Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وقد قال اللَّه تعالى خطابًا له: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ [الأنعام/٣٣]. ويروى
أن رجلاً قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ولكنا إن نتبعك نتخطف
من أرضنا، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس.
وعن مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي عَِّ في العلانية، فإذا خلا
مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب.
وروى أن المشركين كانوا إذا رأوه عليه السلام قالوا: إنه لنبي.
وعن علي: قال أبو جهل للنبي عَّهِ: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت
لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين، فحاشاه من لو صم، وطوقهم بالمعاندة، بتكذيب الآيات حقيقة
الظلم، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء، ثم أنكره، كقوله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها
أنفسهم ظلما وعلوًا﴾، [النمل/١٤]. انتهى.
(ويروى أن رجلاً) هو الحارث بن عامر بن نوفل، كما عند النسائي، عن ابن عباس.
وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن أناسًا من قريش قالوا للنبي عَله: إن
نتبعك تتخطفنا الناس، فنزلت: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى﴾، فلعل الحارث هو المبتدي، (قال:
والله يا محمد ما كذبتنا قط، فنتهمك اليوم، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه
الآية،) ظاهره أن المراد؛ فإنهم لا يكذبونك، وقد علم من رواية النسائي وابن جرير، أنها:
﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا﴾ [القصص/٥٧]، (رواه أبو صالح،) مشهور
بكنيته، واسمه ميزان البصري، مقبول من أواسط التابعين، خرج له الترمذي (عن ابن عباس)
رضي اللَّه عنهما.
(وعن مقاتل: كان الحارث بن عامر) بن نوفل بن عبد مناف: ووقع في الأنوار تسمية
أبيه عثمن، وهو خلاف الروايات؛ أنه عامر، (يكذب النبي ◌َّهُ في العلانية، فإذا خلا مع أهل
بيته، قال: ما محمد من أهل الكذب،) ووقع في الأنوار؛ أنه أتى النبي عَُّ، فقال: نحن نعلم
أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب، وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من
أرضنا، فرد اللّه عليهم بقوله: ﴿أو لم يمكن لهم حرمًا آمنًا﴾ [القصص/٥٧].
(وروي أن المشركين كانوا إذا رأوه عليه السلام، قالوا: إنه لنبىء) ويتعللون بالأنفة
عن اتباعه حتى لا يكونوا تابعين، ويأبى اللَّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
(و) روى الترمذي والحاكم (عن علي، قال أبو جهل للنبي عَّ: إنا لا نكذبك، ولكن
نكذب بما جئت به،) وفي نسخة مصححة من الشفاء: ما جئت بدون الباء، (فأنزل اللَّه تعالى،)

٣٦٢
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
به، فأنزل اللَّه تعالى الآية.
والمعنى: أنهم ينكرونه مع العلم بصحته. إذ الجحد لغة هو الإنكار مع
العلم.
فإن قلت: فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ولقد كذبت رسل من
قبلك﴾ الآية [الأنعام/٣٤].
أجيب: بأنه على طريق الجحد، وهو يختلف باختلاف أحوالهم في الجهل،
فمنهم من وقع منه ذلك لجهله، فحيث علم آمن، ومنهم من علم وأنكر كفرًا وعنادًا
كأبي جهل. فيكون المراد بقوله: ﴿فإنهم لا يكذبوك﴾، قومًا مخصوصين منهم لا
لفظ روايتهما، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾،
(والمعنى أنهم ينكرونه مع العلم بصحته، إذ الجحد لغة،) كما صرح به الجوهري والمجد
وغيرهما، (هو الإنكار مع العلم)، فهو محض عناد وبغي، (فإن قلت: فما الجمع بين هذا) ﴿فإنهم
لا يكذبوك﴾، (وبين قوله تعالى) تلو هذه الآية: (﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾)، فإن
مفادها أنهم كذبوا؛ لأنها تسلية له، إذ قوله: ﴿فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا﴾
[الأنعام/٣٤]، معناه: فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا بإهلاك من كذبك، كما أهلكنا
من كذب الرسل من قبلك، ولا مبدل لكلمات اللَّه ولقد جاءك من نبأ المرسلين، أي: ما فيه
تسلية لك، قيل: كان الأولى المعارضة بقوله تعالى ﴿وإن یکذبوك فقد کذبت رسل من
قبلك﴾ [فاطر/٤] الآية، لصراحتها في التكذيب دون هذه، ورده شيخنا تقريرًا؛ بأن ما سلكه
المصنف أولى، لأن هذه الآية صرح فيها بالقضية الشرطية، فلا تستلزم التكذيب بالفعل
بخلاف، ولقد كذبت تستلزمه.
(أجيب بأنه،) أي: التكذيب الصادر منهم (على طريق الجحد،) لعلمهم بصدقه،
وكذبوه عنادًا واستكبارًا عن الاتباع، فهم مصدقون في نفس الأمر، وإن كذبوا ظاهرًا، (وهو
يختلف باختلاف أحوالهم في الجهل، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله،) لا جحدًا، (فحيث
علم آمن، ومنهم من علم وأنكر كفرًا وعنادًا، كأبي جهل، فيكون المراد بقوله: ﴿فإنهم لا
يكذبونك﴾ قومًا مخصوصين منهم،) وهم الذين كذبوا جهلاً، ثم آمنوا، أو المكذبون عنادًا، إذ
هم مصدقون باطنًا، (لا كلهم، وحينئذ فلا تعارض) بين الآيتين. وفي الشفاء: من قرأ لا
یکذبونك بالتخفیف، معناه لا يجدونك کاذبًا.
وقال الفراء والكسائي: لا يقولون إنك كاذب، وقيل: لا يحتجون على كذبك ولا يثبتونه،

٣٦٣
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
کلهم، وحينئذٍ فلا تعارض.
وروي أن أبا جهل لقيه النبي عَّه في بعض فجاج مكة فصافحه فقيل له:
أتصافحه؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعًا لبني عبد مناف؟
فأنزل اللَّه الآية، رواه ابن أبي حاتم.
والقرءان كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم، وتحقيق
رسالته، وكيف يليق بكمال اللَّه تعالى أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب،
ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده، ويعلي كلمته ويرفع
شأنه، ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة
ومن قرأ بالتشديد، فمعناه لا ينسبونك إلى الكذب، وقيل: لا يعتقدون كذبك. انتهى، ومر له
مزید.
(وروي؛ أن أبا جهل لقيه النبي عَّةٍ في بعض فجاج مكة، فصافحه، فقيل له:
أنصافحه) وأنت تعاديه، (فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعًا لبني عبد
مناف، فأنزل اللَّه الآية:) ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾، والجمع بين هذا وحديث علي؛ أنه صافحه
وقال له: إنا لا نكذبك ... الخ، وقال لسائله: والله إني ... الخ، (رواه ابن أبي حاتم).
ونقل البغوي وغيره عن السدي، قال التقى الأخنس بن شريق: وأسلم بعد ذلك وأبو
جهل، فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟، فإنه ليس هنا أحد يسمع
كلامك غيري، فقال أبو جهل: واللَّه إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب
بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والندوة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله هذه
لما كذبه قومه حزن، فجاءه جبريل، فقال: ما يحزنك،
الآية، وفي الشفاء: روي أن النبي عُ
قال: كذبني قومي، فقال: إنهم يعلمون أنك صادق، فأنزل اللَّه هذه الآية، قال السيوطي: لم أجد
هذا.
(والقرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم وتحقيق رسالته:)
ثبوتها، (وكيف) استفهام إنكاري على من ينسب الكذب للنبي، أي: لا (يليق بكمال اللَّه
تعالى أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب،) مع قوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله
كذبًا﴾ [الأنعام/٢١]، (ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك، ويؤيده،)
ويقويه، (ويعلى كلمته، ويرفع شأنه:) أمره، (ويجيب دعوته،) أي: جنسها، (ويهلك عدوه،
ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة:) ألفاظ متقاربة، (ما يضعف عنه قوى البشر،
وهو مع ذلك كاذب عليه، مفتر، ساعٍ في الأرض بالفساد، ومعلوم أن شهادته،) اطلاعه

٣٦٤
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
ما يضعف عنه قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه، مفترٍ ساعٍ في الأرض
بالفساد.
ومعلوم أن شهادته سبحانه وتعالى على كل شىء، وقدرته على كل شىء،
وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء، ومن ظن ذلك به وجوزه
عليه فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة
وصفة المشيئة.
والقرءان كله مملوء من هذه الطريق، وهذه طريق الخاصة، بل خاصة
الخاصة الذين يستدلون باللَّه على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله. وإذا
تدبرت القرءان رأيته ينادي على ذلك وبيديه ويعيده لمن له فهم وقلب واع عن اللَّه
تعالى. قال اللَّه تعالى: ﴿ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم
(سبحانه على كل شىء،) كما قال: ﴿وهو على كل شىء شهيد﴾ [سبأ/٤٧]، (وقدرته على
كل شىء، وحكمته، وعزته، وكماله المقدس،) المطهر عما لا يليق به، (يأبى ذلك كل
الإباء:) أشد الامتناع، (ومن ظن ذلك به، وجوزه عليه، فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن
عرف منه بعض صفاته، كصفة القدرة وصفة المشيئة،) أي: أن جميع الناس يدركون كثيرًا من
صفاته ويقرون بها، ومن حق من عرف شيئًا منها أن يعترف بما ظهر له من الأدلة باتصافه
بجميع صفات الكمال اللائقة بالأنبياء.
(والقرآن كله مملوء من هذه الطريق، وهذه طريق الخاصة، بل خاصة الخاصة الذين
یستدلون بالله،) أي: بذاته وصفاته، (على أفعاله، وما يليق به أن یفعله وما لا يفعله،) وليس
الحكم مقصورًا على الذات من غير اعتبار، صفة زائدة عليها، كما تقول المعتزلة، (وإذا تدبرت
القرآن،) أي: تأملت معانيه وتبصرت ما فيه، (رأيته ينادي على ذلك، ويبديه ويعيده لمن له
ثوم وقلب واع عن اللّه تعالى) يتفكر به في حقائقه، فالمنتفع بالقرآن، المتأهل لأمره ونهيه هو
الجامع بين الحفظ والفهم، وإتعاب النفس في تأمل ألفاظه ومعانيه.
(قال تعالى: ﴿ولو تقول﴾) الرسول الكريم ((علينا بعض الأقاويل﴾؛) بأن قال عنا ما لم
نقله، (﴿لأخذنا﴾) لنلنا (﴿منه﴾) عقابًا (﴿باليمين)) بالقوة والقدرة، (﴿ثم لقطعنا منه الوتين﴾)
نياط القلب، وهو عزق متصل به إذا انقطع مات صاحبه، (﴿فما منكم من أحد﴾) هو اسم ما، ومن
زائدة لتأكيد النفي، ومنكم حال من أحد، وهو في الأصل نعت له، فلما قدم عليه أعرب حالاً
(﴿عنه حاجزين﴾﴾ [الحاقة/٤٤]، مانعين، خبر ما، وجمع، لأن أحدًا في سياق النفي، بمعنى

٣٦٥
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
لقطعنا من الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [الحاقة/٤٧]، أفتراه سبحانه
وتعالى يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقرّ من تقول عليه بعض الأقاويل،
بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده، كما جرت بذلك سننه في المتقولين عليه.
وقال تعالى: ﴿أم يقولون افترى على اللَّه كذبًا فإن يشأ اللَّه يختم على
قلبك﴾ [الشورى/٢٤] ههنا انتهى جواب الشرط. ثم أخبر خبرًا جازمًا غير معلق
أنه يمحو الباطل ويحق الحق.
وقال تعالى: ﴿وما قدروا اللَّه حق قدره إذ قالوا ما أنزل اللَّه على بشر
الجمع وضمير عنه للنبي، أي: لا مانع لنا عنه من حيث العقاب، (أفتراه سبحانه وتعالى يخبر
أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقرّ من تقول عليه بعض الأقاويل،) ثم يقر من یکذب علیه،
لا (بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده، كما جرت بذلك سنته) عادته (في المتقولين عليه،)
فذلك دليل على صدقه .
(وقال تعالى: ﴿أم﴾) بمعنى بل، (﴿يقولون افترى على الله كذبًا﴾،) بنسبة القرآن إلى
اللَّه، (﴿فإن يشأ اللّه يختم على قلبك﴾ [الشورى/٢٤]، ههنا انتهى جواب الشرط،) وهو فإن
يشأ اللَّه، والقصد به كما في البيضاوي استبعاد الافتراء عن مثله بالإشعار على أنه إنما يجتريء
عليه من كان مختومًا على قلبه، جاهلاً بربه، وأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، وكأنه قال إن
يشأ اللَّه خذلانك تجتريء بالافترا عليه، وقيل: يختم على قلبك، يمسك القرآن والوحي عنه، أو
يربط عليه بالصبر عليه، فلا يشق عليه إذا هم انتهى.
(ثم أخبر خبرًا جازمًا غير معلق، أنه يمحو الباطل ويحق الحق) بكلماته إنه عليم
بذات الصدور﴾ [الشورى/٢٤]، فهو كما في البيضاوي استئناف لنفي الافتراء عما يقول؛ بأنه
لو كان مفترى لمحقه، إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه، أو بقضائه لا مرد
له.
(وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره)))) أي: ما عظموه حق عظمته، أو ما عرفوه
حق معرفته، (﴿إِذ قالوا﴾) للنبي عَّله، وقد خاصموه في القرآن، (﴿ما أنزل اللَّه على بشر من
شيء﴾﴾ [الأنعام/٩٢].
قال ابن عباس: قائل ذلك اليهود، وقال مجاهد: مشركو قريش، وقال السدي: فنحاض
اليهودي، وقال سعيد بن جبير: لملك بن الصيف، أخرجهما ابن أبي حاتم، (فأخبر أن من نفى
عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره، ولا عرفه كما ينبغي، ولا عظمه كما يستحق) في

٣٦٦
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
من شىء﴾ [الأنعام/٩١]، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق
قدره، ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق، فكيف من ظن أنه ينصر
الكاذب المفتري عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة؟
وهذا في القرءان كثير يستدل تعالى بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على
صدق رسوله، وعلى وعده ووعيده، ويدعو عباده إلى ذلك.
وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أولم يكفهم أنا
أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون. قل
الرحمة والإنعام على العباد، فإن الوحي والبعث من عظائم رحمته وجلائل نعمته، أو ما قدروه في
السخط على الكفار، وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة.
(فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات
والأدلة، وهذا،) أي: تعظيمه مَُّ بالآيات الدالة على كماله (في القرآن كثير،) وذلك لأنه
(يستدل) بزيادة السين والتاء، أي: يدل (تعالى) خلقه (بكماله المقدس، وأوصافه، وجلاله
على صدق رسوله،) فيما جاء به، (وعلى وعده ووعيده،) مثلاً قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس
اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة/٢١]، دل بكونه خالقًا للناس، منعمًا عليهم، بجعل الأرض
فراشًا، والسماء بنا ... الخ، على أن من قدر على ابتداء هذه الأحوال لا يعجز عن بعثهم بعد فناء
أجسادهم، ومن لازم ذلك صدق الرسول في أخباره عن اللّه بالبعث والإعادة، (ويدعو عباده إلى
ذلك،) أي: تصديقه فيما جاء عليه الصلاة والسلام، أو الإشارة راجعة للصدق بتقرير مضاف،
أي: إلى اعتقاد صدق رسوله.
(وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله،) مثل ناقة صالح، وعصا موسى،
ومائدة عيسى، وهم الذين قالوا: ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ [الرعد/٧]، فرد عليهم بقوله:
﴿قل إنما الآيات عند اللَّه وإنما أنا نذير مبين (أو لم يكفهم)) فيما طلبوا (﴿أنا أنزلنا عليك
الكتاب﴾) القرآن (﴿يتلى عليهم﴾،) فهو آية مستمرة لا انقضاء لها، بخلاف ما ذكر من
الآيات، (﴿إن في ذلك﴾) الكتاب (﴿لرحمة﴾) لنعمة عظيمة (﴿وذكرى﴾) عظة (﴿لقوم
يؤمنون﴾) [العنكبوت/٥١] الآية، لمن همه الإيمان دون التعنت.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والدارمي عن يحيى بن جعدة، قال: جاء ناس من
المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال عَّة: «كفى بقوم ضلالة أن
يرغبوا عما جاء بهم نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره)) إلى غيرهم، فنزلت: ﴿أو لم يكفهم أنا
أنزلنا﴾، (﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا﴾) بصدقي، وقد صدقني بالمعجزات، أو بتبليغ

٣٦٧
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا
بالباطل وكفروا باللّه أولئك هم الخاسرون﴾ [العنكبوت/ ٥١- ٥٢]، فأخبر
سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفي من كل آية، ففيه الحجة والدلالة على أنه من
اللَّه تعالى، وأن اللَّه سبحانه أرسل به رسوله، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه
السعادة، وينجيه من العذاب. ثم قال: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا
يعلم ما في السموات والأرض﴾ فإذا كان سبحانه عالمًا بجميع الأشياء كانت
شهادته أعظم شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به، وهو
سبحانه وتعالی یذکر علمه عند شهادته وقدرته، وملکه عند مجازاته، وحکمته عند
خلقه، وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله، وحلمه عند ذنوب عباده. فتأمل ورود
ما أرسلت به إليكم، ونصحي، ومقابلتكم إياي بالتكذيب والتعنت (﴿يعلم ما في السموات
والأرض،﴾) فلا يخفى عليه حالي وحالكم ﴿والذين آمنوا بالباطل﴾، وهو ما يعبد من دون الله
(﴿وكفروا باللّهِ﴾) منكم (﴿أولئك هم الخاسرون﴾) [العنكبوت/٤٥٢) في صفقتهم حيث
اشتروا الكفر بالإيمان.
(فأخبر سبحانه؛ أن الكتاب الذي أنزله يكفي من) أي: بدل، (كل آية) لانقضائها
بخلافه، (ففيه الحجة، والدلالة على أنه من اللَّه تعالى، وأن الله سبحانه أرسل به رسوله،
وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة، وينجيه من العذاب) بقوله: ﴿إن في ذلك لرحمة
وذكرى لقوم يؤمنون﴾، (ثم قال: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم ما في السموات
والأرض﴾، فإذا كان سبحانه عالمًا بجميع الأشياء،) المعبر عنها بما في السموات والأرض
(كانت شهادته أعظم شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام، محيط بالمشهود به،) بخلاف
شهادة غيره، فليس لها هذا الوصف، إذ قد يخفى عليه ما يمنعه من الشهادة بما شاهده لو علمه،
(وهو سبحانه وتعالى، يذكر علمه عند شهادته،) فهذا حكمة قوله: ﴿يعلم ما في السموات
والأرض﴾، بعد قوله: ﴿شهيدًا﴾، مع أنه مقطوع، محقق الحصول عند كل أحد.
(و) يذكر (قدرته وملكه عند مجازاته،) لإفادته أنه لا يعجزه شىء، (وحكمته عند خلقه،
وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله، وحلمه عند ذنوب عباده) تنبيهًا لهم على التوبة، وأن لا
يقنطوا، (فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطها بالخلق والأمر، والثواب
والعقاب،) يظهر لك من أسرارها العجب العجاب، وحاصله أن من عادته تعالى إذا ذكر أمرًا
تقصر عن إدراكه العقول، ذكر أنه إنما أخبر عنه بعلم تام وقدرة كاملة، فليس إخباره عن شىء،

٣٦٨
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطها بالخلق والأمر والثواب والعقاب.
وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللَّه بإذنه
وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب/٤٦].
كإخبار بعض البشر عما شاهده، لأنه قد يخفى عليه ما يمنعه الشهادة لو علمه، أو من المجازاة
عليه.
(وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللَّه بإذنه﴾ [الفتح/٨]٤)
تيسيره أطلق له، لأنه من أسبابه، وقيد به إشارة إلى أنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونته تعالى، قاله
البيضاوي وغيره.
وقال العزبن عبد السلام في مجاز القرآن: إذنه مشيئته وإرادته، لأن الغالب في الإذن أن لا
يقع إلا بمشيئة، واعتبار الملازمة الغالبة تصحيح المجاز، أو بأمر التكوين، فإن الأمر يلازمه مشيئة
الآمر غالبًا.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فهزموهم بإذن اللَّهِ﴾ بأمره [البقرة/٢٥١]، وقوله:
﴿كن﴾، وهو من مجاز التمثيل، شبه سهولة الأشياء في قدرته بسهولة هذه الكلمة على الناطق
بها، تفهيمًا لسرعة نفوذ مشيئته وقدرته فيما يريده، ويعبر بالإذن عن التيسير والتسهيل، كقوله
تعالى: ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ [البقرة/٢٢١]، أي: بتيسيره وتسهيله، إذ لا
يحسن أن يقال دعوته بإذني، ولا قمت وقعدت بإذني، ولذا قال الزمخشري: يجوز أن يراد
بالإذن هنا الأمر، أي: يدعوكم إلى الجنة والمغفرة، بأمره إياكم بطاعته، وكلاهما من مجاز
الملازمة. انتهى.
(﴿وسراجًا﴾) أحوال مقدرة (﴿منيرًا﴾) قال عياض: جمع اللَّه له في هذه الآية ضروبًا
من رتب الأثرة، وجملة أوصاف من المدحة، فجعله شاهدًا على أمته، بإبلاغهم الرسالة، وهي من
خصائصه، ومبشرًا لأهل طاعته، ونذيرًا لأهل معصيته، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه إلى توحيده وعبادته،
وسراجا منیرًا يهتدى به إلى الحق.
وقال ابن عطية: هذه أرحى آية في القرآن، لأنه أمره بتبشير المؤمنين بالفضل الكبير، وقد
فسره في آية أخرى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند
ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾ [الشورى/٢٢] الآية، (أي: شاهدًا على الوحدانية،) أي: اتصافه
تعالى؛ بأنه واحد أحد، لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولم يقيد الشهادة،
فشملت الشهادة بها في الدنيا والآخرة.
وفي البيضاوي: شاهدًا على من بعثت إليهم، بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم،

٣٦٩
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
أي شاهدًا على الوحدانية، وشاهدًا في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار
والميزان والصراط، وشاهدًا في الآخرة بأحوال الدنيا، وبالطاعة وبالمعصية والصلاح
والفساد، وشاهدًا على الخلق يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ويكون الرسول
وكذا تقدم عن عياض؛ فجعلا ذلك صلة الشهادة، وجعلا صلة داعيًا إلى الإقرار باللَّه وتوحيده،
وما يجب الإيمان به من صفاته، وهو خلاف ما ذكر المصنف.
(وشاهدًا في الدنيا بأحوال الآخرة،) أي: بما يكون فيها ذاتًا، أو صفة، (من الجنة
والنار، والميزان والصراط، وشاهدًا في الآخرة بأحوال الدنيا، و) ذلك بأن يشهد للمطيع
(بالطاعة، و) على العاصي، (بالمعصية) فهو بيان للمراد بالشهادة، (والصلاح) الواقع من
المطيع، (والفساد) من العاصي، وعلمه عَّله بذلك، لأن أعمال أمته تعرض عليه، كما ثبت في
الحديث، واستشكل مع حديث الصحيح: ليذاد رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال،
أناديهم ألا هلم، فيقال إنهم بدلوا وغيروا بعدك، فأقول سحقًا سحقًا.
وفي رواية: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وأجيب بأنها إنما تعرض عليه عرضًا مجملاً،
فيقال: عملت أمتك شرًّا عملت أمتك خيرًا، أو أنها تعرض عليه دون تعيين عاملها، قاله الأبي.
(وشاهدًا على الخلق يوم القيامة) بإبلاغ أنبيائهم وتزكية أمته، (كما قال تعالى:)
﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس (ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾
الآية.
روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد، مرفوعًا: يجيء نوح
وأمته، فيقول اللَّه: هل بلغت؟، فيقول: نعم، أي: رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟، فيقولون: لا،
ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك، فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وكذلك
جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾، والوسط العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ،
ثم أشهد علیکم.
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه، عن أبي سعيد، رفعه: يجيء النبي يوم القيامة ومعه
الرجل، والنبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل
بلغت قومك؟، فيقول: نعم، فيدعي قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟، فيقولون: لا، فيقال
له: من يشهد لك؟، فيقول: محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟، فيقولون: نعم،
فيقال: وما علمكم؟، فيقولون: جاء نبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا وصدقناه، فذلك قوله:
﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾
[البقرة/١٤٣].

٣٧٠
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
عليكم شهيدًا﴾ [البقرة/١٤٣].
كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرّف من قبلنا، إنا أرسلناك شاهدًا بوحدانيتنا
ومشاهدًا كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، وتنذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع
الخوف منا، وداعيًا الخلق إلينا، وسرائجًا يستضاء بك، وشمسًا تبسط شعاعك على
جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، فبشر
بفضلنا وطولنا عليهم وإحساننا لديهم.
ولما كان اللَّه تعالى قد جعله عليه الصلاة والسلام شاهدًا على الوحدانية،
والشاهد لا يكون مدعيًّا، فاللَّه تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعيًّا
قال البيضاوي: وهذه الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان الرسول کالرقيب المؤتمر
على أمته عدي بعلى، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيدًا عليهم،
وطالبهم بالبينة، وهو أعلم إقامة للحجة على المنكرين. انتهى، ولإظهار فضل هذه الأمة على
رؤوس الأشهاد.
قال أبو الحسن القابسي: أبان اللَّه فضل نبينا وفضل أمته بهذه الآية، وفي قوله: ﴿وفي
هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ [الحج/٧٨]، وكذلك قوله:
﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ [النساء/ ٤١] الآية.
(كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرف،) (بالفاء) بالنبوّة (من قبلنا إنا أرسلناك شاهدًا
بوحدانيتنا، ومشاهدًا كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، وتنذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم
مواضع الخوف منا،) وهي المعاصي، (وداعيًا الخلق إلينا،) أي: إلى ما يجب إلينا، (وسراجًا
يستضاء بك) من ظلمات الجهل، ويقتبس من نورك أنوار البصائر، (وشمسًا تبسط شعاعك
على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من أتبعك وخدمك وقدمك) على جميع
الخلق، بأن علم كمالك الذي تتميز به على غيرك، وأذن له، (فبشر) يا أيها المشرف من قبلنا،
المؤمنين (بفضلنا:) أنعامنا عاجلاً وآجلاً، (وطولنا،) أي: إحساننا (عليهم) بترك عقابهم، فتغاير
العطف، لكن يصير (وإحساننا لديهم) تفسيريًا، وفي نسخة: فبشره بضمير عائد على لفظ من،
وحذفه أولى.
(ولما كان اللّه تعالى قد جعله عليه الصلاة والسلام شاهدًا على الوحدانية، والشاهد
لا يكون مدعيًا، فالله تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعيًا لها، لأن المدعي
من يقول شيئًا على خلاف الظاهر، والوحدانية أظهر من الشمس، والنبي عَّ. كان ادعى
النبوّة) قبل نزول هذه الآية، حيث أخبر أن اللَّه بعثه، ولم يعرف بها قبل الدعوة، فأتى بخلاف

٣٧١
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
لها، لأن المدعي من يقول شيئًا على خلاف الظاهر، والوحدانية أظهر من الشمس،
والنبي صَّه كان ادعى النبوة، فجعل اللَّه تعالى شاهدًا له في مجازاة كونه شاهدًا
له تعالى فقال سبحانه: ﴿واللَّه يشهد إنك لرسوله﴾ [المنافقون/١]، ومن هذا
قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً، قل كفى بالله شهيدًا بيني
وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد/٤٣]، فاستشهد على رسالته بشهادة اللّه
ظاهر حاله قبل، (فجعل) جواب لما أدخل عليه الغاء، (اللَّه تعالىٍ شاهدًا له في مجازاة كونه
شاهدًا له تعالى، فقال سبحانه: ﴿والله يشهد) التلاوة، يعلم (أنك لرسوله﴾) ولا يصح أن يشهد
تفسير ليعلم، لأن علم الشىء لا يستلزم الشهادة به، لكن في القاموس شهد الله أنه لا إله إلا هو،
أي: علم اللَّه، أو قال، أو كتب، (ومن هذا قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا﴾) قيل: هم رؤساء
اليهود، (﴿لست مرسلاً، قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم﴾،) فإنه أظهر من الأدلة على
رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها، (﴿ومن عنده علم﴾) مرتفع بالظرف، لاعتماده على
الموصول، أو مبتدأ، والظرف خبره (﴿الكتاب﴾) القرآن (ا[الرعد/٤٣])، وما ألف عليه من النظم
المعجز، أو علم التوراة، وهو ابن سلام وأضرابه.
قال سعيد بن جبير: هو جبريل، وقال عكرمة: هو عبد اللّه بن سلام، رواهما ابن أبي
حاتم، وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى، وقال قتادة: كنا نتحدث أن منهم ابن سلام،
وسلمان الفارسي، وتميما الدارمي، أخرجهما ابن جرير، وقيل: المراد علم اللوح المحفوظ، وهو
اللَّه.
قال الطيبي: فيلزم عطف الشىء على نفسه، فأول الزمخشري وغيره اسم الذاب بما يعطيه
من معنى استحقاق العبادة، لكونه جامعًا لمعاني الأسماء، فقال: ﴿كفى بالذي يستحق العبادة
وبالذي لا يعلم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيننا﴾، فيخزي الكاذب منا، ويؤيده قراءة من قرأ
ومن عنده بالكسر خبر، والمبتدأ علم.
قال الأزهري: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا. وخالقًا ورازقًا ومدبرًا، فأتى بالموصول
ليتوافق المعطوف والمعطوف عليه.
(فاستشهد على رسالته بشهادة اللَّه له،) وأمره بقول ذلك، إذ لا يجحد باطنًا، (وكذلك
قوله تعالى) حين قالت قريش: يا محمد لقد سألنا عنك أهل الكتاب، فزعموا أن ليس لك
عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا ما يشهد لك أنك رسول اللَّه، فنزلت على ما قال الكلبي، وتبعه
البغوي وغيره.
وأخرج ابن إسحق وابن جرير، عن ابن عباس: أن ثلاثة من اليهود جاءوا، فقالوا: يا محمد

٣٧٢
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
له. وكذلك قوله تعالى: ﴿قل أي شىء أكبر شهادة، قل اللَّه شهيد بيني
وبينكم﴾ [الأنعام/١٩]، وقوله تعالى: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك، أنزله
بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾ [النساء/١٦٦]، وقوله تعالى:
﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ [المنافقون/١]، وقوله: ﴿محمد رسول اللّه﴾ [الفتح]
ما نعلم مع اللَّه إلهًا غيره، فقال: لا إله إلا اللَّه بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعوا، فأنزل اللَّه في
قولهم: (﴿قل أي شيءٍ﴾) أي: موجود ((أكبر شهادة﴾)، تمييز محوّل عن المبتدأ، (﴿قل اللّه شهيد
بيني وبينكم﴾ [الأنعام/٩]، على صدقي، فهو الجواب، لأنه تعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شىء
شهادة.
قال الطيبي: فهو من أسلوب الحكيم، يعني فشهادته معلومة لا كلام فيها، وإنما الكلام في
أنه شاهد لي عليكم، مبين لدعواي، وإذا ثبت أنه شهيد له، لزم أن أُکبر شىء شهادة شهید له.
ونحوه قول التفتازاني، كأنه قيل: معلوم أن اللَّه هو الأكبر شهادة، ولكن الأنسب بالمقام
هو الإخبار بأن اللَّه شهيد لي، لينتج مع قولنا اللَّه أكبر شهادة أن الأكبر شهادة شهيد لي.
قال أبو حبان: هذا الوجه أرجح مما قدمه الزمخشري؛ أن المعنى قل اللَّه أكبر شهادة، ثم
ابتدأ شهيد، أي: هو لأن فيه إضمارًا وآخرًا، والأول لا إضمار فيه مع صحة معناه.
(وقوله تعالى) روى ابن إسحق عن ابن عباس: دخل جماعة من اليهود على النبي ◌َّهِ،
فقال لهم: إليّ والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول اللّه، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله: (﴿لكن
اللَّه يشهد﴾) يبين نبوتك (﴿بما أنزل إليك﴾) من القرآن المعجز، (﴿أنزله﴾) ملتبسًا
(﴿بعلمه﴾) أي: عالمًا به، أو فيه علمه، (﴿والملائكة يشهدون﴾) أيضًا لك، (﴿وكفى بالله
شهيدًا﴾ [النساء/١٦٦]،) على ذلك.
قال البيضاوي: استدرك على مفهوم ما قبله، وكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل
عليهم من السماء)، واحتج عليهم بقوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ [النساء/١٦٣]، قال: إنهم لا
يشهدون، ولكن اللَّه يشهد، أو أنهم أنكروه، ولكن اللَّه يثبت، ويقرره بما أنزل إليك من القرآن،
المعجز، الدال على نبوّتك.
روى ابن جرير عن ابن عباس لما نزل: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ قالوا: ما نشهد لك، فنزلت،
(وقوله تعالى: ﴿واللَّه يعلم إنك. لرسوله﴾ [المنافقون/١]، فلا يضرك قول
المنافقين ذلك بألسنتهم، مخالفًا لما في قلوبهم، (وقوله: ﴿محمد رسول اللَّهِ﴾ [الفتح/٤٣٢٩)
جملة مبينة للمشهود به، ويجوز أن يكون رسول اللّه صفة، ومحمد خبر محذوف، أو مبتدأ،
والذين معه معطوف عليه، وخبرهما أشداء على الكفار رحماء بينهم، كما في الأنوار.

٣٧٣
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
٢٩]، فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها وبينها، وبين صحتها غاية
البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهدًا
لرسوله.
وقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدين كله وكفى بالله شهيدًا﴾ [الفتح/٢٨].
فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان، وظهورًا بالنصر والغلبة والتأييد حتى
يظهر على مخالفيه ويكون منصورًا.
ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم،
واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه، فإن اللَّه فطر القلوب على قبول الحق
(فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله عَّله، قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان،
بحيث قطع العذر) (بسكون الذال وتضم) للاتباع، أي: منع الأشياء التي تكون سببًا لطلب
ما يزيل اللوم عن الفاعل (بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم، بكونه سبحانه شاهدًا لرسوله)
(وقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى﴾) ملتبسًا به، أو بسبه، ولأجله، (﴿ودين
الحق﴾) الإسلام، (﴿ليظهره﴾) ليعليه (﴿على﴾) جنس (﴿الدين كله﴾) بنسخ ما كان حقًّا،
وإظهار فساد ما كان باطلاً، وتسليط المسلمين على أهله، إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم
المسلمون، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح، (﴿وكفى باللّه شهيدًا﴾ [الفتح/٢٨] الآية،) على
أن ما وعده كائن، أو على نبوته بإظهار المعجزات، أو على أنك مرسل، كما قال محمد
رسول اللَّه، (فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان،) بحيث لا يستطيع المعاند ردهما، بل
يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والافتراء والمباهتة والرضا بالدنية، كقولهم: ﴿قلوبنا
غلف﴾ [البقرة/٨٨] الآية، وفي أكنة مما تدعون إليه وغير ذلك، (وظهورًا بالنصر والغلبة
والتأييد حتى يظهر على مخاليفه ويكون منصورًا،) كما قال: ﴿هو الذي أيدك بنصره لينصرك
اللَّه نصرًا عزيزًا﴾ [الفتح/٣].
(ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده، من التصديق الجازم، واليقين
الثابت، والطمأنينة بكلامه) سبحانه، (ووحيه) إلى أنبيائه، (فإن اللّه فطر) خلق (القلوب) مشملة
(على قبول الحق، والانقياد له، والطمأنينة، والسكون إليه، ومحبته وفطرها على) أعاد
العامل تنبيهًا على أن كلاً من قبول الحق، و(بغض الكذب والباطل:) مقصود بالذات (والنفور

٣٧٤
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
والانقياد له، والطمأنينة والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل
والنفور عنه وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق
سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره. ولهذا ندب
الحق سبحانه إلى تدبر القرءان، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا ضروريًا ويقينًا
جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون
القرءان أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد/٢٤]، فلو رفعت الأقفال عن القلوب
لباشرتها حقائق القرءان، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا
كسائر الأمور الوجدانية كاللذة والألم أنه من عند اللَّه، تكلم به حقًّا، وبلغه رسوله
جبريل إلى رسوله محمد عَّة. فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى
ملخصًا من مدارج السالكين.
وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾ [الأعراف/
عنه، وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة:) (بالكسر) الخلقة (على حالها لما آثرت:)
قدمت (على الحق سواء، ولما سكنت:) اطمأنت (إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت
غيره، ولهذا ندب:) دعا (الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا
ضروريًا، ويقيدًا جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق، قال تعالى: ﴿أفلا
يتدبرون القرآن﴾) يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي،
(﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد/٢٤]،) لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: أم
منقطعة، والهمزة للتقرير ونكر قلوب، لأن المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها
في القساوة، أو لفرط جهالتها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال
مناسبة لها، مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة، وقرىء أقفالها على المصدر، قاله
البيضاوي.
(فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستارت فيها مصابيح
الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا، كسائر الأمور الوجدانية.) (بكسر الواو)، (كاللذة والألم، إنه
من عند اللَّه، كلم به حقًّا، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد عَّةٍ، فهذا الشاهد في
القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصًا من مدارج السالكين) للعلامة ابن القيم في شرح
منازل السائلين لشيخ الإسلام الهروي، (وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم
جميعًا﴾ [الأعراف/١٥٨]) حال من الضمير في إليكم.

٣٧٥
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
١٥٨].
ففي هذه الآية دلالة على أنه معَِّ مبعوث إلى كافة الثقلين.
وقالت العيسوية من اليهود وهم أتباع عيسى الأصفهاني: إن محمدًا صادق
مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل.
ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية، لأن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب.
يتناول كل الناس، ثم قال: ﴿إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾ وهذا يقتضي كونه
مبعوثًا إلى جميع الناس.
وأيضًا: فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن
قال المفتي: لما حكى ما في الكتابين من نعوته علّله، وشرف من يتبعه من أهلهما ونيلهم
لسعادة الدارين، أمر عليه الصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم، بل شاملة لكل
من تبعه كائنًا من كان، ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص سائر الرسل بأقوامهم، وإرسال
موسى إلى فرعون، وملئه بالآيات التسع، إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين، وترك العظمة التي
كان يدعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر، وأما العمل
بأحكام التوراة، فمختص بيني إسرائيل. انتهى.
(ففي هذه الآية دلالة على أنه عَدُ مبعوث إلى كافة الثقلين) الإنس والجن، سيما
بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنهما مثقلان بالتكليف، ووجه الدلالة
أن الناس وإن غلب استعماله في الإنس، لکنه اسم للإنس والجن، لأنه مشتق من ناس ینوس، إذا
تحرك، فيطلق عليهما وبهما، فسر في صدور الناس.
(وقالت العيسوية من اليهود، وهم أتباع عيسى،) المنقول لغيره أبي عيسى
(الأصفهاني،) زاد في نسخة: النصراني، ولا ينافيها قوله أولاً من اليهود، لجواز أنه كان
نصرانيًا، ثم تهوّد، فتبعته تلك الطائفة: (إن محمدًا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث
إلى بني إسرائيل، ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية، لأن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب)
عام (يتناول كل الناس) العرب، وبني إسرائيل وغيرهم، فتخصيصه بالعرب من أين، (ثم قال) بأمر
اللَّه تعالى قل: ﴿يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾، وهذا يقتضي كونه مبعوثًا إلى
جميع الناس،) اقتضاء ظاهرًا، لا سيما مع قوله جميعًا، فهو قريب من الصريح.
(وأيضًا) دليل ثان في الرد على العيسوية: (فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي،) أي:
يذكر، (أنه مبعوث إلى الثقلين، فإما أن نقول أنه كان رسولاً حقًا، أو ما كان كذلك) من

٣٧٦
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
نقول إنه كان رسولاً حقًا، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولاً حقًا امتنع الكذب
عليه، ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه
الآية أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل
قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.
وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه
إليكم جميعًا﴾ من الناس من يقول إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر
ذلك.
أما الأولون فقالوا: دخله التخصيص من وجهين:
الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فإذا لم يكونوا
من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم، وذلك لأنه عليه السلام قال: ((رفع القلم
إرخاء العنان للخصم للزوم الحجة له، (فإن کان رسولاً حقًا،) کما اعترفت به أيها الخصم،
(امتنع الكذب عليه،) لاستحالته على الرسول، (ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما
يدعيه،) ومنه أنه رسول إلى بني إسرائيل، (فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية،) لما يقل
بصريحها، لاحتمال أن أل فيها للجنس، ولكن يمنعه، أو يبعد التأكيد بقوله جميعًا؛ (أنه كان
يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك ببطل قول من يقول؛ إنه كان
مبعوثاً إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل) وعبر بيدعي، لأن الادعاء قول يخالف الظاهر،
كما قدمه، وهذا وإن طابق الواقع بحسب نفس الأمر، لكنه مخالف للظاهر، فلذا أتى بالأدلة
والبراهين لإثبات رسالته.
(وإذا ثبت هذا، فنقول قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾،
من الناس من يقول إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك).
(أما الأولون) ترك عديله إما لظهوره، أي: وأما المنكرون، فقالوا: هو باق على عمومه،
والتكليف، ووصول خبر الرسالة ليس شرطًا في الرسالة، وإنما هو شرط في المؤاخذة بما بلغه.
(فقالوا: دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول اللَّه إلى الناس، إذا كانوا من
جملة المكلفين،) لا مجانين وصبيانًا، (فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً
إليهم، وذلك لأنه عليه السلام قال) كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة
وابن حبان والحاكم، عن علي وعمر: أن رسول اللَّه عَ لَّه قال: (رفع القلم عن ثلاث،) كناية
عن عدم التكليف، لأنه يلزم منه الكناية، وعبر برفع إشعارًا؛ بأن التكليف لازم لبني آدم، لا ينفك

٣٧٧
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى
یفیق».
والثاني: أنه رسول اللَّه إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته
وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من
أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك
متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. وعن أبي هريرة عن النبي معَّ أنه قال:
عنهم إلا عن ثلاثة، (عن الصبي) الطفل، ولو مراهقًا (حتى يبلغ،) وفي رواية: حتى يكبر،
وأخرى: حتی یشب، وأخرى: حتى يحتلم.
قال السبكي: ليس في روايتي حتى يكبر، وحتى يبلغ من البيان ما في رواية حتى
يحتلم، فالتمسك بها لبيانها أولى، لأن حتى يبلغ مطلق، وحتى يحتلم مقيد، فيحمل عليه،
فإن الاحتمال بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ السن ليس ببلوغ قطعًا، (وعن النائم حتى يستيقظ) من
نومه، (وعن المجنون،) زاد في رواية: المغلوب على عقله (حتى يفيق،) وفي رواية: حتى
يبرأ، أي: بالإفاقة، وفي أخرى: حتى يعقل، وفي أخرى: وعن المبتلى حتى ييرأ، أي: المبتلى
بداء الجنون.
قال ابن حبان: والمراد برفع القلم ترك كتابة الشر عليهم دون الخير.
قال الزين العراقي: وهو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم، لأنهما في حيز من ليس
قابلاً لصحة العبادة منهم لزوال الشعور، فالمرفوع عن الصبي قلم المؤاخذة، لا قلم الثواب،
لقوله عَّ للمرأة لما سألته: ((ألهذا حج؟، قال: نعم)، واختلف في تصرف الصبي، فصححه
أبو حنيفة ولملك بإذن وليه مراعاة للتميز، وأبطله الشافعي مراعاة للتكليف.
(والثاني: أنه رسول اللَّه إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه حتى
يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا)، قد يشعر بعدم وجوده والمصرح به في الفروع والأصول،
خلافه (حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره، وخبر معجزاته وشرائعه
حتی لا يمكنهم عند ذلك متابعته، فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته،) ويكونون من الناجين
في الآخرة لعذرهم بعدم بلوغ الدعوة، ولكن لا يصلى عليهم، لأنه إنما يصلى على المحقق
إسلامه، ولا يجوز لعنهم، لأنهم لعدم تكذيبهم في معنى المسلم، كما قال الغزالي: أنه التحقيق
لا مسلم، كما عبر به بعض، أو على الفطرة، كما عبر به آخر، واختار السبكي التعبير بتاج.
(وعن أبي هريرة، عن النبي تَّد، أنه قال: والذي نفسي بيده) أقسم تقوية للحكم،
(لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) التي وجد فيهم إلى قيام الساعة، (ولا يهودي، ولا

٣٧٨
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات
ولم يؤمن بالذين أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. ومفهومه: أن
من لم يسمع به ولم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، على ما تقرر في الأصول أنه
لا حكم قبل الشرع على الصحيح. وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة
نبينا معَ ◌ّهِ.
وقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من
نصراني،) عطف خاص على عام، لإفادة عموم بعثته، (ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا
كان من أصحاب النار) الخالدين فيها، (رواه مسلم) وأحمد.
(ومفهومه أن من لم يسمع به، ولم تبلغه دعوة الإسلام، فهو معذور،) فيكون ناجيًا
(على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل الشرع على الصحيح،) لقوله تعالى: ﴿وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولاً﴾، ولأن الغافل لا يكلف، لقوله تعالى: ﴿ذلك إن لم يكن ربك
مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾، ثم اختلف هل نجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنة
غير متوقفة على الامتحان، أو متوقفة عليه، لورود أحاديث كثيرة؛ بأنهم يمتحنون يوم القيامة
ببعث رسول إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها
سحب إليها.
(وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا عَّة) لجعله من لم يؤمن برسالته من
أهل النار، وإنما يكون كذلك بموته كافرًا، وكفره يستدعي نسخ الشريعة التي هو متمسك بها،
والله أعلم.
(وقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب﴾) اليهود والنصارى (﴿قد جاءكم رسولنا﴾﴾
محمد عَد ((يبين لكم) الدين﴾، وحذف لظهوره (أو ما كتمتم من الكتاب﴾، كآية الرجم،
وصفته عَّدٍ، وحذف لتقدم ذكره، ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان،
والجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبينًا (﴿على فترة من الرسل﴾،) متعلق بجاء،
أي: على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي، فتعلق على فترة بجاءكم تعلق الظرفية،
كقوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمن﴾ [البقرة/١٠٢] الآية، وقيل: إنه حال من
ضمير لكم (﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾،) كراهة أن تقولوا ذلك، وتعتذروا به، فهو
في موقع المفعول له، (﴿فقد جاءكم بشير ونذير﴾) متعلق بمحذوف، أي: لا تعتذروا بما جاءنا
بأن تقولوا ذلك، قاله الكشاف.
قال التفتازاني: أي: بمحذوف تفصح عنه الفاء، وتفيد بيان سببه، كالتي تذكر بعد الأوامر

٣٧٩
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
الرسل، أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير واللّه
على كل شىء قدير﴾ [المائدة/١٩].
خاطب اللَّه تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم
رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول. بل هو المعقب
لجميعهم، ولهذا قال تعالى: ﴿على فترة من الرسل﴾ أي من بعد مدة متطاولة،
ما بین إرساله وعيسى ابن مريم.
وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي وقتادة في رواية عنه:
والنواهي بيانًا لسبب الطلب، لكن كمال حسنها وفصاحتها أن تكون مبنية على التقدير، منبئة عن
المحذوف، بخلاف قولك: أعبد ربك، فالعبادة حق له، ولكون مبنى الفاء الفصيحة على
الحذف اللازم، بحيث لو ذكر لم يكن بتلك الفصاحة، تختلف العبارة في تقدير المحذوف،
فتارة أمرًا أو نهيا، كما في هذه الآية، وتارة شرطًا، كقوله: ﴿فهذا يوم البعث﴾ [الروم/٥٦]، وتارة
معطوفًا عليه، كقوله: فانفجرت (﴿واللَّه على كل شىء قدير﴾ [المائدة/١٩]٤) فيقدر على
الإرسال تترًّا، كما فعل بين موسى وعيسى إذا كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وعلى
الإرسال على الفترة، كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، (خاطب الله تعالى
أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي
بعده ولا رسول،) بيان لخاتم النبيين، (بل هو المعقب لجميعهم،) أي: الجائي بعدهم، (ولهذا
قال تعالى: ﴿على فترة من الرسل﴾، أي: من بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن
مريم،) والفترة لغة من فتر الشىء إذا سكنت حدته، سميت المدة التي بين الأنبياء فترة، الفتور
الدواعي في العمل بتلك الشرائع.
(وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي،) (بفتح النون وإسكان الهاء) أبو
عثمن عبد الرحمن بن مل (بلام ثقيلة، والميم مثلثة)، مشهور بكنيته، من كبار التابعين، مخضرم،
ثقة، عابد، روى له الجميع، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة،
وقيل أكثر، (وقتادة) بن دعامة الأكمة، التابعي، المشهور (في رواية عنه ستمائة سنة، ورواه
البخاري) من حديث أبي عثمن النهدي (عن سلمان الفارسي،) قال: فترة بين عيسى ومحمد
ستمائة سنة.
قال الحافظ: أي: المدة التي لم يبعث فيها رسول من اللَّه، ولا يمتنع أن ينبأ فيها نبي
يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.

٣٨٠
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون
سنة، وقال الضحاك: أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة، وعن الشعبي - فيما ذكره
ابن عساکر - تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة، قال: وكانت هي
الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد آخر النبيين من بني
آدم على الإطلاق، كما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أنا أولى الناس
(وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون سنة،) أخرجه عبد الرزاق بن معمر عنه، لكن لم يقل
وستون سنة، كما في الفتح، قال: وعن الكلبي: خمسمائة وأربعون، (وقال الضحاك: أربعمائة
سنة وبضع وثلاثون سنة. وعن الشعبي) عامر بن شراحيل، (فيما ذكره ابن عساكر،) عنه:
(تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة).
((قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة،) خلافًا لنقل ابن
الجوزي الاتفاق على ذلك، فإنه تعقب بوجود الخلاف، (قال: وكانت هي الفترة بين عيسى
ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد آخر النبيين من بني آدم،) بيان للواقع، (على
الإطلاق، كما في البخاري) في أحاديث الأنبياء، وكذا مسلم، كلاهما (من حديث أبي
هريرة، مرفوعًا) بلفظ: سمعت رسول اللَّه عَّ يقول: (أَنا أولى الناس بابن مريم).
وفي رواية للبخاري: بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ولفظ مسلم: في الأولى
والآخرة، قال الحافظ: أي: أخصهم به، وأقربهم إليه، لأنه بشر بأنه يأتي من بعده، فالأولوية من
جهة قرب العهد، كما أنه أولى الناس بإبراهيم من جهة قوة الاقتداء، زاد السيوطي: ولأنه أبوه
ودعا به، وأُشبه الناس به خلقًا وملة. انتهى.
وقول الكرماني: التوفيق بين الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿إِن أولى الناس بإبراهيم للذين
اتبعوه وهذا النبي﴾ [الأعراف/٦٨]، إن هذا الحديث وارد في كونه عَّه متبوعًا، والآية واردة
في كونه تابعًا، رده الحافظ؛ بأن مساق الحديث كمساق الآية، فلا دليل على هذه التفرقة،
والحق أنه لا منافاة ليحتاج إلى الجمع، فهو أولى بكل منهما من جهة، وأسقط المصنف من
هذه الرواية عند البخاري ومسلم، والأنبياء أولاد علاّت، (لأنه ليس بيني وبينه نبي،) لم تقع
لفظه، لأنه في الصحيحين، ولذا قال السيوطي: ليس .. الخ، بيان لجهة الأولوية.
وقال الحافظ: قوله: ليس بيني وبينه نبي، هذا أورده كالشاهد لقوله إنه أقرب الناس إليه،
وتبعه المصنف.
وفي رواية لهما: والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، والعلات: (بفتح