Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وقال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي عَّةٍ لم يؤمر فيهما بشىء: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسرى، فعاتبه اللَّه كما تسمعون. وأما قول بعضهم إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب لأنه تعالى قال: ﴿عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم﴾ والعفو يستدعي سالفة ذنب، وقول الآخر: ﴿لم أذنت لهم﴾ استفهام بمعنى الإنكار، فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ يوجب ذنبًا، ولم لا يقال إن ذلك يدل على مبالغة اللَّه تعالى في توقيره وتعظيمه، كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيمًا عنده: عفا اللَّه عنك، ما صنعت في أمري ورضي اللَّه عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك اللَّه ألا عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال عَ لّهِ: ((عفا اللَّه لكم عن صدقة الخيل والرقيق)) ولم تجب عليهم قط، أي لم والسلام،) لكن إنما يتم هذا إن كان التفويض سابقًا على الإذن، أما إن كان بعده، كما يشعر به تعبيره بثم، فلا يظهر ذلك. (وقال عمرو): بفتح العين (ابن ميمون) بن مهران الجزري، ثقة، فاضل، من رواة الجماعة، مات سنة سبع وأربعين ومائة، (اثنتان فعلهما النبي عَّهِ، لم يؤمر فيهما بشىء،) أي: لم يبين له فيهما شىء، لا يطلب فعل ولا ترك (إذنه للمنافقين) في التخلف عن الغزو، (وأخذه الفداء من الأسرى) ببدر، (فعاتبه اللّه كما تسمعون) في القرآن. (وأما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: ﴿عفا اللّه عنك لم أذنت لهم﴾، والعفو يستدعي سالفة،) بلام وفاء، أي: سابقة (ذنب). هذا قول من يجهل لغة العرب، كما يأتي، (وقول الآخر) ممن يجوز الصغائر عليهم، قوله تعالى: (﴿لم أذنت لهم﴾ استفهام بمعنى الإِنكار،) والإنكار يقتضي ذلك، (فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾، يوجب ذنبًا،) إذ لم يتقدم فيه نھی من اللّه حتى يكون ذنبًا، ولا عده اللّه عليه معصية، ولفظ عفا لا يقتضي ذلك ولا يستلزمه، (ولم لا يقال أن ذلك يدل على مبالغة اللّه تعالى في توقيره وتعظيمه) تفسير، (كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيمًا عنده عفا اللّه عنك ما صنعت في أمري،) آتيًا بالعفو قبل الاستفهام، حتى لا يبدأ به خطابه تعظيمًا، (ورضي اللّه عنك، ما جوابك عن كلامي، وعافاك اللّه ألا) (بفتح الهمزة أداة استفتاح) (عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل،) تحاشيًا عن جعل الاستفهام أول كلامه للمعظم، عنده (وليس عفا هنا) في الآية (بمعنى غفر،) أي: ستر، وترك المؤاخذة، (بل) بمعنى لم يلزمك شيئًا في الإِذن، (كما قال عَّ: عفا الله لكم عن صدقة ٤٢ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه یلزمکم ذلك. ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا اللَّه عنك أي لم يلزمك ذنبًا. وأما الجواب عن الثاني فيقال: إما أن يكون صدر من الرسول عَ له ذنب أم لا؟ فإن قلنا: امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ إنكارًا عليه، وإن قلنا إنه صدر عنه ذنب - وحاشاه اللَّه من ذلك - فقوله: ﴿عفا اللَّه عنك) يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ يدل على كون الخيل والرقيق، ولم تجب عليهم) زكاة في خيل ورقيق (قط، أي: لم يلزمكم ذلك،) فليس معناه إسقاط ما كان واجباً، ولا ترك عقوبة هنا. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي، مرفوعًا بلفظ: قد عفوت لكم عن زكاة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة ... الحديث بطوله، فنازع بعضهم عياضًا، متبوع المصنف، بأنه لم يقف عليه بلفظ عفا اللّه لكم، وتعقب بأن عياضًا من الحفاظ، وقف عليه، ومثله لا يقرع له العصا، (ونحوه)،) أي: ما ذكره (القشيري) بلفظه من قوله: وليس عفا، وبمعناه من أول قوله: فاعلم، ولفظه عند عياض؛ ومعنى ﴿عفا اللّه عنك﴾، لم يلزمك ذنبًا. قال الداودي: روي أنها تكرمة، وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك اللّه وأعزك، وحكي السمرقندى، أن معناه عافاك اللّه. (قال) القشيري: (وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب،) فيقف على معانيه الواردة في لغتهم، كعدم اللزوم الوارد في كلام أفصح العرب، وأصل معنى العفو الترك، وعليه تدور معانيه، (ومعنى عفا الله عنك، أي: لم يلزمك ذنبًا، وأما الجواب عن الثاني، فيقال) على طريق المنزل مع الخصم، (إما أن يكون صدر من الرسول عَ له ذنب أم لا؟، فإن قلنا: امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: لم أذنت لهم إنكارًا عليه،) إذ من لم يذنب لا ينكر عليه فعله، (وإن قلنا أنه صدر عنه ذنب، وحاشاه اللّه من ذلك))) أي: نزهه، (فقوله: ﴿عفا اللّه عنكِ﴾، يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه،) إذ بعد العفو كأنه لم يقع منه، (فثبت أنه على جميع التقادير،) أي: التقديرين المذكورين بناءً على أن الجمع ما زاد على الواحد، (يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ ٤٣ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه الرسول مذنبًا، وهذا جواب شاف كافٍ قاطع، وعند هذا يحمل قوله لم أذنت لهم على ترك الأولى والأكمل. بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك. قال نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي عَّهِ معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرًا، فلما أذن لهم أعلمه اللَّه أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا النفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم. يدل على كون الرسول مذنيا،) كما ادعى ذلك البعض. (وهذا جواب شافٍ) من هذا الداء العضال، وهو نسبة ذنب إلى أفضل الخلق، (كافٍ) في دفع شبهة الخصم، (قاطع) لها أصلاً لما فيه من التنزل معه، (وعند هذا يحمل قوله: لم أذنت لهم على ترك الأولى، والأكمل) فقط لا على الإِنكار، (بل لم يعد هذا أهل العلم،) أي: أحد منهم (معاتبة) بفعل خلاف الأولى، (وغلطوا من ذهب إلى ذلك) من المفسرين، (فقال نفطويه:) (بنون ففاء فطاء مضمومة فواو ساكنة، فياء مفتوحة) عند أصحاب الحديث، لأنهم لا يحبون، وبه وعند الأدباء (بفتح الطاء والواو وسكون الياء) وهو لقب لإِبراهيم بن محمد الأزدي، النحوي، لدناءة منظره، مات سنة ثلاث وعشرين وقيل: أربع وعشرين، وثلاثمائة، (ذهب ناس إلى أن النبي عَّ معاتب بهذه الآية، وحاشاه) اللّه (من ذلك،) أي: برأه ونزهه وأصل معناه جعله في حشي، أي: جانب، (بل كان مخيرًا) في الإِذن وتركه، وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل فيه شىء، فكيف، وقد قال اللّه تعالى له: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾، هكذا في كلام نفطويه، أي: فتعليق الأمر بالمشيئة صريح في أنه مخير، (فلما أذن لهم أعلمه اللّه) بما لم يطلع عليه؛ (أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا،) ولو أمروا بخلاف القعود (لنفاقهم،) وهم يدعون بالاستئذان أنه لو لم يأذن ما تخلفوا، فإذا ظهر كذبهم وانكشف مغطاهم لزم شق العصا وما يترتب عليه، فكان ما فعله أولى وأصوب، (و) أعلمه (أنه لا حرج،) لا وزر ولا إثم (عليه في الإِذن لهم،) بقوله: ﴿عفا اللّه عنك﴾، حيث لم يلزمك أن لا تأذن حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، أي: لو صيرت لتبين لك أمرهم، فهو إشارة إلى كمال الرفق به عَّه، وأنه لم يقع منه تقصير يقتضي العتاب، ولا خطأ في الاجتهاد، ولا ارتكاب خلاف الأولى، وما أحلى قول ابن المنير في تفسيره ﴿عفا الله عنك﴾) [التوبة/٤٣]، دعامة في الكلام، يقصد بها ملاطفة المخاطب، وهو عادة العرب في التلطف بتقديم الدعاء لاستدعاء الإصغاء، أو خير معناه لا عهدة عليك، فهو تخصيص وتمييز، لا أن الإِذن ذنب يتعلق به العفو، لأن في تحمله ومسامحته لهم مع أذاهم حملاً للمشقة على نفسه، وإسقاطًا للجظوظ، فهو عتب عليه بلطف لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت ما أجحف بك في محبة الله وطاعته، والرفق بالبر ٤٤ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وأما قوله تعالى في أسارى بدر: ﴿ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يشخن في الأرض تريدون عرض الدنيا واللَّه يريد الآخرة) إلى قوله: ﴿عظيم﴾ [الأنفال/ ٦٧ - ٦٨]. فروى مسلم من إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم اللَّه المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبي عَّ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم اللَّه فيكونوا لنا عضدًا. فقال عَُّله: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والفاجر، وأين هذا من التخطئة التي بزغ بها الزمخشري، عرق العجمة لإِساءة الأدب على المصطفى، وأراد بعضهم أن يصلح، فأفسد، فقال: بدأ بالعفو قبل العتب، ولو عكس انقطع نياط قلبه، وكله ذهول عن عتب الحبيب في خيفه على نفسه، وهو تخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، وهذا كما قيل له إذ جهد وجد في العبادة ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾، ﴿فلعلك باخع نفسك﴾. (وأما قوله تعالى في أسارى بدر (﴿ما كان لنبي أن تكون﴾) (بالتاء والياء) (﴿له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا﴾) حطامها بأخذ الفداء (﴿والله يريد الآخرة﴾) [الأنفال/٦٧]، أي: ثوابها بالقتل (إلى قوله: ((عظيم﴾، فروى مسلم في إفراده) عن البخاري فهو من الثالثة من مراتب الصحيح، (من حديث عمر بن الخطاب، قال: لما هزم اللّه المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون، وأسر سبعون،) مثله في حديث البراء عند البخاري، وابن عباس عند مسلم، ووافقهم آخرون، وبه جزم ابن هشام محتجًا له، بقوله: قد أصبتم مثليها لاتفاق علماء التفسير، على أن الخطاب لأهل أحد، وإصابتهم مثليها يوم بدر، وإن اتفق أهل السير على أن القتلى خمسون، يزيدون قليلاً أو ينقصون، وعدهم ابن إسحق خمسين. زاد الواقدي: ثلاثة أو أربعة، وابن هشام زيادة على ستين، لأنه لا يلزم من عدم معرفة أسماء من قتل على التعيين، أن يكونوا جميع القتلى، (استشار النبي عَ ل أبا بكر وعمر، وعليًا). وفي رواية أحمد، عن أنس، فقال: إن اللّه قد مكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، (فقال أبو بكر: يا نبي اللّه هؤلاء بنو العم، والعشيرة والإِخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة،) أي: مقويًا (لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم اللّه) للإِسلام، (فيكونوا لنا عضدًا:) ناصرين، فحاصله أنه رأى عدم القتل استبقاء للقرابة، ولرجاء إسلامهم مع أخذ الفدية، مراعاة للجيش ليقووا على الكفار (فقال عَّةٍ: ما ترى يا ابن ٤٥ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم اللَّه أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشر كين، فهوي ما هوی أبو بكر ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول اللَّه عَلَّه. وإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان فقلت يا رسول اللَّه أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال النبي عَِّ: أبكِ للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿عظيم﴾. الخطاب، قال: قلت واللّه ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، فاضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل:) أخيه، شقيقه، (فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه:) يعني العباس: (فيضرب عنقه) أي: يقتله (حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة) (بفتح الهاء والواو فألف فدال مهملة فهاء)، ميل ورجوع (للمشركين). زاد في رواية: هؤلاء أئمة الكفر وصناديد قريش وأئمتهم وقادتهم، فاضرب أعناقهم، ما أرى أن تكون لك أسرى، فإنما نحن رعايا مؤلفون، (فهوى) (بكسر الواو)، أحب (ما هوى أبو بكر، ولم يهو ما قلت) لما جبل عليه من الرأفة والرحمة في حال إيذائهم له، فكيف في حال قدرته عليهم، ولم يذكر رأيًا عن علي، لأنه لم يظهر له مصلحة حتى يذكرها، أو لأنه لما رأى أن المصطفى هوى قول أبي بكر، رآه أنه الصواب، فسكت عليه، (فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول اللّه عَّ﴾ وإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول اللّه أخبرني ماذا بيكيك أنت وصاحبك؟،) لأن عمر ما تغير رأيه، (فإن وجدت بكاء)، أي: سببًا له، بحيث تطاوعني عيني في نزول الدمع (بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت)، أي: تشبهت بالباكين موافقة لكما، وإن لم يسل دمع، (فقال النبي عَّهُ: أبك للذي عرض،) ضمنه معنى نزل، فعداه بعلي في قوله: (على أصحابك من الفداء لقد عرض عليّ عذابكم،) أي: أظهر لي، يقال: عرض له أمر إذا ظهر (أدنى) أقرب (من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه فأنزل اللّه تعالى). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد والترمذي: فنزل القرآن بقول عمر: (﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، إلى قوله: عظيم﴾). وفي حديث أنس عند أحمد فأنزل اللّه ﴿لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم ٤٦ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وقوله: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾: أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. وليس في هذا إلزام ذنب للنبي عَّه، بل فيه بيان ما خص به وفضّل من بين سائر الأنبياء عليه الصلاة والسلام فكأنه عز وجلّ قال: ما كان هذا لنبي غيرك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي)). وأما قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فقيل المراد بالخطاب من أراد عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾، فقال: عَّهُ إِن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، (وقوله: ﴿حتى يشخن في الأرض﴾، أي: يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإِسلام ويستولي أهله) على البلاد وقيل: معنى يثخن: يتمكن في الأرض، وما كان نفي للكون، وجاء بمعنى لا يليق ولا ينبغي أن يأتي به، وبه فسر المستدل بالآية على الصغائر وقد رده، بقوله: (وليس في هذا إلزام ذنب للنبي عَّةٍ، بل فيه بيان ما خص به) إكرامًا له، (وفضل به من بين سائر) باقي (الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه عزّ وجلّ، قال: ما كان هذا؟،) أي: لم يقع (لنبي غيرك، كما قال عليه الصلاة والسلام: أحلت لي الغنائم). وفي رواية المغانم: (ولم تحل لنبي قبلي،) قيل: ليس في الآية دليل على ما قال المصنف، بخلاف الحديث، ورد بأن الفداء في معنى الغنائم، لأنه مال مأخوذ من الكفرة، فذكر الحديث إشارة إلى أنه يؤيد هذا التأويل، وفي المسائل الأربعين للرازي، العتاب وقع هنا على ترك الأولى، لأن الأفضل في ذلك الوقت الإِثخان وترك الفداء قطعًا للأطماع، ولولا أنه خلاف الأولى ما فوضِه عَّهِ لأصحابه، وفي حواشيه للقرافي الصواب إنه فوض الاجتهاد في أمر الأسرى له، ففوضه لأصحابه، فرأى عمر القتل، وكان هو المصلحة، وهو من إحدى موافقاته، واجتهاد الصحابة لم يؤد للمصلحة، فخلص عمر ولم يؤاخذ النبي عَُّ لبذل جهده، في اجتهاده، فله الأجر. ولذا قال: عرض عليّ عذابكم دون عذابي، لخروجه عن موجبه يبذل جهده، وإلى هذا ذهب فحول العلماء جمعًا بين ظاهر الآية وما يجب لمقامه عَّ له من العصمة، (وأما قوله تعالى: (﴿تريدون عرض الدنيا﴾،) الوارد بحسب الظاهر على إخباره أن الغنائم خصوصية له، إذ لو كان كذلك ما عوتبوا على أخذ الغداء، بقوله: ﴿تريدون عرض الدنيا، واللّه يريد الآخرة﴾، (فقيل) في الجواب: (المراد بالخطاب من أراد ذلك منهم) أي: الصحابة، (وتجرد:) خلص ٤٧ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ذلك منهم وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي عَّهِ ولا علية أصحابه. بل قد روي عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو. ثم قال تعالى: ﴿لولا كتاب من اللَّه سبق﴾ فاختلف المفسرون في معنی هذه الآية: فقيل معناه: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم، فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية. وقيل: لولا إيمانكم بالقرءان، وهو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم. وتمحض (غرضه) بمعجمتين، أي: قصده (لعرض) بمهملة فمعجمة (الدنيا وحده)، أي: منفردًا عن قصد ثواب الآخرة، وهو مؤكد لما قبله، (والاستكثار منها) بأخذ ما يناله، (وليس المراد بهذا) الخطاب (النبي عَّةٍ) لشرف نفسه عن النظر لها، (ولا علية) (بكسر العين وإسكان اللام وخفة الياء)، أي: معظم (أصحابه))) كأبي بكر، وأن أشار بالفداء، فلرجاء الإِسلام والتقوى على الكفار ومراعاة القرابة، كما مر، (بل) إضراب انتقالي. (قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسلب) (بفتحتين) ما يسلب، أي: يؤخذ من القتلى من لباس ونحوه، (وجمع الغنائم عن القتال) متعلق باشتغل (حتى خشي عمر أن، يعطف) يرجع (عليهم العدو) کارًا، (ثم قال تعالى: ﴿لولا كتاب من اللّه سبق﴾﴾ [الأنفال/٦٨]، تقدم على هذه القصة بإحلال الغنائم والأسرى لكم ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال/٦٨]، (فاختلف المفسرون) في معنى هذه الآية،) فإن أردت بيان معناه، (فقيل: معناه) كما نقله الطبري عن محمد بن علي بن الحسين، (لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم) على ما أخذتم من الفداء، إذ لو كان منهيًا عنه محرمًا لاستحق بمخالفته العذاب، فالمراد بالكتاب حكم اللّه الذي كتبه وقدره، (فهذا) التفسير (ينفي:) يمنع (أن يكون أمر الأسرى،) أي: فداؤهم (معصية) لعدم النهي عنه. (وقيل:) المعنى (لولا إيمانكم بالقرآن، وهو الكتاب السابق،) المراد في قوله: ﴿لولا كتاب من اللّه سبق﴾، (فاستوجبتم به الصفح:) عدم المؤاخذة (لعوقبتم على) أخذ ٤٨ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم. وهذا كله ينفي الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال اللَّه تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا﴾. وقيل: بل كان عليه الصلاة والسلام قد خير في ذلك، وقد روي عن علي قال: جاء جبريل عليه السلام إلى رسول اللَّه عَّهِ يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه. (الغنائم،) وما في حكمها من الفداء. قال عياض: ويزاد هذا القول تفسيرًا وبيانًا، بأن يقال: لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقيتم كما عوقب من تعدى، أي: تجاوز ما نهى عنه، فالكتاب على هذا القرآن، وسبقه تقدمه أزلاً، أو لتقدم ما نزل. (وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ،) المكتوب فيه جميع ما هو كائن، (إنها،) أي: الغنائم (حلال لكم) الانتفاع بها والتصرف فيها، (لعوقبتم) على أخذها، (وهذا كله ينفي الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص)، فلا دليل فيها على تجويز الصغائر على الأنبياء، وأصرح من ذلك ما (قال اللّه تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا﴾) [الأنفال/٦٩]، أي: انتفعوا به لا خصوص الأكل وذكره لكثرته وغلبته واستدل به الأكثر على أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة. (وقيل: بل كان عليه الصلاة والسلام قد خير في ذلك) أخذ الفداء والقتل فلما أخذ قيل كان الأولى خلافة، (و) يدل على أنه خير أنه (قد روى) عن الترمذي والنسائي وابن حبان والحكم، بإسناد صحيح، فما كان ينبغي تعبيره. يروى (عن علي، قال: جاء جبريل عليه السلام إلى رسول اللّه عَّله يوم بدر،) أي: زمنه، (فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاؤا القتل) قتلوا، (وإن شاؤا الفداء،) فليفدوا (على أن يقتل منهم في العام، المقبل) التالي لهذا العام أي: إن اللّه قدر عليهم إن أخذوا الفداء يقتل من الصحابة (مثلهم) سبعين، (فقالوا:) نختار (الفداء، ويقتل منا) مثلهم رغبة في الشهادة. وعند ابن سعد من مرسل قتادة، فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم، ويدخل القابل منا الجنة سبعون، ففادوهم، (وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه،) فلا ذنب ٤٩ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، فكلهم غير عصاة ولا مذنبين. وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر اللَّه تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادى في سرية عبد اللّه بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما ولا معصية، (لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين:) وهو الفداء باجتهاده، وهو جائز بحضرته عليه الصلاة والسلام (مما كان، الأصلح) للإِسلام (غيره من الأثخان والقتل) الذي هو أعز الوجهين بيان لغيره (فعوتبوا على ذلك) أي: اختيار غير الأصلح (وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم،) وهو عمر، (فكلهم غير عصاة ولا مذنبين،) لأن كلا منهم اختار ما أدى إليه اجتهاده، ظانًا أن الخير فيه. قال عياض: وإلى نحو هذا أشار الطبري، وقوله عَّله: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر، إشارة إلى أن هذا من تصويب رأيه، ورأى من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين وإظهار كلمته وإبادة عدوه، وأن هذه القصة لو استوجبت عذابًا لنجا عمر، وعينه، لأنه أول من أشار، بقتلهم ولكن اللّه لم يقدر عليهم ذلك لحله لهم فيما سبق. وقال الداودي: الخبر بهذا لم يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أنه عَّهِ يحكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر فيه إليه، وقد نزهه اللّه عن ذلك، هكذا في الشفاء قبل قوله: (وقال القاضي بكر) بن محمد (بن العلاء) بن محمد البصري، ثم المصري، أحد كبار المالكية والمحدثين، له تصانيف جليلة، تقدمت ترجمته، (أخبر اللّه تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء،) وكيف لا يكون الفداء حلالهم قبل ذلك، (وقد كان عَّ قبل هذا،) أي: غزوة بدر، (فأدى في سرية عبد الله بن جحش) الأسدي، ابن عمته عليه الصلاة والسلام أميمة، أحد السابقين الأولين، استشهد بأحد (التي قتل فيها) عمرو (بن الحضرمي) بسهم رماه به واقد بن عبد الله، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد اللّه في سرية يعترض عبر قريش، فنزلوا بطن نخلة، وقتل ابن الحضرمي، وأسر الحكم وعثمن بن عبد اللّه (بالحكم بن كيسان)) متعلق بفادى لا بقتل، وكان الأولى حذف الباء، وأسره المقداد بن الأسود، فأراد ابن جحش قتله، فقال المقداد: دعه، تقدم به على رسول اللّه عَ لَّه، فأسلم وحسن إسلامه، واستشهد ببئر معونة، (وصاحبه) عثمن بن عبد الله، ذهب حين فدى إلى مكة، فمات بها كافرًا، (فما عتب اللّه ذلك عليهم،) فلو كان ممنوعًا لعتب، (وذلك قبل بدر ٥٠ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه عتب اللَّه ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من عام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي عَّ في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة على ما تقدم قبل ذلك مثله فلم ينكره اللَّه عليه. لكن اللَّه تعالى أراد لعظم أمر بدر وكثرة أسرارها - والله أعلم - إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلاً * بأزيد من عام،) هذا سهو، لأن السرية كانت في رجب، وقيل: في جمادي الآخرة، وبدر في رمضان، كلاهما في ثانية الهجرة، فبينهما أقل من ثلاثة أشهر، وقد تعقبوا الشفاء، متبوع المصنف بهذا، ومثله، لا يخفى عليهما، ولكن الكمال لله، (فهذا كله يدل على أن فعل النبي ◌َّ في شأن الأسرى كان على تأويل) باجتهاد منه ومن أصحابه، (وبصيرة) جريًا (على ما تقدم قبل)، أي: قبل (ذلك) الفعل (مثله، فلم ينكره الله عليه، لكن الله تعالى أراد) : وله ما كان لنبي ... الخ. (لعظم أمر بدر،) بكسرها شوكة المشركين وإرعاب قلوبهم، فلو زادوا ذلك بقتل الأسرى كان أقوى، (وكثرة أسرارها،) جمع أسير، (والله أعلم) بما أراد جملة معترضة، (إظهار نعمته) مفعول أراد، أي: ظهورها على المسلمين، (وتأكيد منته) عليهم (بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ) على أحد الوجوه السابقة قريبًا في المراد بالكتاب (من حل ذلك) لهم، (لا على وجه عتاب،) أي: لوم، بل لبيان النعمة (أو إنكار) عليهم (أو تذنيب،) أي: نسبتهم لذنب في فعلهم (قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى:) في الشفاء من أول قوله: وليس في هذا إلزام ذنب إلى هنا وهو وجيه خلافًا لقول بعض شراحه؛ أنه تكلف لا ينبغي ارتكابه، والحق أنه عتاب من الله. وفي فتح الباري: اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر، لأنه وافق ما قدر اللّه في نفس الأمر، ولما استقر عليه الأمر، ولدخول كثير منهم في الإِسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن اللّه تعالى في حق من كتب له الرحمة، وأما من رجح الرأي الآخر، فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء، وهو ظاهر، لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول، بل ورد للإشارة إلى ذم من آثر شيئًا من الدنيا على الآخرة، ولو قل، (وأما قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾) على الحق بالعصمة، (﴿لقد كدت﴾) قاربت (﴿تر كن﴾) تميل (﴿إليهم ٥١ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء/٧٤] الآية. فالمعنى: لولا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلاً عن أن تركن. وهو صريح في أنه عَِّ ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، فالعصمة بتوفيق الله وحفظه، ولو قاربت لأذقناك شيئًا﴾) ركونًا (﴿قليلاً﴾) لشدة احتيالهم وإلحاحهم، وهو صريح في أنه عَّ ما ركن ولا قارب، (﴿إِذَا لأذقناك ضعف﴾) عذاب (﴿الحياة، وضعف﴾) عذاب (﴿الممات﴾) أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة (الآية،) ثم لا تجد لك علينا نصيرًا مانعًا منه. أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: خرج أمية بن خلف، وأبو جهل، ورجال من قريش، فأتوا رسول اللّه عَّهِ، فقالوا: يا محمد تعال، فتمسح بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرق لهم، فأنزل اللّه ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الأعراف/٧٣] الآية، إلى قوله: ﴿نصيرًا﴾. قال السيوطي: هذا أصح ما ورد في سبب نزولها، وهو إسناد جيد وله شاهد. أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: كان عَّةٍ يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا، فقال عَّله: وما عليّ لو فعلت، والله يعلم مني خلافه، فنزلت، (فالمعنى، لولا أن ثبتناك لقاربت:) تفسير لكدت (أن تميل إلى اتباع مرادهم،) تفسير لتركن من الركون، الذي هو أدنى ميل، على ما قال المفتي، وعليه فقوله: شيئًا قليلاً، كالصفة الكاشفة لمعنى تركن، (لكن أدركتك عصمتنا، فمنعت أن تقرب فضلاً عن أن تركن،) وببيان المعنى حصل الجواب عن الآية، وإنها من الآيات المادحة للمصطفى، لا أنها من المتشابهات، (وهو صريح في أنه عَِّ ما هَمَّ بإجابتهم،) أي: قريش لما طلبوه منه، من التمسح بآلهتهم والإلمام بها على الأصح في سبب نزولها، وبه استدل من قال هذه الآيات مكية، ومن قال: إنها مدنية، استدل بما رواه ابن مردويه عن ابن عباس؛ أن ثقيفًا قالوا للنبي عَّه: أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا ما يهدى لها أحرزناه، ثم أسلمنا، فهم أن يؤجلهم فنزلت وإسناده ضعيف. وذكر الثعلبي بلا إسناد عن ابن عباس، أنها نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتی تعطینا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر، ولا نحضر، ولا نحني في صلاتنا، و کل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وإن تمتعنا باللات سنّة، وتحرم وادينا كمكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك، فقل: إن الله أمرني. قال الولي العراقي: لم أقف له على إسناد (مع قوة الداعي إليها،) لشدة احتيالهم وقوة خدعهم، وكونه في مقام التلطف بهم والحرص على إيمانهم، (فالعصمة بتوفيق الله وحفظه) عن ٥٢ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ضعف الحياة وضعف الممات، أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ الخطير أخطر، وقد أعاذه اللَّه تعالى من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه. ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك قوله: أنحوي هذا العصر ما هي لفظة جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت وإن اثبتت قامت مقام جحود وفسر الأول وهو النفي المثبت بنحو ﴿ذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة/ ٧١]، وقد فعلوا والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى: ﴿لقد كدت ترکن إليهم) قالوا: وهو عَّه ثبت قلبه ولم يركن. مقاربة ذلك، (ولو قاربت لأذقناك ضعف) عذاب (الحياة، وضعف) عذاب (الممات،) تفسير لقوله: ﴿إِذ لأُذقناك﴾، (أي: ضعف ما يعذب به في الدارين) الدنيا والآخرة (بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ،) أي: ذنب (الخطير) الشريف (أخطر) أعظم من غيره، لأنه لشرفه حقه أن لا يقرب مما يلام عليه، بل يصون نفسه عن الهفوات وإن صغرت، (وقد أعاذه اللّه تعالى،) أي: عصمه (من الركون إلى أعدائه،) أي: أعداء اللّه (بذرة من قلبه،) أي: بشىء قليل صغير جدًا كالذرة، فضلاً عما فوقها. (ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك،) أي: إن كاد هنا، بمعنى قرب (قوله) ملغزًا: (أنحوى هذا العصر ما هي لفظة جرت في لساني جرهم وثمود) جرهم: بضم الجيم، حي من اليمن، وثمود قوم صالح، وخصهما زيادة في التعمية: (إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت وإن أثبتت قامت مقام جحود) (وفسر الأول، وهو النفي المثبت، بنحو ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾) [البقرة/ ٧١]٤) لغلاء ثمن البقرة، (وقد فعلوا) بنص، فذبحوها. (الثاني: وهو الثبوت المنفي، بنحو قوله تعالى: ﴿لقد كدت تركن إليهم﴾، قالوا:،) أي: العلماء كلهم، (وهو عَّ ثبت قلبه ولم يركن،) بنص قوله: ﴿ثبتناك﴾، وأيده بذلك وإن كان ضعيفًا لاشتهاره، كما في شرح الكافية والمغني، وقالا: إن من زعمه لم يصب، بل حكم كاد حكم سائر الأفعال، فمعناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل: كاد زيد يبكي، معناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء، ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكي، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة. ٥٣ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وأما قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة/٤٤، ٤٥، ٤٦]. فالمعنى: لو افترى علينا بشىء من عند نفسه لأخذنا منه باليمين وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه، وقد أعاذه اللَّه تعالى من التقول عليه. فإن قلت: لا مرية أنه يعفى للمحب ولصاحب المحاسن والإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع ولا شك أن نبينا مَّلِ هو الحبيب الأعظم ذو المحاسن والإحسان الأكبر، فما هذه العقوبة المضاعفة والتهديد الشديد الوارد إن وقع منه ما يكره، وكم من (وأما قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾) [الحاقة/٤٤]، أي: افترى، سمي تقولاً، لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كالأضاحيك (﴿لأخذنا منه باليمين﴾) بالقوة، والقدرة، (﴿ثم لقطعنا منه الوتين)) [الحاقة/٤٦] الآية، نياط القلب، وهو عرق متصل به إذا انقطع مات صاحبه، (فالمعنى: لو افترى علينا بشىء من عند نفسه،) كما زعم الكفار بنحو: إن هذا إلا إفك افتراه، (لأخذنا:) لنلنا (منه) عقابًا (باليمين، وقطعنا نياط قلبه، وأهلكناه، وقد أعاذه اللّه تعالى من التقول عليه،) أفلا تعقلون أنه تنزيل من رب العالمين، فالآية من جملة مدحه، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه، (فإن قلت: لا مرية،) لا شك (أنه يعفى للمحب:) اسم مفعول المحبوب أو اسم فاعل، أي: لمن أحب غيره، ولا شك أنه عليه السلام محب للّه ومحبوب له، (ولصاحب المحاسن والإِحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح مما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر:) (وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع) وفي القرآن إشارة إليه، ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء اللّه وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ [المائدة/١٨]، (ولا شك أن نبينا عَِّ هو الحبيب الأعظم) من كل حبيب، (ذو المحاسن والإِحسان الأكبر،) الفائق على كل محسن، (فما هذه العقوبة المضاعفة،) بقوله: ﴿إِذّا لأذقناك ضعف الحياة﴾ الخ. (والتهديد الشديد) في قوله: ﴿لأخذنا منه﴾ الخ، (الوارد) كل منهما، (إن وقع منه ما يكره) (بكسر الهمزة وسكون النون شرط)، (وكم من راكن إلى أعدائه،) أي: اللّه تعالى ٥٤ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه راكن إلى أعدائه ومتقول عليه تعالى من قبل نفسه لم يعبأ به كأرباب البدع ونحوهم؟ فالجواب: أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة اللَّه، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه بالأنعام وخصه بمزيد القرب والإكرام اقتضت حاله من حفظ مرتبة القرب والولاية والاختصاص أن يراعي مرتبته من أدنى تشويش وقاطع، فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل وأعم، فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل أو أخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران. وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد بذلك، فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذ بما لا يؤاخذ به غيرهم. وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أحدهما أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك عاملته بهذين الأمرين، حقيقة، فضلاً عن مقاربته، (ومتقول) (بكسر الواو، اسم فاعل كاذب) (عليه تعالى من قبل) جهة (نفسه، لم يعبأ) لم يبال (به، كأرباب البدع ونحوهم) من الخوارج وغيرهم. (فالجواب، أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة اللّه، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه) (بموحدة)( بالأنعام، وخصه بمزيد القرب) المعنوي (والإكرام،) وهذا بمعنى ما قبله، فهو اطناب (اقتضت حاله من حفظ مرتبة القرب والولاية، والاختصاص، أن يراعي مرتبته،) فيباعد نفسه (من أدنى:) أقل (تشويش، وقاطع) عن اللّه، (فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه، واتخاذه لنفسه، واصطفائه:) اختياره (على غيره، تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم، ونعمه عليه أكمل وأعم) من غيره، (فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل) (بفتح الفاء، كنصر، وفي لغة بكسرها)، (أو أخل بمقتضى مرتبته:) منزلته السنّية، (فبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران،) عظم ما يصدر منه لمنافاته لمرتبته، والمسامحة لمحبته وشدة نصحه لمحبوبه، (وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما، فالواقع) في عرف الآدميين (شاهد بذلك، فإن الملك) السلطان (يسامح خاصته وأولياءه،) الموالين له والمعاضدين، (بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذ بما لم يؤاخذ به غيرهم) ممن دونهم، (وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان، أحدهما: أحب إليك من الآخر وأقرب إلى ٥٥ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته عليك، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمك عليه اقتضت معاملته بما لا يعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرت إلى محبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه، وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه. وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع، حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج إذا تعداه إلى الزنا الرجم، وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد، وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه وأتم نعمته عليه ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق - الذي لم يجعل له هذه النعمة - نصف ذلك. فسبحان من بهرت حكمته في خلقه. فللَّه سر تحت كل لطيفة فأخو البصائر غائص يتعقل انتھی ملخصًا. قلبك وأعز عليك، عاملته بهذين الأمرين) المسامحة والمؤاخذة، (واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته عليك، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمك عليه،) بمعنى حسنه اختلاف اللفظ، (اقتضت) تلك الحالة التي هي النظر لكمال الإِحسان، (معاملته بما لا يعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإِهمال،) بيان لما، (وإذا نظرت إلى محبته لك وطاعته، وخدمته وكمال عبوديته، ونصحه) لك في أمورك، (وهبت له وسامحته، وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره، فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه، وقد ظهر اعتبار هذا المعنى) العرفي (في الشرع حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج إذا تعداه إلى الزنا الرجم،) لأن الذي مع المزني بها مع زوجته، (وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد،) لأنه معذور بالنسبة للمتزوج، فكفى جلده في عقوبته، (وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه، وأتم نعمته عليه، ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق الذي لم يجعل له هذه النعمة نصف ذلك،) كما قال: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، (فسبحان من بهرت) (بفتح الموحدة والهاء)، غلبت وظهرت (حكمته في خلقه) وما أحسن قول القائل: (فاللّه سر تحت كل لطيفة،) أي: رفق بالعبد لا يعلمه إلا هو سبحانه (فأخو البصائر) الناظر بعين البصيرة (غائص،) أي: غارق في المعاني والأفكار التي يتوصل بها إلى معرفة كماله عزّ وجلّ (يتعقل،) أي: يستعمل عقله فيما يوصل إليه (اهـ.) هذا الجواب ٥٦ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وأما قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى/٥٢]. فقيل: معناه ما كنت تدري الإيمان على التفصيل الذي شرع في القرءان. وقال أبو العالية: هو بمعنى الدعوة إلى الإيمان، لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو إلى الإيمان باللّه تعالى. وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ. حكاه الماوردي والواحدي والقشيري. وقيل: إنه من باب حذف المضاف، أي ما كنت تدري أهل الإيمان، أي من الذي يؤمن، أبو طالب، أبو العباس، أو غيرهما. وقيل: المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان، وقد سمى اللَّه (ملخصًا) حال. (وأما قوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب) القرآن (ولا الإِيمان) مع ما مر أنه عَِّ كان عالمًا باللّه وصفاته قبل النبوة (فقيل: معناه ما كنت تدري الإِيمان على التفصيل الذي شرع في القرآن،) فلا ينافي أنه كان يدريه إجمالاً. (وقال أبو العالية) رفيع ابن مهران التابعي الكبير (هو بمعنى الدعوة إلى الإِيمان) فيكون على حذف مضاف، (لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو) الناس (إلى الإِيمان بالله تعالى،) فلا ینافي علمه بأنه إله واحد. (وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإِيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ،) فلا ينافي عرفانه بعد ببصيرته. (حكاه الماوردي،) علي بن حبيب القاضي أبو الحسن البغدادي البصري، نسب أبوه لعمل الورد أو بيعه، والقياس الوردي صاحب التصانيف الجليلة مات سنة خمسين وأربعمائة عن ست وثمانين سنة (والواحدي) أبو الحسن على المفسر تلميذ الثعلبي، (والقشيري) الإِمام المشهور صاحب الرسالة. (وقيل: أنه من باب حذف المضاف أي: ما كنت تدري أهل الإِيمان أي: من الذي يؤمن أبو طالب) عبد مناف (أو العباس أو غيرهما،) فلا ينافي أنه مؤمن بالله وصفاته، وقد يدل له بقية الآية، ولکن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا. (وقيل: المراد به) أي: الإِيمان (شرائع الإِيمان ومعالمه،) أي: ما يدل عليه فهو على حذف مضاف أيضًا (وهي كلها إيمان وقد سمى اللّه الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع ٥٧ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة/١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عامًا والمراد الخصوص. كما قاله ابن قتيبة وابن خزيمة. وقد اشتهر في الحديث أنه عَّ كان يوحد اللَّه ويبغض الأوثان ويحج ويعتمر. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن علي: أنه قيل للنبي عَِّ هل عبدت وثنًا قط؟ قال: لا، قيل: فهل شربت خمرًا قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر. وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان. وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسمعيل كحج البيت والختان والغسل من الجنابة، وكان عليه الصلاة والسلام لا يقرب الأوثان ويعيبها، ولا يعرف شرائع اللَّه التي شرعها لعباده إيمانكم﴾) [البقرة/٤٣] الآية، (أي: صلاتكم إلى بيت المقدس) مدة، (فيكون اللفظ عامًا) وهو مطلق التصديق، (والمراد الخصوص،) وهو الشرائع والمعالم، (كما قاله ابن قتيبة) عبد الله بن مسلم (وابن خزيمة) محمد إمام الأئمة. قال بكر القاضي: فكان عَّهِ مؤمنًا بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل فزاد بالتكليف إيمانًا. قال عياض: وهذا أحسن وجوهه، (وقد اشتهر في) كتب (الحديث، أنه عَّ. كان يوحد اللّه ويبغض الأوثان،) كما في قصة بحير الراهب لما استحلفه باللات والعزى وهو صبي، فقال عَّلّهِ: لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما، فقال بحيرًا: فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك، فقال: سل عما بدا لك، (ويحج ويعتمر) مخالفًا للمشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، فكان من توفيق اللّه له يقف بعرفة، لأنه موقف إبراهيم. (وروى أبو نعيم، وابن عساكر، عن علي أنه قيل للنبي عَّله: هل عبدت وثنًا قط) صنمًا متخذًا من حجارة أو خشب أو غيرهما. وقيل: الصنم المتخذ من الجواهر المعدنية التي تذوب والوثن المتخذ من حجر أو خشب، (قال: لا) لم أعبده قط، (قيل: فهل شربت خمرًا قط قال: لا) ما شربته (وما زلت أعرف إن الذي هم عليه) من عبادة الأوثان (كفر، وما كنت أدري ما الكتاب، ولا الإِيمان، وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل، كحج البيت والختان والغسل من الجنابة،) وقد حلف أبو سفين بعد وقعة بدر لا يغسل رأسه من جنابة حتى يغزو محمدًا، (وكان عليه الصلاة والسلام لا يقرب) (بفتح الراء وضمها) (الأوثان،) أي: لا يدنو منها (ويعيبها) ٥٨ المقصد السابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه على لسانه، فذلك قوله: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار باللَّه، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون مع شركهم، والله أعلم. المقصد السَّابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وصحبه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده اللَّه فضلاً وشرفًا لديه. (بفتح الياء)، (و) الحال أنه حينئذٍ (لا يعرف شرائع اللّه التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان﴾) [الشورى/٥٤]، هو بمعنى ما قدمه، أعاده لزيادة قوله: (ولم يرد الإِيمان الذي هو الإقرار باللّه، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون باللّه ويحجون مع شركهم،) وقد كانوا في الفترة فهم لا يعذبون، إذ لا يجب فيها إيمان، ولا يمنع کفر على الصحيح. قال تعالى: (﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾) [الإسراء/١٥]، ومفهومه أن منهم من مات على الإِيمان، ورجح الرازي وغيره أنه لم يكن في آبائه شرك، ومر بسط ذلك في أول الکتاب (انتھی). هذا المقصد (واللّه أعلم،) وله الحمد على ما أنعم، ونسأله إتمام الإِحسان بالإِتمام، وأن يجعله خالصًا له بجاه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. (المقصد السابع) (في) بيان (وجوب محبته، و) بيان وجوب (اتباع سنّته:) طريقته التي كان عليها، وهي شاملة للواجب، والمستحب والمباح، ومعنى وجوب اتباعها اعتقاد حقية ما دلت عليه، وأن مباحًا، وأنه عن اللّه، وأما مباشرة الفعل، فتختلف بالوجوب والندب والإِباحة والحرمة والكراهة، ولا يشكل بأن المستحب يجب بالنذر فيخالف سنّته، لأنه عَِّ أمر بالوفاء به كالقرآن، فهو من سنَّته (و) بيان وجوب (الاهتداء بهديه وطريقته،) بأن يقتدي به فيما ورد عنه، وافق غيره من بقية الأنبياء، كالتوحيد، أو خالفهم كالأحكام الناسخة لشرائع من قبله، (وفرض محبة آله وصحبه)،) عبر بفرض، وفيما قبله بوجوب تفننا، وذكره اهتمامًا بهم لئلا يتساهل في محبتهم لعدم بلوغهم رقبته، ولا يصح حمله على مذهب الفارقين بين الواجب والفرض، لأن المقام يأباه، إذ يصير المعنى محبة المصطفى بدليل ظني ومحبة آله وصحبه بدليل قطعي، (وقرابته وعترته) (بكسر العين وإسكان الفوقية) عطف خاص على عام أو مساوٍ للقرابة. قال ابن الإِعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، ولا تعرف العرب من العترة ٥٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته،! اعلم أن المحبة - كما قال صاحب ((المدارج)) - هي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها بروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح غير هذا، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، فهذا الأخير صريح في أنه عطفٍ مساوٍ، والقولان: قبله خاص على عام، (وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده اللّه فضلاً وشرفًا لديه،) أي: عنده والجمع بينهما أطناب، أو الأول لطلب زيادة العلوم والمعارف الباطنة، والثاني: لطلب الأخلاق الكريمة الظاهرة، أو الأول ضد النقص، والثاني: علو المجد وهو ميل إلى ترادفهما، وسؤال الزيادة لا يشعر بسبق نقص لقبول الكامل زيادة الترقي في غايات الكمال، فاندفع زعم جمع امتناع الدعاء له عقب نحو، ختم القرآن، باللهم إجعل ذلك زيادة في شرفه على أن جميع أعمال أمته يتضاعف له نظيرها، لأنه السبب فيها أضعافًا مضاعفة لا تحصى، فهي زيادة في شرفه، وأن يسئل له ذلك، فسؤاله تصريح بالمعلوم، كما في التحفة، (وفيه ثلاثة فصول:) (الأول: في وجوب محبته واتباع سنّته والاقتداء بهديه وسيرته عََّّ، اعلم أن المحبة،) اللام عوض عن المضاف إليه، أي: محبة المصطفى، وبدأ ببيانها لأن الحكم على الشىء فرع تصوره، فاعتقاد وجوبها إنما يكون بعد تصورها، (كما قال صاحب المدارج،) أي: مدارج السالكين اسم لشرح ابن القيم على كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري، من ولد أبي أيوب الصحابي، المؤلف، الواعظ ستين سنة للناس، الميت سنة، إحدى وثمانين وأربعمائة عن ست وثمانين سنة (هي المنزلة): الرتبة العلية (التي يتنافس فيها المتنافسون) أي: يتسابقون إليها ويتزاحمون عليها؛ بأن يطلبها كل واحد، وادًا أنه يبلغ فيها مرتبة لا يبلغها غيره. وفي القاموس: نافس فيه رغب على وجه المباراة في الكرم، كتنافس،(وإليها يشخص العاملون،) أي: يرفعون أبصارهم مجتهدين في تحصيلها، والمراد أنهم يجتهدون في الأعمال ويخلصون فيها، لينالوا بها تلك المرتبة السنّية، وعبر عن ذلك بشخوص المبصر لما جرت به العادة، إن من طلب غائباً عنه وانتظره كثر تلفته ونظره إلى الجهة التي يأتي منها، (وإلى علمها،) أي: معرفتها (شمر السابقون،) اجتهدوا في معرفتها والوصول إليها، (وعليها تفاني) ٦٠ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وقوة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده ففي بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام. واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيه، وتوصلهم إلى منازل لم (بفاء ونون) (المحبون،) أي: تغالبوا في فنائهم فيها، فكل يريد أن يغلب غيره فيها، بأن تزيد محبته على محبة غيره، (وبروح نسيمها) (بفتح الراء)، بمعنى الراحة، كأنه شبه المحبة من حيث اللذة وانبساط النفس بها بريح طيبة هابة، تحيا بها النفوس، وأثبت لها النسيم تخييلاً، والروح بمعنى الراحة ترشيحًا (بروح) بالتثقيل (العابدون،) أي: وصل إليهم رائحة منها اطمأنت بها نفوسهم واستلذوا بها وارتاحوا، (فهي قوت القلوب،) أي: هي للقلوب كالقوت من حيث أنها تحيا بها، وتتقوى، كما يقوي البدن بالقوت، وهو ما يقوم به من الطعام جمعه أقوات (وغذاء) (بکسر الغین وذال معجمتين) (الأرواح:) جمع روح، بالضم يذكر ويؤنث، تشبيه بليغ كسابقه، أو كل منهما استعارة نحو زيد أسد، وأضاف القوت القلوب، لأنها من البدن، وهو ينتفع بما يؤكل، والغذاء للأرواح، لأنها لا تنتفع بما يؤكل وإنما تنتفع بالأذكار ونحوها. (وقرة) (بضم القاف) (العيون،) أي: سرورها بالمحبة وسكونها عن الالتفات إلى غيرها، (وهي الحياة، التي من حرمها فهو جملة الأموات،) لأنه لا يجد لذتها كالأموات، ولا عائدتها، (والنور الذي من فقده. ففي بحار الظلمات،) أي: فهو كالمنغمر فيها، بحيث لا يهتدي إلى شیء ينفعه، (والشفاء) بالمد. قال ابن الجوزي في كتابه نزهة البيان: الشفاء ملائم للنفس، يزيل عنها الأذى، ويستعمل في القرآن على ثلاثة أوجه: الفرح، كقوله: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾، أي: بسرهم والعافية، كقوله: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء/٨٠] الآية، والبيان، كقوله: ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس/٥٧]، (الذي من عدمه) (بكسر الدال) فقده (حلت بقلبه جميع الأسقام:) الأمراض الطويلة (واللذة التي من لم يظفر:) يفز (بها، فعيشه كله هموم:) أحزان جمع هم، (وآلام،) جمع ألم، (وهي روح الإِيمان،) تشبيه بليغ، أي: له كالروح للأبدان، (و) روح (الأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت) تلك الأربعة (منها، فهي كالجسد الذي لا روح فيه،) فهو بيان لوجه الشبه في الأربع، ويحتمل أنه بيان لقوله، وهي روح الحياة، إلى هنا (تحمل أثقال) أحمال (السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس:) بجهدها (بالغيه) واصلين إليه على غيرها. وأخر بالغيه لرعاية السجع، (وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها