ذلك الرجل وقربه إليه، (فقال:) له أو لغيره، كما في حديث الجماعة، (إذا صلى أحدكم،) لم يقل صليت، ليفيد عموم هذا الحكم؛ وأنه لا يختص بالمدعو، (فليبدأ بالحمد للّه،) الحمد اللغوي، فقوله (والثناء عليه،) تفسير هذا مستفاد الاستدلال به، وقوله: الآتي، أي اثن عليه بالتحيات ... الخ. لكن لفظ الحديث بتحميد اللّه بصيغة التفعيل، وفي رواية: بتمجيد بميم بعدها جيم، أي: تعظيم، قال عياض: وهو أصح، أي: رواية لقوة سنده، لا من حيث المعنى، لتقارب معناهما، والتحميد حمده مرة بعد أخرى، وكذا التمجيد، (ثم ليصلٍ على النبي عَ لّه، ثم ليدع) ١٨٥ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية قلت: ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعي وسره الساري، أن القاضي عياضًا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذي من غير أن يطعن في سنده بعد قوله: ((فصل في المواطن التي يستحب فيها الصلاة على النبي عليه ويرغب)) من ذلك: في تشهد الصلاة، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء. وهذا الحديث- كما ترى- من أعظم الأدلة لنا. فإن قال قائل: ليس لكم فيه دلالة لأنه قال: فيه سمع رجلاً يدعو في صلاته، ولم يقل في تشهده. يجاب: بأنه يلزم على هذا أن القاضي عياضًا ساقه في غير محله، لأنه عقد الفصل - كما قدمته - لبيان مواطن استحباب الصلاة. ثم قال: تلو ذلك ومن ذلك في تشهد الصلاة. (بكسراللام وإسكانها) للأمر (بما شاء) من دين ودنيا، وبالمأثور أولى، وقد نوزع في هذا الاستدلال؛ بأن في سنده مقالاً، كما قاله ابن عبد البر وإن صححه من تقدم؛ وبأنه يدل على عدم الوجوب، إذ لو كان له الأمر المصلي بالإِعادة، كما أمر المسيء صلاته، واحتمال أنه أعادها، أو أنه لم يعلم بوجوبها، فلم يأمره بالإِعادة مما لا يسمع في مقام التعليم. (قلت: ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعي وسره الساري، أن القاضي عياضًا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذي، من غير أن يطعن في سنده،) فقد وافق من صححه (بعد قوله: فصل في المواطن التي يستحب فيها الصلاة على النبي عٍَّ ويرغب) فيها النيل الثواب (من ذلك في تشهد الصلاة) الأول والثاني، فإنه يتأكد استحبابه في الأول أيضًا على المعتمد عند المالكية، وبه جزم الرضاع، (وذلك بعد التشهد،) أي: قول أشهد أن محمدًا رسول اللّه، (وقبل الدعاء) بالمأثور، أو بما شاء، وكرامات الإِمام الشافعي وفضائله غنية عن التبجح بمثل هذا الذي لا يساوي شيئًا، إذ إتيانه به دليلاً على الاستحباب لا يدل على الوجوب، مع أنه يذكر أنه استدل به للوجوب ولا رده، (وهذا الحديث كما ترى من أعظم الأدلة لنا،) لكن لا دلالة فيه على الوجوب، إذ لو كان واجبًا لأمره بالإِعادة، كما علم، (فإن قال قائل: ليس لكم فيه دلالة،) لا على وجوب ولا ندب في الصلاة، (لأنه قال فيه: سمع رجلاً يدعو في صلاته، ولم يقل في تشهده،) فيحتمل أن المراد في دعاء الافتتاح، أو في السجود، (يجاب بأنه يلزم على هذا، إن القاضي عياضًا ساقه في غير محله، لأنه عقد الفصل، كما قدمته لبيان مواطن استحباب الصلاة، ثم قال: تلو ذلك ومن ذلك في تشهد الصلاة، وفي ١٨٦ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وفي ((مصابيح)) البغوي، من حديث فضالة بن عبيد هذا ما يدل على أنه كان في التشهد، ولفظه: قال دخل رجل فقال: اللَّهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول اللَّه ◌َيُّ: عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد اللَّه بما هو أهله، وصل عليّ، ثم ادعه. وفي قوله: ((عجلت)) استلواح فوات الكمال عن الحقيقة المجزئة، إذ لو كانت مجزئة لما حسن اللوم والتعليم بصيغة الأمر، فإن قال إنه في مقام تعليم المستحبات إذ لو كان في الواجبات لأمره بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته، يجاب: بأن في قوله هذا غنية عن الأمر بالإعادة، لأنه حيث علمه ما هو الواجب علم قطعًا أنه لم يأت به أولاً فلم يكن آتيًا به فوجب إعادته، وهم أهل الفهم والعرفان. فإن قال: إن قوله: ((فقعدت)) يحتمل أن يكون عطفًا على مقدر، تقديره: إذا صليت وفرغت فقعدت. مصابيح البغوي من حديث فضالة بن عبيد هذا) المذكور (ما يدل على أنه كان في التشهد. (ولفظه) من رواية الترمذي أيضًا، (قال) فضالة: (دخل رجل، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول اللّه عَلٍ: عجلت:) (بفتح فكسر) أسرعت (أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد اللّه بما هو أهله،) مستحق له، (وصلٍ عليّ، ثم ادعه:) أسأله بما تشاء من الخير. (وفي قوله: عجلت استلواح،) أي: إظهار (فوات الكمال عن الحقيقة المجزئة، إذ لو كانت مجزئة لما حسن اللوم والتعليم بصيغة الأمر،) فيه نظر، لأن اللوم يقع على ترك السنة أيضًا، لتفويته ثوابها على نفسه، (فإن قال) ذلك القائل (أنه في مقام تعليم المستحبات، إذ لو كان في الواجبات لأمره بالإِعادة، كما أمر المسيء صلاته،) بقوله: إرجع فصلٍ، فإنك لم تصلٍ، (يجاب بأن في قوله هذا غنية عن الأمر بالإِعادة، لأنه حيث علمه ما هو الواجب، علم قطعًا أنه لم يأتِ به أولاً) (بشد الواو)، (فلم يكن آتيًا) (بالمد) (به، فوجب إعادته وهم أهل الفهم والعرفان،) فاكتفى بذلك عن الأمر الصريح بالإِعادة، وهذا جواب يتساوك هزلاً، إذ مبناه على أنه علمه واجبًا عليه، وهو محل النزاع، فكيف يحتج به مع ظهور حجة خصمه على الندب بأمر المسيء صلاته بالإِعادة، مع كونه من أهل الفهم (فإن قال) ذلك القائل: (إن قوله: فقعدت، يحتمل أن يكون عطفًا على مقدر، تقديره: إذا صليت وفرغت فقعدت، يجاب بأن الأصل عدمه،) أي: التقدير، (وإنما هو عطف على المذكور، أي: إذا كنت في الصلاة ١٨٧ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية يجاب: بأن الأصل عدمه، وإنما هو عطف على المذكور، أي: إذا كنت في الصلاة فقعدت للتشهد فاحمد اللَّه، أي أثن عليه بقولك، التحيات للَّه الخ واللّه أعلم. وقال الجرجاني من الحنفية وغيره: لو كانت فرضًا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه عليه الصلاة والسلام علمهم التشهد وقال: فليتخير من الدعاء ما شاء، ولم يذكر الصلاة عليه. وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذٍ. وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: قد ورد هذا الحديث في الصحيح بلفظ: ثم ليتخير، و(ثم)) ليتراضى، فدل على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء، انتهى. وقد أطنب الشيخ أبو أمامة بن النقاش في تفسيره في الاقتصار للشافعي في هذه المسألة، بما يطول ذكره، فاللَّه يثيبه على قصده الجميل. فقعدت للتشهد، فاحمد اللّه، أي: اثن عليه) (بقطع الهمزة من أثنى) بالألف لا من ثنى (بقولك التحيات لله). (الخ،) وبعد هذا يجيء الخلاف في الوجوب والندب، (والله أعلم) بالحق منهما. (وقال الجرجاني، من الحنفية وغيره، لو كانت فرضًا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة،) وهو ممنوع، (لأنه عليه الصلاة والسلام علمهم التشهد، وقال:) بعده، (فليتخير من الدعاء ما شاء، ولم يذكر الصلاة عليه، وأجيب باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذٍ،) أي: وقت تعليمهم، وفيه بعد جدالان من جملة رواة حديث التشهد أبو هريرة وابن عباس، وإسلامهما متأخر، فابن عباس إنما صحب بعد فتح مكة، فيحمل الأمر بالصلاة على الاستحباب جمعًا بين الأدلة. (وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: قد ورد هذا الحديث في الصحيح، بلفظ: ثم ليتخير، وثم ليتراخى فدل على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء، انتهى). لكن، ولو دل على ذلك، لا يدل على أن ذلك الشىء واجب، (وقد أطنب أبو أمامة بن النقاش في تفسيره في الاقتصار للشافعي، في هذه المسألة بما يطول ذكره، فاللّه يشيبه على قصده الجميل) الثواب الجزيل. ١٨٨ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وأما صفة الصلاة عليه عَِّ، ففي عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي عَ ﴾ خرج علينا، فقلنا يا رسول اللَّه، قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللَّهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبرهيم إنك حميد مجيد، (وأما صفة الصلاة عليه،) أي: الصيغ التي يؤتى بها دالة على طلب زيادة الكمال له (عَّةِ)) كما يعلم من الأخبار التي أوردها، (فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى) (بفتح اللامين) مقصور الأنصاري، عالم الكوفة، وأبوه صحابي، واسمه يسار، أو داود، أو غير ذلك، (قال: لقيني كعب بن عجرة) (بضم العين المهملة وسكون الجيم فراء فهاء تأنيث) الأنصاري، المدني، من أصحاب الشجرة، وعند الطبراني أن ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام، (فقال: ألا) بالتخفيف تكون للعرض مع لين والتحضيض، وهو عرض بحث، والمراد الأول، لقوله: (أهدي) (بضم الهمزة) (لك هدية،) أي: أقدم إليك أمرًا نفيسًا، سماه هدية لعزته، قال المصنف: والهدية ما يتقرب به إلى المهدى إليه توددًا أو إكرامًا، وزاد بعضهم، من غير قصد نفع عوض دنيوي، بل لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما تستعمل في الأجسام، لا سيما وهي فيما نقل من مكان إلى آخر، وقد تستعمل في المعاني، كالعلوم والأدعية، مجازًا لما يشتركان فيه من قصد المواددة والتواصل في إيصال ذلك إليه. زاد البخاري في أحاديث الأنبياء: هدية سمعتها من النبي عَِّ، فقلت: بلى، فاهدها إليّ، فقال: (إن) بكسر الهمزة على الاستئناف، ويجوز الفتح بتقدير هي، فتكون معمولة، أو بتقدير فعل: أي: أهدي لك إن (النبي عَّهُ خرج علينا، فقلنا:) بصيغة الجمع، لأن السائلين جماعة. وفي الترمذي من وجه آخر، عن عبد الرحمن، عن كعب: لما نزلت، ﴿إِن اللّه وملائكته يصلون على النبي﴾، قلنا: (يا رسول اللّه قد علمنا كيف نسلم عليك) بما علمتنا من قول، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد أمرنا بالصلاة والسلام عليك في الآية وللبخاري في أحاديث الأنبياء، فقال: سألنا رسول اللّه عَّةٍ فقلنا: كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن اللّه قد علمنا كيف نسلم، (فكيف نصلي عليك،) أي: كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك، ولذا عبر بكيف التي يسئل بها عن الصلاة، (قال: قولوا اللهم صلٍ على محمد) صلاة تليق به، لأنك أنت العليم بذلك، فلعجزنا عن بلوغ ما يجب له شرع لنا إحالة أمر ذلك إلى اللّه، (وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم،) وللبيهقي من وجه آخر لهذا الطريق على إبراهیم بدون آل. قال الحافظ: والحق أن ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل ١٨٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فإن قلت: كيف يطابق قوله: اللهم صل على محمد قوله: كما صليت على آل إبراهيم؟ أجاب القاضي عياض: بأن الآل مقحم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام أبي موسى: إنه أعطي مزمارًا من مزامير آل داود، ولم يكن له آل مشهور بحسن الصوت. الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، (إنك حميد،) محمود، (مجيد،) ماجد، وصفًا لبناء المبالغة، (اللهم بارك على محمد،) أي: أثبت له وأدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه، (وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبرهيم، إنك حميد مجيد). قال الطيبي: هذا تذييل للكلام السابق وتقرير له على سبيل العموم، أي: إنك حميد فاعل ما تستوجب به الحمد مع النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية، مجيد كثير الإحسان إلى جميع عبادك، ومن محامدك وإحسانك أن توجه صلواتك وبركاتك وترحمك على حبيبك نبي الرحمة وآله. (رواه البخاري) في أحاديث الأنبياء والتفسير والدعوات، (ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي،) الأربعة في كتاب الصلاة، (فإن قلت: كيف يطابق قوله اللهم صل على محمد قوله: كما صليت على آل إبراهيم،) مع فضل محمد على العالمين، فهو في نفس الأمر بمعنى السؤال الذي يتلوه، (أجاب القاضي عياض بأن الآل مقحم،) أي: زائد، (كما في قوله عليه الصلاة والسلام في أبي موسى) عبد اللّه بن قيس الأشعري، لما سمعه يتلو القرآن بصوت حسن (أنه أعطي مزمارًا من مزامير:) جمع مزمار، ومزمور (آل داود،) يعني داود نفسه، فآل مقحم، (و) ذلك لأنه (لم يكن له آل، مشهور بحسن الصوت،) والزمر النفخ في المزمار، والصوت الحسن بغير آلة، لأن أصل معنى الزمر الحسن، كما قال الشاعر: رجل أجش غناؤه مزمر رنـان حنانـان بينهـا أي: حسن، كما قاله ابن الأنباري، فمزامير داود، ما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء بصوته الحسن بلا آلة، وكان إذا قرأ بتلاحينه تقف له الطيور والدواب، حتى قيل: إن الماء الجاري يقف له، وهو مبالغة في نهاية حسنة. ١٩٠ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وقد روى هذا الحديث ابن أبي حاتم بلفظ: لما نزلت آية ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب/ ٥٦]، قال: قلنا يا رسول اللَّه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللَّهم صل على محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى أل محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: وعلينا معهم. وعن أبي حميد: أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا (وقد روى هذا الحديث ابن أبي حاتم، بلفظ لما نزلت آية ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، قال) كعب بن عجرة، (قلنا: يا رسول اللّه) قد علمنا السلام عليك، (فكيف الصلاة عليك،) فالعطف على مقدر دل عليه سياق الأحاديث، (قال: قولوا اللهم صلٍ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد،) فدل هذا السياق على أنه عَّهِ نطق بذلك كله، وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، كما قال الحافظ: إنه الحق، فيكون طلب صلاة لنفسه، كالصلاة على إبراهيم، ولآله كالصلاة على آل إبراهيم. وكذا في البركة، وبه تحصل مطابقة المشبه للمشبه به، ولا يحتاج للقول؛ بأن آل مقحم. (وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى، يقول،) أي: يزيد المصلي على الصلاة على الآل، (وعلينا معهم) رجاء بركة اللحاق بهم، (وعن أبي حميد) (بالتصغير) الساعدي، صحابي مشهور، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن لملك، وقيل اسمه عبد الرحمن، وقيل عمر، وشهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى أول سنة ستين، (أنهم) أي: الصحابة (قالوا: يا رسول اللّه). قال الحافظ: وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة أبي بن كعب وطلحة بن عبيد الله، كلاهما عند الطبراني، وبشير بن سعد عند لملك، ومسلم وزيد بن خارجة الأنصاري عند النسائي، وأبو هريرة عند الشافعي، وعبد الرحمن بن بشير عند إسمعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة، وكعب بن عجرة عند ابن مردويه، قال: فإن ثبت تعدد السائل فواضح، وإن ثبت أنه واحد، فعبر بالجمع إشارة إلى أن السؤال لا يختص به، بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك، وليس هو من التعبير عن البعض بالكل، بل حمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد لما ذكر، (كيف نصلي عليك) صلاة تليق بك؟، قال أبو عمر: فيه أن من ورد عليه لفظ محتمل لا يقطع فيه بشىء حتى يقف على المراد به إن وجد إليه سبيلاً، فسألوه: لما احتمل لفظ الصلاة من ١٩١ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية قال: قولوا اللَّهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه الإمام أحمد. وعن أبي مسعود عقبة الأنصاري قال: أتانا اللَّه مَِّ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر ابن سعد أمرنا اللَّه أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول اللّه عَّل حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول المعاني؟، (قال: قولوا: اللهم صلِ على محمد) صلاة تليق به (وأزواجه وذريته:) من له عَ ◌ّه. ولادة من ولده وولد ولده، قاله الباجي: (كما صليت على إبراهيم،) وفي رواية: على آل إبراهيم، بإقحام آل، (وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) من المجد وهو الشرف. قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: بمعنى التطهير والتزكية، أي: طهرهم، وقد قال تعالى: ﴿ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾) [الأحزاب/ ٣٣]، وقيل، تكثير الثواب، فالبركة لغة التكثير، قاله الباجي، وقيل: المراد ثبات ذلك ودوامه من قولهم: بركت الإِبل، أي: ثبتت على الأرض، وبه جزم أبو اليمن بن عساكر. قال السخاوي: ولم يصرح أحد بوجوب قوله: وبارك على محمد فيما عثرنا عليه، غير أن ابن حزم ذكر ما يفهم منه وجوبها في الجملة، فقال: على المرء أن يبارك عليه ولو مرة في العمر، وظاهر الكلام صاحب المغني من الحنابلة وجوبها في الصلاة. قال المجد الشيرازي: والظاهر أن أحدًا من الفقهاء لا يوافق على ذلك، (رواه الإِمام أحمد) والبخاري في أحاديث الأنبياء، وفي الدعوات ومسلم في الصلاة، كلاهما من طريق ملك، وهو في الموطأ، فقصر المصنف في العزو تقصيرًا شديدًا، (وعن أبي مسعود عقبة) (بالقاف) بن عمرو بن ثعلبة (الأنصاري،) البدري، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها أنه (قال: أتانا رسول اللّه عٍَّ ونحن في مجلس سعد بن عبادة) سيد الخزرج، ففيه أن الإمام يخص رؤساء الناس بزيارتهم في مجالسهم، تأنيسًا لهم، (فقال له بشر:) كذا في النسخ، وصوابه كما في الموطأ ومسلم وغيرهما. بشير (بفتح الموحدة وكسر المعجمة وإسكان التحتية) (ابن سعد) (بسكون العين) ابن ثعلبة الخزرجي، البدري، والد النعمان، استشهد بعين النمر، (أمرنا اللّه أن نصلي عليك) يا رسول اللّه، (فكيف نصلي عليك؟، قال) أبو مسعود: (فسكت رسول اللّه عَ له)) يحتمل حياءً وتواضعًا، إذ في ذلك الرفعة له، فأحب أن لو قالوا هم ذلك، ويحتمل انتظار لما يأمره اللّه به من الكلام الذي ذكره، لأنه أكثر مما في القرآن، قاله أبو ١٩٢ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية اللَّه عَ لَّهِ: قولوا اللَّهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم، رواه لملك ومسلم وغيرهما. فإن قلت: ما موقع التشبيه في قوله: كما صليت على إبراهيم، مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به؟ والواقع هنا عكسه، لأن محمدًا عَِّ وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره. فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة: عبد الملك البوني في شرح الموطأ، (حتى تمنينا،) وددنا (أنه لم يسأله) مخافة أن يكون كرهه وشق عليه، (ثم قال رسول اللّه عَبُله: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد،) فعيل من الحمد، بمعنى محمود، ورد بصيغة المبالغة، أي: مستحق لأنواع المحامد، (مجيد) مبالغة من ماجد والمجد والشرف، فيكون ذلك كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد، ويحتمل أن حميد مبالغة من حامد، ويكون كالتعليل للصلاة المطلوبة، فإن الحمد والشكر متقاربان، فحميد قريب من معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الإِفضال والإِعطاء لما يراد من الأمور العظام، فلذلك المجد والشرف مناسبة لهذا المعنى ظاهرة، قاله ابن دقيق العيد، (والسلام كما قد علمتم) في التشهد (بفتح العين وكسر اللام، مخففة وبضم العين وشد اللام) أي: علمتموه، روايتان من العلم والتعليم. قال البرقي والأولى أصح، وقال النووي: كلاهما صحيح، (رواه لملك) في الموطأ، (ومسلم) عن يحيى بن يحيى التميمي، النيسابوري، عن لملك به، (وغيرهما،) كأبي داود والنسائي والدارقطني وابن حبان والحاكم، (فإن قلت: ماوقع،) أي: وجه (التشبيه في قوله، كما صليت على إبراهيم، مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه، لأن محمدًا عَّه وحده أفضل من آل إبراهيم، و) هبك أجبت بأن آل مقحم، فهو أفضل (من إبرهيم، ولا سيما، وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه،) أي: محمد (أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره، فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة). ١٩٣ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية منها: أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم. وقد أخرج مسلم من حديث أنس: أن رجلاً قال للنبي عَّم: يا خير البرية، قال: ذاك إبراهيم. وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير صيغة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل. ومنها: أنه قال ذلك تواضعًا، وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة. ومنها: أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ [النساء/١٦٣]، وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص/ (منها: أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم،) بل كان يظن أن إبراهيم أفضل منه، (و) يدل لهذا الجواب أنه (قد أخرج مسلم من حديث أنس، أن رجلاً قال للنبي عَّةِ: يا خير البرية،) أي: الخليقة، (قال: ذاك إبراهيم) لثناء اللّه عليه، بنحو ﴿إِن إبراهيم كان أمة قانتًا للّه حنيفًا﴾ [النحل/١٢٠]، ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل/١٢٣]، (وتعقب أنه لو كان كذلك لغير صفة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل) ولم يغير، ورده شيخنا بأنه لا تلازم بين علمه؛ بأنه أفضل وبين التغيير، لأن بقاء طلب ذلك لا يستلزم نقصًا فيه، بل التغيير قد يوهم نقصًا لإبراهيم. (ومنها: أنه قال ذلك تواضعًا) وهضمًا لنفسه، وتعظيمًا للأبوة، (وشرع ذلك لأمته،) أمرًا لهم بالتواضع في جميع الأحوال، (ليكتسبوا بذلك الفضيلة) الحاصلة بالتواضع، كخبر من تواضع لله رفعه اللّه. وفي نسخة: أو شرع بأو على أنه وجه ثانٍ لهذا الجواب، وذلك لأنهم لما أمروا بصلاة مشبهة بصلاة إبراهيم، وهو دون ما حقه أن يطلب له، ورضوا بها وفعلوها امتثالاً، كان ذلك سببًا للثواب عليها، حيث لم تأبها نفوسهم، لأن عادة اتباع العظيم لا يرضون له إلا بأعظم الأشياء. (ومنها: أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك﴾) شرائع تبلغها، (﴿كما أوحينا إلى نوح) والنبيين من بعده﴾ [النساء/١٦٣] الآية، شرائع بلغوها إلى أممهم، فالتشبيه في الوحي مع اختلاف الشرائع، فالمعنى أن أمره في الوحي كسائر الأنبياء، (وهو كقول القائل، أحسن إلى ولدك، كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإِحسان لا قدره) إذ لا شك أن الإِحسان إلى الولد أكثر منه إلى غيره، ١٩٤ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ٧٧]، ورجح هذا القول القرطبي في ((المفهم)). ومنها: أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوع عن التشبيه، فيكون التشبيه متعلقًا بقوله: وعلى آل محمد. وتعقب: بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم ثواب مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله. ويمكن الجواب عنه: بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب. وقد نقل العمراني في ((البيان)) عن الشيخ أبي حامد أنه نقل هذا الجواب (ومنه قوله تعالى: ﴿وأحسن﴾) إلى عباد اللّه (﴿كما أحسن الله إليك)) [القصص/٧٧]، بما أنعم عليك، أو أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن إليك بالإنعام، ومعلوم أنه لم يؤمر بالإِحسان بقدر ما أحسن اللّه إليه به من الجاه والمال، فإنما أمره بأصل الإِحسان وإن لم يقرب مما أحسن الله به إليه فضلاً عن مساواته. (ورجح هذا القرطبي في المفهم) في شرح مسلم، وهو وجيه، (ومنها: أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوع عن التشبيه، فيكون التشبيه متعلقًا بقوله: وعلى آل محمد،) وكأنه قيل: اللهم صلي على محمد صلاة غير مقدرة بشىء، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، (وتعقب بأن غير الأنبياء، لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم ثواب مثل الصلاة التي وقعت لإِبراهيم والأنبياء،) بالجر عطف على إبراهيم (من آله) الذين شملهم قوله وعلى آل إبراهيم فإن الإضافة للعموم، فكأنه قيل: وعلى كل آل إبراهيم ولا شك أن فيهم أنبياء بكثرة، (ويمكن الجواب عنه،) أي: عن هذا التعقب على الجواب؛ (بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم،) فكأنه قيل: صلٍ على آل محمد صلاة ثوابها كثواب الصلاة على إبراهيم، (لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب،) فلم تطلب. (وقد نقل العمراني) (بكسر العين المهملة وإسكان الميم)، الإِمام أبو الخير يحيى بن سالم بن أسعد بن يحيى، من بني عمران، من قرية من قرى اليمن، يقال لها: مصبغة سيل، نشر العلم ببلاد اليمن، وكان يحفظ المهذب، ويقوم به في الليل، قيل: توفي سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة. ذكره السبكي، وفي اللب نسبة إلى العمرانية: ناحية بالموصل (في البيان،) اسم شرحه على المهذب في الفقه، (عن الشيخ أبي حامد أنه نقل هذا الجواب عن نص الشافعي، ١٩٥ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية عن نص الشافعي. واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعي، لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام المستلزم هذا التركيب الركيك البعيد من كلامٍ العرب، كذا قال. وتعقبه الحافظ ابن كثير فقال: ليس التركيب المذكور ركيكا، بل التقدير: اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت الخ، فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية. ومنها: دفع المقدمة المذكورة أولاً، وهي أن المشبه به يكون أرفع من واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعي، لأنه مع فصاحته) القرشية (ومعرفته بلسان،) أي: لغة (العرب لا يقول هذا الكلام، المستلزم هذا التركيب الركيك،) بزنة أمير الضعيف، (البعيد من كلام العرب،) ونص ابن القيم: هو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعي أجل من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإنه في غاية الركاكة والضعف، وقد تقدم في كثير من الأحاديث: اللهم صلٍ على محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وأيضًا: فلا يصح عربية، فإن العامل إذا ذكر معموله وعطف عليه غيره ثم قيد بظرف أو جار ومجرور أو مصدر أو صفة مصدر، كان ذلك راجعًا إلى المعمول، وما عطف عليه هذا الذي لا تحتمل العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، فالظرف مقيد لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذا إذا قلت: ضربت زيدًا وعمرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سلم على زيد وعمرو يوم الجمعة ونحوه، فإن قيل: هذا متجه إذا لم يعد العامل، أما إذا أعيد، كسلم على زيد وعلى عمرو إذا لقيته، فلا يمتنع أن يخص بالثاني، وقد أعيد العامل في قوله: وعلى آل محمد، قيل: ليس هذا المثال بمطابق لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن يقول سلم على زيد وعلى عمرو كما تسلم على المؤمنين ونحو ذلك وحينئذٍ فادعاه أن التشبيه كسلامه على عمرو وحده دون زيد دعوى باطلة. (كذا قال، وتعقبه الحافظ ابن كثير،) وفي نسخة ابن حجر، (فقال: ليس التركيب المذكور ركيكًا، بل التقدير: اللهم صل على محمد) صلاة غير مشبهة بشىء، (وصلٍ على آل محمد، كما صليت على ... الخ، فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية،) ولم يظهر دفع الركة بهذا التقدير، فإنه حاصل معناه؛ فلا يدفع التعقب، وقد تعقبه الزركشي أيضًا؛ بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميع الجمل وبأن التشبيه جاء في بعض الروايات من غیر ذکر الآل. انتهى. ومر الثاني عن ابن القيم أيضًا، لكن تقدم عن الحافظ، أنه من اختصار بعض الرواة، (ومنها: دفع،) أي: منع (المقدمة المذكورة أولاً، وهي أن المشبه به يكون أرفع:) أعلى (من ١٩٦ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية المشبه، وأن ذلك ليس مطردًا، بل يكون التشبيه بالمثل، بل بالدون، كما في قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ [النور/٣٥]، فيها ومصباح وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئًا ظاهرًا واضحًا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا: لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورًا واضحًا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله في العالمين أي كما أظهرت صلة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لم يقع في العالمين إلا في ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي مسعود الأنصاري الذي ذ کرته. وهذا معنى قول الطيبي: وليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص المشبه) التي نشأ منها الإِشكال، (و) سند المنع، (إن ذلك ليس مطردًا، بل قد يكون التشبيه بالمثل) المساوي، (بل بالدون، كما في قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾) طاقة غير نافذة (﴿فيها مصباح﴾) [النور/٣٥]، (وأين يقع نور المشكاة) أي: المصباح الكائن فيها في زجاجة (من نوره تعالى، ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئًا ظاهرًا واضحًا للسامع، حسن تشبيه النور بالمشكاة) تقريبًا للناس بما يعلمون. (وكذا هنا، لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورًا واضحًا عند جميع الطوائف، حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإِبراهيم وآل إبراهيم،) إعلامًا بعظمتهم. (ويؤيد ذلك ختم الطلب، المذكور بقوله في العالمين، أي:) أظهر صلاة عليهم في العالمين، (كما أظهرت صلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين،) فالتشبيه من حيث الإظهار، لا من حيث التفاوت في المقدار، (ولهذا لم يقع في العالمين إلا في ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي مسعود الأنصاري الذي ذكرته) قريبًا. (وهذا معنى قول الطيبي، وليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل) الذي هو حقيقة التشبيه، وانبنى عليه الإشكال، وكان الأولى أن يعبر بإلحاق الكامل بالأكمل، كما عبر الحافظ، إذ لا نقص هنا، وإن كان منفيًا، والمراد: الناقص في الكمال، لكن اللفظ ١٩٧ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية بالكامل، بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. وقال النووي: أحسن الأجوبة ما نسب إلى الشافعي: أن التشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع. وقال ابن القيم - بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع -: وأحسن منه أن يقال: هو يَّةٍ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى ءادم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ [آل عمران/٣٣] قال: محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل موحش في هذا المقام، (بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر) في العالمين، لأنه فيما يستقبل، والذي يحصل لمحمد عٍَّ من ذلك أقوى وأكمل، أو من باب التهييج ونحوه، كما في الفتح. (وقال النووي: أحسن الأجوبة ما نسب إلى الشافعي،) كما تقدم عنه، ولفظ النووي المختار ثلاثة أقوال: أحدها: حكاه بعض أصحابنا عن الشافعي، فذكر ما مر، ثم قال القول الثاني: إن المسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا قدرها، فسقطت، أو من المصنف قبل قوله: (إن التشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة) لا للقدر بالقدر، وهو ثالث الأجوبة السابقة، وأشار للثالث مما اختاره النووي، ولم يتقدم بقوله: (أو للمجموع بالمجموع،) لأن مجموع آل إبراهيم أفضل من مجموع آل محمد، لأن في آل إبراهيم أنبياء لا يحصون، بخلاف آل محمد، فلا نبي فيهم، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء. هذا كلام النووي. قال الحافظ: يعكر على هذا الجواب التفصيل الواقع في غالب طرق الحديث، (وقال ابن القيم بعد أن زيف:) ضعف (أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع،) لو حذف لفظ أكثر، استقام الاستثناء، (وأحسن منه أن يقال: هو عَّ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾﴾ [آل عمران/٣٣]. (قال) ابن عباس: (محمد) عَّهِ (من آل إبراهيم)، بل أجل آله، (فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصًا، بقدر) (بالقاف وراء آخره) (ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عمومًا، فيحصل لآله،) أي: المصطفى (ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله ١٩٨ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية إبراهيم عمومًا، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم. ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من ألفاظ. وقال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ [هود/٧٣] وقد علم أن محمدًا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال: قولوا اللهم أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ، ولذلك ختم بما ختم به هذه الآية وهي قوله إنك حميد مجید. ومما يعزى للعارف الرباني أبي محمد المرجاني أنه قال: وسر قوله عدّله: كما صليت على إبراهيم وباركت على إبراهيم ولم يقل: كما صليت على موسى، له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم، وتظهر حينئذٍ فائدة التشبيه،) وهي التخصيص والتعميم معًا، (وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من ألفاظ،) نحو عَّه. (وقال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في) أهل (بيت إبرهيم: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، وقد علم أن محمدًا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه) عَّةٍ (قال: قولوا: اللهم أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد، كما أجبتها،) أي: الصلاة المعبر عنها بالدعاء (عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ، ولذلك ختم) الدعاء في الصلاة (بما ختم به هذه الآية، وهي قوله: إنك حميد مجيد). ومن محاسن الأجوبة ما نقله المجد الشيرازي عن بعض أهل الكشف أن التشبيه لغير لفظ المشبه به لا لعينه، وذلك أن المراد باللهم صل على محمدًا، جعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين، كالعلماء بشرعه، بتقريرهم أمر الشريعة، كما صليت على إبراهيم، بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقررون الشريعة، والمراد بقوله: على آل محمدًا، جعل من أتباعه محدثين يخبرون بالمغيبات، كما صليت على آل إبراهيم، بأن جعلت منهم أنبياء يخبرون بالغيب، فالمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد، وهم أتباعه في الدين، كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم، (ومما يعزي للعارف الرباني أبي محمد المرجاني أنه قال: وسر،) أي: نكتة (قوله ◌َّه: كما صليت على إبراهيم، وباركت على إبراهيم، ولم يقل كما صليت على موسى،) ١٩٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية لأن موسى عليه السلام كان التجلي له بالجلال، لأن المحبة والخلة من آثار التجلي بالجمال، فلهذا أمرهم صلوات الله وسلامه عليه أن يصلوا عليه كما صلى على إبراهيم، ليسألوا له التجلي بالجمال، وهذا لا يقتضي التسوية فيما بينه وبين الخليل صلوات اللَّه وسلامه عليهما، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلي بالوصف الذي تجلى به للخليل، فالذي يقتضيه الحديث المشاركة في الوصف الذي هو التجلي بالجمال، ولا يقتضي التسوية في المقامين ولا في الرتبتين، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما، وإن اشتركا في وصف التجلي بالجمال، فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده، ورتبته منه ومكانته، فيتجلى للخليل بالجمال بحسب مقامه، ويتجلى لسيدنا محمد عَّه بالجمال بحسب مقامه، فعلى هذا يفهم الحديث. انتھی. فإن قلت: ما المراد بآل محمد في هذا الحديث؟ فالجواب: إن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه وباركت على موسى، ظاهر (لأن موسى عليه السلام،) فهو تعليل للخبر المحذوف، (كان التجلي له بالجلال،) أي: الصفات السلبية، مثل: لا شريك له ولا ند، وكذا سائر التنزيهات، وتسمى صفات الجلال وصفات القهر والغلبة، (فخر موسى صعقًا، والخليل إبراهيم، كان التجلي له بالجمال لأن المحبة والخلة من آثار التجلي بالجمال) أي: الصفات الوجودية، كالعلم والقدرة، وتسمى صفات الذات، وصفات المعاني والثبوتية، وصفات الجمال، قاله الكرماني وغيره. (فلهذا أمرهم صلوات اللّه وسلامه عليه، أن يصلوا عليه، كما صلى على إبراهيم ليسألوا له التجلي بالجمال وهذا لا يقتضي التسوية فيما بينه وبين الخليل صلوات اللّه وسلامه عليهما، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلي بالوصف الذي تجلى به للخليل، فالذي يقتضيه الحديث المشاركة في الوصف الذي هو التجلي بالجمال، ولا يقتضي التسوية في المقامين ولا في الرتبتين، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما، وإن اشتركا في وصف التجلي بالجمال، فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده ورتبته منه ومكانته،) أي: عظمته، (فيتجلى للخليل بالجمال بحسب مقامه، ويتجلى لسيدنا محمد عَّة بالجمال بحسب مقامه، فعلى هذا يفهم الحديث. انتهى) ما عزى للمرجاني، وفيه بسط عبارة وزيادة إيضاح، (فإن قلت ما المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالجواب أن الراجح أنهم من حرمت عليه الصدقة، كما نص عليه الشافعي ٢٠٠ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية الشافعي، واختاره الجمهور، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام للحسن بن علي: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته. وقيل: المراد بهم جميع الأمة أمة الإجابة. حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين بالانقياد منهم، وعليه يحمل كلامٍ من أطلق، ويؤيده ما رواه تمام في فوائده، والديلمي عن أنس قال: سئل رسول اللَّه عَّله: من آل محمد؟ فقال: كل تقي من آل محمد، زاد الديلمي، ثم قرأ: ﴿إِن أولياؤه إلا المتقون﴾ [الأنفال/٣٤]، وإسنادهما واختاره الجمهور). (ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام للحسن بن علي) فيما رواه أحمد والطبراني بإسناد قوي، عن الحسن: كنت أمشي مع رسول اللّه عَ لّه، فمر على جرين من تمر الصدقة، فأخذت تمرة، فألقيتها في في، فاخذها بلعابها، فقال بعض القوم، وما عليك لو تركتها؟، فقال: (إنا آل محمد،) قال أبو البقاء: منصوب بأعني أو أخص، وليس بمرفوع على أنه خبر أن، لأن ذلك معلوم لا يحتاج لذكره، وخبر أن قوله: (لا تحل لنا الصدقة،) لأنها طهرة وغسول لا تكون لأهل الاصطفاء. (وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته،) كما صرح به في حديث أبي حميد، فما أجمله مرة فسره أخرى. (وقيل: المراد بهم جميع الأمة، أمة الإِجابة) بالجر بدل. (حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية،) وهو منقول عن الإِمام لملك (ورجحه النووي في شرح مسلم،) فقال: إنه المختار، ومال إليه ابن العربي، (وقيده القاضي حسين) وجماعة (بالاتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق،) وقيل: يبقى على إطلاقه؛ بأن يراد بالصلاة الرحمة المطلقة. (ويؤيده ما رواه تمام في فوائده) الحديثية، (والديلمي عن أنس، قال: سئل رسول اللّه عَّ من آل محمد؟، فقال: كل تقي من آل محمد،) أي: يختصون به اختصاص آل الرجل به، فيدخل أهل البيت دخولاً أوليًا وهذا لفظ تمام، ولفظ الديلمي، فقال: آل محمد كل تقي. زاد الديلمي: ثم قرأ) قوله تعالى: (﴿إِن﴾) ما (﴿أولياؤه إلا المتقون﴾) [الأنفال/٣٤]