Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته فرأى مصباحًا في بيت وإذا عجوز تنفش صوفًا وتقول: على محمد صلاة الأبرار صلى عليه الطيبون الأخيار قد كنت قوامًا بكي بالأسحار يا ليت شعري والمنايا أطوار هل تجمعني وحبيبي الدار تعني النبي ◌َّله، فجلس عمر يبكي، ثم قام إلى باب خيمتها فقال: السلام عليكم، ثلاث مرات فقال لها: أعيدي علي قولك، فأعادته بصوت حزين، فبكى وقال لها: وعمر لا تنسينه يرحمك اللَّه، فقالت: وعمر فاغفر له يا غفار. ويحكى أنه رؤيت امرأة مسرفة على نفسها، بعد موتها، فقيل لها: ما فعل في خلافته، إذ كان يدور في الأزقة ويعس، ليعرف حال الناس، (فرأى مصباحًا في بيت، وإذا عجوز:) امرأة مسنة، ويقال عجوزة أيضًا (تنفش) بضم الفاء ومعجمة (صوفا) لإصلاحه، (وتقول) شعرًا من بحر السريع (على محمد صلاة الأبرار:) المطيعين، وعلى متعلق بصلاة أو بمقدر، ويجوز تقدم الظرف على المصدر لتوسعهم فيه، أي: أدعو له بكل ما يدعو به الأبرار، (صلى عليه الطيبون،) المتقون، الذين طابت ظواهرهم وسرائرهم (الأخيار:) جمع خير مخففًا، وخير بمعنى أخير وأنقى، (قد كنت قوامًا،) كثير التهجد بالليل، (بكي،) بضم الياء والقصر مصدر بمعنى اسم الفاعل، أطلق عليه مبالغة (بالأسحار:) جمع سحر آخر الليل، والباء بمعنى في، وزعم أن بكاء (بشد الكاف والمد) سجع لا نظم، لانكسار الوزن، أو بضم الباء ممدودًا، مضاف للأسحار بلا باء، مخالف للرواية، والدراية (يا ليت شعري،) أي: علمي اسم ليت، والخبر محذوف، أي: حاصل، (والمنايا:) الموت (أطوار:) جمع طور، أي: أحوال شتى مختلفة باعتبار الأسباب، (هل تجمعني وحبيبي الدار) الآخرة، وهو قائم مقام معمول شعري علق عنه، (تعني) بحبيبها (النبي عَّهِ، فجلس عمر بيكي، ثم قام إلى باب خيمتها،) أي: بيتها. وعند ابن المبارك في الزهد: فما زال عمر يبكي وطرق عليها الباب، فقالت: من هذا؟، قال: عمر بن الخطاب، قالت: ما لي ولعمر في هذه الساعة، فقال: افتحي يرحمك اللّه، فلا بأس عليك، ففتحت، فدخل، (فقال السلام عليكم ثلاث مرات، فقال لها: أعيدي علي قولك) الذي قلتيه آنفًا، (فأعادته بصوت حزين، فبكى، وقال لها: وعمر لا تنسينه) (بفتح التاء وسكون النون وفتح السين وكسر التحتية وشد النون مفتوحة)، أي: أذكر به بالدعاء له في هذه الحالة (يرحمك اللّه، فقالت: وعمر، فاغفر له يا غفار). (ويحكى أنه رؤيت امرأة مسرفة على نفسها،) بفعل ما لا يليق (بعد موتها) ظرف ١٤٢ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته اللَّه بك؟ قالت: غفر لي، قيل: بماذا؟ قالت: بمحبتي لرسول اللّه عَّه وشهوتي النظر إليه، فنوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله بعتابنا، بل نجمل بینه وبین من یحبه. ومن علامات محبته عَّ له حب القرءان الذي أتى به، وهدى به واهتدى به وتخلق به، وإذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله ورسوله فانظر محبة القرءان من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شىء إليه، كما قيل: إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي أما تأملت مافيـه من لذيد خطـابـي لرؤيت، (فقيل لها: ما فعل اللّه بك؟، قالت: غفر لي، قيل: بماذا؟، قالت: بمحبثي لرسول اللّه ◌َّ، وشهوتي النظر إليه، فنوديت) (بضم النون مبني للمفعول) على لسان ملك؛ بأن سمعته يقول: (من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله بعتابنا) فضلاً عن عذابنا، (بل نجمع بينه وبين من يحبه،) وفي هذا أن حبه ينفع ولو للعاصي، (ومن علامات محبته عَّه حب القرآن الذي أتى به) للناس من عند الله، (وهدى به) الخلق كلهم لسعادة الدارين، (واهتدى به) هو، أي: وصل إلى اللّه، (وتخلق به،) أي: اتخذه خلقًا له يعمل بكل ما فيه. قالت عائشة: كان خلقه القرآن، قال عياض: وحب القرآن تلاوته والعمل به وتفهمه، (وإذا أردت أن تعرف ما عندك وما عند غيرك من محبة الله ورسوله)،) بيان لما، (فانظر) اختبر (محبة القرآن من قلبك والتذاذك بسماعه،) أهي (أعظم) عندك (من التذاذ أصحاب الملاهي (والغناء)، بزنة كتاب (المطرب بسماعهم)، فإن كان كذلك فأنت صادق في المحبة، وإلا فدعواك كاذبة، (فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شىء إليه، كما قيل:) (إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي أمـا تـأمـلــ مـافـيـه من لذيذ خطـابـي) أي: هجرك لكتابي دليل على عدم صدق المحبة، قال ابن مسعود: لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن، فإنه يحب اللّه ورسوله، أسنده البيهقي وغيره، وذكره في الشفاء. ١٤٣ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ويروى أن عثمن بن عفان رضي اللَّه عنه قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام اللَّه، وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه. قال النبي عَِّ لعبد الله بن مسعود: اقرأ علي، قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فاستفتح وقرأ سورة النساء حتى بلغ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء/ ٤١] قال: حسبك، فرفع رأسه فإذا عينا رسول اللَّه عَ لآه تذرفان. رواه (ويروى أن عثمن بن عفان) ذا النورين (رضي اللّه عنه، قال: لو طهرت قلوبنا،) نظفت من الأدناس الباطنة حق النظافة (لما شبعت من كلام اللّه،) لأنه غذاء الأرواح ونور القلوب وبصر البصائر، (وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه،) استفهام بمعنى النفي، ويدل على أن القرآن غاية المطلوب أي: ما يليق أن يطلب أنه (قال النبي عَ ليه لعبد الله بن مسعود: إقرأ عليّ). زاد في رواية القرآن أي: بعضه، (قال:) لفظ ابن مسعود، قلت: (آقرأ عليك) (بمد الهمزة للاستفهام) القرآن، (وعليك أنزل) (بضم الهمزة)، (فقال: إني أحب). وفي رواية، إني أشتهي (أن أسمعه من غيري) ليكون عرض القرآن سنّة، أو ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أحلى وأنشط لذلك من القارىء، لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، قاله ابن بطال، وليحصل له لذة السماع، (فاستفتح، وقرأ) عليه (سورة النساء حتى بلغ). لفظ ابن مسعود: فقرأت حتى بلغت، فأتى به المصنف بالمعنى، لكن لم أرَ لفظ، فاستفتح في البخاري. وفي رواية له: حتى إذا أتيت على هذه الآية: ((فكيف﴾) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (﴿إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾،) يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، (﴿وجئنا بك على هؤلاء﴾،) أي: أمتك (﴿شهيدًا﴾﴾ [النساء/٤١]، حال، أي: شاهدًا على من آمن بالإِيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق. (قال) عَّهِ: (حسبك) يكفيك الآن تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار في هذه الآية، وفي رواية: قال: أمسك، وفي أخرى قال لي: كف أو أمسك، بالشك، (فرفع رأسه،) وفي رواية: فالتفت إليه، (فإذا عينا رسول اللّه عَّل تذرفان) بذال معجمة ساكنة وكسر الراء وبالفاء، أي: يسيل دمعهما من البكاء لفرط رأفته ومزيد شفقته على المفرطين، لأنه علم أنه لا بدّ أن يشهد عليهم بعملهم، وقد لا يكون مستقيمًا، فقد يفضي إلى تعذيبهم، أو لعظم ما تضمنته الآية من ١٤٤ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته البخاري. وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه، قال اللَّه تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة/٨٣]. قال صاحب ((عوارف المعارف)) - أذاقنا اللَّه حلاوة مشربه - أذاقنا اللَّه حلاوة مشربه -: هذا السماع وهو السماع الحق، الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، محكوم لصاحبه بالهداية، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين، فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزنًا، والحزن حار، وتارة يثير شوقًا، والشوق حار، وتارة يورث ندمًا، والندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات، من صاحب قلب هول المطلع وشدة الأمر، أو هو بكاء فرح لا بكاء جزع، لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشاعر: طفح السرور على حتى أنه من عظم ما قد سرني أبكاني (رواه البخاري) في التفسير في ثلاثة مواضع من حديث ابن مسعود، (وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه،) بأن أحضره وتلقى القرآن بسلامة صدر وخضوع وذلة، لسماعه شبه القلب بذي أذن واعية استعارة بالكناية، وأثبت الأذن للقلب استعارة تخييلية، (قال اللّه تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾) [المائدة/٨٣]، من الأولى للابتداء، والثانية لبيان ما عرفوا أو للتبعيض، فإنه بعض الحق، والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم، فكيف إذا عرفوا كله، قاله البيضاوي. (قال صاحب عوارف المعارف) العلامة الشهاب عمر السهروردي، (أذاقنا اللّه حلاوة مشربه هذا السماع، وهو السماع الحق الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإِيمان، محكوم لصاحبه بالهداية،) خبر هذا لسماع، وما بينهما اعتراض، وفي نسخة، هو السماع فمحكوم خبر ثانٍ، (وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين، فتفيض) (بفتح التاء) (العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزنًا، والحزن حار، وتارة يثير شوقًا، والشوق حار، وتارة يورث ندمًا، والندم حار،) عبر بيورث، وفيما قبله بيثير كأنه، لأن الحزن والشوق كائنان في ذات المحب، لكن قد يفتر عن خدمة المحبوب، فإذا هاجت المحبة أثارتهما بخلاف الندم ليس ذاتيًا، فإذا قام بهم سرور لغرض دنيوي، وهاجت حرارة المحبة المنافية لذلك، أورثتهم ندمًا على تقصيرهم باعتبار أحوالهم، وإن لم يكن تقصيرًا في نفس الأمر، (فإذا أثار السماع هذه الصفات من صاحب قلب ١٤٥ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته مملوء ببرد اليقين بكى وأبكى، لأن الحرارة والبرودة إذا اضطرمتا عصرتا ماء، فإذا ألمّ السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره في الجسد ويقشعر منه الجلد، قال اللّه تعالى: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾ [الزمر/٢٣]، وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره - أي يقصد- نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع، وتارة يتصوب أثره إلى الروح، فتموج منه الروح موجًا، ويكاد يضيق عنه نطاق القالب، فيكون من ذلك الصياح والاضطراب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الأحوال. وقد كان ابن عمر، رضي اللَّه عنهما، ربما مر بآية في ورده فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت واليومين حتى يعاد ويحسب مريضًا. مملوء ببرد اليقين، بكى) هو (وأبكى) غيره، (لأن الحرارة والبرودة إذا اضطرمتا،) أي: اشتعلتا بعد اجتماعهما من اضطرمت النار تأججت، فتكتسب البرودة من الحرارة حرارة، فصارا حارين، فإذا زادت حرارتهما واستحكمت (عصرتا ماء،) لأنهما بالاجتماع صارا شيئًا واحدًا، والبرودة شأنها وطبعها الماء، فلذا أخرجت الحرارة، التي فيها ما كان في البرودة من الماء، (فإذا ألم السماع بالقلب)، أي: وصل إليه وأثر فيه (تارة يخف إلمامه) نزوله به مصدر ألم، (فيظهر أثره في الجسد ويقشعر منه الجلد،) يرتعد، (قال الله تعالى: (﴿اللَّه نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾، (﴿تقشعر منه﴾) ترتعد عند ذكره وعنده (﴿جلود الذين يخشون ربهم﴾﴾ [الزمر/٢٣] الآية، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه، (وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره، أي: يقصد،) أي: يصعد (نحو الدماغ، فتدفق:) تنصب بشدة (منه العين بالدمع، وتارة يتصوب أثره إلى الروح، فتموج) (بجيم) :: تتحرك (منه الروح موجًا:) تحركًا عنيفًا: فيؤثر في القلب تأثيرًا يصير به، كالجسد المنتفخ، فحينئذٍ (يكاد يضيق عنه نطاق) بكسر النون (القالب:) الجسد، فشبه القلب بجسد عظم حتى صار حزامه الذي كان مشدودًا به لا يدور عليه، فهو استعارة بالكناية، وإثبات النطاق تخييل، (فيكون،) أي: يوجد (من ذلك الصياح، والاضطراب) الحركة القوية، (وهذه كلها أحوال، يجدها أربابها) فاعل يجد (من أصحاب الأحوال). وفي نسخة: تجد أربابها، أي: تشاهد أصحاب تلك الأحوال يجدها من أصحاب أحوال المقربين عند اللّه، (وقد كان ابن عمر رضي اللّه عنهما ربما مر بآية في ورده) وظيفته من القرآن (فتخنقه) (بضم النون)، أي: يعصر حلقه حتى يكاد يموت (العبرة) الاتعاظ والتذكر والبكاء، (ويسقط) من قيام (ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد، ويحسب:) يظن (مريضًا، ١٤٦ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعري يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون. فلمحبين السماع القرءاني من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني، فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه ونشأته في سماع الأبيات دون الآيات، وفي سماع الألحان دون القرءان كما قيل: نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوان، فاعلم أن هذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله ورسوله، أدام اللَّه لنا حلاوة محبته، ولا سلك بنا في غير سبيل سنته، بمنه ورحمته. ومن علامات محبته عليه محبة سنته، وقراءة حديثه، فإن من دخلت حلاوة وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري، يقولون: يا أبا · وسى ذكرنا ربنا) بتلاوة كتابه، (فيقرأ وهم يسمعون،) لأنه أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، ما في الحديث. (فلمحبين السماع القرآني من الوجد والذوق، واللذة والحلاوة، والسرور أضعاف ما لمحبين السماع الشيطاني،) بنحو الآلات والأنغام، (فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده،) بالنصب بدل اشتمال مما قبله، (وطربه ونشأته)،) أي: زيادته في الطرب والالتذاذ (في سماع الأبيات) الشعرية (دون الآيات، وفى سماع الألحان:) جمع لحن من الأصوات المصوغة الموضوعة، ويجمع أيضًا على لحون، كما في القاموس (دون القرآن، كما قيل: تقرأ عليك الختمة،) القرآن بتمامه (وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوان:) السكران معنى ولفظًا، (فاعلم أن هذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله ورسوله،) جواب إذا في قوله: فإذا رأيت الرجل (أدام الله لنا حلاوة محبته، ولا سلك بنا في غير سبيل سنّته بمنه ورحمته). لكن قد سئل الجنيد: ما بال أصحابك إذا سمعوا القرآن لا يتواجدون ولا يتحر كون، بخلاف ما إذا سمعوا الرباعيات، فقال: القرآن كلام الله، وهو صعب الإدراك، والرباعيات كلام المحبين المخلوقين، ولأن القرآن كله أحكام ومواعظ كلفوا العمل بها، ومن كلف بشىء لا يطرب به ولا كذلك الرباعيات، فإنها كلام جنسهم ومما عملته أيديهم بخلاف القرآن، فإنه حق صدر عن حق، فلا مجانسة بينها، وبينه (ومن علامات محبته عَّله محبة سنّته،) أي: طريقته بالاقتداء به قولاً وفعلاً، (وقراءة،) بالرفع عطف على محبة، والخفض على سنّة (حديثه) ١٤٧ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته الإيمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلام اللَّه تعالى، أو من حديث رسوله عدّ له تشربتها روحه وقلبه ونفسه، ويقول: أشم منك نسيمًا لست أعرفه أظن لمياء جرت فيك أردانًا فتعمه تلك الكلمة وتشمله، فتصير كل شعرة منه سمعًا، وكل ذرة منه بصرّا، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل ويقول: لي حبيب خياله نصب عيني سره في ضمائري مكنون إن تذكرته فكلي قلوب أو تأملته فكلي عيون فحينئذ يستنير قلبه، ويشرق سره، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين، ويرتوي بري عطف محبوبه، الذي لا شىء أروى لقلبه من عطفه عليه، على الوجه المرضي، بأن سهل عليه قراءته بشروطه، وإلا فتركه عين المحبة، (فإن من دخلت حلاوة الإِيمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلام اللّه تعالى، أو من حديث رسوله عَّه. تشربتها روحه وقلبه ونفسه، ويقول) منشدًا: (أشم،) بضم الشين وفتحها (منك نسيمًا لست أعرفه) لغرابته وحسنه. فإن الروائح تتميز مما تضاف إليه، كالمسك وما شممته، ما عرفت نوعه من المشمومات، فأنا (أظن لمياء،) بفتح اللام وإسكان الميم وتحتية، والمد صفة لأنثى قامت بشفتها اللمى، قال المجد: مثلثة اللام سمرة الشفة. زاد الجوهري: تستحسن، (جرت فيك أردانا:) جمع ردن ثوب خز وغزل، فكان الشاعر يقول: هذا النسيم المستغرب أظنه بسبب أن تلك المرأة جرت ثيابها فيك، أي: في مكانك، أو على جسدك، فنشأت هذه الرائحة التي لا نظير لها من طيبها، (فتعمه تلك الكلمة) التي سمعها من كلام اللّه أو رسوله، (وتشمله))) تحيط به، (فتصير كل شعرة منه سمعًا، وكل ذرة منه بصرًا، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل،) بما جعله اللّه في كل جزء من أجزائه من الأنوار، فيدرك جميع الكمالات التي يتصف بها المصطفى، فتقوى رغبته وتشد محبته، (ويقول) منشدا: (لي حبيب خياله نصب عيني سره في ضمائري مكنون إن تذكرته فكلي قلوب أو تأملته فكلي عيون) نصب، بضم النون وفتحها، أو الفتح لحن، كما في القاموس، (فحينئذٍ يستثير،) بسين التأكيد (قلبه ويشرق:) يضيء (سره، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين:) ١٤٨ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ولا شىء أشد للهيبة وحريقه من إعراضه عنه، ولهذا كان أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم من العذاب الجسماني، كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله أعظم من النعيم الجسماني، لا حرمنا الله حلاوة هذا المشرب. ومن علامات محبته معَّل أن يلتذ محبه بذكره الشريف ويطرب عند سماع اسمه المنيف، وقد يوجب له ذلك سكرًا يستغرف قلبه وروحه وسمعه وبصره. وسبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة إدارك المحبوب عليه الصلاة والسلام، فإذا كانت المحبة قوية وإدراك هذا المحبوب قويًا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين. فإن كان العقل قويًا مستحكمًا لم يتغير لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السكر المخرج له عن حکمه. وقد حدوا السكر بأنه: سقوط التمالك في الطرب، كأنه يبقى في السكران الحجج الواضحة (ويرتوي بري:) بكسر الراء (عطف) ميل (محبوبه،) أي: يسكن قلبه وتزول حرارته براحته، بميل حبه إليه (الذي لا شىء أروي لقلبه من عطفه عليه،) فشبه سكون قلبه من النور الواصل إليه من حبه بزوال الظمأ بوصول الماء العذب البارد إلى الجوف، (ولا شىء أشد للهيبه وحريقه،) أي: المحب (من إعراضه،) أي: حبه (عنه، ولهذا كان أهل النار باحتجاب ربهم عنهم،) كما قال: كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون، (أشد عليهم من العذاب الجسماني،) بكسر الجيم، (كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى) في يوم المزيد، (وسماع خطابه ورضاه، وإقباله أعظم من النعيم الجسماني،) بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (لا حرمنا اللّه حلاوة هذا المشرب:) جملة دعائية، أي: نسأله أن لا يمنعنا ذلك، بل يعطينا إياه ويمتعنا به، (ومن علامات محبته عَلِّ أن يلتذ محبة بذكره الشريف) التذاذًا مع الإجلال (ويطرب،) بفتح الراء يخف وينبسط بسروره (عند سماع اسمه المنيف) الزائد في الشرف، (وقد يوجب له ذلك) السماع (سكرًا،) حالة تشبه حال السكران، (يستغرق قلبه وروحه وسمعه وبصره، وسبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة إدراك المحبوب عليه الصلاة والسلام، فإذا كانت المحبة قوية، وإدراك هذا المحبوب قويًا، كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين، فإذا كان العقل قويًا مستحكمًا،) بكسر الكاف اسم فاعل من استحكم مبنيًّا للفاعل، (لم يتغير لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السكر المخرج له) للعقل (عن حكمه،) أي: عما يليق به، (وقد حدوا،) أي: علماء الطريق (السكر؛ بأنه سقوط التمالك،) أي: عدم الصبر (في الطرب، كأنه يبقى في السكران بقية يلتذ بها ١٤٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته بقية يلتذ بها يطرب، فلا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يفنى معها. وقد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله، بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر. وربما قتله هذا الفرح بسبب طبيعي، وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطًا غير معتاد، والدم هو حائل الحار الغريزي، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فیحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح - بوجود راحتله في المفازة بعد أن استشعر الموت: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه، وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب، فصور في نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمنا مطمئنًا، كيف تكون سكرته؟ أو من غاب عنه غلامه بمال عظيم مدة سنين، حتى أضرّ به العدم، فقدم عليه من غير انتظار له بماله ويطرب، فلا يتمالك صاحبها)، لا يملك نفسه (ولا يقدر أن يفنى معها،) لأن الفناء يفني معاني كل شىء، فيفني الطرب أيضًا، قال الهروي: في المنازل: السكر من أوصاف المحبين خاصة، فإن عيون، أي: حقائق الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه، (وقد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله، بحيث يزول عقله ويعربد،) بضم الياء وفتح العين وسكون الراء المهملتين وكسر الموحدة، أي: يسوء خلقه (أعظم من عربدة،) أي: سوء خلق (شارب الخمر،) لأنه برؤيته انقهر تحت سلطان الجمال، ولذا أنشدوا: فصحوك من لفظي هو الأصل كله وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فمأمل ساقينا ومأمل شارب عقار لحاظ كاسه يسكر اللبا (وربما قتله هذا الفرح بسبب طبيعي، وهو انبساط دم القلب وهلة) دفعة (واحدة، انبساطًا غير معتاد، والدم هو حائل الحار الغريزي،) بغين وزاي منقوطتين الطبيعي، (فيبرد القلب،) أي: تزول حرارته (بسبب انبساط:) انتشار (الدم عنه) وسيلانه،(فيحدث الموت ومن هذا قول سكران الفرح بوجود راحلته في المفازة:) الموضع المهلك (بعد أن استشعر الموت، اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة فرحه، وسكرة الفرح) مبتدأ، خبره (فوق سكرة الشراب) للخمر، (فصور في نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز:) مال مدفون تسمية بالمصدر (عظيم، فاستوى عليه) حال كونه (آمنا مطمئناً، كيف تكون سكرته،) لا شك أنها فوق سكرة الشراب بمراحل كثيرة، (أو من غاب عنه غلامه بمال عظيم ١٥٠ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته کله، وقد کسب أضعافه، کیف تكون سكرته؟ ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة بالإنشادات بالصفات النبوية المغربة المعربة إذا صادفت محلاً قابلاً فلا تسأل عن سكرة السامع، وهذا السكر يحصل عندها من جهتين: إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر منها العقل، الثانية: أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته، فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب واحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تغمر العقل، فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان، فتسكر الروح سكرًا عجيبًا أطيب وألذ من سكر الشراب، وتحصل به نشأة ألذ من نشأة الشراب. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أن اللَّه تعالى يقول لداود: مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: كيف وقد أذهبته فيقول: أنا مدة سنين حتى أضر به العدم)، الفقر، (فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله، وقد كسب أضعافه، كيف تكون سكرته، ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة بالإِنشادات، بالصفات النبوية المغربة،) بضم الميم وسكون المعجمة وكسر الراء وموحدة اسم فاعل من أغرب، إذا أتى بشىء غريب، صفة للإِنشادات (المعربة،) بسكون العين المهملة وفتح الراء اسم مفعول من أعرب المبنية، (إذا صادفت محلا قابلاً، فلا تسأل عن سكرة السامع) لزيادة فرحه من ذلك، (وهذا السكر يحصل عندها من جهتين: إحداهما: أنها في نفسها توجب) تسبب (لذة قوية ينغمر،) أي: يتغطى (منها العقل،) فيحصل السكر بتغطيته، (الثانية: أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته) تفسيري، (فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل،) بمعجمة (للمحبوب وإحضاره في النفس، وإدناء:) تقريب (صورته إلى القلب، واستيلائها على الفكر لذة عظيمة تغمر العقل، فتجتمع لذة الألحان) المحصلة للفرح، (ولذة الأشجان:) جمع شجن، وهي التي انغمر العقل بها عن كمال إدراكه، (فتكسر الروح سكرًا عجيبًا أطيب وألذ من سكر الشراب:) الخمر، (وتحصل به نشأة ألذ من نشأة الشراب). (وقد ذكر الإِمام أحمد وغيره، إن اللّه تعالى يقول لداود: مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا،) حيث كان يقرأ به الزبور وضروب الدعاء، (فيقول: كيف، وقد أذهبته؟، فيقول: أنا أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش) قوائمه (ويمجده، فإذا ١٥١ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش ويمجده، فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة. وأعظم من ذلك: إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذي يغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة، وهذه صفة لا تلج كل أذن، وصيب لا تحيا به كل أرض، وعين لا يشرب منها كل وارد، وسماع لا يطرب عليه كل سامع، ومائدة لا يجلس عليها كل طفيلي، أشار إليه في المدارج. فمن اتصف بهذه العلامات التي ذكرتها فهو كامل المحبة لله ولرسوله، ومن خالف بعضها فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها بدليل قوله عليه الصلاة والسلام للذي حده في الخمر - لما لعنه بعضهم وقال: ما أكثر ما يؤتي به- فقال عَ ظله: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، فأخبر أنه يحب الله ورسوله مع وجود سمع أهل الجنة صوته استفرغ) صوته، (نعيم أهل الجنة،) أي: شغلهم عما هم فيه من النعيم، حتى كأنه ليس عندهم نعيم الأسماع صوته، (وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذي يغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة) أي: لا تقدر على التعبير عنه بعبارة، (ولا تحيط به الإِشارة،) إذ هو أعلى من ذلك، (وهذه صفة لا تلج:) لا تدخل (كل أذن،) لامتناعها عن أكثر الناس، فإنما تدخل للخواص، (وصيب)) مطر (لا تحيا به كل أرض،) بل لها أراضٍ مخصوصة، كناية عن قلوب الخواص، (وعين لا يشرب منها كل وارد) بل لها ورَّاد معلومون، (وسماع لا يطرب عليه كل سامع،) بل لها سامعون معروفون، (ومائدة لا يجلس عليها كل طفيلي، أشار إليه في المدارج) لابن القيم شرح المنازل، (فمن اتصف بهذه العلامات التي ذكرتها، فهو كامل المحبة لله ولرسوله،) صادق في حبه، (ومن خالف بعضها، فهو ناقص المحبة، و) لكن (لا يخرج عن اسمها)، أي: عن الإنصاف بها، وتسميته محبًا في الجملة لوجود أصلها، فيه، والنفي عنه الكمال، نحو لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، (بدليل قوله عليه الصلاة والسلام للذي حده،) أي: لأجله (في الخمر،) أي: شربه وهو عبد الله، الملقب حمارًا، بلفظ الحيوان، وقيل: بكسر الخاء المعجمة، (لما لعنه بعضهم،) هو عمر بن الخطاب، كما رواه البيهقي، (وقال: ما أكثر ما يؤتى به،) تعجب من كثرة الإِتيان به، وهو سكران للنبي «ے، (فقال ◌َ له:) بيان لقوله: بدليل قوله وتأكيد له، وإلا فالظاهر حذفه. ١٥٢ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ما صدر منه. وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، الثبوت النهي عن لعنه، وثبوت الأمر بالدعاء له. وفيه أنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب، ويحتمل أن يكون استمرار محبة الله ورسوله في قلب العاصي مقيدًا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد، فكفر عن الذنب المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى بتكرار الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب ذلك الحب منه، أسأل الله العفو والثبات على محبته وسلوك سنته بمنّه وجعل قوله: (لا تلعنه) بالأفراد، كما في البخاري نهيًا للبعض الذي لعنه وهو واحد، كما علم، (فإنه يحب اللّه ورسوله) مقول القول. روى البخاري عن عمر، قال: كان رجل يسمى عبد الله، ويلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللّه عَّهِ، وكان رسول اللّه عَلُ قد جلده في الشراب، فأتى به يومًا، فقال رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال عَُّله: لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله. وذكر الواقدي: أن القصة وقعت له في غزاة خيبر، وزعم الدمياطي أنه وهم، وإنما هو نعيمان، مردود بأنه توهيم للرواة الثقات بلا مستند، فكل من قصتي نعيمان، وحمار في الصحيح، وليس فيه قصة نعيمان إن أحدًا لعنه ونهاه المصطفى، فجعل الحديثين واحدًا، والحكم بالوهم في التسمية من العجب، (فأخبر أنه يحب الله ورسوله، مع وجود ما صدر منه،) فأظهر مكتوم قلبه، وأن هذا الحب من أعظم المنجيات، (وفيه الرد على من زعم،) كالمعتزلة، (إن مرتكب الكبيرة كافر الثبوت النهي عن لعنه) في هذا الحديث، (وثبوت الأمر بالدعاء له) في حديث آخر، قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، (وفيه أنه لا تنافي بین ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب،) لأنه لا تلازم بين الأمرين، فإن ارتكاب النهي إنما هو للغفلة والشهوة وتسويل النفس والشيطان، والمحبة ثابتة. (ويحتمل أن يكون استمرار محبة الله ورسوله في قلب العاصي مقيدًا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد فكفر عنه الذنب المذكور،) بناءً على الصحيح، إن الحد جابر، (بخلاف من لم يقع منه ذلك) الندم، ولم يقع له الحد، (فإنه يخشى بتكرار الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب ذلك الحب منه، أسأل اللّه العفو والثبات على محبته وسلوك) دخول (سنّته بمنه ورحمته،) وفيه المنع من لعنّ مرتكب الكبيرة، وقيل: ١٥٣ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ورحمته. تنبيه: قد اختلف العلماء، أيما أرفع درجة المحبة أو درجة الخلة؟ فحكى القاضي عياض: أن بعضهم جعلهما سواء، فلا يكون الحبيب إلا خليلاً، ولا الخليل إلا حبيبًا، لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدًا بالمحبة، وقال بعضهم: درجة الخلة أرفع واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً فلم يتخذه خليلاً وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة. انتهى. وهذا هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من معنى الخلة، لكن يرد ما روي في قصة الإسراء في مناجاته علية. لربه تعالى حيث قال له: يا محله إن حد، وقيل: المنع مطلقًا في حق ذي الزلة، والجواز مطلقًا فيمن تجاهر، وصوب ابن المنير المنع مطلقًا في المعين والجواز في غيره زجرًا عن تعاطي ذلك الفعل. (تنبيه قد اختلف العلماء أيما أرفع،) أفضل في نفس الأمر، (درجة المحبة، أو درجة الخلة،) بضم الخاء على الأكثر، وتفتح الصداقة المحضة التي لا خلل فيها، وتكون في عفاف، وكنى برفع الدرجة عن رفع من فيها وأفضليته، (فحكى القاضي عياض) في الشفاء ثلاثة أقوال: أحدها: (إن بعضهم جعلهما سواء،) أي: الدرجتين، أو المحبة والخلة، متساويين في الفضيلة لا تفاوت بينهما، (فلا يكون الحبيب إلا خليلاً، ولا الخليل إلا حبيبًا،) وتعقب بأن هذا إنما يقتضي تلازمها، لا مساواتهما درجة، وأشار لجواب سؤال هو، إذا استويا، فلم خص كل منهما بوصف، فقال: (لكنه،) أي: اللّه، أو الأمر والشأن (خص) بالبناء للفاعل، أو المفعول (إبراهيم بالخلة، ومحمدًا) بالنصب والرفع (بالمحبة،) فسمي الأول: خليلاً، والثاني: حبيبًا لمجرد التمييز بينهما، ولا يخفى ضعفه. (وقال بعضهم: درجة الخلة أرفع) منزلة، وأفضل وأعلى درجة، (واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام) في الصحیحین، عن أبي سعيد وابن عباس، (لو کنت متخذًا خلیلاً، غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً) ولكن أخوة الإِسلام، (فلم يتخذه خليلاً، وقد أطلق المحبة لفاطمة) بنته، (وابنيها) الحسنين، (وأسامة) بن زيد وغيرهم، كأبي بكر وعمر وعائشة، وأكثرهم جعل المحبة أرفع. (انتھی) کلام عیاض. (وهذا)) أي: القول الثاني (هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من معنى الخلة،) فهي أخص منها، (لكن يرد) عليه (ما روي في قصة الإِسراء في مناجاته عَّه. ١٥٤ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليمًا، فقال له تعالى: ألم أعطك خيرًا من هذا .. إلى قوله: واتخذتك حبيبًا، أو ما في معناه، رواه البيهقي. بنحوه، وهذا يقتضي أن درجة المحبة أرفع. وقد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة على الخلة بفروق كثيرة، ذكر القاضي عياض في الشفاء منها نقلاً عن الإمام أبي بكربن فورك عن بعض. المتكلمين نبدة: منها: أن الخلیل یصل بالواسطة، من قوله تعالى: ﴿و کذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ [الأنعام/٧٥]، والحبيب يصل إليه به، من قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم/٩]. ومنها: أن الخليل قال: ﴿ولا تخزني﴾ [الشعراء/٨٧]، والحبيب قيل له: ﴿يوم لا يخزي اللَّه النبي﴾ [التحريم/٨]. ومنها: أن الخليل قال في المحنة: ﴿حسبي الله﴾، والحبيب قيل له: ﴿يا لربه تعالى، حيث قال له: يا محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليمًا، فقال له تعالى: ألم أعطك خيرًا من هذا،) فذكر الحديث، (إلى قوله واتخذتك حبيبًا، أو ما في معناه). (رواه البيهقي، وهذا يقتضي أن درجة المحبة أرفع،) وتعسف من أجاب، بأنه إنما فضله بمجموع ما ذکر في الحدیث. (وقد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة) على الخلة)، وهم أكثر العلماء (بفروق كثيرة). (ذكر القاضي عياض في الشفاء، منها نقلاً عن الإِمام أبيٍ بكر بن فورك) (بضم الفاء)، (عن بعض المتكلمين نبذة،) (بضم النون وذال معجمة) شيئًا قليلاً. (منها: أن الخليل يصل بالواسطة،) أي: بتوسط آخر بينه وبين خليله، وذلك مأخوذ (من قوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾،) فوصل لخليله بواسطة ما أراه من آيات ملكوته، (والحبيب يصل إليه،) إلى حبيبه (به،) بنفسه بلا واسطة، مأخوذ (من قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾،) فرآه عين يقين على ما مر. (ومنها: أن الخليل قال في المحنة،) بنون الابتلاء بالإلقاء في النار: (﴿حسبي اللّه﴾،) أي: كافي في جميع أموري، (والحبيب قيل له: ﴿يا أيها النبي حسبك اللّه﴾) ١٥٥ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته أيها النبي حسبك اللَّهِ﴾ [الأنفال/٦٤]. ومنها: أن الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع، من قوله: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ [الشعراء/٨٢]، والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين، من قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح/٢]. وفي كتابي ((تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري)) وجوه أخر غير ما حكاه القاضي عياض. وفي كلها نظر واضح كما بينته في حاشية الشفاء، وذلك أن مقتضى الفرق بین الشیئین أن یکون في حد ذاتیهما، یعنی باعتبار مدلول ((خليل)) و((حبيب)) وما [الأنفال/٦٤]، والخليل قال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾، والحبيب قيل له: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، أعطى بلا سؤال، والخليل قال: ﴿واجنيني وبني أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم/٣٥]، والحبيب قيل له: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ [الأحزاب/ ٣٣]. (ومنها: أن الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع،) أي: واقعة في حال يطمع صاحبها في التجاوز عنها، لأن الخليل لا يؤاخذ خليله بزلاته، والحد الحاجز بين شيئين والمحيط به كحدود الدار، فاستعير للحال المميزة له، المقتضية لتحققه (من قوله: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾) [الشعراء/٨٢]، قاله هضمًا لنفسه وتعليمًا لأمته، وإلا فهو معصوم، (والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين،) أي: متيقنة، مأخوذ (من قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾) [الفتح/٢]، أي: كل ما صدر منك وما لم يصدر مما هو بالنسبة لمقامك قد يقتضي شيئًا، ففي الآية إشارة إلى أنه لم يقطع منه، لأنه سوى المتقدم بالمتأخر في عدم الوقوع، ولذا سر بها لما نزلت. زاد في الشفاء، والخليل قال: ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾ [الشعراء/٨٧]، والحبيب قيل له: ﴿يوم لا يخزي اللّه النبي﴾ [التحريم/٨]، فابتدأ بالبشارة قبل السؤال، (وفي كتابي («تحفة السامع والقاري، بختم صحيح البخاري)) وجوه أخر،) لمناسبة أن آخر حديث في البخاري: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، (غير ما حكاه القاضي عياض) من هذه الثلاثة، (وفي كلها نظر واضح، كما بينته في حاشية الشفاء، وذلك أن مقتضى الفرق بين الشيئين، أن يكون في حد ذاتيهما، يعني باعتبار مدلول خليل وحبيب، وما حكاه القاضي عياض، وذكرته ١٥٦ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته حكاه القاضي عياض، وذكرته في التحفة، يقتضي تفضيل ذات محمد على ذات إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك. لأنه نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة. إذ لا يسلب عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وصف المحبة لا سيما والخلة أخص من المحبة، ولا يسلب عن نبينا محمد عَّل وصف الخلة وقد ثبت في حديث أبي هريرة قول اللَّه تعالى له: إني اتخذتك خليلاً. وقد قام الإجماع على فضل نبينا معَّم على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق اللَّه مطلقًا. وأما قوله: إن الخليل يصل بالواسطة، فلا يفيد غرضًا في هذا المقام الذي هو بصدد، وليس المراد به قطعًا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسي يمتنع على الله تعالى. في التحفة) زيادة عليه، (يقتضي تفضيل ذات محمد على ذات إبراهيم عليهما الصلاة والسلام،) وليس الكلام فيه، (لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له) لإبراهيم، والمحبة لمحمد، (فيلزم ذلك،) أي: تفضيل المحبة لفضله على إبراهيم، (لأنا نقول كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة، إذ لا يسلب عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وصف المحبة،) لعدم صحته، (لا سيما والخلة أخص من المحبة،) ففيها زيادة على المحبة، (ولا يسلب عن نبينا محمد عٍَّ وصف الخلة،) لأنه إذا حازها الكامل، فالأكمل أولى. (وقد ثبت في حديث أبي هريرة) في المعراج (قول اللَّه تعالى له: إني اتخذتك خليلاً،) ولذا قال عَّ إن اللّه اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين. رواه ابن ماجه (وقد قام الإجماع على فضل نبينا عٍَّ على جميع الأنبياء بل هو أفضل خلق اللّه مطلقًا،) حتى جبريل، بإجماع حتى من المعتزلة، فهذا رد للفروق بطريق الإِجمال، وأشار للتفضيل، بقوله: (وأما قوله: إن الخليل يصل بالواسطة، فلا يفيد غرضًا في هذا المقام الذي هو بصدده،) وهو تفضيل المحبة، (وليس المراد به قطعًا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسي يمتنع على اللّه تعالى). وقال بعضهم: إن أراد الوصول إلى اللّه برؤيته وسماع كلامه، فالآية لا مناسبة لها بما ذكر، وإن أراد إلى معرفته، فكذلك، ثم لا يتم الفرق، لأنه إن أراد بيان مفهومي المحبة والخلة، فما ١٥٧ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وأما قوله: والحبيب يصل إليه به، فالوصول إلى اللَّه تعالى لا يكون إلا به حبيبًا كان أو خليلاً. وأما قوله: الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع الخ .. فإنه لا يصح أن يكون على جهة التفسير للخليل، ولا تعلق له بمعناه. وقصارى ما ذكره: أنه يعطي تفضيل نبينا عَّةِ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام في حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلة. والحق: أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من المحبة. قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا ذكر لا يدل عليه، بل ليس بصحيح، وإن أراد بين ذاتي من قاما به، فلا يفيد شيئًا مما نحن فيه، ثم أنه مبني على القول؛ بأن إبراهيم لم يعرفه قبل هذا الاستدلال، بناءً على جواز مثله على الأنبياء مطلقًا، أو قبل البلوغ، والمحققون على أنه ورد على طريق الجدل مع قومه، الذين كانوا يعبدون الكواكب. (وأما قوله: والحبيب يصل إليه) تعالى (به،) فلا يفيد الغرض، (فالوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا به حبيبًا كان أو خليلاً،) فهذا رد فرقه الأول. (وأما قوله) في الثالث: (الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع الخ، فإنه لا يصح أن يكون على جهة التفسير للخليل، ولا تعلق له بمعناه،) وكذا الفرق الثاني، وهذا قدمه المصنف بمعناه، (وقصارى،) يعني غاية (ما ذكره) في الثلاثة (أنه يعطي تفضيل نبينا عَ لاته. على إبراهيم عليه الصلاة والسلام في حد ذاته، من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلة). وليس الكلام في التفضيل الذاتي، فلا معنى لذكره فرقًا بين الصفتين، لكن قد أشار عياض إلى الجواب بأنه وإن تعلق بذات الحبيب والخليل، فالمقصود تفاوت وصفيهما، فيرجع ذلك إلى بيانهما، فإن منهم من يسلك مسلك التصريح، ومنهم من يقصد الإِيمان والتلويح، فقال، أعني عياضًا، بعد ذكر الفروق: وفيما ذكرناه، أي: من تفسير المحبة والخلة واشتقاقهما تنبيه على مقصد أصحاب هذا المقال من تفضيل المقامات والأحوال، وكل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً، (والحق أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من المحبة) لأنها خالص المحبة، وصفاؤها، ولذا قيل: (قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا) ١٥٨ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل اللَّه ومحمدًا حبيب اللَّه فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبي ◌َّ أن اللَّه اتخذه خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضًا فإنه تعالى أخبر أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين، وخلته خاصة بالخليلين. قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله. انتهى. وقال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرحه لبردة الأبوصيري: وزعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة وقال: محمد حبيب اللَّه وإبراهيم خليل اللّه. وضعف: فإذا ما نطقت كنت حديثي وإذا ما سكت كنت الغليلا بغين معجمة ما داخل القلب، وفي رواية الدخيلا، أي: ما داخل القلب والبدن. (قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل اللّه، ومحمدًا حبيب اللّه، فمن جهله، فإن المحبة عامة) له ولغيره، (والخلة خاصة) فكيف يكون العام أفضل، (والخلة نهاية المحبة،) فكيف تفضلها البداية. (قال: وقد أخبر النبي ګ أن الله اتخذه خلیلاً، ونفی أن یکون له خلیل غیر ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها، ولعمر بن الخطاب وغيرهم،) فهذا يدل على أن الخلة أعلى، (وأيضًا فإنه تعالى أخبر أنه يحب التوابين) من الذنوب، (ويحب المتطهرين) من الأقذار، (ويحب الصابرين، ويحب المحسنين،) أي: يثيبهم، (ويحب المتقين) الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، لاتقائهم بذلك النار، (ويحب المقسطين،) العادلين من أقسط إذا عدل، (وخلته خاصة بالخليلين) محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فهذا يفيد أنها أفضل، (قال: وإنما هذا) الذي قالوه من تفضيل المحبة (من قلة العلم والفهم عن اللّه ورسوله انتھی) کلام ابن القيم. وفي حصره إساءة أدب على أكثر العلماء، (وقال الشيخ بدر الدين الزركشي، في شرحه البردة الأبوصيري،) صوابه البوصيري نسبة إلى بوصير، كما تقدم مرارًا، (وزعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة، قال) محتجًا لذلك: (محمد حبيب اللّه، وإبراهيم خليل الله)) ١٥٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية لأن الخلة خاصة، وهي توجد المحبة، والمحبة عامة، قال الله تعالى: ﴿إِن اللَّه يُحبُّ التّوابين﴾ [البقرة/٢٢٢] قال: وقد صح أن اللَّه اتخذ نبينا خليلاً فقال: إن اللَّه اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. انتهى. الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وفضيلة وصفة ومحلا قال اللّه تعالى: ﴿إِن اللَّه وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسملوا تسليمًا﴾ [الأحزاب/٥٦]. ومحمد أفضل، فصفته أفضل، (وضعف لأن الخلة خاصة، وهي توجد المحبة،) لأن الخاص يزيد على العام، والمحبة عامة، فلا توجد الخلة. (قال اللَّه تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ [البقرة/٢٢٢]، قال: وقد صح أن الله اتخذ نبينا خليلاً،) فثبتت له الصفتان، (فقال: إن اللّه اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً.) الحديث رواه ابن ماجه، ومر قريبًا (انتهى) قول الزركشي. (الفصل الثاني) (في حكم الصلاة عليه والتسليم)، أي: بيان ما ثبت لهما (فريضة) على أمته، (وسنّية وفضيلة) لهما (وصفة ومحلا،) بالنصب على التمييز، فجعل الصفة والمحل من الأحكام، لأن المراد بالحكم ما ثبت لهما من النسب، فلا يختص بالأحكام الخمسة، (قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته﴾،) نصب بالعطف على اسم أن. وقرأه ابن عباس بالرفع على محل أن واسمها، وهو ظاهر على رأي: الكوفيين، ووجهه عند البصريين، أن الخبر محذوف لدلالة يصلون عليه قاله الكشاف (﴿يصلون على النبي﴾) أورد. أن الصلاة من اللّه غيرها من الملائكة، وقد جمع بينهما بلفظ واحد، وأجيب بأنها مستعملة في معنى مشترك بينهما، هو يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، والجملة اسمية، خبرها مضارع الإِفادة الاستمرار التجددي، فالملائكة استمرت صلاتهم عليه، وهذه منقبة لم توجد لغيره، أعظم من سجود الملائكة لآدم الذي وقع وانقطع، وقال: على النبي دون الرسول تنويهًا بقدره، فالنبوة عند بعض أشرف من الرسالة، لأنها اتصال باللّه واشتغال به، والرسالة اشتغال بالناس (﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾) اعتنوا أيضًا، فإنكم أولى بذلك، وقولوا اللهم صل على محمد (﴿وسلموا تسليمًا﴾) الأحزاب/٥٦]، قولوا السلام عليك أيها النبي، وقيل: انقادوا لأوامره، وأكد السلام ١٦٠ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية قال أبو العالية: معنى صلاة اللَّة على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء. قال في فتح الباري: وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة اللّه عليه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من اللَّه تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة. وعن ابن عباس: أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة. وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: صلاة اللَّه مغفرته وصلاة وخصه بالمؤمنين، لأن الصلاة مؤكدة معنى، بصدورها من اللّه وملائكته، فكيف لا تصلي عليه أمته، وبأنها مؤكد بإن والجملة الإِسمية، والسلام سواء كان بمعنى الانقياد أو السلام من الإِيذاء، لا يليق إسناده إلى الله وملائكته، فاستحق التأكيد لصدور خلافه من جنسهم، ولا يرد قوله ﴿سلام على إبراهيم﴾ [الصافات/ ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام﴾ [الرعد/٢٣]، لأنه تحية وإكرام، وصدر المصنف بهذه الآية لإِظهار مدعاه، لأن الأمر محتمل للوجوب والندب. (قال أبو العالية) رفيع بن مهران التابعي الكبير: (معنى صلاة اللّه على نبيه ثناؤه عليه) بمدحه، وبيان منزلته لديه (عند الملائكة) بحيث يطلعون على ذلك، (ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء) له. (قال في فتح الباري: وهذا أولى الأقوال،) أحقها بالقبول، (فيكون معنى صلاة اللّه عليه ثناؤه عليه وتعظيمه، و) معنى (صلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من اللّه تعالى،) كأن يقال: نسألك أن تثني عليه وتعظمه بما يليق به، (والمراد: طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة(،) لحصولها مع سائر الكمالات اللائقة بالبشر، فأي: تعظيم يطلب له مع أنه معظم مبجل، فهو جواب سؤال مقدر، حاصله: أن الزيادة يقبلها المكمل. (وعن ابن عباس: أن معنی صلاة الملائكة الدعاء بالبر کة،) وقال، کما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم: معناه أن اللّه وملائكته يباركون على النبي، أي: يدعون له بزيادة بركة لائقة بمقامه وشريف قدره، وظهور شريعته والانقياد إليها، والعمل بها ظاهرًا وباطنًا، وذلك يعود ثوابه مضاعفًا له عَلّه، وأصل معنى البركة الزيادة والنماء. (وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان) (بفتح المهملة والتحتية الثقيلة) النبطي (بفتح النون والموحدة)، أبي بسطام البلخي الخزاز (بمعجمة وزايين منقوطتين)، صدوق، فاضل، روى له مسلم وأصحاب السنن، وأخطأ الأزدي في زعمه، أن وكيعًا كذبه، وإنما كذب مقاتل بن سليمن،