Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أنوار أبصارهم وقلوبهم، قووا بها على الرؤية. قال: وقد رأيت نحو هذا للملك بن
أنس - رضي الله عنه- قال: لم ير في الدنيا لأنه باق، ولا يرى الباقي بالفاني. فإذا
كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية، رؤي الباقي بالباقي، وهذا كلام حسن مليح،
وليس فيه دلالة على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا قوى الله من شاء
من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه، انتهى.
والاستثناء في قوله: ((إلا من حيث ضعف القوة)) ينبغي أن يكون منقطعًا،
وفي نسخ ثابتة بموحدة وفوقية، فقوله: (باقية) تفسير له، أي: مخلدة لا تفنى لقوة تركيبها
وتمام قواها، (وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم،) أي: جعلها تامة كاملة مستعدة للبقاء السرمدي،
(قووا بها على الرؤية،) جواب إذا، وضمير بها للمذكورات من التركيب والقوى والأنوار، فهذا
يدل على وقوعها في الآخرة، وجوازها في الدنيا، لأنه لو رزقهم ذلك في الدنيا صح ذلك منهم
أيضًا، ولذا شق صدر المصطفى، وأودع فيه ما قوى به على ذلك.
(قال) عياض: (وقد رأيت)) وفي نسخ: وروى (نحو هذا للملك بن أنس) الإمام (رضي
اللَّه عنه قال: لم ير) (بضم التحتية ونائب الفاعل عائد على اللَّه) (في الدنيا، لأنه باق، ولا
يرى الباقي بالفاني، فإذا كان) النظر، أو الناظر، (في الآخرة، ورزقوا أبصارًا باقية رؤي
الباقي بالباقي،) لأن البقاء الأبدي علة لصحة الرؤية، كما أن الفناء والحدوث لا مدخل له في
المنع، لأن الرؤية بخلق اللَّه، وليست مشروطة بشىء عند أهل السنة، فكأنه أراد أن البقاء يلزمه
قوة التركيب والقوّة المعدة لصحة النظر، فيكون بمعنى ما قبله، وكذا إن كان مراده أن الرائي
والمرئي لا بد أن يكون بينهما مناسبة وأبصار هذه الدار فانية، فإذا عادت وكسيت صفة دوام
البقاء تحملت رؤية الحي القيوم للمناسبة في الجملة، وإن كان بقاؤه قديمًا ذاتيًا، وبقاؤها طار
عرضي.
(وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دلالة على الاستحالة) والامتناع عقلاً، بل هو
دال على الجواز، إذ لا مانع منه (إلا من حيث ضعف القدرة البشرية) في الدنيا، (فإذا قوى اللّه
من شاء من عباده،) بأن رزقه قوة تطيق ذلك، (وأقدره على حمل أعباء:) أثقال (الرؤية،) أي:
جعل له قدرة وطاقة على رؤيته ومشاهدته، ونسخة الرسالة تصحيف، فلا دخل لها هنا، والذي
في الشفاء: الرؤية، (لم تمتنع في حقه) الرؤية، فيمكنه منها بما منحه من القوة، وأعباء: جمع
عبء بكسر المهملة، وسكون الموحدة وهمزة: الحمل الثقيل حقيقة في المحسوسات، استعير
للمعاني الشاقة. (انتهى) كلام عياض.
(والاستثناء في قوله: إلا من حيث ضعف القوة، ينبغي أن يكون منقطعًا على معنى،

٢٤٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
على معنى: لكن من حيث ضعف القوة، وإلا فضعف القوة قصاراه أن يكون مانعًا،
أي امتنع من حيث ضعف القوة لا من جهة كونه مستحيلاً، ويدل على هذا قوله:
(فإذا قوى اللَّه تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في
حقه).
وقد وقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه:
(واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)). وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من حديث أبي
أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت.
فإذا جازت الرؤية في الدنيا عقلاً فقد امتنعت سماعًا، لكن من أثبتها
للنبي عَّهُ له أن يقول: إِن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. وفي تفسير ابن
كثير: في بعض كتب اللَّه المتقدمة أن اللَّه تعالى قال لموسى لما سأله الرؤية، يا
موسی، إنه لن یراني حي إلا مات.
لكن من حيث ضعف القوة وإلا) بأن كان متصلاً، (فضعف القوة قصاراه:) غايته، (أن يكون
مانعًا) فلا يصح دخوله فيما قبل الاستثناء، (أي: امتنع من حيث ضعف القوة لا) نافية (من جهة
كونه مستحيلاً،) تقرير وبيان للانقطاع، (ويدل على هذا قوله: فإذا قوى اللّه تعالى من شاء
من عباده، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقه،) إذ لو كان متصلاً ما حسن
التفريع.
(وقد وقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه: ((واعلموا
أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا) في صحيحه، (من حديث أبي
أمامة) صدى ابن عجلان الباهلي.
(ومن حديث عبادة بن الصامت) الأنصاري، (فإذا جازت الرؤية في الدنيا عقلاً، فقد
امتنعت سماعًا،) بقوله: حتى تموتوا، (لكن من أثبتها للنبي عَّةٍ له أن يقول: إن المتكلم لا
يدخل في عموم كلامه) على أحد الأقوال في الأصول.
(وفي تفسير ابن كثير في بعض كتب اللَّه المتقدمة: إن اللَّه تعالى قال لموسى لما
سأله الرؤية: يا موسى إنه لن يراني حي إلا مات،) وقد اختلف على قول من قال: إن موسى
رآه هل مات، ثم أحياه اللَّه، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، أو لم يمت، لأنه أُلهي بالنظر
للجبل حتى لا يموت، إذا تجلى له ابتداء، وهو قول جعفر بن محمد، كما مر، وعليه فمعنى قوله
إلا مات، ما لم أثبته وأقوه فلا يموت.

٢٤٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقد جزم القشيري - في الرسالة - بأنها لا تجوز في الدنيا على جهة
الكرامة، وادعى حصول الإجماع عليه.
وحكى القاضي عياض امتناعها في الدنيا عن جماعة من المحدثين والفقهاء
والمتكلمين.
وقال القشيري أيضًا: سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يحكي عن الإمام أبي.
الحسن الأشعري في ذلك قولين في كتاب الرؤية الكبير. انتهى.
(وقد جزم القشيري في الرسالة، بأنها لا تجوز في الدنيا على جهة الكرامة، وادعى
حصول الإجماع عليه،) ونزع بوجود الخلاف.
(وحكى القاضي عياض ) في الشفاء: (امتناعها،) أي: رؤيته تعالى (في الدنيا عن
جماعة من المحدثين،) لعدم صحة حديث عن المصطفى صريح بذلك، (والفقهاء) في باب
الردة هل يكفر مدعيها أم لا؟، (والمتكلمين) في أصول الدين.
(وقال القشيري أيضًا: سمعت الإمام أبا بكر بن فورك) (بضم الفاء وإسكان الواو وفتح
الراء فكاف)، (يحكي عن الإمام أبي الحسن الأشعري،) إمام أهل السنة والجماعة (في ذلك
قولين في كتاب الرؤية الكبير. انتهى،) أي: في جوازها وعدمه، وأجمعوا على وقوعها في
الآخرة للمؤمنين، كما تواترت به الأحاديث، وبه نطق القرآن، وقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا
الحسنى﴾ [يونس/٢٦]، وزيادة الحسنة الجنة، وزيادة هي النظر إليه تعالى، كما فسره به
النبي عَّه في مسلم وغيره، وأحالت المعتزلة ذلك، فصارت الأدلة عندهم، كالصائل لا يبالون
بأي: شىء دفعوه، فقال كبيرهم الزمخشري: زعمت المسمية والمجبرة أن الزيادة النظر إلى وجه
اللَّه، وجاءوا بحديث مرفوع.
قال الطيبي: هو عنده بالقاف، أي: مقتري، وأما عند أهل السنة فبالفاء.
وقال ابن المنير: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، والحديث مدون في الصحاح، وقد جعل
أهل السنة، جاءوا به من عند أنفسهم، فحسبه اللَّه.
وقال الزمخشري في موضع آخر:
لجماعة سموا هواهم سنه وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه
قال ابن المنير: انتقل إلى الهجاء، وقد أذن عَّ لحسان في المنافحة، وهجاء المشركين،
فتأسیت وقلت:

٢٤٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقد ذهبت عائشة وابن مسعود إلى أنه عليه السلام لم ير ربه ليلة الإسراء.
واختلف عن أبي ذر.
وذهب جماعة إلى إثباتها. وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري
أنه حلف أن محمدًا رأى ربه. وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، وبه قال
وجماعة كفروا برؤية ربهم هذا ووعد اللَّه ما إن يخلفه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فلهم شفه
قال السعد: لقد عورض ما أنشده أو أنشأه من الهذيان:
لجماعة كفروا برؤية ربهم ولقائه فهم حمير موكفه
فكما هم علموا بلا كيف فنح من نرى فلم تنفعهم بالملكفه
هم عطلوه عن الصفات وعطلوا عنه الفعال فيالها من متلفه
باللَّه زمرة حاكة وأساكفه
هم نازعوه الخلق حتى أشركوا
هم غلقوا أبواب رحمته التي هي لا تزال على المعاصي موكفه
إلى آخر ما قال.
وقد أكثر الناس في الرد عليه نظمًا ونثرًا، ثم لما أثبت المؤلف جواز الرؤية في الدنيا عقلاً
وسمعًا، وإن كان كلامه في الخلاف في وقوعها للمصطفى وعدمه، لأنه إن لم يثبت الجواز لم
يثبت الوقوع، أخذ في تتميم الكلام على الوقوع، فقال: (وقد ذهبت عائشة،) كما تقدم، (وابن
مسعود) في المشهور عنه؛ (إلى أنه عليه السلام لم ير ربه ليلة الإسراء، واختلف عن أبي
ذر،) فروى عنه أنه رآه، وروى عنه أنه لم يره، وكذا اختلف عن أبي هريرة، فحكى ابن إسحق،
أن مرون سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟، قال: نعم.
وفي رواية لم يره، وإلى النفي ذهب كثير من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وبالغ
الحافظ عثمن بن سعيد الدارمي، فنقل فيه الإجماع.
(وذهب جماعة إلى إثباتها،) قال النووي: وهو قول أكثر العلماء.
(وحكى عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، أحد الأعلام، (عن معمر) بن راشد، (عن
الحسن البصري؛ أنه حلف أن محمدًا رأى ربه،) لفظ الرواية أنه كان يحلف بالله، لقد رأى
محمد پل ربه.
(وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها)، أي: رؤية الله للمصطفى، وأنه كان يشتد

٢٤٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
سائر أصحاب ابن عباس. وجزم به كعب الأحبار والزهري، وصاحبه معمر وآخرون
وهو قول الأشعري وغالب أتباعه.
ثم اختلفوا: هل رآه بعينيه أو بقلبه؟
وجاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها
على مقيدها، فمن ذلك، ما أخرجه النسائي بإسناد جيد، وصححه الحاكم أيضًا
من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام
لموسى، والرؤية لمحمد عَ لهـ
عليه إنكار عائشة لها، (وبه قال سائر،) أي: جميع (أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب
الأحبار،) أي: ملجأ العلماء، وكبر لما وافقه ابن عباس حتى جاويته الجبال بعرفة سرورًا.
(والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، (وصاحبه،) أي: تلميذه (معمر) بن راشد
البصري، أحد الأعلام، (وآخرون) كثيرون، (وهو قول الأشعري وغالب أتباعه،) وفي الشفاء.
وقال الأشعري وجماعة من أصحابه أنه معَّه رأى اللَّه ببصره وعيني رأسه، وقال، أي:
الأشعري: كل آية أوتيها نبي، فقد أوتي مثلها نبينا، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية.
(ثم اختلفوا هل رآه بعينيه، أو بقبله؟)، ويأتي معناه، وقال النووي: الراجح عند أكثر العلماء؟
أنه مَّ رأى ربه بعيني رأسه ليلة المعراج، واستدل بأشياء نوزع في بعضها.
(وجاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة)) أي: دالة على الرؤية بلا قيد بالعين، ولا بالقلب،
(وأخرى مقيدة؛) بأنه رآه بقلبه، (فيجب حمل مطلقها) الدال على الرؤية، (على مقيدها؛) أنه
رآه بقلبه عملاً بقاعدة حمل المطلق على المقيد، هكذا قاله الحافظان ابن كثير وابن حجر
وغيرهما، ومقتضاه أنه لم یرد عنه أخبار مقيدة؛ بأنه رآه بعينه، وهو عجب.
ففي الشفاء بعد حكاية اختلاف الروايات عن ابن عباس في أنه رآه بعينه، أو بقلبه، ما
نصه: والأشهر عنه أنه رآه بعينه، روى ذلك عنه من طرق. انتهى، فالوجه الجمع بأنه رآه مرتين،
مرة بقلبه ومرة بعينه، كما قال ابن خزيمة، وبه صرح ابن عباس في الطبراني بسند صحيح كما
يأتي، ومحل القاعدة إذا عارض المطلق مقيد واحد، أما إذا عارضه مقيدان، فلا يقيد بواحد دون
الآخر، لأنه تحكم، فإن أمكن الجمع، كما هنا بالتعدد وجب المصير إليه، وإلا رجع للمطلق.
(فمن ذلك،) أي: ما جاء عن ابن عباس لا يفيد المطلق والمقيد، (ما أخرجه النسائي
بإسناد جيد،) أي: مقبول، وفي نسخ صحيح، وهي أنسب بقوله، (وصححه الحاكم أيضًا من
طريق عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم،) كما قال تعالى:
﴿واتخذ اللَّه إبراهيم خليلاً﴾ [النساء/١٢٥]، (والكلام لموسى) ﴿وکلم اللَّه موسی تکلیمًا﴾،

٢٤٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ومنها: ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتين.
وله: من طريق عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه.
وأصرح من ذلك: ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس قال:
لم يره رسول اللَّه عَّله بعينه وإنما رآه بقلبه.
وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل
نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب.
لكن روى الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح، خلا جهور بن
(والرؤية لمحمد عليه) وهذا من الأحاديث المطلقة، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: أن اللَّه اصطفى
إبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمدًا بالرؤية، واستشكل تفريقه هذه الخصائص؛ بأن الخلة
والكلام ثبتا لنبينا أيضًا، وأجيب بأن مراده أن الخلة ثبتت له مع زيادة المحبة، فهو خليل،
وحبيب، وموسى اشتهر بالكليم، لأن كلام اللَّه بالأرض في الدنيا بلا واسطة لم يقع لأحد سواه،
وإن كان اللَّه تعالى كلم نبينا في المعراج بلا واسطة في حظائر قدسه.
(ومنها ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية) رفيع بضم الراء مصغر، ابن مهران
الرياحي بكسر الراء وبالتحتية، ثقة، من رجال الجميع، مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين،
وقيل بعد ذلك، (عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم/ ١١]
﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم/ ١٣]، قال: رأى ربه بفؤاده مرتين،) أي: بقلبه.
(وله،) أي: مسلم، (من طريق عطاء) بن أبي رباح، (عن ابن عباس، قال: رآه بقلبه،)
وكل من الروايتين مفيد، لكن لا صراحة فيها أنه لم يره بعينه، ولذا قال: (وأُصرح من ذلك ما
أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء، عن ابن عباس، قال: لم يره رسول اللَّه عٍَّ بعينه، وإنما
رآه بقلبه،) وكأن هذا خاطب ابن عباس به من لا يليق به، والإفصاح بأنه رأه بعينه، أو مراده لم
يره بعينه فقط، وإنما رآه بقلبه وعينه، أو هو من تصرف الراوي عن عطاء، فلا ينافي ذلك أن
الأشهر عنه أنه رآه بعينه، ولا شك أن رواية مسلم عن عطاء، عنه أصح من رواية ابن مردويه هذه.
(وعلى هذا، فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل نفيها
على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، لكن) يقدح في الجمع المذكور، أنه (روى
الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح،) بمعنى أنه خرج لهم أصحاب الصحيح،
(خلا جهور) (بفتح الجيم وإسكان الهاء وفتح الواو ثم راء) (ابن منصور الكوفي، وجهور بن

٢٤٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
منصور الكوفي، وجهور بن منصور قد ذكره ابن حبان في الثقات، عن ابن عباس
أنه كان يقول: إن محمدًا عَّ له رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده.
ثم المراد ((برؤية الفؤاد) رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم، لأنه عَ لّه كان
عالمًا باللَّه على الدوام. بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له
خلقت له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين، والرؤية لا يشترط لها شىء مخصوص
عقلاً، ولو جرت العادة بخلقها في العين.
وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال: رأى محمد ربه.
وفي مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي عٍَّ عن ذلك فقال: نور أنى
منصور) المذكور (قد ذكره ابن حبان في الثقات، فالإسناد صحيح لثقة رجاله،) وإن لم يخرج
لبعضهم في الصحيح، لأن الصحيح مراتب.
(عن ابن عباس؛ أنه كان يقول: إن محمدًا عَلله رأى ربه مرتين، مرة ببصره، ومرة
بفؤاده،) فلا يمكن الجمع حينئذ بما تقدم بين إثباته ونفي عائشة، لأنه مصرح بأنه رآه مرة ببصره،
ولا رد المطلق عنه إلى المقيد بالقلب أيضًا، كما قدمته.
وقول ابن كثير: من روى عن ابن عباس أنه رآه ببصره فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك
شىء عن الصحابة.
قال الشامي: ليس بجيد، لأن إسناد الطبراني هذا صحيح، (ثم المراد برؤية الفؤاد،) كما
قال الحافظ ابن حجر، (رؤية القلب لا مجرد حصول العلم، لأنه معَةٍ كان عالمًا باللَّه على
الدوام، بل مراد من أثبت أنه رآه بقلبه، أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه، كما
تخلق الرؤية بالعين، والرؤية لا يشترط لها شىء مخصوص عقلاً،) بل هي قوة يجعلها اللَّه
تعالى فيما شاء من خلقه، ولا يشترط فيها أيضًا اتصال أشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك.
(ولو جرت العادة بخلقها في العين،) فليست شرطًا.
وقال الواحدي: وعلى القول؛ بأنه رآه بقلبه، جعل اللَّه تعالى بصره في فؤاده، أو خلق
لفؤاده بصراحتي رأى ربه رؤية صحيحة، كما يرى بالعين.
(وروى ابن خزيمة بإسناد قوي، عن أنس قال: رأى محمد ربه) بعينه، كما حمله عليه
الواحدي، وتبعه البغوي.
(وفي مسلم من حديث أبي ذر الغفاري؛ (أنه سأل النبي ◌َُّ عن ذلك،) أي: رؤيته
لربه، فلفظه عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي ذر، قال: سألت رسول اللَّه مَُّ هل رأيت ربك؟،

٢٤٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أراه أي حجابه نور فكيف أراه، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية.
وعند أحمد قال: رأيت نورًا ومن المستحيل أن تكون ذات اللَّة نورًا، إِذ
النور من جملة الأعراض، واللَّه تعالى يتعالى عن ذلك.
(فقال: نور) منون مرفوع، وروي بالنصب أيضًا، (أني) بفتح الهمزة وشد النون والقصر (أراه،
أي: حجابه نور) إشارة إلى أن نور خبر مبتدأ، ويجوز أنه فاعل لفعل مقدر، أي: حجبني، أو
منعني، أو ظهر لي نور، وعلى رواية النصب تقديره رأيت نورًا، (فكيف،) تفسير لقوله أني (أراه،
ومعناه أن النور منعني من الرؤية،) لجري العادة؛ بأن النور إذا غشي البصر حجبه عن رؤية ما
وراءه.
وروي نوراني بكسر النون الثانية وشد التحتية، نسبة للنور على غير قياس، كصنعاني،
وهذه الرواية حكاها في الشفاء عن بعض مشايخه، ولكنه قال في شرحه لمسلم الإكمال: هذه
الرواية لم تقع لنا ولا رأيتها في أصل من الأصول.
(وعند أحمد،) عن أبي ذر، (قال) مَّ: (رأيت نورًا،) ظاهر عزوه لأحمد بعد عزو ما
قبله لمسلم أنه لم يروه، وليس كذلك، فقد رواه مسلم أيضًا عقب الأل من وجه آخر عن
عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول اللَّه عَّه لسألته، فقال: عن أي: شىء
كنت تسأله؟، قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟، قال: قد سألته، فقال رأيت نورًا، أي: رأيت
نورًا حجبني عن رؤية اللَّه، فتفق الروايتان على أن النور مانع.
(ومن المستحيل أن تكون ذات اللّه نورًا، إذ النور من جملة الأعراض، والله تعالى
يتعالى عن ذلك،) ولذا قال في الشفاء: حديث أبي ذر هذا مختلف، أي: فيه من حيث اللفظ
محتمل، أي: لكونه رآه ولم يره مشكل، أي: من حيث جعل ذاته نورًا.
وقال في الإكمال: ومن المستحيل أن تكون ذاته نورًا، لأنه جسم، وهو منزه عنه بإجماع،
فيؤول بما ذكر في اللَّه نور السموات والأرض، أن معناه منورهما، أو هادي أهلهما، أو منور قلوب
المؤمنين، أو ذو بهجة وجمال، أو خالق النور، ورده أبو عبد اللَّه الأبي؛ بأنه لا يستقيم تأويل
الرواية بشىء من الجميع، لأنه لا يلتئم مع قوله: أني أراه، لأن كونه خالقًا أو منورًا، أو هاديًا لا
يمنع من رؤيته.
قال السنباطي: فالذي يظهر على ما نعتقده من وقوع الرؤية؛ أن قوله نور، أي: هو ذو نور،
ثم استعظم ما وقع له من الرؤية، وما شاهده من الذات العلية، فقال: أني أراه، اعترافًا بالقصور
عن درجة الرؤية، واستعظامًا للذات المرئية، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أني يحيى هذه اللَّه بعد
موتها﴾ [البقرة/٢٥٩]، قال: وأما رأيت نورًا، فهو نص في الرؤية، وتأويله بأن المراد منعني عن

٢٤٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وعند ابن خزيمة عنه، قال: رآه بقلبه ولم يره بعينه. وبهذا يتبين مراده في
حديث أبي ذر بذكر النور، الذي حال بينه وبين رؤيته ببصره.
وجنح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في
الاستدلال بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤية وقعت
مرتين: مرة بقلبه ومرة بعينه.
ومما يعزى للأستاذ عبد العزيز المهدوي: أنه عٍَّ لما رجع من سفر
الإسراء، أبصر العوالم من حيث فلكهم ومراتبهم، وسقى كل واحد من كأسه،
رؤيته، كعادة الأنوار الساطعة، فضعيف جدًا، لأن فيه قياس الأشياء الخارقة للعادة الجائية في
طور ما وراء العقل على الأشياء المحسوسة العادية، وهذا خطأ قطعًا انتهى.
وقال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: ما زلت لهذا الحديث منكرًا، وقال ابن خزيمة
في القلب من صحة إسناده شىء. انتهى، وأجيب؛ بأن النور من أسمائه تعالى، كما في الحديث.
قال الغزالي: ومعناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، ونحوه قول الأشعري: اللَّه نور ليس
كالأنوار، فالروايتان بمعنى: فهو نور النور، الخفي بفرط الظهور. وقول عياض: النور جسم غير
مسلم، (وعند ابن خزيمة) والنسائي، (عنه)) أي: عن أبي ذر، أنه (قال) في تفسير الآية: (رآه
بقلبه، ولم يره بعينه).
وروى ابن جرير عن بعض الصحابة، قلنا: يا رسول اللَّه هل رأيت ربك؟، قال: لم أره
بعيني، رأيته بفؤادي مرتین، ثم تلا: ﴿ثم دنا فتدلى﴾، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف.
(وبهذا يتبين مراده في حديث أبي ذر،) المذكور عن مسلم (بذكر النور الذي حال
بينه وبين رؤيته ببصره،) وذلك لا يمنع رؤيته بقلبه، (وجنح،) أي: مال (ابن خزيمة في كتاب
التوحيد إلى ترجيح الإثبات،) أي: أنه رآه ببصره، (وأطنب في الاستدلال بما يطول ذكره،
وحمل ما ورد عن ابن عباس) من أنه رآه بقلبه، (على أن الرؤية وقعت مرتين، مرة بقلبه، ومرة
بعينه،) جمعًا بين مختلف الروايات عنه، وعملاً بتصريحه بذلك في الطبراني المانع من رد
المطلق للمقيد، كما مر تحريره.
(ومما يعزى للأستاذ عبد العزيز المهدوي أنه عٍَّ لما رجع من سفر الإسراء،) سمى
خروجه من مكة إلى المقدس، ثم إلى السموات، ثم إلى حيث شاء اللَّه، سفر الصدق، حد
السفر عليه، وهو الخروج للارتحال من محله إلى غيره، (أبصر العوالم) بكسر اللام، (من حيث
فلكهم،) أي: نظر كل عالم، وخاطبه بما يليق بفلكه المتعلق به، (ومراتبهم) اللائقة بهم قربًا
وبعدًا، (وسقى كل واحد من كأسه، وعلى قدر عقله، فخاطب الكفار وهم آخر العوالم بما

٢٥٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وعلى قدر عقله، فخاطب الكفار، وهم آخر العوالم، بما رأى في الطريق، وما كان
في المسجد الأقصى على العيان وبما يعرفون، لأنهم في فلك الأجسام، حتى
صدقوا بالإسراء، ثم ارتقى حتى حدث عن فلك السماء، وكذلك في كل سماء،
حتى أخبر عما شاهد ورأى في كل فلك وما يليق أن يحدث به - أعني أصحابه -
كلا على قدر مرتبته بلا ضيق ولا مزاحم إلى السماء السابعة، ولما وصل مقام
جبريل تحدث عن الأفق المبين، وعما فوق إلى الدنو وإلى التدلي إلى موضع
الإيحاء عند حضرة إسقاط الصور والخلق، فأخبر بذلك أصحابه، فمنهم من قال:
رأى جبريل بالأفق المبين، وبالأفق الأعلى، وصدق، ومنهم من قال برؤية الفؤاد
والبصيرة وصدق، وهي عائشة ومن معها، ومنهم من قال: بعيني رأسه رأى وصدق.
فكل أخبر بما حدثه عَّله من مقامه وسقاه من كأسه وما يليق به، فإذا صح
رأى في الطريق وما كان في المسجد الأقصى على العيان:) (بكسر العين) المشاهدة، حيث
جلا اللَّه له المسجد، (وبما يعرفون، لأنهم في فلك الأجسام حتى صدقوا بالإسراء) حقيقة،
وإن لم يؤمنوا عنادًا، (ثم ارتقى حتى حدث عن فلك السماء، وكذلك في كل سماء حتى
أخبر عما شاهد ورأى في كل فلك، وما يليق أن يحدث به، أعني أصحابه، كلا على قدر مرتبته
بلا ضيق ولا مزاحم إلى السماء السابعة،) وحاصل معنى كلامه أنه عَّه رأى تلك الليلة ما
تقصر العقول عن إدراكه، فحدث أصحابه، كلاً بما يليق بمخاطبته وبمرتبته، فاختلفت العبارات
باختلاف أحوال المخاطبين، مع كون المخبر عنه واحدًا لا اختلاف فيه، وإنما نشأ الاختلاف من
اختلاف العبارات التي أدى بها عليه السلام.
(ولما وصل مقام جبريل تحدث عن الأفق المبين، البين،) وهو الأعلى، (وعما فوق)
الأفق (إلى الدنو:) القرب، (وإلى التدلي إلى موضع الإيحاء عند حضرة إسقاط الصور
والخلق، فأخبر بذلك أصحابه، فمنهم من قال: رأى جبريل بالأفق المبين، وبالأفق الأعلى،
وصدق،) لأنه حدث بما أخبره به.
(ومنهم من قال: برؤية الفؤاد:) القلب، (والبصيرة) لا البصر، (وصدق، وهي عائشة،
ومن معها) کابن مسعود في الأشهر عنه.
(ومنهم من قال: بعيني رأسه رأی) ربه تبارك وتعالى، (وصدق، فکل أخبر بما حدثه.
من مقامه، وسقاه من كأسه، وما يليق به،) لكن قال الشامي: من قال: إنه عَّ خاطب عائشة
على قدر عقلها، ومن حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه، فهو مخطىء، قليل الأدب. انتهى.

٢٥١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
هذا المعراج عرفت الأمر، ومقامات الرؤية والقائلين بذلك واختلافهم وقولهم
الجميع الحق انتهى.
الإمام أحمد. روى الخلال في ((كتاب السنة)
وممن أثبت الرؤية لنبينا
عن المروزي: قال قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن
محمدًا قد رأى ربه فقد أعظم على اللَّه الفرية، فبأي معنى يدفع قولها؟ قال: بقول
النبي ◌َ ◌ّهُ: رأيت ربي، قول النبي عَّه أكبر من قولها.
وقد أنكر صاحب ((الهدي)) على من زعم أن أحمد قال: رأى ربه بعيني
(فإذا صح هذا المعراج، عرفت الأمر ومقامات الرؤية، والقائلين بذلك، واختلافهم)
نفيًا وإثباتًا ووقفًا، (وقولهم الجميع الحق انتهى) كلام المهدي، وحاول بذلك الجمع بين
النفي والإثبات، وقد يؤيده خبر حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله، رواه
الديلمي عن علي رفعه، وهو في البخاري موقوف عليه.
وروى الحسن بن سفين عن ابن عباس، يرفعه: أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم.
قال الحافظ: وسنده ضعيف جدًا لا موضوع.
(وممن أثبت الرؤية،) أي: رؤية اللَّه تعالى (لنبيناعَّ الإمام أحمد) بن حنبل.
(روى الخلال) بالخاء المعجمة، نسبة إلى الخل، أبو محمد الحسن بن أبي طالب بن
محمد بن الحسن البغدادي، الحافظ، الثقة، صاحب التصانيف، مات سنة تسع وثلاثين
وأربعمائة، (في كتاب السنة، عن) إسحق بن منصور بن بهرام الكوسج، التميمي، (المروزي،)
نزيل نيسابور، أحد الأئمة الحفاظ الثقات، روى عنه الجماعة سوى أبي داود، قال الخطيب:
كان فقيهًا، عالمًا، وهو الذي دون المسائل عن أحمد، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين.
(قال: قلت لأحمد) بن حنبل الإمام: (إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا
قد رأى ربه، فقد أعظم على اللَّه الفرية:) بكسر الفاء، الكذب، (فبأي: معنى يدفع) بتحتية
مضمومة، أو فوقية مفتوحة. (قولها) بالرفع والنصب، (قال بقول النبي عَّة: رأيت ربي،) أي:
ببصري، على الظاهر المتبادر (قول النبي صَّة أكبر) بموحدة، أعظم وأجل (من قولها،) فيقدم
عليه، إذ لا رأي لأحد مع نصه، وهذا ظاهر في أن أحمد كان يقول إنه رآه ببصره قبل أن يسأل،
ويجيب، لأن عائشة تقول بأنه رآه بقلبه على ما مر، فدفعه أحمد بالحديث حملا له على المتبادر
منه، وحينئذ بطل الإنكار المذكور بقوله.
(وقد أنكر صاحب (الهدي))) ابن القيم فيه (على من زعم أن أحمد قال: رأى ربه بعيني.

٢٥٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
رأسه. قال: وإنما قال أحمد مرة: رأى محمد ربه، وقال مرة: بفؤاده. وحكي عنه
بعض المتأخرين: أنه رأى ربه بعيني رأسه. وهذا من تصرف الحاكي، فإن نصوصه
موجودة انتهى.
وقد رجح القرطبي في ((المفهم)) بشرح مسلم قول الوقف في هذه المسألة،
وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه: بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما
استدل به الطائفتان ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل.
قال: وليست المسألة من العمليات فكيتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من
رأسه، قال: وإنما قال أحمد مرة رأى محمد ربه) وأطلق، (وقال مرة) رآه (بفؤاده،) فيحمل
المطلق على المقيد.
(وحكى عنه بعض المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه، وهذا من تصرف الحاكي، فإن
نصوصه) أي: أحمد، (موجودة) وليس فيها أنه رآه بعيني رأسه، فالحاكي ذلك عنه من تصرفه.
(انتهى).
لكن في الشفاء: أن عبد الله بن أحمد حکی عن أبيه أنه رآه، وحکی النقاش عن أحمد بن
حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس أنه رأى ربه بعينيه، رآه رآه رآه حتى انقطع نفسه، يعني
نفس أحمد، وقال أبو عمر: رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. انتهى، وجمع
بينهما؛ بأنه قد يخفيه في بعض المجالس.
(وقد رجح القرطبي في المفهم بشرح مسلم قول الوقف في هذه المسألة،) وهو
قول سعيد بن جبير: لا أقول رآه ولا لم يره، (وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس
في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به الطائفتان، ظواهر متعارضة قابلة للتأويل،) ونحوه
قول عياض أواخر هذا المبحث من الشفاء: لا مرية في الجواز، إذ ليس في الآيات نص في
المنع، بل هي مشيرة للجواز، وأما وجوب وقوعها لنبينا معَّه، والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه
قاطع أيضًا ولا نص إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما
ممكن، ولا أثر قاطع، متواتر عن النبي عَّله بذلك.
وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده، ولم يسنده إلى النبي ◌َه، فيجب العمل باعتقاده،
متضمنه من رؤيته ربه، ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، ثم قال: فإن ورد حديث نص، بین
في الباب اعتقد ووجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه، ولا مانع قطعي يرده انتهى.
(قال) القرطبي: (وليست المسألة من العمليات فيكتفي فيها بالأدلة الظنية، وإنما
هي من المعتقدات، فلا يكتفي فيها إلا بالدليل القطعي،) ورده السبكي في السيف المسلول

٢٥٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي. والله أعلم.
وأما قوله في الحديث: ثم فرضت علي الصلاة كل يوم خمسين صلاة.
ففي رواية ثابت البناني عن أنس عند مسلم ففرض اللَّه علي خمسين صلاة
كل يوم وليلة.
ونحوه في رواية لملك بن صعصعة عن البخاري أيضًا.
ويحتمل أن يقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس،
إلا ما يستثنى من خصائصه.
على من سب الرسول؛ بأنه ليس من شرطه أن يكون قاطعًا متواترًا، بل متى كان حديثًا صحيحًا،
ولو ظاهرًا، وهو من رواية الآحاد، جاز أن يعتمد عليه في ذلك، لأن ذلك لیس من مسائل
الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلفين بذلك انتهى، (والله أعلم) بالواقع من
ذلك.
(وأما قوله في الحديث،) أي: حديث لملك بن صعصعة الذي قدمه المصنف، ثم تكلم
عليه، (ثم فرضت علي الصلاة،) بالإفراد لأبي ذر، ولغيره الصلوات بالجمع، (كل يوم خمسين
صلاة).
(ففي رواية ثابت البناني) بضم الموحدة ونونين بينهما ألف، (عن أنس، عند مسلم:
ففرض اللَّه عليّ،) فصرح يذكر الفاعل، وإن كان في الأولى بني للمفعول للعلم به (خمسين
صلاة كل يوم وليلة،) فأفاد أن المراد بيوم في الرواية الأولى مع الليلة، (ونحوه في رواية لملك
ابن صعصعة عند البخاري أيضًا) لا محل لذكر هذا، لأن رواية لملك هي التي أراد بقوله.
وأما قوله في الحديث وهذا إنما ذكره الحافظ في قوله في الصلاة، قال النبي
(((ففرض اللَّه على أمتي خمسين صلاة))، فعارضه الحافظ بروايتي ثابت ولملك من جهة تصريحه
فيهما، بأن الفرض عليه، وجمع الحافظ بقوله: فيحتمل أن يقال في كل من رواية الباب، والرواية
الأخرى اختصار.
(ويحتمل أن يقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس إلا ما يستثنى
من خصائصه،) وكان المصنف حذف احتماله الأول، لأنه لم يذكر رواية الصلاة، لكنه بترك
رواية الصلاة صار لا كبير فائدة فيه، إذ رواية ثابت موافقة للرواية التي شرحها، فيكون قوله: ذكر
الفرض عليه ضائعًا.

٢٥٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي حديث ثابت عن أنس عند مسلم فنزلت إلى موسى، فقال ما فرض
ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن
أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى
ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى
فقلت: حط عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله
(وفي حديث ثابت عن أنس عند مسلم،) عقب قوله: وليلة، (فنزلت إلى موسى،
فقال: ما فرض ربك على أمتك،) قال: أولاً فرض عليّ، وهنا على أمتك، لأن ما فرض على
التبي فرض على أمته، ففیه احتباك، وهو من أنواع البديع، وهو أن یذکر شیئین بحذف من كل
منهما ما ذكر في الآخر، فحذف من الأول، وعلى أمتي، ومن الثاني عليك، وهذا جمع ثالث،
ولم يقل موسى عليك، لأنه علل بعدم الطاقة، وهي إنما تنسب إلى الأمة لا له، ففيه حسن أدب
موسى في الخطاب.
٠
(قلت: خمسين صلاة،) تمييز، (قال: ارجع إلى ربك،) أي: إلى الموضع الذي ناجيته
فيه، (فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون) بضم أوله، (ذلك،) أي: أنه يشق عليهم،
فيقصرون فيه لا أنه محال حتى يقال إنه مبني على تكليف المحال، وهو جائز، وفائدته الأخذ
في مقدماته حتى يعلم امتثاله، (فإني قد بلوت بني إسرائيل،) أي: اختبرتهم، بأن أمرتهم بما
كلفوا به، (وخبرتهم،) أي: علمت منهم عدم الوفاء بذلك، فهو عطف مسبب على سبب، يقال
بلاء وابتلاء بخير، أو شر، بمعنى امتحنته، خبرت الشىء من باب قتل علمته، واختبرته بمعنى
امتحنته، کما في المصباح، کذا مشاه شيخنا.
وقال غيره: وخبرتهم عطف تفسير، وهو واضح، لأن كونه بمعنى علم في خبر لا اختبر،
فمعناه امتحن، وفيه مقدر، أي: خبرتهم مع قوّة أجسادهم وطول أعمارهم، فلم أجد لهم صبرًا
على ذلك، فكيف حال أمتك؟.
(قال) عَُّ: (فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف عن أمتي) ما فرضته عليهم من
الصلاة، فحذف المفعول للعلم به.
وفي رواية شريك عن أنس، قال، أي: موسى: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع، فليخفف
عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي عَّه إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل؛ أن
نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا.
(فحط عني خمسًا) منها، وأصل معناه تنزيل الحمل، فشبهه بالحمل تشبيهًا مكنيًّا،
كقوله: ﴿لا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة/٢٨٦].

٢٥٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، حتى قال: يا محمد أنهن
خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة. ومن هم
بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم
يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة
وفي رواية ابن صعصعة، وأبي ذر وشريك: فوضع: (فرجعت إلى موسى، فقلت: حط
عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال: فلم
أزل أرجع،) أي: أردد الرجوع وأكرره، (بين ربي وبين موسى،) أي: بين موضع مناجاتي له
تعالى وملاقتي لموسى، (حتى قال) تعالى، لما انتهى التخفيف إلى خمس: (يا محمد إنهن
خمس صلوات كل يوم وليلة بكل صلاة عشر،) فكل حسنة بعشر أمثالها، (فتلك خمسون
صلاة).
وفي حديث أبي ذر: هن خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لديّ، ومر في حديث ابن
صعصعة: فوضع عني عشرًا، ومثله لشريك.
وفي رواية أبي ذر: فوضع شطرها، قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم من كونه وقع دفعة
واحدة، أو في مرار متعددة، وإذا ورد تفصيل وإجمال حمل الإجمال على التفصيل، فلا تعارض.
قال الحافظ: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو
المراد بالشطر البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا، وهي زيادة معتمدة،
يتعين حمل باقي الرواية عليها.
وقال الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي
الثانية ثلاثة عشر، يعني نصف الخمسة وعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعة، كذا قال، وليس
في حديث أبي ذر في المراجعة الثالثة ذكر وضع شىء إلا أن يقال حذف ذلك اختصارًا فيتجه،
لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم. انتهى.
قال الشامي: ويؤيد رواية ثابت ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي وابن مردويه من
حديث لملك بن صعصعة: فحط عني خمسًا، وفيه: فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني
خمسًا خمسًا. انتهى.
والظاهر أن هذه رواية شاذة، وإن صح إسنادها، فالثابت في الصحيحين، والنسائي ومسند
أحمد من حديث لملك بن صعصعة، فوضع عني عشرًا، وقدم المؤلف لفظه.
(ومن همّ بحسنة،) أي: أراد فعلها مصممًا عليها (فلم يعملها كتبت له حسنة،) أي:
كتبت له الحسنة التي هم بها ولم يعملها كتابة واحدة، لأن الهم سببها وسبب الخير، (فإن

٢٥٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
واحد. قال عَّله: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك
فاسأله التخفيف، فقلت: لقد راجعتُ ربي حتى استحييت منه.
عملها كتبت له عشرًا،) لأن الحسنة بعشر أمثالها.
(ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا،) أي: إذا لم يصمم على الفعل، كما هو
مذكور في محله، وفي الفتح استثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم
بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم، لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم
نذقه من عذاب إليم﴾ [الحج/٢٥]، ذكره السدي في تفسيره عن مرة ابن مسعود، وأخرجه
أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجح وقفه، (فإن عملها كتبت سيئة واحدة،) قال في الفتح:
استثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكي.
قال إسحق بن منصور: قلنا لأحمد: هل ورد في شىء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر
من واحدة؟، قال: لا، ما سمعت إلا بمكة لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة
والأمكنة، لكن قد تتفاوت بالعظم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿من يأت منكن بفاحشة مبينة
يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب/٣٠]، لأن ذلك ورد تعظيمًا لحق النبي عليه، لأن وقوع
ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذاه عَ ◌ّه. واستدل به على أن الحفظة لا
تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات، وأجاب بعض الشراح؛ بأن بعض الأئمة عد المباح
من الحسن، وتعقب بأن الكلام فیما یترتب على فعله حسنة، ولیس المباح، ولو سمي حسنًا
كذلك. نعم قد تكتب حسنة بالنية وليس البحث فيه.
(قال) عَلّ: (فنزلت حتى التهيت،) أي: انتهى سيري، فوصلت (إلى موسى،) ولم يقل
انتهيت قبل هذا، وقال هنا إشارة إلى أنه تمام المراجعة، ولا مراجعة بعده، (فأخبرته) بما قال اللّه،
(فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) من الخمس، (فقلت: لقد راجعت ربي) مرارًا في
سؤال التخفيف، (حتى استحييت منه،) زاد في حديث ابن صعصعة: ولكن أرضى وأسلم.
وفي رواية شريك عن أنس: قال عَ ل﴾: ((يا موسى قد والله استحييت من ربي، مما
اختلفت إلیه».
قال ابن المنير: هنا نكتة لطيفة، وهي أنه يحتمل أنه مَّ تفرس من كون التخفيف وقع
خمسًا خمشا، أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا، لكان سائلاً في دفعها، فلذلك
استحیا.
قال الحافظ: ودلت مراجعته عَّله لربه في طلب التخفيف في تلك المرات كلها، أنه لو
علم أن الأمر في كل مرة ليس على سبيل الإلزام بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يشعر بذلك،

٢٥٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية النسائي عن أنس: فقيل لي: إنني يوم خلقت السموات والأرض
فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك، وذكر مراجعته مع
موسى، وفيه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما. وقال في آخره:
خمس بخمسين، فهم بها أنت وأمتك. قال: فعرفت أنها عزمة من اللَّه فرجعت إلى
موسى فقال: ارجع، فلم أرجع.
فإن قلت: لم قال موسى عليه السلام لنبينا عَّله: إن أمتك لا يطيقون ذلك،
ولم يقل: إنك وأمتك لا تطيقون ذلك؟
أجيب: بأن العجز مقصور على الأمة لا يتعداهم إلى النبي عَّه، فهو لما
رزقه الله من الكمال يطيق ذلك وأكثر منه، وكيف لا وقد جعلت قرة عينه في
لقوله تعالى: ﴿ما يبدل القول لديّ﴾، ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء؛ أن العشرة آخر جمع
القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإلحاح في الطلب
من اللّه مطلوب، فكأنه خشي من عدم القيام بالشكر، وسيأتي في التوحيد زيادة في هذا
ومخالفة. انتهى.
(وفي رواية النسائي) من طريق يزيد بن أبي لملك، (عن أنس، فقيل لي: إنني يوم
خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة) كل يوم وليلة، (فقم
بها أنت وأمتك، وذكر مراجعته مع موسى، وفيه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما
قاموا بهما،) هذا هو الصواب، وما وقع في البيضاوي أنه فرض عليهم خمسون صلاة في اليوم
والليلة.
فقال السيوطي: هذا غلط، فلم يفرض على بني إسرائيل خمسون صلاة قط، بل ولا خمس
صلوات، ولم تجمع الخمس إلا لهذه الأمة، وإنما فرض على بني إسرائيل صلاتان، فقط كما في
الحدیث. انتھی.
(وقال في آخره: خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، قال: فعرفت أنها عزمة،) أي:
طلب جازم لا يتغير، وإن سألت (من اللَّه، فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع، فلم أرجع،) فهذا
صريح في أن عدم رجوعه، لأنه فهم أن الأمر للإلزام لا لمجرد الفراسة، (فإن قلت: لم؟، قال
موسى عليه السلام لنبينا معَّه: إن أمتك لا يطيقون ذلك، ولم يقل إنك وأمتك لا تطيقون)
أي: ما الحكمة فى قصر العجز على الأمة دونه، (أجيب: بأن العجز مقصور على الأمة لا
يتعداهم إلى النبي ◌َّد، فهو لما رزقه الله من الكمال يطيق ذلك، وأكثر منه، وكيف لا)

٢٥٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الصلاة.
قال العارف ابن أبي جمرة: والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة
الإسراء أنه عٍَّ لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم
فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع اللَّه تعالى له ولأمته تلك
العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.
وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم
يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار،
قال مَّ له: كان موسى أشدهم علي حين مررت، وخيرهم لي حين رجعت.
وفي حديث أبي سعيد: فأقبلت راجعًا فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان
يكون ذلك، (وقد جعلت قرة عينه:) فرحها وسرورها (في الصلاة) ذات الركوع والسجود،
لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة، والقول بأن المراد صلاة اللَّه وملائكته، منع بأن السياق.
یأباه.
(قال العارف ابن أبي جمرة: والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء،
أنه عٍَّ لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يعقد، والراكع
فلا يسجد، والساجد فلا يقعد)، أي: لا يرفع رأسه منه أبدًا، (فجمع اللَّه تعالى له ولأمته تلك
العبادات) ليعلمه بما أكرمه به من أن من رآه من عبادة الملائكة جمع له ولأمته (في ركعة واحدة،
يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص).
وقال ابن أبي جمرة أيضًا في اختصاص فرضها بليلة الإسراء إشارة إلى عظم شأنها،
فلذلك اختص فرضها بكونها بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه.
(وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع
لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال عَّهِ: كان
موسی أشدهم عليّ حین مررت،) يشير إلى نحو قوله: فلما تجاوزت بکی، قيل: ما يبكيك؟،
قال: لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، وغير ذلك
مما تقدم في المتن.
(وخيرهم لي حين رجعت) لشفقته على أمتي.
(وفي حديث أبي سعيد) الخدري عند البيهقي وغيره: (فأقبلت راجعًا، فمررت بموسى،
ونعم الصاحب كان لكم،) لأمره لي بسؤال التخفيف عنكم، كما أفاده بقوله: (فسألني كم

٢٥٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
لكم، فسألني كم فرض عليك ربك. الحديث.
قال السهيلي: وأما اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة، وإلحاحه على نبيها
أن يشفع لها ويسأل التخفيف عنها، فلقوله - والله أعلم - حين قضي الأمر إليه
بجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد عَّ في الألواح، وجعل يقول: إني أجد
في الألواح أمة صفتهم كذا، اللَّهم اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، وهو
حديث مشهور وقد تقدم ذكره في خصائص هذه الأمة. قال: فكان إشفاقه عليهم
واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. لقوله: اللّهم اجعلني منهم، انتهى.
وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي عَّةٍ في أمر
الصلوات يحتمل أن تكون لكون أمة موسى عليه السلام كلفت من الصلوات ما لم
يكلف به غيرها من الأمم قبلها، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد من
فرض عليك ربك .. الحديث،) في المراجعة، والقصد منه قوله: ونعم الصاحب كان لكم.
(قال السهيلي: وأما اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة وإلحاحه على نبيها، أن
يشفع لها، ويسأل التخفيف عنها) في الصلاة، (فلقوله:) أي: موسى، ونسخه تعالى من جهل
النساخ، ولا ذكر لها في الروض، (والله أعلم حين قضى:) أوحى (الأمر إليه) بالرسالة إلى
فرعون وقومه (بجانب) الجبل، أو الوادي، أو المكان (الغربي) من موسى حين المناجاة.
(ورأى صفات أمة محمد عٍَّ في الألواح، وجعل يقول إني أجد في الألواح أمة
صفتهم كذا،) مقول القول: (اللهم اجعلهم أمتي، فيقال له تلك أمة أحمد، وهو حديث
مشهور) في التفاسير، كما في الروض، زاد المصنف، (وقد تقدم ذكره في خصائص هذه
الأمة).
(قال) السهيلي: (فكان إشفاقه،) أي: حنوه وعطفه (عليهم واعتناؤه بأمرهم، كما يعتني
بالقوم من هو منهم. لقوله: اللهم اجعلني منهم. انتهى.) أحسن الحافظ تلخيصه بقوله.
وذكر السهيلي أن الحكمة في ذلك أنه رأى في مناجاته صفة أمة محمد، فدعا اللَّه أن
يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم. انتهى.
(وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي عَةٍ في أمر الصلوات،
يحتمل أن تكون لكون أمة موسى عليه السلام كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها
من الأمم قبلها، فثقلت عليهم،) ورد أن بني إسرائيل كلفوا بركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي،

٢٦٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إني جريت الناس قبلك.
ووقع في كلام بعض أهل الإشارات: لما تمكنت نار المحبة من قلب
موسى عليه السلام أضاءت له أنوار نور الطور، فأسرع إليها ليقتبس فاحتبس، فلما
نودي من النادي، اشتاق إلى المنادي، فكان يطوف في بني إسرائيل: من يحملني
رسالة إلى ربي، ومراده أن تطول مناجاته مع الحبيب، فلما مر عليه النبي عَّ ليلة
المعراج، ردده في أمر الصلوات ليسعد برؤية حبيب الحبيب.
قيل: وركعتين عند الزوال، فما قاموا بما كلفوا به، (فأشفق موسى على أمة محمد من مثل
ذلك).
قال ابن المنير: أكثر الأمة يغلب عليه التفريط في الصلوات الخمس، خصوصًا النساء،
وكثير من المصلين، مفرط في الشروط غير موف بالحقوق، فكان ذلك من آثار فراسة موسى
فيهم، لقوله للمصطفى وقد رجع الفرض إلى الخمس: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، ولم
يرد مَّه فراسة موسى، ولكن قال: استحييت، وفي لفظ: أرضى وأسلم.
(ويشير إليه قوله: إني جربت) من التجربة، وفي رواية: خبرت (الناس قبلك،) قال ابن
أبي جمرة فيه: إن التجربة أقوى من المعرفة الكثيرة لقول موسى للمصطفى، أنه عالج الناس قبله
وجربهم، وفيه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى
أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى: إنه عالجهم على أقل، فما وافقوه. انتهى بحروفه.
زاد في الفتح: وقال غيره: لعل الحكمة من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من
موسى، ولا له كتاب أكبر، ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيًا
للنبي عێ، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن یرید زواله عنه، وناسب
أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلق به، ويحتمل أن موسى لما وقع له في الابتداء
الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة لأمة محمد حتى تمنى أن يكون منهم، استدرك ذلك يبذل
النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه، فيما وقع منه في الابتداء.
(ووقع في كلام بعض أهل الإشارات،) أي: الصوفية في حكمة ذلك أنه (لما تمكنت
نار المحبة من قلب موسى عليه السلام أضاءت له أنوار نور الطور، فأسرع إليها ليقتبس،)
يأخذ القبس، وهو شعلة في رأس فتيلة، أو عود، (فاحتيس، فلما نودي من النادي،) إني أنا اللَّه،
(اشتاق إلى المنادي، فكان يطوف في بني إسرائيل،) قائلاً: (من يحملني رسالة إلى ربي،
ومراده أن تطول مناجاته مع الحبيب،) أي: اللَّه، (فلما مر عليه النبي عَّ ليلة المعراج،)
وعلم أن اللَّه اتخذه حبيبًا، (ردده في أمر الصلوات ليسعد برؤية حبيب الحبيب،) سواء قيل