Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام أي: لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أو: فاقسم، و((لا)) مزيدة للتأكيد، وهذا قول أكثر المفسرين بدليل قوله تعالى: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾. 1 -- قال الزمخشري: والوجه أن يقال هي للنفي، أي أنه لا يقسم بالشىء إلا إِعظامًا له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. أقسم سبحانه وتعالى بالنجوم في أحوالها الثلاثة: في طلوعها وجريانها وغروبها، وبانصرام الليل وبإقبال النهار عقيبه من غير فصل، فذكر سبحانه حالة مرجوم بالكواكب واللعنة، وغير ذلك نفي لقول قريش: إن محمدًا كاهن، (أي: لا أقسم، إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم،) فلا ليست بزائدة عند كثير من المفسرين، لأن الأصل عدم الزيادة، (أو فأقسم، ولا مزيدة للتأكيد) والتقوية، (وهذا قول أكثر المفسرين،) وهو أنسب بالمقام، وبما عقد له الفصل، (بدليل قوله تعالى: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾) [الواقعة/ ٧٦] الآية، إذ الآيتان في بيان شأن القرآن، فهما متوافقتان في المعنى. (قال الزمخشري: والوجه،) أي: المتجه (أن يقال هي للنفي) لا زائدة، (أي: أنه لا يقسم بالشىء إلا إعظامًا له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي بأقسامي به كلا إعظام،) ولم أوهم اللفظ ما ليس بمراد دفعه، بقوله: (يعني أنه يستأهل،) أي: يستحق (فوق ذلك،) وفي ابن عطية: لا إما زائدة، وأما رد لقول قريش: ساحر كاهن ونحوه، وتكذيبهم نبوته عَّم، ثم ابتدأ ما بعده، (أقسم سبحانه وتعالى بالنجوم في أحوالها الثلاثة في طلوعها،) المفهوم من الخنس، لأنها الكواكب التي تظهر ليلاً، (وجريانها) في سيرها، بقوله: الجوار، (وغروبها) المفهوم من قوله: الكنس، أي: السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش، إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر، كما في الأنوار، وفي ابن عطية جمهور المفسرين أن الجوار الدراري السبعة: الشمس، والقمر، وزحل، وعطارد، والمريخ، والزهرة، والمشتري. وقال علي ابن أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر، وذلك لأن هذه الخمسة تخنس في جريانها، أي: تتقهقر وترجع فيما ترى العين، وهي جوار في السماء، وهي تكنس في أبراجها، أي: تستتر. وقال علي أيضًا، والحسن وقتادة: المراد النجوم كلها، لأنها تخنس وتكنس بالنهار حتى ٤٦٢ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام ضعف هذا وإدباره، وحالة قوة هذا وإقباله، يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته أن القرءان قول رسول كريم، وهو هنا جبريل، لأنه ذكر صفته قطعًا بعد ذلك بما يعنيه به. تختفي. وقال ابن مسعود، والنخعي، وجابر بن زيد، وجماعة: المراد بالخنس الجوار الكنس: بقر الوحش، لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها، وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه. وقال ابن عباس والحسن أيضًا والضحاك: هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه صفة لازمة، لأنه يلزمها الخنس، وكذا في بقر الوحش أيضًا. انتهى. (وبانصرام الليل،) أي: ذهابه المفهوم من قوله إذا عسعس، (وبإقبال النهار عقيبه) (بالياء لغة) في عقب (من غير فصل،) المفهوم من قوله: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير/١٨]. قال ابن عطية: عسعس الليل في اللغة إذا كان غير مستحكم الظلام، فقال الحسن: ذلك وقت إقباله، وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم، وابن عباس، وعلي، ومجاهد، وقتادة: ذلك عند إدباره، وبه وقع القسم، ويرجح هذا قوله بعد ﴿والصبح إذا تنفس﴾، فكأنهما حالان، ويشهد له قول علقمة: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وقال المبرد: أقسم بإقبال الليل وإدباره معًا، قال الخليل: يقال عسعس الليل، وسعسع إذا أقبل وأدبر وتنفس الصبح، استطاروا تسع ضوؤه، قال علوان بن قيس: وليل دجوجي تنفس فجره لهم بعد ما خالوه لن يتنفسا (فذ کر سبحانه حالة ضعف هذا)، أي: اللیل (وإدباره) من حیث أنه لا يهتدی فیه إلى المصالح الدنيوية، وليس محلاً للسعي والتردد، (وحالة قوة هذا)، أي: الصبح، (وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس)، أي: زاد نوره (هرب الليل وأدبر بين يديه)، وفي تنفسه قولان: أحدهما: أن في إقبال الصبح روحًا ونسيمًا، فجعل ذلك نفسًا على المجاز الثاني؛ أنه شبه الليل بالمكروب، المحزون، فإذا جعل له التنفس وجد راحة، فكأنه يخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، كما في الخازن، (وذلك من آياته ودلائل ربوبيته،) ولذا أقسم به (أن القرآن قول) معمول أقسم، تفسير للضمير في ﴿إنه لقول (رسول كريم﴾،) وقول بمعنى مقول، ورسول بمعنى مرسل. قال ابن عطية: وكريم صفة تقتضي وقع المرام، (وهو هنا جبريل) عند جمهور المتأولين. ٤٦٣ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام وأما ((الرسول الكريم)) في سورة ((الحاقة)) فهو محمد عَّه. فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ ((الرسول)» يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله، فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدًا مَّهِ، فجبريل تلقاه عن الله، ومحمد ګے تلقاه عن جبريل. وقد وصف اللَّه تعالى رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهدى والبر والإرشاد، وهذا غاية الكرم. وذي قوة، كما قال في النجم: ﴿علمه شديد القوى﴾ فيمتنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وروي أنه رفع قريات قوم وقال آخرون هو محمد عَّله في الآية كلها، والأول أصح، (لأنه ذكر صفته قطعًا بعد ذلك بما يعنيه به) على وجه لا يحتمل أن المراد غيره، (وأما الرسول الكريم في سورة الحاقة، فهو محمد عَّ له) لا جبريل، لأنه قال: ﴿وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون﴾، ولا بقول كاهن والمشركون ما كانوا يصفون جبريل بالشعر والكهانة على ما يأتي، (فأضافه،) أي: القول (إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما) غير حقيقية، بل (إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ الرسول يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله). (فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدًا مَُّ، فجبريل تلقاه عن اللّه) تلقيًا روحانيًا (بضم الراء)، لا يكيف، (ومحمد عَّ تلقاه عن جبريل، وقد وصف الله تعالى رسوله الملكي في هذه السورة،) أي: التكوير؛ (بأنه كريم، يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهدى والبر والإِرشاد، هذا غاية الكرم،) نهايته التي ما بعدها غاية، (وذي قوة، كما قال في النجم (﴿علمه﴾،) أي: صاحبكم (﴿شديد القوى﴾) [النجم/٥] الآية، العلمية والعملية، (فيمتنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه،) أي: من القول بأن يريدوا منع جبريل من إيصاله إلى الرسول، أو منع الرسول من تبليغه للخلق، (وأن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه) شيئًا، ولو قل بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه. (وروي) مما يدل على قوته (أنه رفع قريات) (بفتح الراء جمع تصحيح لقرية، بسكون الراء قياسًا)، لأن ما كان إسمًا يجمع على فعلات (بالفتح)، كجفنة وجفئات، وما كان صفة يجمع بالسكون، كصعبة وصعبات، والمتبادر من المصباح إنها اسم، لأنه قال: القرية كل مكان ٤٦٤ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام لوط على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها. ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ أي: متمكن المنزلة، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم. مطاع، في ملائكة اللَّه تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم أمين على وحي اللَّه ورسالته، فقد عصمه اللَّه من الخيانة والزلل. اتصلت به الأبنية وأتخذ قرارًا، ويقع على المدن وغيرها، والجمع قرى على غير قياس، أي: جمع التكسير، والتصحيح قريات (قوم لوط على قوادم جناحه،) وهي أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح الواحدة، قادمة، كما في القاموس (حتى سمع أهل السماء نباح كلابها) (بضم النون) أصواتها (وأصوات بنيها،) وصياح ديكتها، ثم قلبها عليهم. روى ابن عساكر عن مطوية، قال: قال رسول اللّه عَ له لجبريل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين﴾، ما كانت قوتك وما كانت أمانتك، قال: أما فوتي فإني بعثت إلى مدائن قوم لوط، وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل، سوى الذراري، فحملتها من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن، فقلبتهن، وأما أمانتي، فلم أومر بشىء فعدوته إلى غيره. وقال: محمد بن السائب الكلبي: من قوة جبريل أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الماء الأسود، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، ومن قوته أيضًا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى ابن مريم على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفخه بجناحه نفخة ألقاه بأقصى جبل الهند، ومن قوته أيضًا: صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جائمين خامدين، ومن قوته أيضًا: هبوطه من السماء على الأنبياء، وصعوده في أسرع من طرفة عين ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ الآية، اختلف في تعلق عند ذي العرش، فقيل: متعلق بما قبله، وقيل: متعلق بمكين، (أي: متمكن المنزلة،) أي: عظيم مبجل، رفيع المقدار عنده، (وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم،) لاستحالة الحقيقة في اللّه تعالى، (مطاع في ملائكة اللّه تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم) بفتح المثلثة وشد الميم، اسم إشارة للمكان بمعنى هناك، أي: في السماء، كما دل عليه قوله عند ذي العرش، وإشارة البعيد والمقام، ونحوه قول الكشاف: مطاع عند ذي العرش في ملائكته، ويجوز تعلقه بقوله: (أمين)) أو بهما (على وحي اللّه ورسالته،) وخصه بذلك، لأن المقام يقتضيه، وهو مؤتمن عليه وعلى غيره. ولذا فسر بمقبول القول، مصدق فيما يقول: (فقد عصمه الله من الخيانة والزلل، فهذه ٤٦٥ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرءان، وأنه سماع محمد علّ له من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة، فقد تولى اللَّه تزكيته بنفسه، ثم نزه رسوله البشري وزكاه مما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون. ثم أخبر عن رؤيته ◌َّ لجبريل عليه الصلاة والسلام، وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر، خلافًا لقوم؛ حقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان، وهذا مما خالقوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي حَّةٍ لجبريل أهم من تقريره لرؤية ربه تبارك وتعالى، فإن رؤيته عليه الصلاة والسلام لجبريل هي خمس صفات،) بناءً على أن العندية والمكان ليسا بصفتين حقيقيتين، فلم يعدهما هنا، ولحظ الزمخشري أن كلا منهما دال على صفة كمال، فعدها سبعًا، وتبعه المصنف في موضعين تقدمًا، وعدها الرازي ستة، فجعل قوله: عند ذي العرش، متعلقًا بقوله: ذي قوة، (تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد عَّه من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة، فقد تولى اللّه تزكيته بنفسه) أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على اللّه تعالى مقال، (ثم نزه رسوله البشرى وزكاه مما يقول فيه أعداؤه) الكفرة، (فقال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾) [التكوير/٢٢]، (وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه) استكبارًا وعنادًا، (فهم يعلمون) تحقيقًا (أنهم كاذبون)) وإنما حملهم عليه البغي والعناد، (ثم أخبر عن رؤيته عَ لجبريل عليه الصلاة والسلام)، بقوله: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾، قال ابن عطية: ضمير رآه لجبريل، وهذه الرؤية كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض، وقيل: هي رؤيته عند سدرة المنتهى في الإِسراء، وسمي ذلك الموضع أفقًا تجوزًا وقد كانت لرسول الله مع رؤية ثالثة بالمدينة، وليست هذه ووصفه بالمبين، لأنه روى أنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة، وأيضًا فكل أفق فهو في غاية البيان، (وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج، يرى بالعيان) بكسر العين (ويدرك بالبصر خلافًا لقوم حقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل واتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير) إثبات وبيان (رؤية النبي عَّه لجبريل أهم من تقريره لرؤية ربه تبارك وتعالى، فإن رؤيته عليه الصلاة والسلام لجبريل هي أصل الإيمان، ٤٦٦ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام أصل الإيمان لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعًا، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب سبحانه وتعالى أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا تتوقف عليها البتة. ثم نزه سبحانه وتعالى رسوليه كليهما صلى اللَّه عليهما وسلم، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان وأدائها وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان. لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعًا،) لجحده ما انبنى عليه الإيمان، (وأما رؤيته لربه تعالى، فغايتها أن تكون مسألة نزاع،) خلاف بين العلماء من الصحابة، فمن بعدهم (لا يكفر جاحدها بالاتفاق، وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير) إثبات (رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب سبحانه وتعالى أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا تتوقف عليها البتة)، بقطع الهمزة، وقد ضعف أيضًا كون ضمير رآه لله تعالى؛ بأنه قول غريب، لم ينقل عن أحد ممن يعتمد عليه، ويأباه كل الاباء قوله: ﴿بالأفق المبين﴾، سواء كان نواحي السماء، أو حيث تطلع الشمس، إذ لم يقل أحد أنه رأى ربه بالأفق، وأجيب بأن رؤيته بالأفق كاستوى على العرش، والمراد بالأفق الذي فوق السماء السابعة، أو المراد به المنزلة العالية، كما أشار إليه الإمام الرازي. وقولهم: لم يقل به أحد يرده أنه روى عن ابن مسعود، (ثم نزه سبحانه وتعالى رسوليه كليهما عَ له، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم،) إذ يلزم من نفيه عن أحدهما صريحًا نفيه عن الآخر، لأنه تلقاه منه أو عنه (عما يضاد،) يخالف (مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة) (بكسر المعجمة وشد النون)، (والبخل) تفسير، (والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾،) أي: ما غاب عن الحس الذي أخبر به، أو ما هو وسائر الأنبياء على أخبار الغيب، فيشمل الذات والصفات والقرآن ويستدل به على غيره أو المراد ما غاب عن علمكم فيشمل أخباره عن المشاهد، والغائب (فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان، وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان،) ٤٦٧ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام والقراءتان كالآيتين، فتضمنت إحداهما - وهي قراءة الضاد - تنزهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت به أبخل ومعناه، وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل اللَّه، وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم. وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا: القرءان بالوحي. قال الفراء: يقول تعالى: يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه، فلا يضن به علیکم. وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشىء النفيس، ولاسيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول عٍَّ لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شىء وأجله. وقال أبو علي الفارسي: المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانًا. إذ لو فرض زيادة أو نقص أو كتم ما حصل المقصود، (والقراءتان كالآيتين، فتضمنت إحداهما، وهي قراءة الضاد) قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر، (تنزهه عن البخل، فإن الضنين البخيل، يقال: ضننت به أضن) (بفتح الضاد)، (بوزن بخلت به أبخل، ومعناه) عطف على بوزن فبابه فرح. زاد المصباح: وفي لغة من باب ضرب، (وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل اللّه،) بل يبلغه، (وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم،) وهو قريب من تفسير ابن عباس، أو أعم إن خص ما أنزل بالقرآن، (وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن بالوحي). (قال الفراء:) يحيى بن زياد بن عبد اللّه الأسدي، أبو زكريا الكوفي، نزيل بغداد النحوي المشهور. مات سنة سبع ومائتين، قيل له الفراء، لأنه كان يفري الكلام، وهو صدوق في الحديث، علق عنه البخاري، (يقول تعالى: ﴿يأتيه غيب من السماء وهو منفوس﴾،) أي: مرغوب (فيه، فلا يضن) (بفتح الضاد وتكسر)، لا يبخل (به عليكم، وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشىء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول مَّه لا يبخل عليكم بالوحي، الذي هو أنفس شىء وأجله). (وقال أبو علي) الحسن بن أحمد (الفارسي،) الإِمام المشهور، المتوفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة: (المعنى: يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به، ويظهره ولا يكتمه، كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه، حتى يأخذ عليه حلوانًا) ، بضم فسكون عطاء اسم من حلوته أحلوه .. ٤٦٨ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرءان بمتهم، بل هو أمين فيه لا يزيد فيه ولا ينقص منه. وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد عَّله، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ ثم قال: وما هو: أي وما صاحبکم بمتهم ولا بخیل فنفی سبحانه عن رسوله ێ ذلك كله، وزکی سند القرءان أعظم تزكية. واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول ﴾ [الحاقة/٣٨]. أقسم تعالى بالأشياء، ما يبصر منها وما لا يبصر، وهذا أعم قسم وقع في القرءان، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما (وأما قراءة من قرأ بظنين، بالظاء) كأبي عمرو، والكسائي، وابن كثير، (فمعناه المتهم، يقال: ظننت زيدًا بمعنى اتهمته،) فيتعدى إلى مفعول واحد، (وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين،) كظننت زيدًا قائمًا، (والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم،) فالنفي فبه، كالنفي في لا ريب فيه، (بل هو أمين فيه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه، وهذا يدل على أن الضمير فيه،) أي: قوله هو (يرجع إلى محمد عَّةٍ، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملکی) جبريل (بالأمانة، ثم قال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾،) يعني محمدًا بإجماع، (ثم قال: وما هو؟، أي: وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل) على القراءتين. ورجح أبو عبيدة قراءة الظاء مشالة بأن قريشًا لم تبخل محمدًا عَلَه، وإنما كذبته، (فنفى سبحانه عن رسوله عَلي ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية،) فلا يطلب بعد تزكية اللّه تزكية، لأنها أعظمها، (والله يقول الحق،) ماله حقيقة عينية مطابقة له الآية، (وهو يهدي السبيل) سبيل الحق، (وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾)) تشاهدون بالبصر (﴿وما لا تبصرون﴾) المغيبات (﴿إنه لقول رسول كريم﴾) [الحاقة/٣١]، (أقسم تعالى) تصريح بأن لا زائدة للتأكيد، قيل: نافية، أي: لا أقسم بذلك، وإن كان يستحق أن يقسم به لوضوح الأمر عن الاحتياج إلى قسم واستغنائه عن التحقيق بالقسم، وقيل: فلا رد لما تقدم من أقوال الكفار، واستأنف أقسم وقرأ الحسن، فلا قسم بلام القسم (بالأشياء، ما يبصر منها وما لا يبصر، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما ٤٦٩ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي واللوح والقلم، وكل مخلوق، وذلك كله من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله اللَّه عَ له، وأن ما جاء به هو من عند اللَّه تعالى وهو كلامه تعالى، لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال تعالى: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إنه القرءان حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود، ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره ((نفسه)) ومبدأ خلقه لا يرى،) دخل فيه الخالق وصفاته تعالى، كما في الخازن وغيره. (ويدخل في ذلك الملائكة كلهم، والجن والإِنس، والعرش والكرسي، واللوح والقلم وكل مخلوق،) وحيث شمل ذلك كله، فالحمل عليه أولى من الحمل على بعضه، فقيل: الدنيا والآخرة، أو ما على ظهر الأرض وبطنها، أو الأجساد، والأرواح، أو الإِنس والجن، أو الخلق والخالق، أو النعم الظاهرة والباطنة، أو ما أظهره اللّه من مكنون غيبه، واللوح والقلم، وجميع خلقه، وما لا تبصرون ما استأثر بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه، (وذلك كله من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم؛ أن كل ما يرى وما لا يرى آية، ودليل على صدق رسوله عَّة،) قد يتوقف فيه بأن كثيرًا من المخلوقات ليس فيه دلالة على ذلك، كذات السماء مثلاً، اللهم إلا أن يقال الأقسام بها دليل عظمتها وكمالها، ففيها دلالة على صدق المصطفى من حيث الأخبار عن اللّه أنه إنما خلق السموات وغيرها لأجله عَّةٍ، أو أن الأقسام بكل واحدة منها من حيث تعلق الأقسام به يثبت صدقه فيما جاء به، (وأن ما جاء به هو من عدد اللّه تعالى، وهو كلامه تعالى لا كلام شاعر ولا مجنون، ولا كاهن،) كما زعموا، (وأنه حق ثابت، كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال،) أي: ونظير ذلك قوله (تعالى: (﴿فورب السماء، والأرض إنه﴾،) أي: ما توعدونه (﴿لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾) [الذاريات/٢٣]، برفع مثل صفة، وما زائدة، وبفتح اللام مركبة مع ما المعنى مثل نطقكم في حقيته، أي: معلوميته عندكم ضرورة صدوره عنكم، فوجه التنظير بهذه الآية، أنه أقسم برب السماء والأرض على أن ما توعدوه حق، كما أن نطقكم الذي تأتون به حق لا تشكون فيه، (فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إنه،) أي: (القرآن) الذي رجع إليه ضمير إنه لقول رسول كريم (حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود،) فلا وجه للإنكار، (ويكفي الإِنسان من،) كذا في بعض النسخ الصحيحة من التي للبدل، وهو الصواب ٤٧٠ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا، ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله عَّ له، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لا تخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله عَّله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته يأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده واستباح دماء الواقع في أصله ابن القيم، وفي غالب النسخ مع، ولا معنى لها، إذ المعنى بدل (جميع ما يبصره وما لا يبصره نفسه،) كما قال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات/٢١]، أي: وفي أنفسكم أيضًا آيات من مبدأ خلقكم لي، منتهاه وما في تركيب خلقكم من العجائب، أفلا تبصرون ذلك فتستدلون به على صانعه وقدرته (ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا،) إذ ما في العالم شىء إلا وفي الإِنسان له نظير تدل ذاته على ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال الغربية واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة، كما في البيضاوي، (ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب). كذا في نسخ صحيحة متعددة، وهو الذي في أصله ابن القيم خلاف ما في بعضها أبين دلالة الرب، فإنه خطأ نشأ عن سقط (وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله عَّه، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان،) أي: طلاقة الوجه والتلطف بالضعفاء وحسن السيرة مع المؤمنين (قلبه،) من إضافة المسبب إلى السبب، أي: لم تخالط البشاشة الناشئة عن الإِيمان قلبه أو شبه الإِيمان بإنسان حسن الأخلاق، كامل التودد والصداقة لإِخوانه، وأثبت له ما هو من خواصه، وهو البشاشة تخييلاً، (ثم) بعد أن أثبت بالقسم أنه قول رسول كريم، ونفى عنه أقوال الكفرة، بقوله: ﴿وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين﴾، (أقام سبحانه البرهان:) الدليل (القاطع على صدق رسوله عَّة، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله،) بقوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾، قال الكشاف: سمي الافتراء تقولاً، لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كالأضاحيك، (وأنه لو تقول عليه وافترى،) عطف تفسير (لما أقره، ولعاجله بالإهلاك،) أي: عجل إهلاكه، (فإن كمال علمه وقدرته وحكمته يأبى أن يقر من تقول عليه) ما لم يقل، (وافترى عليه وأضل عباده، واستباح دماء من كذبه، وحريمهم) نساءهم (وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين ٤٧١ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام من كذبه وحريمهم وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم، بسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلاً إن اللَّه أمرني بذلك، وأباحه لي؟ بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك. والمراد بالرسول الكريم هنا محمد علّ له- كما قدمته - لأنه لما قال: ﴿إِنه لقول رسول كريم﴾ ذكره بعده ﴿أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن﴾، والمشركون ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة. وأقدر القادرين أن يقر على ذلك،) لا فهو استفهام بمعنى النفي، (بل) إضراب انتقالي لا إبطالي، (كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم،) أي: المكذبين له (يسفك دماءهم، ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم، قائلاً: إن الله أمرني بذلك وأباحه لي) استفهام بمعنى النفي أيضًا، أي: لا يكون ذلك، (بل) للإضراب الانتقالي أيضًا، (كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره) على ما فعله فيهم من سفك دمهم وغيره، (وبالآيات) المعجزات، (المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية) علامة ومعجزة (على انفرادها، مصدقة له، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال، وأبطل الباطل، وأبين البهتان،) أي: افتراء الكذب، (أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك،) ففي ذلك كله أبين الدلالة على صدقه عبد، (والمراد بالرسول الكريم هنا محمد عَة) في قول جماعة من أهل التفسير، (كما قدمته) في الآية التي قبل هذه، وأضيف إليه لأنه بلغه، وقال جماعة منهم: هو جبريل، والأول أصح، (لأنه لما قال: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾، ذكر بعده ﴿إنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن﴾، والمشركون ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة)، وأجيب بأنه يصح إرادة جبريل من حيث أن المشركين كانوا يصفون القول نفسه بأنه شعر وكهانة وإن لم يلحظوا قائله. قيل ذكر الإِيمان مع نفي الشاعرية، والتذكير مع نفي الكاهنية، لأن عدم مشابهة القرآن ٤٧٢ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه القرءان كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة/ ٧٥ - ٧٧]. الشعر لا ينكره إلا معاند، بخلاف مباينة الكهانة، فتتوقف على تذكر أحواله عَّه ومعاني القرآن النافية لطريقة الكهنة، ومعاني أقوالهم وأنت خبير بأن ذلك أيضًا مما يتوقف على قائل قطعًا. كذا في بعض التفاسير والله أعلم، (ومن ذلك قوله تعالى: ((فلا أقسم﴾،) قيل: لا زائدة، والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروفة، نحو: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾، فهي مؤكدة تعطي في القسم مبالغة ما، وهي كاستفتاح كلام، مشبهة في القسم إلا في سائر الكلام، القسم وغيره، ومنه قوله فلا، وأبى أعدائها لا إخوانها، المعنى: وأبى أعدائها، وله نظائر، وقرأ الحسن: فلا أقسم، بلا ألف، أي: فلا أنا أقسم، وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة، نافية كأنه، قال: لا صحة لما يقوله الكفرة، ثم ابتدأ أقسم (﴿بمواقع﴾،) بالجمع قراءة الجمهور، وقرأ عمرو ابن مسعود، وابن عباس، وأهل الكوفة وحمزة والكسائي، بموقع، بالإفراد مرادًا به الجمع، ونظيره كثير، ومنه أن أنكر الأصوات لصوت الحمير، جمع من حيث أن لكل حمار صوتًا مختصًا، وأفرد من حيث أن الأصوات كلها نوع (﴿النجوم﴾). قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم: هي نجوم القرآن التي نزلت على النبي. وذلك لأنه نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، وقيل: إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على المصطفى نجومًا مقطعة في عشرين سنة. قال ابن عطية: ويؤيده عود الضمير في أنه إلى القرآن، فإنه لم يتقدم ذكره إلا على هذا التأويل، ومن قال بغيره، قال: الضمير عائد على القرآن، وإن لم يتقدم ذكره لشهرة الأمر ووضوح الحق، کقوله: حتی توارت وكل من عليها. وقال جمهور المفسرين النجوم هنا الكواكب المعروفة واختلف في مواقعها، فقال مجاهد وأبو عبيدة: مواقعها عند غروبها وطلوعها. وقال قتادة: مواضعها من السماء. وقيل: مواضعها عند الانقضاض أثر الجن. وقال الحسن: مواقعها عند الانكدار يوم القيامة. انتهى، وهو ظاهر في أن للإِضافة على بابها، وأن الأقسام إنما هو بمواقعها لا بذواتها، وتجويز أنه من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالنجوم حين سقوطها خلاف الأصل، وظاهر اللفظ، وكلام المفسرين: (﴿وإنه لقسم﴾) تأكيد للأمر وتقييد من المقسم به لا اعتراض، بل معنى قصد التتميم به، وإنما الاعتراض (﴿لو تعلمون﴾) وقيل: أنه اعتراض، وأن لو تعلمون اعتراض في اعتراض، والتحرير ما ذكرناه، قاله ابن عطية: ((عظيم﴾،) أي: لو كنتم تعلمون، أي: من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم، (﴿إِنه﴾،) أي: المتلو عليكم (﴿القرءان كريم﴾،) هو الذي وقع القسم عليه، ووصفه بالكرم إثباتًا ٤٧٣ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام فقيل المراد بـ ((الكتاب)) اللوح المحفوظ. قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ [عبس) ١٣- ١٦]، قال الملك: أحسن ما سمعت في هذه أنها مثل الذي في ((عبس)، قال: ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، والأول أرجح لأن الآية سيقت تنزيهًا للقرءان أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون﴾ [الشعراء/٢١٠] وأيضًا: فإن قوله: ﴿لا يمسه﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان لصفة المدح له، ودفعًا لصفات الحطيطة عنه، (﴿في كتاب﴾) مكتوب (﴿مكنون﴾) مصون (﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ الآية)، تنزيل من رب العالمين. واختلف في الكتاب بعد الاتفاق على أن المكنون المصون، كما قال ابن عطية: (فقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ). (قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله:) كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره، (﴿في صحف﴾) خبر ثانٍ، لأنها وما قبله اعتراض (﴿مكرمة)) عند اللَّه، (﴿مرفوعة﴾) في السماء، (﴿مطهرة﴾) منزهة عن مس الشياطين، (﴿بأيدي سفرة﴾) كتبه، ينسخونها من اللوح المحفوظ، (﴿كرام برره﴾) مطيعين للَّه وهم الملائكة. (قال الملك) الإِمام: (أحسن ما سمعت في هذه) الآية في كتاب مكنون، (إنها مثل الذي في) صورة عبس، استدلال لما صححه. (قال) ابن القيم: (ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر) من الحدث، (والأول أرجح) عند غيره، يعني اللوح المحفوظ، إذ هو الأول في كلامه، ولا يخالفه قوله في الثاني؛ أنه الصحيح، لأنه عند نفسه، ويؤيد ذلك قول ابن القيم الخامس، أي: من التراجيح؛ أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا، فقوله: ﴿لقرآن، كريم في كتاب مكنون﴾، كقوله: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ الآية، (لأن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن، أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وما تنزلت به﴾) بالقرآن (﴿الشياطين، وما ينبغي﴾) بصلح (﴿لهم﴾) أن ينزلوا به، (﴿وما يستطيعون﴾) ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فترجح كون المراد ما بأيدي الملائكة. (وأيضًا فإن قوله ﴿لا يمسه﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا، ٤٧٤ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام نهيًا لكان مفتوحًا. ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس ههنا : رجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي، انتهى ملخصًا. وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود بن علي بأنه يجوز مس المصحف للمحدث. وأجاب ابن الرفعة في ((الكفاية)) عن أدلتهم المزخرفة فقال ما نصه: القرءان لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ لأنه غير منزل، ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي)، فقال: إنه خبر بمعنى النهي، وضمة السين ضمة إعراب، وقيل: هو نهي، وضمة السين ضمة بناء لا إعراب، (والأصل في الخبر، والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهيء) بل الموجب موجود، وهو اجتماع النفي والإِثبات .. (انتهى). ما أراد نقله من كلام ابن القيم حال كونه (ملخصًا،) بمعنى محذوفًا منه ما لم يرد نقله، وإلا فهو قد ذكر كلامًا طويلاً، من جملته عشرة أوجه في ترجيح أنه الذي بأيدي الملائكة، منها الوجهان المذكوران في المصنف، (وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة، منهم: داود بن علي بن خلف، الحافظ، المجتهد، أبو سليمن الأصفهاني، البغدادي، فقيه أهل الظاهر، ولد سنة اثنتين ومائتين، وأخذ عن إسحق وأبي ثور، وسمع القعنبي، وحدث عنه ابنه محمد وزكريا الساجي، وصنف التصانيف، وكان بصيرًا بالحديث صحيحه وسقيمه، إمامًا، ورعًا، ناسكا، زاهدًا، كان في مجلسه أربعمائة طيلسان، مات في رمضان سنة ثمانين ومائتين، (بأنه يجوز مس المصحف للمحدث،) لأن الآية لم ترد فيه إنما وردت في اللوح، أو الذي بأيدي الملائكة، لكن ولو قلنا بذلك لا دلالة فيها على جواز مس المصحف للمحدث، إذ هو مسكوت عنه. (وأجاب ابن الرفعة في الكفاية) شرح التنبيه للشيخ أبي إسحق الشيرازي، كتاب واسع كبير، (عن أدلتهم المزخرفة،) أي: المزينة بما يروجها، (فقال ما نصه القرآن لا يصح مسه،) وإنما يمكن مس النقوش الدالة عليه، (فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين،) وهما القرآن الكريم والكتاب المكنون، (ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ،) ولا إلى صحف الملائكة، (لأنه غير منزل، ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون المراد بالمطهرون ٤٧٥ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام المراد بالمطهرون الملائكة، لأنه قد نفى وأثبت وكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أنه أراد: بالمطهرين الآدميين، ويبين ذلك ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في كتاب عمرو بن حزم المروي في الدارقطني وغيره: ((ولا تمس القرءان إلا وأنت على طهر) ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذًا خبر. قلنا: أما قول أكثر المفسرين فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل. الملائكة، لأنه قد نفي) بقوله: لا يمسه، (وأثبت) بقوله: إلا المطهرون، (وكأنه قال: يمسه المطهرون، ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع،) فحمله على الملائكة يلزم منه انقسامهم لمطهر وغيره، وهو خلاف الإجماع، (فعلم) بذلك، (أنه أراد بالمطهرين الآدميين). وتعين أنه أراد بكتاب المصحف، (ويبين ذلك) ويزيده وضوحًا (ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في كتاب عمرو) (بفتح العين) (ابن حزم) بن زيد بن لوذان الأنصاري، يكنى أبا الضحاك، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي عَ على نجران، وروى عنه كتابًا، كتبه له فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، وعنه ابنه محمد وجماعة، قال أبو نعيم: مات في خلافة عمر، وكذا قال إبراهيم بن المنذر، ويقال: بعد الخمسين قال في الإصابة: وهو أشبه بالصواب، ففي مسند أبي يعلى برجال ثقات؛ إنه كلم معوية في أمر بيعته ليزيد بكلام قوي، وفي الطبراني وغيره أنه روى لمطوية ولعمرو بن العاصي حديث: يقتل عمارًا الفئة الباغية. (المروي في الدارقطني وغيره،) كأبي داود، والنسائي، وابن حبان، والدارمي: (ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر،) فهذا نص صريح في المطلوب، وإن احتملت الآية، (ثم قال) ابن الرفعة: (فإن قيل: قد قال: الواحدي: إن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم،) إن المراد المصحف، والمطهرون بنو آدم، (لم يكن فيها دليل) على حرمة مسه للمحدث، (لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد، ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذا خبر) لا دلالة فيه على الحرمة، (قلنا: أما قول أكثر المفسرين، فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل،) ٤٧٦ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهي، وهو كثير في القرءان، قال اللَّه تعالى: ﴿لا تضارَّ والدة بولدها﴾ [البقرة/ ٢٢٣]، ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة/٢٢٨]. انتهى. وأجاب العلامة البساطي في شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب في ((شافيته)) انتهى. وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي الشهير بـ ((السمين))، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال في ((لا)) هذه وجهان، الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فكَّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران/١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم وهو إنما دل على أن المراد المصحف، فلا نظر إلى كثرة القائلين بخلافه، (وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول اللفظ لفظ الخبر، ومعناه النهي،) وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح، (وهو كثير في القرآن). وكذا السنّة، (قال اللّه تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾،) بسببه؛ بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت، فلفظه خبر، ومعناه النهي، (﴿والمطلقات يتربصن﴾) [البقرة/٢٣٣]، إذ معناه لتتربص المطلقات، ولا تبادر بالنكاح قبل انقضاء الإفراء. (انتهى) كلام ابن الرفعة. (وأجاب العلامة البساطي) قاضي القضاة المالكية شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمن، شيخ الإِسلام، ولد سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون، ودرس في الشيخونية وغيرها، وصنف تصانيف، ومات في رمضان، سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، (في شرحه لمختصر الشيخ خليل) ابن إسحق، العلم الشهير في الآفاق، (بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة وقالوا: إنه مذهب البصريين ومنهم،) أي: الجماعة (ابن الحاجب في شافيته. انتهى،) كلام البساطي. (وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي، الشهير بالسمين) صاحب إعراب القرآن، وله أيضًا تفسير كبير، تقدم بعض ترجمته (مع زيادة إيضاح وفوائد، فقال: في لا هذه) في لا يمسه (وجهان:) الأول: إنها نافية، (الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك) الجزم (فيه، كقوله تعالى: ﴿لم يمسسهم سوء﴾) [آل عمران/١٧٤]، حيث ظهر الجزم فيه بفك الإدغام، (ولكنه أدغم) في ٤٧٧ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام حرك آخره بالضم لأجل ((هاء)) ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم. وفي الحديث إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حرم وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا. قال: وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسَّه بالفتح، لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو، لاسيما على رأي سيبويه فإنه لا يجيز غيره. واللَّه أعلم. لا يمسه، (ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم). (وفي الحديث) الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول اللّه عَل حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: (أنا) (بكسر الهمزة) (لم نردّه عليك) لعلة من العلل، (إلا أنا) (بفتح الهمزة) (حرم) لابضم الحاء والراء). أي: محرمون. زاد في رواية للنسائي: لا نأكل الصيد، قال المصنف: نرده (بفتح الدال) رواية المحدثين، وذكره ثعلب في الفصيح، لكن قال المحققون من النحاة: أنه غلط، والصواب: ضم الدال، كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، كما فتحوها مع المؤنث، نحو: نردها مراعاة للألف، وجوز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، ففيها ثلاثة أوجه، وللحموي والكشميهني: لم نردده بفك الإدغام، فالدال الأولى مضمومة، والثانية مجزومة، وهو واضح. انتهى، (وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا،) وبه جاءت الرواية، فهي صحيحة للتخفيف، وليست بغلط. (قال) السمين: (وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد؛ بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح، لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو،) أي: ما في هذا ونحوه من آخر كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر، (لا سيما على رأي: سيبويه، فإنه لا يجيز غيره،) بقي أن ابن عطية قال: القول بأن لا يمسه نهي قول فيه ضعف، لأنه إذا كان خبرًا، فهو في موضع الصفة، وقوله: تنزيل صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء بمعنى أجنبي معترض بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام، فتدبر وفي مصحف ابن مسعود: ما يمسه، وهو مما يقوي ما رجحته من الخبر، الذي معناه حقه وقدره؛ أن لا يمسه إلا طاهر. انتهى. وأجاب شيخنا لما ذكرته له؛ بأن تضعيفه بما ذكر إنما هو في سياق قصد به كله معنى واحد، أما إذا قصد به معنيان أو أكثر، فلا يضر ما قاله، (والله أعلم) بما أراد. ٤٧٨ الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته قال اللّه تعالى: ﴿يس * والقرءان الحكيم﴾ [يس/١ - ٢]. اعلم أن كل سورة بدأ اللَّه تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرءان إلا ((ن). ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف اللَّه له سر ذلك. واختلف المفسرون في معنى يس على أقوال: أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيء، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة (الفصل الرابع) (في قسمه تعالى على تحقيق،) أي: إثبات (رسالته) عَ ◌ّةٍ، (قال الله تعالى: (﴿يس﴾،) أمال حمزة والكسائي الياء غير مفرطين، والجمهور يفتحونها، ونافع وسط في ذلك ﴿والقرآن الحكيم﴾)، المحكم فعيل بمعنى مفعل، أي: أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أنه بناءً فاعل، أي: ذي الحكمة، أو الحكيم صاحبه، (اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر،) كقوله: ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ [ص/ ١] الآية، وينبغي أن المراد به ما يعم لفظه وما تضمن معناه، نحو ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت/١]، ﴿والم غلبت الروم﴾ [الروم/١]، ونحوهما. (أو الكتاب) ﴿الم ذلك الكتاب﴾ [السجدة/١]، (أو القرآن) أو هما ﴿الر تلك آيات الكتاب وقرءان مبين﴾ [الحجر/١، ٢] (إلا) سورة (ن) فليس في أوائلها ذلك صريحًا لكن تقدم من جملة الأقوال إن مبني يسطرون، يكتبون القرآن وغيره، فعليه تكون ﴿ن﴾ كغيرها، (ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على إنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإِنسان لا يصل إليها إلا أن كشف اللّه له سر ذلك) بأن يطلعه عليه، وهذا بناءً على أنه أريد بها ما خفي لا ما استأثر اللّه بعلمه، إذ لا يطلع عليه أحدًا. (واختلف المفسرون في معنى ﴿يس﴾ على أقوال أحدها: أنه يا إنسان بلغة طيىء لأنهم يقولون يا إيسان، بمعنى يا إنسان، ويجمعونه على إيا سين، فهذا منه، وقالت فرقة: قوله یا حرف نداء، والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف، فأقيم مقامه، قاله ابن عطية، (وهو قول ابن عباس) عند ابن أبي حاتم، والثعلبي، (والحسن) البصري، (وعكرمة) البربري، (والضحاك، ٤٧٩ الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي أنها بالسريانية. قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين( وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال يس، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد علـ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنك لمن المرسلين﴾ [يس/٣]. وتعقبه أبو حيان: بأن الذي نقل عن العرب فى تصغير إنسان: أنيسيان - بياء بعدها ألف - فدل على أن أصله: إنسيان، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى. وسعيد بن جبير، وقيل بلغة الحبشة:) حكي عن ابن عباس أيضًا، ومقاتل، (وقيل: بلغة كلب، وحكي الكلبي) محمد بن السائب؛ (أنها بالسريانية). (قال الإِمام فخر الدين) الرازي: (وتقريره)) أي: هذا المقول؛ إن معناه يا إنسان بأي: لغة مما ذكر، (هو أن تصغير إنسان أنيسين، وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز) لكثرة النداء به، (وقال: ((يس)، وعلى هذا،) أي: يا إنسان بسائر ما قيل فيه، (فيكون الخطاب مع محمد عطية،) ويؤيده حديث: لي عند ربي عشرة أسماء، وعد منها ((طه) و (﴿یس)، (ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنك لمن المرسلين﴾،) لأنه خطاب له عَّ بلا نزاع، فيقوي قول يس كذلك، وتبع الزمخشري الإمام على هذا. (وتعقبه أبو حيان بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان، بياء) بعد السين، و(بعدها ألف، فدل على أن أصله إنسيان، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها،) فيعرف به كما يعرف بالجمع، (ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره: أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك) ورودًا عن العرب، (فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم، لأنه منادى، مقبل عليه) فكان قياسه ضم النون، وقرأه الجمهور بسكون النون وإظهارها، وإن كانت النون الساكنة تخفي مع الحروف، وإنما هي مع الانفصال، وحق هذه الحروف المقطعة أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف، عنهما (﴿يس والقرآن﴾)، بإدغام النون، في الواو، وقرىء بنصب النون وبضمها، (ومع ذلك) وجه ثالث (فلا يجوز، لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى) كلام أبي حيان، واعتراضه الأول معارض بنقل الرازي. ٤٨٠ الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته قال الشيخ شهاب الدين السمين: وهذا الاعتراض الأخير صحيح، فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعًا، ولذلك يحكى أن ابن قتيبة لما قال في (المهيمن)) إنه مصغر من (مؤمن)) والأصل: مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له: هذا يقرب من الكفر، فليتق اللَّه قائله، انتهى. وقيل معنى يس: يا محمد، قاله ابن الحنفية والضحاك. وتبعه الزمخشري والبيضاوي، والمثبت مقدم على النافي، ولا يرد بقوله المنقول عن العرب، لأنه باعتبار علمه، وجواب الثاني؛ أنه ينوي ضمه، كما في الأسماء المبنية على الكسر، كسيبويه، فنطق به بالسكون، مع أنه منادى نظرًا إلى أنه لما كان بصورة الحرف أبقى على ما يلفظ به الحرف. (قال الشيخ شهاب الدين السمين: وهذا الاعتراض الأخير) الثالث (صحيح فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعًا)، كأسماء اللَّه تعالى وأنبيائه، لإِيهامه التحقير، وإن جاء للتعظيم في قوله دويهية، لأنه إنما جاء فيما يجوز تصغيره تلطفًا منهم، كما قيل: ما قلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشىء بالتصغير وأجاب شيخنا عنه بأن التصغير يراد لغير التحقير، كالشفقة والمحبة، فيحمل اللفظ عليه، سيما مع وجود القرينة الدالة على ذلك، وقد يرد بأنه إنما ورد لغيره فيما يجوز تصغيره، إلا أن يقال: المنع إنما هو إذا وقع من غير اللّه، أما منه بقصد الملاطفة ونحوها، فلا يمتنع، لكن يرد بأنه ليس نصًا منه تعالى على ذلك، إنما هو على هذا التفسير، وليس بمتعين خصوصًا والمذاهب المنصور في أسماء الحروف، التي في أوائل السور؛ أنها مما استأثر اللّه بعلمه، (ولذلك يحكى أن) عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدينوري (لما قال في المهيمن:) بكسر الميم الثانية وفتحها، أي: المراقب (أنه مصغر من مؤمن، والأصل مؤين، فأبدلت الهمزة هاء) كراهة اجتماع همزتين في كلمة، لأن أصله مؤمن، وقلبت الأولى هاء لاتحاد مخرجهما، (قيل له: هذا يقرب من الكفر،) لأن أسماء اللّه وما في معناها من الأسماء العظيمة لا يناسبها التصغير، لأنه ينافي التعظيم، (فليتق اللّه قائله. انتهى). ومع ذلك، فهو تكلف لا حاجة إليه مع سماع أبنية يلتحق بها، والياء أصلية لا مبدلة، (وقيل: معنى يس يا محمد،) لأنه وضع له ابتداء، أو بواسطة، (قاله ابن الحنفية) محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي أبو القسم المدني، ثقة، روى له الجميع، اشتهر بأمه، مات بعد الثمانين، (والضحاك) بن مزاحم، (وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية) رفيع بن مهران التابعي.