Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الترمذي من حديث أنس: ما بعث اللَّه نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان
نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا. فعلى هذا يحمل حديث المعراج على أن
المراد غير النبي عَّله. ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم
کلامه.
وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر
الحسن الذي أوتيه نبينا .
وأما قوله في الحديث عن إدريس: ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ
الصالح فيحمل على أخوة النبوة والإسلام، لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن
المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح، وهذه هي القياس، لأنه جده
الأعلى.
وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا،) فصرح بأنه أحسن من يوسف وغيره.
(فعلى هذا يحمل حديث المعراج،) المذكور من رواية أبي سعيد، وأبي هريرة، (على
أن المراد غير النبي عَّهِ)) فلا تعارض بينه وبين حديث أنس المذكور.
(ويؤيده قول من قال) من أهل الأصول، (أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه،
وحمل ابن المنير حديث الباب،) المروي في مسلم، (على أن المراد؛ أن يوسف أعطي
شطر الحسن الذي أوتيه نبينا،) أي: أوتي جملته، كما عبر به ابن المنير قائلاً، فالنبي صَّ قد
بلغ الغاية، ويوسف عليه السلام بلغ نصفها، قال: ويحقق هذا حديث ما بعث اللَّه نبيًا، فذكره،
أو المراد به البعض، أو الجهة، كما مر عن الطيبي وغيره.
(وأما قوله في الحديث عن إدريس، ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح،)
فسماه بالأخ، مع أنه جد له أعلى، لأنه إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن
آدم، فكان قياسه أن يقول بالابن، كما قال إبراهيم وآدم، (فيحمل على أخوة النبوة والإسلام،
لأنها تجمع الوالد والولد،) فلا إشكال في خطابه له بالأخوة، لأنه، كما هو والده نسبا أخوه
في النبوة والإسلام، وعدل للأخوة تلطفًا وتأدبًا.
(وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح،) هكذا ذكره في الفوائد
من معراجه، وقال قبل ذلك في أوائله أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، وقال لي ابن أبي
الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح. انتهى، وكأنه بين مراده أوّلاً، فالشاذ
ما خالف فيه الثقة غيره، (وهذه هي القياس،) وإن قال بعضهم: في صحتها نظر، (لأنه جده

المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
١٤٢
وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس، فإن
كان كذلك ارتفع الإشكال.
فإن قلت: لم يكن هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السموات دون
غيرهم من الأنبياء؟
وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟
ولم كان في السماء الثانية بخصوصها اثنان؟
أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقاة
الأعلى،) إذ هو سبط شيث، كما علم، وجد أبي نوح بن لمك (بفتح اللام وإسكان الميم
وكاف)، ابن متوشلخ (بفتح الميم، وشد الفوقية مضمومة، وسكون الواو، وفتح المعجمة، واللام
آخره معجمة)، ابن خنوخ، وهو إدريس، سمى به لكثرة درسه للصحف؛ على أنه عربي مشتق من
الدراسة، وقيل: سرياني.
(وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس) بن ياسين، سبط
هرون أخي موسی، بعث بعده، ویسمی إدريس أيضًا، لأنه قريء إدريس وإدراس مكان إلياس.
وفي البخاري: يذكر عن ابن مسعود، وابن عباس؛ أن إدريس هو إلياس، واختار هذا القول
ابن العربي وتلميذه السهيلي، لحديث المعراج حيث سماه أخًا، (فإن كان كذلك ارتفع
الإشكال،) وإن كان هو الجد الأعلى، فيحمل على أخوة النبوة والإسلام، لأنها تجمع الوالد
والولد، وإنما خص إبراهيم ونوح، وآدم بالأبوة لعرف خاص، کما يشتهر الإنسان بأحد أجداده دون
من سواه من الأعلين والأدنين، كاشتهار محمد بن إدريس بالشافعي، نسبة إلى أحد أجداده
شافع، وهكذا أسماء القبائل كلها، يشتهر واحد من طبقة الأجداد، فينسب إليه الأولاد دون من
فوقه وتحته، هذا بقية كلام ابن المنير.
(فإن قلت: لم كان هؤلاء الأنبياء) الثمانية، المذكورون في حديث لملك بن صعصعة:
آدم، فيحيى وعيسى، فيوسف، فإدريس، فهرون، فموسى، فإبراهيم (عليهم الصلاة والسلام في
السموات دون غيرهم من الأنبياء،) لعل المراد أنه إنما وجد هؤلاء دون غيرهم في السموات،
وإلا، فكونه مر على هؤلاء لا يلزم منه أن لا يكون فيها غيرهم، ولا يأت نص بنفي كون غيرهم
فیها.
(وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه، ولم كان في السماء الثانية
بخصوصها اثنان) يحيى وعيسى، (أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء،
بأنهم أمروا بملاقاة نبينا عَّ، فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم

١٤٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
نبينا عَُّلِّ، فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته.
وقيل: إشارة إلى ما سيقع له عَّهُ مع قومه، من نظير ما وقع لكل منهم:
فأما آدم عليه السلام فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى
الأرض، بما سيقع لنبينا ◌ٍَّ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل
لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما
أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه.
من فاته) على عرف الناس، إذا تلقوا الغائب مبتدرين للقائه، فلا بد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا،
ويصادف بعضهم اللقاء، ولا يصادف بعضهم، وإلى هذا أشار ابن بطال.
قال السهيلي: فلم يصنع شيئًا. انتهى، لكن هذا الجواب لا يطابق سؤال المصنف إلا
بتقدير مضاف، أي: لم كان انتظار هؤلاء لملاقاة النبي في السموات، فحذف المضاف لفهمه
من الجواب:
=
وفي فتح الباري اختلف في حكمة اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها، فقيل:
ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون
غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق،
ومنهم من فاته، وهذا زيفه السهيلي، فأصاب، انتهى. فلو أتى المصنف بهذا كان أفيد مما
ذكره، وأسلم من الإيراد.
(وقيل:) الحكمة في الاقتصار على المذكورين، (إشارة إلى ما سيقع له علاقة مع قومه.
من نظير ما وقع لكل منهم،) ووجه الإشارة؛ أن رؤيته لصورهم کالفال، فتفسر رؤية کل واحد بما
يشبه ما وقع له، فهو تنبيه على الحالات الخاصة بهم، وتمثيل بما سيقع للمصطفى مما اتفق لهم
مما قصه اللَّه عنهم في كتابه، والنبي عَِّ كان يحب الفأل الحسن، ويستدل به على حسن.
العاقبة، وبالضد من ذلك، والفأل في اليقظة نظير الرؤيا في المنام، وأهل التعبير يقولون: من رأى
نبيًّا من الأنبياء بعينه في المنام، فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي من شدة أو رخاء،
أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث، أشار إلى هذا ابن المنير
وغيره.
(فأما آدم عليه السلام، فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة) التي كان فيها
في أمن اللَّه وجواره، (إلى الأرض بما سيقع لنبينا معٍَّ من الهجرة) من مكة، وهي حرم الله
وأمنه، وقطانها جيران اللّه، لأن فيها بيته (إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما
من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه

١٤٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم على
البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه.
وبيوسف، على ما وقع له مع إخوته على ما وقع لنبينا معَّله من قريش، من
الذي خرج منه،) فآدم رجع إلى السماء بعد أن أهبط منها، والمصطفى رجع إلى مكة لما فتحها
وصارت في يده، وهذا معنى كلام السهيلي، وزاد تلميذه ابن دحية، وتبعه ابن المنير؛ أن فيه
تنبيهًا على أنه يقوم مقامه في مبدأ الهجرة، لأن مقام آدم التهيئة، والنشاة وعمارة الدنيا بأولاده،
وكذا كان مقام المصطفى أول سنة من الهجرة مقام تنشئة الإسلام، وتربية أهله، واتخاذ الأنصار
لعمارة الأرض كلها بهذا الدين الذي أظهره اللَّه على الدين كله، وزوى الأرض لنبيه حتى أراه
مشارقها ومغاربها.
وقال عَّ له: ((ليبلغن ملك أمتي ما زوى لي منها))، واتفق في ذلك في زمن هشام بن
عبد الملك، جيء إليه خراج الأرض شرقًا وغربًا، وكان إذا نشأت سحابة يقول: أمطري
حيث شئت، فسيصل إلي خراجك (وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة،) وهي ثاني
حال له، والأولى بمكة (من عداوة اليهود وتماديهم) بالدال، أي: استمرارهم.
وفي نسخ: تماليهم باللام، أي: تعاونهم، أو اجتماعهم (على البغي عليه وإرادتهم وصول
السوء إليه،) وهذا لفظ الفتح قائلاً: إنه لخصه من السهيلي، وهو محتاج لبيان، ولفظ السهيلي
واضح، وهو: ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى، وهما الممتحنان باليهود، أما عيسى، فكذبته
اليهود وآذوه، وهموا بقتله، فرفعه اللَّه، وأما يحيى، فقتلوه، ورسول اللَّه عَ ل بعد انتقاله إلى
المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود آذوه، وظاهروا عليه، وهموا
بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه، فنجاه اللَّه، كما نجى عيسى، ثم سموه في الشاة، فلم تزل تلك
الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره.
وقال ابن دحية: كانت حالة عيسى ومقامته معالجة بني إسرائيل، والصبر على معالجة
اليهود وحيلهم ومكرهم، وطلب عيسى الانتصار عليهم بقوله: ﴿من أنصاري إلى اللَّه﴾، أي: مع
اللَّه، قال الحواريون: نحن أنصار اللَّه، فهذه كانت حالة نبينا معَّه في السنة الثانية من الهجرة،
ففيها طلب الأنصار للخروج إلى بدر العظمى، فأجابوه ونصروه، فلقاؤه لعيسى في السماء الثانية،
تنبيه على أنه سيلقى مثل حاله ومقامه في السنة الثانية من الهجرة.
(وبيوسف على ما وقع له مع أخوته، على ما وقع لنبينا عَُّ من قريش:) أقاربه، (من
نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك يوم

١٤٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار عليه السلام إلى
ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر
اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء، أي العتقاء.
الفتح، بقوله لقريش) بعد الخطبة: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟، قالوا: خيرًا أخ كريم
وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال (أقول كما قال) أخي (يوسف لا تثريب:) عتب (عليكم
اليوم،) خصه بالذكر، لأنه مظنة التثريب، فغيره أولى، (يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين،
اذهبوا فأنتم الطلقاء:) (بضم المهملة وفتح اللام وقاف) جمع طليق.
قال المصنف في فتح مكة، أي: الذين أطلقوا فلم يسترقوا، ولم يؤسروا، والطليق الأسير
إذا أطلق، فتفسيره هنا بقوله، (أي: العتقاء:) جمع عتيق بمعنى معتوق، فيه تجوز، لأن حقيقة
العتيق من أزيل عنه الرق، وهؤلاء لم يسترقوا، لكن لما كان المصطفى متمكنًا منه، ورفعه عنهم،
شبههم بمن أزيل عنه الرق، وأطلق عليه اسمه، ثم هذا الذي ذكره المصنف إلى قوله اليوم يغفر،
هو ما ذكر في الفتح؛ أنه لخصه من السهيلي.
وأما لفظه في الروض، فهو: وأما لقاؤه ليوسف في الثالثة، فيؤذن بحالة ثالثة تشبه حال
يوسف، وذلك أنه ظفر بأخوته بعد إخراجه من بين ظهرانيهم، فصفح عنهم، وقال: ﴿لا تثريب
عليكم﴾ [يوسف/٩٢]، وكذا نبينا أسر يوم بدر جملة من أقاربه الذين أخرجوه، فيهم عمه
العباس، وابن عمه عقيل، فمنهم من أطلق، ومنهم من فدى، ثم ظهر عليهم عام الفتح، فقال:
أُقول، کما قال أخي یوسف: ﴿لا تٹریب علیکم﴾. انتھی.
وقال ابن دحية: مناسبة لقائه ليوسف في الثالثة، أن الثالثة من الهجرة اتفقت فيها غزوة
أحد، وكانت على المسلمين، لم يصابوا بنازلة قبلها ولا بعدها مثلها، فإنها كانت وقعة أسف
وحزن، وأهل التعبير يقولون: من رأى أحدًا اسمه يوسف، آذن ذلك من حيث الاشتقاق، ومن
حیث قصة يوسف بأسف یناله.
قال ابن دحية: فإن كان يوسف النبي، فالعاقبة حميدة، والآخرة خير من الأولى، ومما
اتفق في أحد من المناسبة شيوع قتل المصطفى، فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على
فقد نبيهم، ما حصل ليعقوب من الأسف على يوسف، لاعتقاد أنه فقد إلى أن وجد ريحه بعد
تطاول الأمد.
ومن المناسبة أيضًا بين القصتين؛ أن يوسف كيد وألقي فى غيابة الجب حتى أنقذه اللَّه
علی ید من شاء.

١٤٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ويإدريس على رفيع منزلته عند اللَّه تعالى.
وبهرون إذا رجع قومه إلى محبته بعد إن آذوه.
قال ابن إسحق: واكبت الحجارة على جبهته عَّله من قريش حتى سقط لجنبه في حفرة،
كان أبو عامر الفاسق حفرها مكيدة للمسلمين، فأخذ علي بيده عَّه، واحتضنه طلحة حتى قام،
(وبإدريس على رفيع منزلته عند اللَّه تعالى،) لفظ الروض، ثم لقاؤه لإدريس في الرابعة، وهو
المكان الذي سماه اللَّه مكانًا عليًا، وهو أول من خط بالقلم، فكان ذلك مؤذنًا بحالة رابعة، وهو
علو شأنه مَّ حتى أخاف الملوك، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفين وهو
عند ملك الروم حين جاءه كتاب النبي عَّه، ورأى ما رأى من خوف هرقل، لقد أمر ابن أبي
كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض، فمنهم
من أتبعه على دينه، كالنجاشي وملك عمان، ومنهم من هادنه، وأهدى إليه وأتحفه، كهرقل
والمقوقس، ومنهم من تعصى عليه فأظفره اللَّه به، فهذا مقام علي، وخط بالقلم، كنحو ما أوتي
إدريس. انتهى، ولا يفهم من قوله بحالة رابعة وقوع الكتابة إلى الملوك في رابعة الهجرة، كما
ظن ابن المنير، فقال: فلعل ذلك صادف السنة الرابعة، مطابقًا للقاء إدريس في السماء الرابعة.
انتهى، فإنه سهو عجيب، فإن كتابته للملوك كانت أول السنة السابعة، كما تقدم في
المكاتبات.
قال ابن المنير: واختلف هل رفع إدريس بعد الوفاة، أو رفع حيًا كعيسى، وفي المكان
العلي هل هو السماء الرابعة، أو الجنة، فإن كان هو الجنة فقد شاركه المصطفى بلقائه فيها،
وزاد عليه في الارتفاع إلى أعلى الجنان، وأرفع الدرجات انتهى ملخصًا.
(وبهرون إذا رجع قومه إلى محبته بعد أن آذوه،) ولفظ الروض: ولقاؤه في الخامسة
لهرون المحبب في قومه، يؤذون بحب قريش وجميع العرب له بعد بغضهم فيه.
وقال تلميذه ابن دحية: ما نال لهرون من بني إسرائيل من الأذى، ثم الانتصار عليهم،
والإيقاع بهم، وقصر التوبة فيهم على القتل دون غيره من العقوبات المنحطة عنه، وذلك أن
لهرون عندما تركه موسى في بني إسرائيل، وذهب للمناجاة، تفرقوا على لهرون وتحزبوا عليه،
وداروا حول قتله، ونقضوا العهد، وأخلفوا الموعد، واستصغروا جانبه، كما حكى اللَّه تعالى ذلك
عنهم، وكانت الجناية العظمى الصادرة منهم عبادة العجل، فلم يقبل اللّه منهم التوبة إلا بالقتل،
فقتل في ساعة واحدة سبعون ألفًا، كان نظير ذلك في حقه عَّه ما لقيه في خامسة الهجرة من
يهود قريظة، والنضير وقينقاع، فإنهم نقضوا العهد وخربوا الأحزاب، وجمعوها، وحشدوا،
وحشروا، وأظهروا عداوة النبي عَّه، وأرادوا قتله، وذهب إليهم قبل الوقعة بزمن يسير، يستعينهم

١٤٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك عليه الصلاة
والسلام بقوله: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر.
ويإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم اللَّه له عَّه في آخر عمره
من إقامة نسك الحج، وتعظيم البيت الحرام.
في دية قتيلين، فأظهروا إكرامه، وأجلسوه تحت جدار، ثم تواعدوا أن يلقوا عليه رحى، فنزل
جبريل، فأخبره بمكرهم الذي هموا به، فمن حينئذ عزم على حربهم وقتلهم، وفعل اللّه تعالى
ذلك، وقتل قريظة بتحكيمهم سعد بن معاذ، فقتلوا شر قتله، وحاق المكر السيء بأهله، ونظير
استضعاف اليهود لهرون استضعافهم للمسلمين في غزوة الخندق.
(وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك عليه الصلاة والسلام،
بقوله:) لما آثر ناسًا ليؤلفهم في قسمة غنائم حنين، فقال رجل: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل
فيها، وما أريد بها وجه اللَّه، فتغير وجهه، ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل اللَّه، ورسوله ثم قال:
(لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر،) رواه الشيخان.
ولفظ السهيلي: ولقاؤه في السادسة لموسى يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين أمر بغزو
الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد
إهلاك عدوهم، وكذلك غزاءَّم تبوك من أرض الشام، وظهر على صاحب دومة الجندل حتى
صالحه على الجزية بعد أن أتی به أسيرًا، وافتتح مكة، ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه.
وقال ابن دحية: يؤذن لقاؤه له في السادسة بمعالجة قومه، فإن موسى ابتلى بمعالجة بني
إسرائيل، والصبر على أذاهم، وما عالجه المصطفى في السنة السادسة، لم يعالج قبله ولا بعده
مثله، ففيها افتتح خيبر وفدك وجميع حصون اليهود، وكتب اللَّه عليهم الجلاء، وضربهم بسوط
البلاء، وعالج عَّه في هذه السنة، كما عالج موسى من قومه، أراد أن يقيم الشريعة في الأرض
المقدسة، وحمل قومه على ذلك، فتقاعدوا عنه، وقالوا: إن فيها قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها
حتى يخرجوا منها، وفي الآخر سجلوا بالقنوط: إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها، فغضب الله
عليهم، وحال بينهم وبينها، وأوقعهم في التيه، وكذلك أراد عَّه في السادسة أن يدخل بمن معه
مكة، يقيم بها شريعة اللَّه وسنة إبراهيم، فصدوه، فلم يدخلها في هذا العام، فكان لقاؤه لموسى
تنبيهًا على التأسي به، وجميل الأثر في السنة القابلة.
(و) وقع التنبيه (بإبرهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم اللَّه له عٍَّ في آخر
عمره من إقامة نسك الحج وتعظيم البيت الحرام) ولفظ الروض: ثم لقاؤه في السابعة لإبراهيم
لحكمتين، إحداهما: أن البيت المعمور بحيال الكعبة، وإليه تحج الملائكة، كما أن إبراهيم هو

١٤٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء:
بأن الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء،
الذي بنى الكعبة، وأذن في الناس بالحج إليها، والثانية؛ أن آخر أحواله مَّالِ حجه إلى البيت
الحرام، وحج معه ذلك العام نحو من تسعين ألفًا، ورؤية إبراهيم عند أهل التأويل تؤذن بالحج،
لأنه الداعي إليه، والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة.
وقال ابن دحية: مناسبة لقيه لإبراهيم في السابعة؛ أنه عَّةُ اعتمر عمرة القضاء في السنة
السابعة من الهجرة، ودخل مكة هو وأصحابه، ملبين معتمرين، محييًا لسنة إبراهيم، ومقيمًا لرسمه
الذي كانت الجاهلية أماتت ذكره وبدلت أمره، ورؤيته لإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور،
إشارة إلى أنه يطوف بالكعبة في السابعة، وهي أول دخلة دخل مكة بعد الهجرة، والكعبة في
الأرض قبالة البيت المعمور.
قال: وفي قوله: فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يرجعون إليه، إلى آخر الدهر،
إشارة إلى أنه إذا دخل البيت الحرام لا يرجع إليه، لأنه لم يدخله بعد الهجرة إلا عام الفتح، ثم
لم يدخله في حجة الوداع، واعلم أن ما ذكره المصنف تبع فيه الحافظ، وقال في آخرها: هذه
مناسبات لطيفة أبداها السهيلي، فأوردتها منقحة ملخصة.
وقد زاد ابن المنير في ذلك أشياء أضربت عنها، إذ أكثرها في المفاضلة بين الأنبياء،
والإشارة في هذا المقام عندي أولى من تطويل العبارة. انتهى. وقال ابن دحية: لا بأس بما ذكره
هذا الإمام، يعني شيخه السهيلي، لكن يحتاج إلى تنبيهات، منها إجراؤه لذلك، كالتعبير، فإنه
يوهم أن الإسراء كان منامًا، والصحيح أنه يقظة، والذي يرفع الإشكال، أن الفأل في اليقظة نظير
الأحلام، فيكون تعبير الفأل ببيان ما يدل عليه يقظة، كتعبير الأحلام بما تدل عليه منامًا، فعلى
هذا يصح كلامه، وقد كان عَدُ يحب الفأل الحسن، ويستدل به على حسن العاقبة، وبالضد من
ذلك.
ومنها أنه لم يذكر للمستوى، ولا لما بعده نظيرًا، إما لتعذر استنباط المناسبة، أو لانقطاع
الفكرة دون. ذلك، انتهى. أو لأن الأولى ترك ذلك، كما أفصح به السهيلي نفسه عقب ذكر
المناسبات، إذ قال: وكان الحزم ترك التكلف لتأويل ما لم يرد فيه نص عن السلف، ولكن
عارض هذا ما يجب من التفكر في حكم اللَّه وتدبر آياته، قال: ولولا مسارعة الناس إلى إنكار
ما جهلوه، وغلظ الطباع عن فهم كثير من الحكمة، لأبدينا من سر هذا السؤال أكثر مما كشفنا.
(وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء،) الذي هو
ثاني أسئلة المصنف، وفيه جواب الثالث، وهو لم كان في الثانية بخصوصها اثنان، (بأن

١٤٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة.
وأما عيسى فإنما كان في السماء الثانية لأنه أقرب الأنبياء إلى النبي صَ لّهِ. ولا
انمحت شريعة عيسى عليه السلام إلا بشريعة سيدنا محمد عليه، ولأنه ينزل في
آخر الزمان لأمة محمد علّه على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال عليه السلام: ((أنا
أولى الناس بعيسى)). فكان في الثانية لأجل هذا المعنى.
وإنما كان يحيى عليه السلام معه هناك لأنه ابن خالته، وهما كالشىء
الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا.
الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا، لأنه أول الأنبياء وأول الآباء،) فناسب مقام الأولية،
(وهو الأصل،) فكان الأول في الأولى، (ولأجل تأنيس النبوة بالأبوّة) في مبدأ العالم العلوي.
(وأما عيسى، فإنما كان في السماء الثانية، لأنه أقرب الأنبياء) من حيث الزمن (إلى
النبي عَّة، و) لأنه (لا انمحت شريعة عيسى عليه السلام إلا بشريعة سيدنا محمد، ولأنه
ينزل في آخر الزمان لأمة محمد عَّه على شريعته، ويحكم بها،) ووجه جعل هذا حكمة
كونه في الثانية؛ أن عيسى لما شابه المصطفى في ثاني أحواله، وهي حكمه بشريعته، وكونه
واحدًا من أمته، ناسب أن يكون في السماء الثانية، وأول أحوال عيسى كونه رسولاً إلى بني
إسرائيل، (ولهذا) المذكور من الحكم الثلاث.
(قال عليه السلام) في الصحيحين وغيرهما: (أنا أولى الناس،) أي: أخصهم (بعيسى)
ابن مريم، وأقربهم إليه، لأنه بشّر بأنه يأتي من بعده، فالأولوية هنا من جهة قرب العهد، كما أنه
أولى الناس بإبراهيم لأنه أبوه، ودعا به، وأشبه الناس به خلقًا وملة، وبين وجه الأولوية بقوله في
بقية الحديث: ليس بيني وبينه نبي، كأنه قال، لأنه ليس .. الخ، وضعف هذا الحديث ما ورد؛
أن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى، لأن في إسنادهما مقالاً، وهذا صحيح بلا
شك، إلا أن يجاب بأنهما بعثا بتقرير شريعة عيسى، لا شريعة مستقلة، ذكره الحافظ وغيره.
(فكان في الثانية لأجل هذا المعنى،) وفي فتح الصفا، لأنه خلق ثان كخلق آدم، أن
مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم، (وإنما كان يحيى عليه السلام معه هناك، لأنه ابن خالته، وهما
كالشىء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا،) أدق من هذا قول ابن المنير:
السر في ذلك أن عيسى لم يلقه بعد موته لرفعه حيًّا صيانة له، وذخيرة إلى وقت عوده إلى
الأرض قائمًا بشرع المصطفى، غير مجدد شرعًا، فهو في حكم الأحياء، ومقامه في السماء ليس
على معنى السكنى الدائمة، بخلاف غيره من الأنبياء، ويحيى هو المقيم في السماء أسوة غيره
من الأنبياء، واختص مقامه عند عيسى، لأنهما ابنا الخالة، وكانا لدتين، وكانت أم يحيى تقول

١٥٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأن على حسنه تدخل أمة
النبي عَُّ الجنة، فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيسر
بذلك.
وإنما كان إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم تكن له
تربة في الأرض على ما ذكر.
وإنما كان لهرون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم لموسى عليه
لأم عيسى وهما حاملتان: إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك، أي: سجود تحية، فكان
بينهما اتحاد منذ كانا، فلما عرض لعيسى الصعود إلى السماء جعل عند يحيى.
(وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة، لأن على حسنه تدخل أمة
النبي عَ الجنة،) وهي ثالث دورها، الدنيا، فالبرزخ، فالجنة، فناسب كونه في الثالثة، (فأُري
له هناك لكي يكون ذلك بشارة له عليه السلام، فيسر بذلك،) وفي فتح الصفا: ويوسف في
الثالثة، باعتبار أن جعله على خزائن الأرض كان مرتبة ثالثة له، لأنه بعد خروجه من السجن،
وذلك بعد رفعه من الجب.
(وإنما كان إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، لأنه هناك توفي، ولم تكن له تربة
في الأرض على ما ذكر) عن كعب الأحبار: أن الملك الموكل بالشمس، كان صديقًا
لإدريس، فسأله أن يريه الجنة، فأذن اللَّه له في ذلك، فرفعه، فلما كان في السماء الرابعة رآه ملك
الموت، فعجب، وقال: أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة، فقبضه.
قال السهيلي: ولكون رفعه حيًا إلى ذلك المقام خاصًا به، قال تعالى: ﴿ورفعناه مكانًا
عليًا﴾ [مريم/٥٧]، فلا ينافي رؤيته إبراهيم وموسى في مكان أعلى منه، ومر عن الحافظ؛ أن هذا
من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته، وأن رفعه وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية.
وقال ابن المنير: اختلف في إدريس هل رفع إلى السماء بعد موته كغيره من الأنبياء، أو
إنما رفع حيًّا، وهو إلى الآن حي كعيسى، وجاء في القصص، أن إدريس أحبته الملائكة لكثرة
عبادته، فسأل ملك الموت أن يذيقه الموت ليهون عليه، فأذاقه، ثم حيي، فسأل أن يورده النار
ليزداد رهبة، فأوردها، ثم أخرج، فسأل أن يدخل الجنة ليزيد رغبة، فأدخلها، فقيل له: اخرج،
قال: لا يا رب إني ذقت الموت ووردت النار ودخلت الجنة، وقد وعدت من دخلها على ذلك
أن لا يخرج منها أبدًا، فأوحى اللَّه إلى الخازن أن دعه، فيإذني فعل ما فعل، فبقي في الجنة في
السماء الرابعة على هذا الوجه انتهى، فتأمله.
(وإنما كان لهرون عليه السلام فى السماء الخامسة، لأنه ملازم لموسى عليه السلام،

١٥١'
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
السلام، لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى. وإنما لم
يكن مع موسى في السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهي كونه كليمًا،
واختص بأشياء لم تكن لهرون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه.
وإنما كان موسى في السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل، ولأنه
الكليم، وهو أكثر الأنبياء أَتباعًا بعد نبينا عَّه.
وإنما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة لأنه الخليل
والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي عليه السلام بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى
عالم آخر، وهو اختراق الحجب، وأيضًا لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل
إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل
خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص مما زاد به عليهم، قال
اللَّه تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم اللَّه ورفع
لأجل أنه أخوه) ووزيره (وخليفته في قومه،) لما ذهب إلى المناجاة، (فكان هناك لأجل هذا
المعنى، وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة، لأن لموسى مزية وحرمة، وهي كونه
کلیمًا، واختص بأشياء لم تكن لهرون، فلأجل هذا المعنى لم يكن معه) تكرار لزيادة البيان.
(وإنما كان موسى في السادسة، لأجل ما اختص به من الفضائل، ولأنه الكليم، وهو
أكثر الأنبياء اتباعًا بعد نبينا عَّة(،) فكان فيها للإشعار بالقرب.
(وإنما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة، لأنه الخليل والأب:
الأخير) للمصطفى، (فناسب أن يتجدد للنبي عليه السلام بلقياه أنس لتوجهه بعده إلى
عالم آخر، وهو اختراق الحجب،) كما أتس بأبيه آدم في أول عالم السموات، ثم في وسطها
بأبيه إدريس، لأن الرابعة من السبع وسط معتدل، (وأيضًا، لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من
الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام، فكان الخليل فوق الكل،
لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل، لأجل ما اختص مما زاد به عليهم،) وما
أحسن اختصار الحافظ لهذا بقوله، وأيضًا، فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة
الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين، أو أدنى.
(قال الله تعالى: (﴿تلك﴾) مبتدأ (﴿الرسل﴾) صفة، والخبر ((فضلنا بعضهم على
بعض﴾،) بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، (﴿منهم من كلم الله﴾،) كموسى، (﴿ورفع
بعضهم﴾،) أي: محمدًا (﴿درجات﴾ [البقرة/٢٥٣]،) على غيره، بعموم الدعوة، وختم النبوة

١٥٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
بعضهم درجات﴾ [البقرة/٢٥٣] فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة
الرسالة والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعًا للمرفوع دون
تنقیص بالمنزول. انتهى فليتأمل.
وقد اختلف في رؤية نبينا عَّ لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، فحمله بعضهم
على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت أنه رفع بجسده. وقد قيل في إدريس أيضًا
ذلك.
وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل، الأرواح خاصة، ويحتمل:
الأجساد بأرواحها.
به، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة، والخصائص العديدة، (فحصل لهم
الكمال والدرجة الرفيعة، وهي درجة الرسالة والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى
الحكمة) الإلهية، (ترفيعًا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول،) وفي نسخة: للمنزول بلام بدل
الموحدة، أي: النازل عن غيره في الفضل (انتهى، فليتأمل).
(وقد اختلف في) صفة (رؤية نبينا عَلّ لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام) في السنوات،
ولهم ولغيرهم في بيت المقدس، مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، (فحمله بعضهم
على رؤية أرواحهم) متشكلة بصور أجسادهم، (إلا عيسى لما ثبت أنه رفع بجسده،) سواء قلنا
رفع حيّا عند الأكثرين، أو بعد أن توفي على ظاهر: ﴿إني متوفيك﴾، للاتفاق على رفعه بجسده.
(وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك،) أي: رفع بجسده حيّا، ثم مات أم لا على قولين
تقدما، (وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة،) دون الأجساد،
ويؤيده حديث أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي، فلقي أرواح الأنبياء، وفيه دليل على تشكل
الأرواح بصور أجسادها في عالم اللَّه، (ويحتمل الأجساد بأرواحها،) بأن يكون أسرى بأجسادهم
من قبورهم لملاقاة النبي عَّة تلك الليلة تشريفًا وتكريمًا، ويؤيده حديث أنس عند البيهقي،
وبعث له آدم، فمن دونه من الأنبياء، فأمهم.
وعند اليزار والطبراني: فنشر لي الأنبياء من سمى اللَّه تعالى، ومن لم يسم، فصليت بهم.
قال الحافظ: واختاره بعض شيوخنا، واحتج بما في مسلم، مرفوعًا: ((رأيت موسى ليلة
أُسری بي قائمًا يصلي في قبره». فدل على أنه أسري به لما مر به، وقلت، وليس ذلك بلازم، بل
يجوز أن لروحه اتصالاً بجسده في الأرض، ولذلك تمكن من الصلاة فيها وروحه مستقرة في
السماء.

١٥٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقيل: يحتمل أن يكون عليه السلام عاين كل واحد منهم في قبر في
الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون
اللَّه عز وجل قد أعطاه من القوة في البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له
رؤيته عليه الصلاة والسلام الجنة والنار في عرض الحائط وهو محتمل لأن يكون
عليه الصلاة والسلام رآهما من ذلك الموضع أو مثل له صورتهما في عرض
الحائط، والقدرة صالحة لكليهما.
وقيل: يحتمل أن يكون اللَّه سبحانه وتعالى لما أراد يإسراء نبينا، رفعهم من
قبورهم لتلك المواضع إكرامًا لنبيه عليه السلام وتعظيمًا له حتى يحصل له من
قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة، وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه
نحن.
(وقيل:) أي: قال ابن أبي جمرة رؤيته لهؤلاء الأنبياء (يحتمل) وجوهًا: أحدها: أنه
يحتمل (أن يكون عليه السلام عاين كل واحد منهم في قبر في الأرض على الصورة التي
أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون اللّه عز وجل قد أعطاه من القوة في
البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك،) لكن قد يبعده، فإذا فيها آدم الخ .. ، لا سيما قوله: فإذا أنا
بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإن الأصل الحقيقة، وكون المعنى، فإذا في وجودي
في السماء عاينت آدم في قبره، ثم يقال مثله في البقية، مجاز بعيد جدًا بلا داعية، وكيف يقال
عاينت وأنا في السماء السابعة إبراهيم في قبره، وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور.
(ويشهد له رؤيته عليه الصلاة والسلام الجنة والنار في عرض الحائط:) (بضم العين
وإسكان الراء) جانبه وناحيته، (وهو محتمل لأن يكون عليه الصلاة والسلام رآهما من ذلك
الموضع) حقيقة، بأن كشف له عنهما، وأزيلت الحجب التي بينه وبينهما.
قال ابن أبي جمرة: كما يقال: رأيت الهلال من منزلي من الطاق، والمراد من موضع
الطاق، (أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما،) لكن هذان
الاحتمالان ظاهران في ذا الحديث، وإجراء مثلهما في حديث المعراج لا يظهر لبعده.
(وقيل:) أي: قال ابن أبي جمرة أيضًا، (يحتمل) أن يكون عَّ عاين أرواحهم هناك في
صورهم، و(أن يكون اللَّه سبحانه وتعالى لما أراد بإسراء نبينا رفعهم من قبورهم لتلك
المواضع إكرامًا لنبيه عليه السلام وتعظيمًا له، حتى يحصل له من قبلهم) بكسر ففتح،
جهتهم، (ما أشرنا إليه من الإنس والبشارة وغير ذلك، مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن،)

١٥٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وكل هذه الوجوه محتملة، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة
لکل ذلك. انتهى.
وأما قوله في الحديث: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال
وهذا الاحتمال هو عين قوله أولاً، ويحتمل الأجساد بأرواحها غايته أنه مبسوط عنه، فهو كالشرح
له، وبقي احتمال رابع، وبه جزم أبو الوفاء بن عقيل، أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي رآها
المصطفى فيها متشكلة بصور أجسادهم، لكنه إنما يظهر في الذين رآهم في السموات، لا في
بیت المقدس.
(وكل هذه الوجوه محتملة) (بضم الميم الأولى وفتح الثانية)، أي: قريبة، (وإما بكسر
الثانية)، فالواقعة نفسها، كما صرح به بعضهم، (ولا ترجيح لأحدها على الآخر،) من حيث
الاحتمال في حد ذاته، (إذ القدرة صالحة لكل ذلك)) أما بالنظر لما يشهد له من خارج،
فيرجع. (انتهى،) يعني كلام ابن أبي جمرة، وإن لم يفصح به، وأوله ما قد علمته، وما قبله أتى
به المصنف من فتح الباري، وفيه رد على ما أطال به ابن القيم في كتاب الروح من ترجيح أن
رؤيته إنما هي لأرواحهم فقط، إذ الأجساد في الأرض قطعًا إنما تبعث يوم القيامة، ولو بعثت قبل
ذلك لكانت انشقت عنهم الأرض قبلها، وكانت تذوق الموت عند نفخ الصور، وهذه موتة ثالثة،
وهذا باطل قطعًا، وبأنها لو بعثت الأجساد لم تعد إلى القبور، بل كانت في الجنة مع أنها
محرمة على الأنبياء حتى يدخلها نبينا، وهو أول من يستفتح باب الجنة، ولا تنشق الأرض عن
أحد قبله إلى آخر ما أطال به، مما لا حجة له فيه، وجوابه كما أملاني شيخنا أنه إنما يتم ما قاله،
لو كانت أرواحهم مفارقة لأجسادهم في قبورهم، وليس كذلك، بل هم أحياء في قبورهم بحياة
حقيقية يأكلون ويشربون ويتمتعون فيها، وخروجهم من قبورهم، ومجيئهم لها ليس الخروج
المقتضي للبعث، بل هو كخروج الإنسان من منزله لحاجة يقضيها، ويعود إليه، فلا يعد بذلك
مفارقًا له، والذي يعد به مفارقًا هو الذي بحيث لا يعود إليه، بل يقوم للقيامة، وبهذا سقط
كلامه.
(وأما قوله في الحديث: ثم رفعت،) رواه الأكثر بضم الراء، وسكون العين وضمى التاء،
ضمير المتكلم بعده حرف الجر، وهو (إلى سدرة المنتهى،) والكشميهني: رفعت، بفتح العين
وسكون التاء، أي: السدرة لي، أي: من أجلي.
وكذا في بدء الخلق، ويجمع بين الروايتين بأنه رفع إليها، أي: ارتقى به، وظهرت له،
والرفع إلى الشىء يطلق على التقريب منه، وقد قيل في قوله: ﴿وفرش مرفوعة﴾ [الواقعة/٣٤]،
اي: تقرب لهم، (فإذا نبقها) بفتح النون، وكسر الموحدة، وبسكونها أيضًا.

١٥٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران
باطنان ونهران ظاهران، فقلت: وما هذا يا جبريل: قال: أما الباطنان فنهران في
قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في الرواية، أي: التحريك، وهو ثمر السدر، (مثل
قلال،) قال الخطابي: بالكسر، جمع قلة بالضم، هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل
القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين (هجر:) بفتح الهاء والجيم، بلدة لا تنصرف للتأنيث
والعلمية، ويجوز الصرف، كما في الفتح، وقدمته.
قال النعماني: وأما ثمرها، فهل هو كالثمار المأكولة، وأنه يزول، ويعقبه غيره، وهل الزائل
يؤكل أو يسقط، لم أر من ذكر هذا، ولا يمتنع أن يكون كذلك، وأنه تأكله الطيور التي تسرح
في الجنة، والروح على قول من يقول: إنهم صنف على صورة الإنسان، لهم أيد وأرجل ورؤوس،
وأنهم يأكلون الطعام، وليسوا من الملائكة.
قال ابن عباس: ما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، وقال أبو صالح:
وليسوا بناس، ولا بالملائكة، وعن بعضهم: أن الملائكة لا يرونهم، وليس بينه وبين قول ابن
عباس هذا تناف، فإنه لا يلزم من نزولهم معهم رؤيتهم لهم انتهى.
(وإذا ورقها مثل آذان الفيلة) بكسر الفاء وفتحها غلط زاعمه، وفتح التحتية: جمع فيل،
وفي بدء الخلق الفيول: جمع فيل أيضًا، والتشبيه في الشكل فقط لا في الكبر ولا في الحسن،
فلا تنافي رواية تكاد الورقة تغطي هذه الأمة.
(قال) جبريل: (هذه سدرة المنتهى،) ولعل سبب إخباره أنه معَّ كان عالمًا بوجودها
قبل الرؤية، فكأنه قال هذه سدرة المنتهى التي علمت بوجودها.
قال الرازي: وإضافتها إلى المنتهى من إضافة الشىء إلى مكانه، كقولك: أشجار بلدة
كذا، قالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك أو روح من الأرواح، أو من إضافة المحل إلى الحال
فيه، ككتاب الفقه، فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة الملك إلى مالكه، كشجرة
زید، فالمنتهى إليه محذوف، تقديره سدرة المنتهى إليه.
قال تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم/٤٢]، فالمنتهى إليه هو اللَّه تعالى، وإضافتها
إليه كإضافة البيت للتشريف والتعظيم.
(وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران،) قال ابن أبي جمرة: يحتمل الحقيقة،
فهذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها، فتكون الشجرة طعمها نبق، وأصلها ينبع منه الماء،
والقدرة لا تعجز عن هذا، ويحتمل أنه من تسمية الشىء بما قاربه، فتكون الأنهار تنبع قريبًا من
أصل الشجرة. انتهى.

١٥٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات.
وفي رواية عند البخاري أيضًا: فإذا في أصلها - أي سدرة المنتهى - أربعة
أنهار.
وعند مسلم: يخرج من أصلها.
وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة: أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات
وسیحان وجيحان.
فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من
أصلها، فيصح أنها من الجنة.
ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في التوحيد: أنه رأى في سماء
(فقلت: وما هذا يا جبريل؟، قال: أما الباطنان فنهران في الجنة،) قال ابن أبي جمرة
فيه: إن الباطن أجل من الظاهر، لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء، ومن
ثم كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال عَّهِ: ((إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر
إلى قلوبكم).
(وأما الظاهران فالنيل) نهر مصر، (والفرات) بالفوقية في حال الوصل والوقف نهر
الكوفة.
(وفي رواية عند البخاري أيضًا) في بدء الخلق: (فإذا في أصلها، أي: سدرة المنتهى،
أربعة أنهار،) فيفسر قوله في المعراج: وإذا أربعة أنهار، أي: في أصلها، إذ الحديث واحد.
(وعند مسلم: يخرج من أصلها) فقوله في أصلها، معناه يخرج منه، (وعنده،) أي:
مسلم، (أيضًا من حديث أبي هريرة: أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان) من
السيح، وهو جري الماء على وجه الأرض، وهو نهر العواصم بقرب مصيصة، وهو غير سيحون
نهر بالهند، أو السند، (وجيحان) نهر أذنة، وجيحون نهر بلخ، وينتهي إلى خوارزم، وزعم أنهما
هما وهم.
فقد حكى النووي الاتفاق على أنهما غيرهما، لكن نازعه السيوطي في دعوى الاتفاق،
(فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح
أنها من الجنة) بهذا الاعتبار، فلا يعارض حديث المعراج.
(ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في) كتاب (التوحيد) من صحيحه (أنه
رأى في سماء الدنيا نهران يطردان:) بالتشديد، يجريان، (فقال له جبريل:) جوابًا لقوله: ما

١٥٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الدنيا نهران يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما.
والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة،
ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ((العنصر)) عنصر انتشارهما بسماء
الدنیا، کذا قال ابن دحية.
وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه عَّ بعد أن رأى إبراهيم قال: ثم انطلق
بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ
والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي
هذان النهران يا جبريل؟، قال: (هما النيل والفرات، عنصرهما:) بضم العين والصاد المهملتين،
أصلهما بدل من النيل والفرات، (والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى
مع نهري الجنة،) الباطنين، (ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة وأراد بالعنصر عنصر
انتشارهما بسماء الدنيا،) لا أصلهما الحقيقي، فإنه من أصل السدرة، فلا تنافي بين الأحاديث،
(كذا قال ابن دحية:) كأنه تبرأ منه لعدم تعين ما قال: لجواز أن يراد أصل نبعهما من تحت
السدرة، ومقرهما في سماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض، كما تقدم للمصنف، وهو في
المعنى قريب من جمع ابن دحية، أو عينه.
وقال النعماني: يجوز أن عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق، لم يتقدم له ذكر من حيث
اللفظ، لكن من حيث العهد، فيكون المعنى هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما
ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بهذا العهد السابق عن إعادة الكلام، انتهى
وهو مع تعسفه لا يصح، لأن رؤيته ذلك في سماء الدنيا قبل رقيه للسدرة، فلا عهد هنا.
(وروى ابن أبي حاتم عن أنس، أنه عَّة بعد أن رأى إبراهيم، قال: ثم انطلق) جبريل
(بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت) بخاء معجمة، جمع
خيم، كسهم وسهام، وهو مثل الخيمة.
وفي نسخة: جام بالجيم، بلا ياء، أي: إناء، والمراد الجنس، فيصدق بالأواني الكثيرة،
(واللؤلؤ والزبرجد:) بفتح الزاي ودال مهملة، جوهر معروف، ويقال هو الزمرد، (وعليه طير
خضر) هو (أنعم،) فهو خبر مبتدأ محذوف، (طير رأيت،) وهو اسم تفضيل من نعم بالضم
نعومة، لأن ملمسه، يعني أن ملمس هذه الطيور ألين من ملمس سائر الطيور، وفي رواية: أنعم
طير أنت راء.
(قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على

١٥٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أعطاك اللَّه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت
والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك
الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها عين تجري يقال لها
السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة. وسيأتي
وضواض:) بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، آخره مثلها، حصى صغار، (من الياقوت
والزمرد:) بزاي، فميم، فراء ثقيلة مضمومات، آخره ذال معجمة ومهملة، كما في القاموس،
وقال: إنه الزبرجد معرب، (ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من
ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك،) فجمع الأوصاف
الثلاثة الحسنة.
(وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها،) أي: السماء السابعة، (عين تجري
يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة).
قال الحافظ: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان، المذكوران في الحديث، وكذا روي
عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. انتهى. وفيه مسامحة، لأن ما روي عن مقاتل صريح
في أن أحد النهرين السلسبيل، والآخر الكوثر. "
وحديث أبي سعيد صريح في أن السلسبيل هو الأصل، ويخرج منه نهران، أحدهما
الكوثر، فهو فرع منه لا قسيم له، فحق العبارة.
وروي عن مقاتل: بإسقاط لفظ كذا، ويكون مقابلاً لتفسيرهما بما في حديث أبي سعيد،
ثم قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: سيحان وجيحان،
والنيل والفرات، من أنهار الجنة، فلا يغاير هذا، لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار، أصلها
من الجنة، وحينئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل
والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان، فهما غير سيحان وجيحان.
قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل
السدرة، ثم يسيران حيث شاء اللَّه، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها،
وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد، وقول عياض الحديث يدل على أن أصل
سدرة المنتهى في الأرض، لقوله: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما يخرجان من
الأرض، فيلزم منه أن أصل السدرة في الأرض متعقب، لأن خروجهما من أصلها غير خروجهما
بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلهما من الجنة، ويخرجان أولاً من أصلها، ثم يسيران إلى أن

١٥٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
مزيد لذلك عما ذكر هنا في الكوثر في المقصد الأخير إن شاء اللّه تعالى.
وقد وقع في حديث ثابت عن أنس عند مسلم: ثم ذهب بي إلى سدرة
المنتهى، إذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر
الله عز وجل ما غشي تغيرت. فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن ينعتها من
٠
يستقرا في الأرض، ثم ينبعان.
واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات، لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان
وجیحان.
قال القرطبي: لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء، لكونهما ليسا أصلاً برأسهما، وإنما
يحتمل أن يتفرعا من النيل والفرات، قال: وقيل: إنما أطلق على هذه الأنهار، أنهار الجنة، تشبيهًا
لها بأنهار الجنة، لما فيها من شدة العذوبة، والحسن، والبركة، والأول أولى انتهى.
وقال ابن المنير: صورة انصبابها كانصباب المطر متفرقًا، ثم يجتمع في مواقعها في
الأرض إلى أن ينساق كل منها إلى مستقره ومجراه، ويحتمل أن يكون انصبابها في نواحي
الأرض النائية، المتصلة بمبادىء هذه الأنهار، فإنه لم يقف أحد على مباديها إلى الآن.
وقال ابن أبي جمرة: وردت الأخبار أن من شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى، وأنه لا
فضلة له، تخرج على ما يعهد في الدنيا، وإنما خروجه رشح مسك على البطن، فجعل فيه هذه
الخاصية العظيمة، ثم لما شاءت الحكمة نزوله إلى هذه الدار، نزعت منه تلك الخصوصية،
وبقي جوهره بحاله، وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء اللَّه تعالى أبقى له الخاصية، وإن
شاء سلبها مع بقاء جوهره، وليس لذوات الخواص تأثير، بل الخاصية خلقه والجوهر خلقه، وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها انتهى. (وسيأتي مزيد لذلك عما ذكر هنا في الكوثر في
المقصد الأخير إن شاء اللَّه تعالى، وقد وقع في حديث ثابت، عن أنس، عند مسلم: ثم
ذهب بي،) لم يقل عرج، لأنها في السماء السابعة (إلى سدرة المنتهى، وإذا أوراقها كآذان
الفيلة،) شبهه بها، وإن لم تكن بأرض الحجاز، لأنها كثيرة ببلاد الحبش، وكثيرًا ما كانوا
يأتونها للتجارة، وإليها كانت الهجرة، (وإذا ثمرها كالقلال،) شبهها بها لمد ظلها، ولطف
ورقها، وطيب ثمرها، وحسن رائحته، وإن كان شجر الجنة إنما يحاكيه ما في الدنيا صورة،
(فلما غشيها،) طرأ عليها وغطاها، (من أمر اللَّه عز وجل ما غشي،) أي: أمر عظيم غشي، فإن
الإبهام بمثله يفيده نحو الحاقة، ما الحاقة، فهو كقوله: ﴿إِذ يغشى السدرة﴾ [النجم/١٦]، ما
يغشى في إرادة الإبهام للتفخيم، أو التهويل، وإن معلومًا، كقوله: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم
في حق فرعون وقومه﴾ [طه/٧٨]، (تغيرت) عن حالها التي كانت عليه.

١٦٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
حسنھا.
وقد جاء في حديث ابن مسعود عند مسلم أيضًا بيان سبب تسميتها
بـ (سدرة المنتهى))، ولفظه: لما أسري برسول اللَّه عَّلَهُ. قال: انتهى بي إلى سدرة
المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها
وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها.
وهو معنى قول ابن أبي جمرة: لأن إليها تنتهي الأعمال، وينزل الأمر بتلقي
الأحكام، وعندها تقف الحفظة وغيرهم لا يتعدونها، فكانت منتهى، لأن إليها
ينتهي ما يصعد من أسفل، وما ينزل من العالم العلوي من أمر العلي.
وقال النووي: لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم يجاوزها أحد إلّ
رسول الله
وفي رواية ابن عائذ: تحولت ياقوتًا وزبرجدًا، والظاهر أن المراد بأمر اللَّه وحيه أو تجليه
لرسوله، فأشرق لها نور إلهي زهت به، وحسنت حسنًا لا ينعت، ونور لا يمكن أن يقابله الأبصار،
كما قال: (فما أحد من خلق اللَّه يستطيع:) يقدر، (أن ينعتها من حسنها) الذي طرأ عليها، أي:
يصفها بأوصاف تحصل صورتها في الذهن، لقصر العبارة، لكمال حسنها عن بيان ماهيتها، وإنما
ثبتت لكونها من أشجار الجنة المعتادة لإشراق تلك الأنوار عليها، ولو كانت من أشجار الأرض،
لاحترقت، کما صار الجبل دكًا.
(وقد جاء في حديث ابن مسعود، عند مسلم أيضًا بيان سبب تسميتها بسدرة
المنتهى، ولفظه: لما أسرى برسول اللَّه مَا﴾، قال: ((انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وهي
في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط
من فوقها، فيقبض منها)).) قال القرطبي: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا اللَّه، أو من أعلمه، فكأنه
قيل: سميت بذلك، لأنه إليها ينتهي الخ ...
(وهو معنى قول ابن أبي جمرة: لأن إليها تنتهي الأعمال، وينزل الأمر بتلقي الأحكام،
وعندها تقف الحفظة وغيرهم، ولا يتعدونها، فكانت منتهى، لأن إليها ينتهي ما يصعد من
أسفل، وما ينزل من العالم العلوي من أمر العلي) سبحانه، وهذا كالشرح لحديث ابن مسعود
المذكور.
(وقال النووي: لأن علم الملائكة ينتهي إليها،) وقال كعب: لأنه ينتهي إليها علم كل
نبي مرسل، وكل ملك مقرب، (ولم يجاوزها أحد إلا رسول اللَّه عَ لفيه،) فجاوزها بما لا يعلمه