Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
التي أخبر بها عَّهِ. فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق لأنه
الصادر عن الجواهر وهو الذي يدرك بالعقل. والحقيقة ما ذكره عليه الصلاة
والسلام في الحديث.
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على
الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه. ثم مثل بمجيء الموت في هيئة كبش أملح، ثم
بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا معان، وتوجد يوم القيامة جواهر
محسوسات لأنها توزن، ولا يوزن في الميزان إلا جواهر.
قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات والتحقيق القائلين
بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر
إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها عليه السلام، فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق، لأنه الصادر عن الجواهر، وهو الذي يدرك بالعقل والحقيقة ما ذكره عليه
الصلاة والسلام في الحديث) المفيد، أنها جواهر محسوسات، لأنه شاهدها، والمتكلمون لم
يشاهدوها، فوقفوا على ما أدركته عقولهم، (ولهذا نظائر كثيرة) واقعة (بين المتكلمين، و)
ناشئة عن (آثار النبوة٤) بأن تكلم بها الأنبياء، أو أخذت مما جاء عنهم، (ويقع الجمع بينهما
على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه،) فيحمل كل من الكلامين المتخالفين على وجه لا
يخرج عن قواعد الشرع، (ثم مثل) ابن أبي جمرة للنظائر، (بمجيء الموت في هيئة،) أي:
صورة (كبش أملح، ثم) مثل (بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا) في دار الدنيا
(معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات، لأنها توزن، ولا يوزن في الميزان إلا
جواهر،) لاستحالة وزن المعاني، (قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفة،) واحدة الصوف، أي:
القطعة منه، وهم السادة الصوفية، سموا بذلك للبسهم الصوف، أو لصفاء قلوبهم، أو لغير ذلك
مما هو معلوم، (وأصحاب المعاملات،) وهي عند الطائفة توجه النفس الإنساني إلى باطنها
الذي هو الروح الروحاني والسر الرباني، واستمدادها منهما ما يزيل به الحجب عنها،
فيحصل لها قبول المراد في إزالة كل حجاب، ومنازل هذه المعاملات عشرًا: الرعاية،
والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم،
سميت هذه المنازل بالمعاملات، لأن العبد لا تصلح له المعاملة للحق حتى يتحقق بهذه
المقامات، كما في اللطائف، وقول شيخنا: هم الذين يعاملون اللَّه تعالى بالتمادي في

٦٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح، ومنهم من يعاينه مثل الشمعة،
ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها. ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققًا
حتى يعاين قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان.
فإن قلت: ما الحكمة في شق صدره الشريف ثم ملئه إيمانًا وحكمة، ولمّ
لم يوجد اللَّه تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل به ما فعل؟
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأنه عّلّ لما أعطي كثرة الإيمان وقوي
الطاعات، واجتناب المنهيات، سمي ذلك معاملة أخذًا من قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض
اللَّه قرضًا حسنًا﴾ [البقرة/٢٤٥]
قال البيضاوي: إقراضه مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه، أي: إقراضًا حسنًا مقرونًا
بالأخلاص وطيب النفس، أو مقرضًا حلالاً طيبًا، وقيل: القرض الحسن المجاهدة والإنفاق في
سبيل الله، صحيح في نفسه، لكنه غير ما يعنيه الصوفية، وإن رجع إلى بعض ما قالوا.
(والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين
بصائرهم:) جمع بصيرة، وهي قوّة للقلب المنور بنور القدس، يرى بها حقائق الأشياء، وبواطنها
بمثابة البصر للعين، يرى به صور الأشياء وظاهرها، قاله ابن الكمال.
(جواهر محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح،) أي: السراج، أي: الفتيلة
الموقودة، (ومنهم من يعانيه مثل الشمعة) واحدة الشمع بفتح الميم وتسكن تخفيفًا، وقيل:
الفتح، لغة العرب، والسكون لغة المولدين، (ومنهم من يعاينه مثل المشعل،) كمقعد القنديل،
كما في القاموس، والمراد هنا معناه العرفي، وهو الشعلة العظيمة، وإلا ساوى المصباح، ونافى
قوله: (وهو أقواها،) أي: أكثر من ضوء المصباح والشمعة.
(ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققًا حتى يعاين قلبه بعين بصيرته) قلبه، فله عين،
كما أن للجسد عينًا، (كما يعاين كفه بعين بصره، فيعرف الزيادة من النقصان،) وحينئذ يكون
محققًا.
(فإن قلت: ما الحكمة في شق صدره الشريف، ثم ملئه) بكسر الميم وسكون اللام،
من عطف الاسم على الاسم، هكذا في نسخة صحيحة، وهي ظاهرة.
وفي نسخة: ثم ملىء، وينبغي تأويله بالمصدر ليحصل التناسب بين المتعاطفين (إيمانًا
وحكمة، ولم لم يوجد اللّه تعالى ذلك) المذكور من الإيمان والحكمة (فيه،) أي: القلب،

٦٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
التصديق إذ ذاك، أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف في جميع العادات
الجارية بالهلاك، فحصلت له عليه السلام قوة الإيمان من ثلاثة أوجه: بقوة
التصديق، والمشاهدة، وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل له عليه الصلاة
والسلام بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان باللَّه عز وجل، وعدم الخوف مما سواه.
ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان عليه السلام في العالمين أشجعهم
وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً.
ففي العلوي: كان - كما أخبر عليه السلام - أن جبريل لما وصل إلى مقامه
قال: ها أنت وربك، وهذا مقامي لا أتعداه، فزج به في النور زجة ولم يتوان ولم
(من غير أن يفعل به ما فعل) من الشق قلت: (أجاف العارف ابن أبي جمرة: بأنه عليه.
السلام لما أعطى كثرة الإيمان،) أي: خصاله وشعبه، أو الأسباب المحصلة لكماله، فلا يرد أن
الإيمان هو التصديق، وهو شىء واحد لا تعدد فيه ولا تكثر، وإنما التكثر في متعلقاته من صلاة
وصوم ونحوهما.
(وقوي) بضم القاف أولى من فتحها، لاحتياجه لتقدير قوي (التصديق) منه بذلك، لکل
ما ورد عليه من قبل اللَّه، (إذ ذاك) ليس هذا من الإضافة إلى المفرد، بل إلى الجملة الإسمية،
أو الفعلية، والتقدير إذ ذاك، كذلك، أو إذا كان ذاك كذلك (أعطي برؤية شق البطن والقلب
عدم الخوف في جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له عليه السلام قوة الإيمان من
ثلاثة أوجه، بقوة التصديق،) أي: الحاصلة بزيادة الإيمان، والحكمة، (وبالمشاهدة) لشق الصدر
وغسل القلب، (وعدم الخوف) المترتب على عدم حصول أذى له بعد فعل ما يهلك به عادة
(من العادات،) أي: مما تجري به العادات (المهلكات:) جمع عادة، وتجمع أيضًا على عادة
وعوائد، وجعل المشاهدة وعدم الخوف من قوّة الإيمان بناء على أنه يزيد وينقص، فلا يرد أنهما
خارجان عن التصديق الذي هو مسمى الإيمان، (فكمل له عليه الصلاة والسلام بذلك ما أريد
منه من قوّة الإيمان باللّه عز وجل وعدم الخوف، سما سواه، ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه،
كان عليه السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً،) أي: قولاً مصدر، قال
كقولاً ومقالة، (ففي) أي: فرفعة حاله وشأنه في العالم (العلوي:) بضم العين وكسرها مع سكون
اللام، المكان المرتفع من نسبة الكلي، وهو المكان العالي من حيث هو إلى جزئية، وهو
ما وصل إليه تلك الليلة، فإنه جزئي من جزئيات مطلق المكان.
(كان كما أخبر عليه السلام أن جبريل لما وصل إلى مقامه) أي: جبريل المشار إليه

٦٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
يلتفت، فكان هناك في الحضرة كما أخبر عنه ربه عز وجل بقول: ﴿ما زاغ البصر
وما طغى﴾ [النجم/١٧].
وأما حاله عليه السلام في هذا العالم: فكان إذا حمي الوطيس في الحرب
"ركض بغلته في نحر العدو، وهم شاكون في سلاحهم، ويقول: ((أنا النبي لا
كذب).
ثم إن في العناية بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة، فيه إشارة
إلى مذهب أهل السنة في أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر أو
دُ، قاله
بقوله: وما منا إلا له مقام معلوم، وهو سدرة المنتهى التي لم يتجاوزها أحد إلا نبينا عُـ
النووي، (قال: ها أنت وربك وهذا مقامي) بفتح الميم، أي: موضعي، (لا أتعداه، فزج به في
النور زجة، ولم يتوان، ولم يلتفت،) أي: ألقى نفسه بلا توقف لما عنده من الثبات وقوّة
القلب، (فكان هناك في الحضرة، كما أخبر عنه ربه عز وجل بقوله: ﴿ما زاغ البصر﴾،)
ما مال بصره عَّ عما رآه، ((وما طغى﴾ [النجم/١١٧]) الآية، ما تجاوزه، بل أثبته إثباتًا صحيحًا
متيقنًا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها، وما جاوزها، وما أحسن اختصار الحافظ لهذا
کله بقوله في الفتح.
قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق بطنه مع القدرة على أن يمتليء قلبه إيمانًا وحكمة
بغير شق، الزيادة في قوّة اليقين، لأنه أُعطى بشق بطنه وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع
المخاوف العادية، فلذا كان أشجع الناس وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى: ﴿ما
زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم/١٧] الآية.
(وأما حاله عليه السلام في هذا العالم:فكان إذا حمي الوطيس) التنور، أي: اشتد
الحرب كما فسر به حديث: ((الآن حمي الوطيس)، فالأولى إسقاط قوله، (في الحرب) اللهم
إلا أن يجرد عن معناه، بأن يقال المعنى إذا اشتد الأمر (ركض بغلته،) أي: ضربها لتعدو (في
نحر العدو،) أي: صدورهم فلا يهاب أحدًا منهم، ولا يمنعه من ذلك كثرتهم ولا شدتهم في
الحرب، (وهم شاکون،) أي: داخلون (في سلاحهم) دروعًا وغيرها، فھي محيطة بکل بدنهم،
وفيه مسامحة، إذ لا يتأتى أن تكون الأسلحة لهم غير الدروع ظروفًا، فالظرفية اعتبارية فيه كما
في جذوع النخل بالغ في جعل السلاح ظرفًا لهم، كأنهم لشدة تمكنهم منها واستيلائهم عليها
مظروفون فيها.
(ويقول: (أنا النبي لا كذب))،) لأن صفة النبوّة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا
النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب، أنا ابن عبد المطلب، فركوبه البغلة مزيد ثبات، لأنها

٦٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الفكر إنما هو القلب لا الدماغ، خلافًا للمعتزلة والفلاسفة.
وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس عليه الصلاة والسلام بماء زمزم، فقيل
لأنه ماء زمزم يقوي القلب ويسكن الروع. قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل به قلبه
عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت. واستدل شيخ
الإسلام السراج البلقيني، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء الكوثر،
ليست من مراكب الحرب، بل الأمن، فالحرب عنده كالسلم، وكذا إشهار نفسه مبالغة في
الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو. ومر بسط هذا في حنين، (ثم إن في العناية،) أي: الاهتمام
(بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة، في أن
محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر أو الفكر، إنما هو القلب لا الدماغ، خلافًا
للمعتزلة والفلاسفة) وبعض أهل السنة كالحنفية وعبد الملك بن الماجشون من المالكية، لكن
مذهب الأكثرين ظاهر على إثبات القوى الباطنية، ولم يقولوا بها، فوصفها بأن لها محلاً تسمح،
والمراد أنه جعل للقلب حالة يدرك بها الأمور المعقولة، وفي قوله: من أسباب الإدراك إشعار بأن
المدرك هو العقل، وما عداه طريق لإدراكه، وفي العقل تعاريف نقل المجد منها جملة، وقد نقل
كلامه المصنف في الفصل الثاني من المقصد الثالث.
(وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس عليه الصلاة والسلام،) كما مر في رواية
البخاري: ففرج صدري ثم غسله (بماء زمزم فقيل: لأن ماء زمزم يقوي القلب ويسكن الروع) بالفتح،
الفزع.
(قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل به قلبه عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء،
ليقوى على رؤية الملكوت): باطن الملك.
وقال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها
من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي ◌َّةٍ في الأرض.
وقال السهيلي: لما كانت زمزم حفرة جبريل روح القدس لأم إسمعيل جد النبي عملي.
ناسب أن يغسل عند دخوله حضرة القدس لمناجاته.
وقال غيره: لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إِسمعيل، وقد ربي عليها ونما قلبه وجسده،
وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق، كذلك
ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعد وفاته، فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح، فجعل
السقاية للعباس وولده، وحجابة البيت لعثمن بن شيبة، وعقبه إلى يوم القيامة.
(واستدل شيخ الإسلام السراج البلقيني بغسل قلبه الشريف به،) بماء زمزم، (على أنه

٦٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
قال: لأنه لم يغسل قلبه المكرم، إلا بأفضل المياه، وإليه يومىء قول العارف
ابن أبي جمرة في كتابه ((بهجة النفوس)).
أفضل من ماء الكوثر، قال: لأنه لم يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه،) وتوقف السيوطي
فيه بأن كونه لا يغسل إلا بأفضل المياه مسلم، ولكن بأفضل مياه الدنيا، إذ الكوثر من متعلقات
دار البقاء، فلا يستعمل في دار الفناء، ولا يشكل بكون الطست الذي غسل منه صدره علـ
جُ من
الجنة، لأن استعمال هذا ليس فيه ذهاب عين بخلاف ذاك.
وأجاب في الإيعاب، بأنه إذا سلم أنه لا يغسل إلا بأفضل المياه لزمه تسليم قول البلقيني،
وتخصيصه بأفضل مياه الدنيا، لما ذكره لا دليل عليه، وكون ماء الكوثر من الجنة لا يقضي
عدم الغسل به، لأن المناسب لحاله مَّالله أن يستعمل له الأفضل مطلقًا لا بالنسبة لدار الدنيا، إذ
لا أصل في الأفضل على الإطلاق أن لا يستعمل له إلا الأفضل، كذلك والفرق بينه وبين
الطست بما ذكره لا تأثير له، لأن ذلك الوقت وقت إظهار كرامته وخرق العادة له وإلا لحرم
استعمال الذهب، فلما جاز علمنا أن القصد به خرق العادة لمزيد إظهار الكرامة، وهذا مقتضى
لاستعمال ماء الكوثر، لو كان أفضل، فلما نزل إلى ماء زمزم اقتضى ذلك بقرينة المقام أنه أفضل
منه.
قال: وبهذا يرد على من نازع البلقيني أيضًا، يعني السيوطي، بخبر لقاب قوس أحدكم في
الجنة خير من الدنيا وما فيها، وأجاب عن الغسل به دون مائها؛ بأنه قد ألفه ونشأ عليه كجده
إسماعيل، إذ هو أول ماء نبع بمكة لأجله، ووجه رد أن الخبر مخصوص والألفة لا تقتضي ما ذكر،
سیما في مقام إظهار شرفه.
ونازعه أيضًا بأن الحكمة الغسل به، قول الزين العراقي، إنه يقوى به على رؤية الملكوت،
لأن من خواصه أنه يقوي القلب، ويسكن الروع، فإذا ثبت هذا لم يكن في الغسل به دلالة على
أفضليته، لأن سلب هذا المعنى عن ماء الكوثر لا يقتضي أن ماء زمزم أفضل منه، لأن سبب
انتفائه عنه أنه من مياه الجنة، وهي لا روع فيها حتى يحتاج لسلبه، فسلبه عنه لعدم المحل
القابل، لا لعجز الفاعل، وبأن الكوثر مما منّ اللَّه به على نبيه، وأنزل فيه القرآن وزمزم من عطاء
إسماعيل، ولم ينزل فيها ما نزل من القرآن فيه، ومن خصوصياته أن من شرب منه شربة لا يظمأ
بعدما أبدًا، وغير ذلك انتهى.
ووجه رده أن ما ذكر من الحكمة لم يثبت على أنه يكفي في تقوية قلبه، وتسکین روعه،
ما وقع له من تكرر شق الصدر المنبىء عن بلوغه في قوة القلب، وسكون الروع إلى الغاية
القصوى، فلا يحتاج لشىء آخر، وعلى التنزل، فكونه غسل به لأجل ذلك لا يقتضي أنه غسل به
لذلك، بل يحتمل أنه لذلك، ولإظهار شرفه، فالأمران يحتمل أنهما مقصودان، فما الدليل على

٦٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((فغسل صدري) فالظاهر أن المراد به القلب،
كما في الرواية الأخرى، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع الجمع
بأن يقال: أخبر عليه الصلاة والسلام مرة بغسل صدره الشريف ولم يتعرض لذكر
قلبه، وأخبر مرة أخرى بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره، فیکون الغسل قد حصل
فيهما معًا مبالغة في تنظيف المحل المقدس. ولا شك أن المحل الشريف كان
طاهر مطهرًا وقابلاً لجميع ما يلقى إليه من الخير، وقد غسل أولاً وهو عليه السلام
طفل، وأخرج من قلبه نزغة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظامًا وتأهبًا لما يلقى هناك،
وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا، لأن
الوضوء في حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدي اللَّه تعالى ومناجاته، فكذلك
قصره على أحدهما، وكون الكوثر مما منّ اللَّه به على نبينا بخلاف زمزم لا يكون صريحًا في
الأفضلية، وما ذكر فيه من الخصوصية ورد في زمزم أعظم منه، وهو أن من شرب منها للأمن من
العطش يوم القيامة أعطيه، كما يصرح به الحديث الصحيح، خلافًا لمن نازع فيه ماء زمزم لما
شرب له، وقول ابن الرفعة والماء النابع من بين أصابعه عَّله أشرف المياه، لا يرد على البلقيني،
لأن قوله إلا بأفضل المياه، أي: الموجودة إذ ذاك، والنابع لم يكن موجودًا إذ ذاك، ولا يرد على
ابن الرفعة الحديث الصحيح خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، لأن ما نبع من أصابعه لم یکن
موجودًا عند قوله ذلك انتھی.
(وإليه يوميء قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس،) اسم شرحه على
الأحاديث التي انتخبها من البخاري.
(وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((فغسل صدري))، فالظاهر أن المراد به القلب، كما
في الرواية الأخرى) في البخاري عن لملك بن صعصعة: فغسل قلبي، وفي رواية مسلم:
فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، (وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع،) أي:
يحصل، (الجمع) بينهما، (بأن يقال أخبر عليه الصلاة والسلام مرة بغسل صدره الشريف،
ولم يتعرض لذكر قلبه، وأخبر مرة أخرى بغسل قلبه، ولم يتعرض لذكر صدره، فيكون
الغسل قد حصل فيهما) مرة لقلبه بعد إخراجه، ومرة لصدره بعد شقه، (معًا مبالغة في تنظيف
المحل المقدس، ولا شك أن المحل الشريف كان طاهرًا مطهرًا وقابلاً لجميع ما يلقى
إليه من الخير،) ومنه الإيمان والحكمة، (وقد غسل أولاً وهو عليه السلام طفل، وأخرج من
قلبه نزغة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظامًا وتأهبًا لما يلقى هناك) لا لإزالة أمر مستقذر فيه
لكمال خلقه، والعلقة التي أُخرجت منه لم يكن للشيطان عليها لو لم تخرج سبيل، وإنما قصد

٦٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
غسل جوفه الشريف هنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر اللَّه فإنها مِن
تقوى القلوب﴾ [الحج/٣٢] فكان الغسل له عليه السلام من تعظيم شعائر الله،
وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر اللَّه، كما نص عليه بالقول.
وأما قوله: ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند
أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، وفي رواية
عنده في الصلاة ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء.
فظاهره: أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء.
قال العارف ابن أبي جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء، وقد
بإخراجها المبالغة في إظهار تعظيمه وتكميله من بين أفراد أنواعه.
(وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع،) وفي نسخة بزيادة ما للتأكيد، (مثل
الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا،) ولو نظافة حسية، بأن غسل بدنه، وبالغ في تنظيفه، ولم يأت
بأفعال الوضوء على الوجه المعتبر فيه شرعًا، (لأن الوضوء) الشرعي (في حقه، إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي اللَّه تعالى ومناجاته،) لأن المصلي يناجي ربه، والقصد بالوضوء
إعظامه، إذ ليس ثم دنس محسوس یزيله الوضوء، ولا ينافي هذا قول الفقهاء أن الحدث أمر
اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص لجواز أنهم أرادوا بالاعتباري معنى
أراده الشارع منافيًا لكمال التعظيم مع خلو الأعضاء من الدنس الحسي، (فكذلك غسل جوفه
الشريف هنا) ليس لعدم القابل، بل للإعظام والتأهب للمناجاة.
(وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر اللَّه فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج/٣٢]،)
أي: فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من،
وذكر القلوب، لأنها منشأ التقوى والفجور والآمرة بهما، قاله البيضاوي.
(فكان الغسل له عليه السلام من تعظيم شعائر اللَّه وإشارة لأمته بالفعل) من الملك معه
بتعظيم شعائر اللَّه كما نص عليه بالقول) في الآية المذكورة.
(وأما قوله: ثم أنيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض،) ذكر باعتبار أنه مركوب أو
نظر اللفظ البراق، (يضع خطوه عند أقصى طرفه) براء ساكنة وفاء، أي: نظره، (فحملت عليه،
فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا).
(وفي رواية عنده:) أي: البخاري (في الصلاة، (ثم أخذ بيدي فعرج بي السماء،
فظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء،) وهذا الظاهر ليس بمراد لما ثبت أنه
ربط البراق ببيت المقدس، ورقي السماء على المعراج كما يأتي بيانه، ومشى على ظاهره ابن

٦٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وكان راكبًا على دابة من ذوات
الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان، فكما بسط تعالى لهم الأرض يمشون
عليها، كذلك يمشيهم في الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة
جارية. وقد سئل عليه السلام حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم
يوم القيامة كيف يمشون فقال عليه السلام: ((الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم
قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم)). انتهى.
وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان في ليلة غير ليلة
الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا.
فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل
رقي في المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به في حديث عن ابن إسحق
أبي جمرة في قوله، والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق، لكن ركوب البراق
كان زيادة في تشريفه، لأنه لو صعد بنفسه كان في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي.
(قال العارف ابن أبي جمرة) عقب هذا: (أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء، وقد
جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وكان راكبًا على دابة من ذوات الأربع،)
يعني البراق، (لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان،) أي: شاء ذو القدرة، ففيه مضاف، أو
مصدر، بمعنى اسم الفاعل، أي: القادر، وأنث الفعل نظرًا للفظ، فلا يرد أن القدرة صفة لا تنسب
لها المشيئة، وإنما تنسب للَّه تعالى، (فكما بسط تعالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك
يمشيهم في الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية،) أي: لا يتوقف
تأثيرها على موافقة عادة، بل تؤثر في كل ممكن أراد تأثيرها فيه وإن خالف العادة.
(وقد سئل عليه السلام حين أخبر عن الأشقياء) الكفار، (الذين يمشون على وجوههم
يوم القيامة، كيف يمشون؟، فقال عليه السلام:) إن (الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم)
في رواية: على أرجلهم، (قادر على أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم،) والحديث في
الصحيحين عن أنس. (انتهى) كلام ابن أبي جمرة.
(وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج، كان في ليلة غير ليلة الإسراء
إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا،) إذ ظاهر قوله: فانطلق بي جبريل حتى
أتى السماء الدنيا، أنه استمر سائرًا به إليها، ثم إلى حيث شاء اللَّه، ولم ينزل بيت المقدس،
(فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار) ما يدل على (أنه لم يكن على البراق، بل

٧٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
والبيهقي في الدلائل كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
ويمكن أن يقال: ما وقع هنا اختصار من الراوي، والإتيان بـ ((ثم)) المقتضية
للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما: الانطلاق والعروج.
وحاصله: أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وثابت البناني قد حفظ
الحديث. ففي روايته عند مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى به ثم عرج إلى
السماء كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكبًا، مع القدرة على طي الأرض له،
إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة، في مقام خرق العادة، لأن العادة جرت
أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه بمركوب سني يحمله عليه في
رقي في المعراج، وهو السلم كما وقع التصريح به في حديث عند ابن إسحق، والبيهقي
في الدلائل) النبوية، من حديث أبي سعيد (كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى) قريبًا، (ويمكن أن
يقال) في الجمع (ما) الذي (وقع هنا اختصار من الراوي،) فيرد ما هنا إلى تلك الرواية، كأن
يقال قوله: حتى أتى السماء الدنيا، ذكر غاية ما وصل به جبريل، ولم ينظر لتفاصيل ما دون
ذلك، (والإتيان بثم المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما
الانطلاق) المذكور في قوله: فانطلق بي جبريل، (والعروج) المذكور بقوله: حتى أتى السماء،
وفي نسخة: الإطباق (بکسر الهمزة فطاء ساكنة فموحدة ثم قاف)، أي: إطباق صدره کما كان،
وفيه تعسف، (وحاصله،) أي: هذا الجمع (أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر).
وقال النعماني: ما المانع من أنه عَّة رقي المعراج فوق ظهر البراق لظاهر الحديث ..
انتهى. والمانع موجود، وهو أحاديث ربطه البراق بالحلقة كما يأتي.
(وثابت البناني) (بضم الموحدة وبالنون)، (قد حفظ الحديث، ففي روايته عند مسلم)
عن أنس، (أنه أتى إلى بيت المقدس، فصلى به، ثم عرج إلى السماء، كما سيأتي إن شاء
اللَّه تعالى،) ومن قواعد المحدثين تقديم رواية من حفظ القصة وفصلها، فيرد إليه رواية من
أجمل أو نقص فيها.
(وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى
أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة،) حيث أسرى به راكبًا مع إمكان إيصاله بلا ركوب، بل لو أراد
حضوره بغير شىء كان (في مقام خرق العادة،) حيث قطع تلك المسافات الكثيرة ذهابًا وإيابًا
في أقل زمن، (لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى،) أي: طلب (من يختص به بعث إليه

٧١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفادته إليه.
وفي كلام بعض أهل الإشارات: لما كان عَبْدِ ثمرة شجرة الكون، ودرة
صدقة الوجود، وسرّ معنى كلمة ((كن)) ولم يكن بد من عرض هذه الثمرة بين
يدي مثمرها رفعها إلى حضرة قدسه، والطواف بها على ندمان حضرته، أرسل إليه
أعز خدام الملك عليه، فلما ورد عليه قادمًا، وافاه على فراشه نائمًا، فقال له قم يا
نائم، فقد هيئت لك الغنائم. قال: ((يا جبريل إلى أين))؟ قال: يا محمد ارفع (الأين))
من البين، إنما أنا رسول للقدم أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد
أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة،
بمركوب سني،) أي: شريف، (بحمله عليه في وفادته إليه، ) فعامله بذلك تأنيسًا وتعظيمًا.
(وفي كلام بعض أهل الإشارات،) أي: محقق الصوفية، (لما كان عَِّ ثمرة شجرة
الكون،) يعنون بالشجرة في اصطلاحهم الإنسان الكامل المشار إليه في آية النور، وهو الشجرة
المباركة الزيتونة، التي لا شرقية ولا غربية، لاعتدالها بين طرفي الإفراط والتفريط في الأقوال
والأحوال، (ودرة صدقة الوجود وسر معنى كلمة كن) السر، يعني به حصة كل موجود من
الحق بالتوجه الإيجادي المنبه عليه، بقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن
فيكون﴾ [النحل/٤٠]، فقولهم لا يحب الحق إلا الحق، ولا يطلب الحق إلا الحق، ولا يعلم
الحق إلا الحق؛ إنما أشاروا بذلك إلى السر المصاحب من الحق للخلق على الوجه الذي عرفت،
فإنه هو الطالب للحق، والمحبب له، والعالم به، كذا في الأعلام بإشارات أهل الإلهام، (ولم
يكن بد) فراق ومحالة، (من عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها، رفعها إلى حضرة قدسه
والطواف:) الدوران (بها على ندمان حضرته، أرسل إليه) جبريل، (أعز خدام الملك) (بكسر
اللام) سبحانه (عليه، فلما ورد عليه قادمًا وافاه على فراشه نائمًا، فقال:) بلسان الحال، (قم
يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم:) جمع غنيمة، (فقال) بلسان حاله: (يا جبريل إلى أين؟، فقال:
يا محمد ارفع الأين من البين، إنما أنا رسول للقدم،) أي: لذي القدم، وهو الحق تعالى،
(أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة) المراد عبارة عن
المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلها، والمقامات من غير مكابدة وهزاهز،
وهذا مراد شيخ الإسلام أبي إسمعيل الأنصاري بقوله: المراد هو المختطف من وادي التفرق إلى
ربوة الجمع، وهذا هو الإنسان الذي اجتباه الحق واستخلصه (الكل،) أي: كل المخلوقات
(مراد لأجلك،) كما قال تعالى لآدم: لولا محمد ما خلقتك، رواه الحاكم مرفوعًا.

٧٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعارف، أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار
إلا لأجلك، ما حمي ذلك الحمى إلا لوصلك، وما روَّق كأس المحبة إلا لشربك.
فقال عليه السلام: ((يا جبريل فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل)؟ قال: ليغفر
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: يا جبريل هذا لي، فما لعيالي وأطفالي؟
قال: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى/٦]، قال: الآن طاب قلبي ها أنا
وروى أبو الشيخ والحاكم، وصححه عن ابن عباس: ((أُوحى اللَّه إلى عيسى؛ آمن بمحمد
ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار»، وذكر ابن سبع وغيره
عن علي: أن اللَّه قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء، وأموج الموج، وأرفع السماء، وأجعل
الثواب والعقاب، (وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة، أنت درة هذه الصدفة، أنت
شمس المعارف،) هي في اصطلاح القوم عبارة عن إحاطة العبد بعينه، وإدراك ما له وعليه، كما
قال الإمام الجنيد: أن تعرف ما لك وما له، (أنت بدر اللطائف:) جمع لطيفة، وهي كل إشارة
دقيقة المعنى، تلوح في الفهم لا تسعها العبارة، (ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمى ذلك
الحمى إلا لوصلك، ما روق كأس المحبة إلا لشريك)، فسر شيخ الإسلام الهروي في منازل
السائرين المحبة؛ بأنها تعلق القلب بين الهمة والأنس في البذل والمنع، أي: بذل النفس
للمحبوب، ومنع القلب من التعرض إلى ما سواه، وإنما يكون ذلك بإقرار المحب لمحبوبه
بالتوجه إليه، والأعراض عما عداه، وذلك عندما ینسی أوصاف نفسه في ذکر محاسن حبه،
فتذهب ملاحظته الثنوية، وإلى هذا المعنى أشار القائل بقوله:
شاهدته وذهلت عني غيرة مني عليه فذا المثنى مفرد
وإنما كانت المحبة حالة بين الهمة والأنس، كما أشار إليه الشيخ، لأن المحب لما كان
أشد الراغبين طلبًا صارت الهمة من جملة أوصافه، إذ المراد بالهمة شدة طلب القلب للحق، طلبًا
خالصًا عن رغبة في ثواب، أو رهبة من عقاب، ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس،
ومن شرط المحب كونه مستأنسًا بمحاسن محبوبه مستغرقًا، وجب أن يكون المحب موصوفًا
بالأنس، فلذا اكتفت المحبة بالهمة الأنس.
(فقال عليه السلام) بلسان الحال: (يا جبريل، فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل؟،
قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر،) أي: يستر الذنب عنك، فلا تلابسه، (قال: يا
جبريل هذا لي، فما لعيالي:) أمتي (وأطفالي) أصحابه وآلي، (قال: ﴿ولسوف يعطيك ربك
فترضى﴾) [الضحى/٦] الآية، فقال معَة: ((إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار)). روى
البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة.

٧٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ذاهب إلى ربي، ثم قال جبريل: يا محمد أنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم
دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجيء بالمركوب إليك لإظهار
كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبًا أو استدعوا قريبًا وأرادوا ظهور
أكرامته واحترامه أرسلو أخص خدامهم وأعز قوامهم لنقل أقدامهم، فجئناك على
رسم عادة الملوك وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه يصل إليه بالخطا فقد وقع
بالخطأ، ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا. انتهى.
والحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم يكن
وفي مسلم عن ابن عمر أنه معَّ تلا قول اللَّه عن إبراهيم: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾
[إبراهیم/٣٦] الآية، وعن عیسی: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ [المائدة/١١٨]، ثم رفع یدیه،
فقال: ((اللهم أمتي)، وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في
أمتك ولا نسوءك، (قال: الآن طاب قلبي:) لذ وزكا، (ها أنا ذاهب إلى ربي، ثم قال
جبريل: يا محمد، إنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم دولتك وحاجب حاشيتك،)
جانبك.
قال المصباح: حاشية الثوب: جانبه، والجمع الحواشي، وحاشية النسب كأنه مأخوذ منه،
وهو الذي يكون على جانبه كالعم وابنه، (وحامل غاشيتك) بغين وشين معجمتين، اسم لشىء
نفيس يحمل أمام الأكابر، ويمشي به بين يديهم عرفًا، والغشاء في الأصل الغطاء وزنًا ومعنى،
(وجيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبًا:) طلبوا
زيارته، (أو استدعوا قريبًا، وأرادوا ظهور كرامته واحترامه، أرسلوا أخص خدامهم، وأعز
قوامهم لنقل أقدامهم،) أي: الذين أرسل إليهم، وجمعه حملاً على أن المراد بالحبيب الجنس
الصادق بالواحد والمتعدد، (فجئناك على رسم عادة الملوك،) تأنيتًا بالعادة (وآداب السلوك،)
وهو في اصطلاح الطائفة عبارة عن الترقي في مقامات القرب إلى حضرات الرب فعلاً وحالاً،
وذلك بأن يتحد باطن الإنسان وظاهره فيما هو بصدده، مما يتكلفه من فنون المجاهدات، وما
يقاسیه من مشاق المكابدات، بحيث لا يجد في نفسه حرجاً من ذلك، (ومن اعتقد أنه يصل
إليه بالخطأ:) بالضم، جمع خطوة، ما بين القدمين، (فقد وقع في الخطأ:) بالفتح خلاف
الصواب، (ومن ظن أنه محجوب بالغطاء) بغين معجمة، (فقد حرم العطاء التهى).
(والحكمة في کون البراق،) الذي أعد له وتعلق علمه تعالى بأنه سيسرى به عليه،
(دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض) أو فيه حذف، أي: الحكمة في المجيء له بالبراق

٧٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب
وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراء الشديد بدابة لا توصف بذلك في
العادة. وذكره بقوله: أبيض، باعتبار كونه مركوبًا، أو عطفًا على لفظ البراق.
واختلف في تسميته بذلك، فقيل: من البريق، وقال القاضي عياض: لكونه ذا
لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقيل: من
البرق، لأنه وصف بسرعة السير، ويحتمل أن لا يكون مشتقًا.
ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه - بسكون الراء وبالفاء - أي يضع
رجله عند منتهى ما يرى بصره. وقال ابن المنير: يقطع ما نتهى إليه بصره في
الموصوف بما ذكر، فلا يرد أنه ليس المراد بيان حكمة خلق البراق على هذه الصورة، فحق
العبارة الحكمة في المجيء له بالبراق دون فرس مثلاً، (ولم يكن على شكل الفرس) التي هي
أشرف الدواب المركوبة، (إشارة) خبر الحكمة، (إلى أن الركوب كان في سلم وأمن، لا
في حرب وخوف،) فإن الحرب هي التي يعتد لها لنحو الفرس، وصورة البراق لم يعهد عليه
قتال البتة، (أو لإظهار المعجزة،) أي: المبالغة في إظهارها (بوقوع الإسراء الشديد بدابة لا
توصف بذلك في العادة،) لكن البياض لا دخل له في الحكمتين، فلعل ذكره لبيان الواقع، أو
لإظهار السرور، لأن البياض يختار عادة لإظهاره، (وذكره بقوله أبيض باعتبار كونه مركوبًا أو
عطفًا) لغويًا، أي: ميلاً، يقال: عطفت على كذا، ملت له، (على لفظ البراق،) على بمعنى
إلى، ولفظ الفتح أو بالنظر للفظ البراق.
(واختلف في) اشتقاق (تسميته بذلك) لقوله الآتي، ويحتمل أن لا يكون مشتقًّا، (فقيل)
مشتق (من البريق) اللمعان، أي: سمي بذلك للمعان بدنه لصفاء بياضه، (وقال القاضي عياض:
لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود).
قال الحافظ: ولا ينافيه وصفه في الحديث بأنه أبيض، لأن البرقاء من الغنم معدودة في
البيض. انتهى.
ولكن اعترض بأن هذا الوصف لم يثبت للبراق، وما يأتي أن صدره ياقوتة حمراء ضعيف.
(وقيل:) مشتق (من البرق) ما يلمع من السحاب، (لأنه وصف بسرعة السير) فأشبه
البرق في سيره، (ويحتمل أن لا يكون مشتقًا،) فلا يلاحظ في تسميته أخذه من مادة أصلاً، وإنما
هواسم له» (ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه بسكون الراء وبالفاء) أي: نظره، (أي:
يضع رجله،) بيان للمراد بخطوه، فليس المراد نفس المصدر (عند منتهى ما يرى بصره،)

٧٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائصى المعراج والإسراء
خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة،
لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السموات في سبع
خطرات. انتهى.
وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار - كما أفاده في الفتح: إذا
أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه.
وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: له جناحان. قال الحافظ ابن
حجر: ولم أرها لغيره.
فالطرف بمعنى البصر، فقوله عند أقصى طرفه، أي: في المكان الذي هو غاية منتهى ما يصل إليه
بصره.
(وقال ابن المدير: يقطع ما انتهى إليه بصره في خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون
قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة، لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء،
فبلغ أعلى السموات في سبع خطوات)،) أخبار عما وصف به في حالة عروجه، لأنه يرى كل
سماء، وهو فيما دونها. (انتهى) كلام ابن المنير، وهو مبني على أنه عرج به على البراق أخذًا بظاهر
الحديث، والصحيح خلافه.
(وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار، كما أفاده في الفتح ما لفظه: إذا
أنىء) بمعنى أقبل، (على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه))) فلا مشقة على راكبه
في صعود ولا هبوط.
(وفي رواية لابن سعد) محمد، (عن الواقدي) محمد بن عمر بن وأقد، (بأساليده: له
جناحان).
(قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره،) وهو عجب مع قول الشامي قوله: له جناحان
في فخذيه يحفر بهما، رواه ابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن البصري مرسلاً،
ورواه ابن سعد من طريق الواقدي، وابن عساكر من حديث جماعة من الصحابة، ويحفز بفتح
التحتية وسكون المهملة وكسر الفاء فزاي: يحث بهما وجليه على سرعة السير.
قال ابن الأثير: الحفز الحث والإعجال، ولعل سر كونهما في فخذيه لثقل مؤخر الدابة، أو
لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة، أو لأنهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا
تحت فخذي الراكب، أو فوقهما، ويحصل له مشقة بضمهما ونشرهما خصوصًا مع السرعة
العظيمة انتهى.

٧٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وعند الثعلبي - بسند ضعيف - عن ابن عباس، في صفة البراق: له خد كخد
إنسان وعرف كعرف الفرس، وقوائم کالإبل، وأظلاف وذنب کالبقر، وكان صدره
ياقوتة حمراء.
وفي رواية أبي سعد في ((شرف المصطفى)) فكان الذي أمسك بركابه
جبريل، وبزمام البراق ميكائيل.
وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول اللَّه عَّلِ أتي بالبراق ليلة
أسري به مسرجًا ملجمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا، ما
(وعند الثعلبي بسند ضعيف اعن ابن عباس في صفة البراق له خد كخد إنسان،
وعرف) (بضم المهملة وإسكان الراء وقد تضم وبالفاء) (كعرف الفرس،) وهو شعره النابت في
محدب رقبته، (وقوائم كالإبل،) أي: كقوائمها، (وأظلاف:) بمعجمة، جمع ظلف بالكسر، للبقرة
والشاة بمنزلة القدم لنا، (وذنب كالبقر) عائد لهما، أي: لها أظلاف كالبقر وذنب كالبقر، (أوكان
صدره ياقوتة حمراء) تشبيه بليغ، أي: كياقوتة لا أن ذاته ياقوتة بالفعل، هذا إن قرىء كان
بالفعل، فإن قرىء بالتشديد والهمز، فهو تشبيه حقيقي، لكن ظاهر السياق الأول.
(وفي رواية أبي سعد) هكذا في نسخة صحيحة بأداة الكنية وإسكان العين، واسمه
عبد الرحمن بن الحسن الأصفهاني، النيسابوري، الحافظ المشهور، الثقة، المتوفى سنة سبع
وثلاثمائة، وقد وصفه الذهبي في تاريخه الحافظ، وأغفله من طبقات الحفاظ، والسهيلي يكنيه
أبا سعيد بالياء، ورده مغلطاي بأنه إنما هو سعد بسكون العين، ويقع في نسخ ابن سعد، وهي خطأ
لقوله (في شرف المصطفى،) إذ هذا الكتاب إنما هو لأبي سعد عبد الرحمن، لا لابن سعد
محمد، والذي في الفتح وغيره أبي سعد، (فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام:) بكسر
الزاي مقود (البراق ميكائيل،) ولا ينافي ذلك أن جبريل كان راكبًا معه كما يأتي، لأنه أمسك
ر کابه حتی ر کب، فر کب أمامه.
نعم يعارضه رواية: وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، رواه سعيد بن منصور والطبراني
وأن مردويه، فإنه ظاهر في عدم الركوب، إلا أن يكون ذلك إخبارًا عن مبدأ سيره، ثم ركب
جبريل قدامه رفقًا به، والعلم لله.
(وفي رواية معمر عن قتادة، عن أنس: أن رسول اللَّه ◌َ لّ أتي بالبراق ليلة أسرى به
مسرجًا منجمًا) حالان من البراق، (فاستصعب عليه،) أي: عسر وامتنع، (فقال له جبريل: ما
حملك على هذا؟٤) يعني أي: شىء أغراك بهذا، أي: ما منعك من الانقياد له، مع أنه أعظم
من يستحق غاية التعظيم، لأنه (ما ركبك خلق،) أي: مخلوق، (أكرم على الله منه،) بل هو

٧٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ركبك خلق أكرم على اللَّه منه، قال: فارفض عرقًا. أخرجه الترمذي وقال: حسن
غریب وصححه ابن حبان.
وذكر ابن إسحق عن قتادة: أنه لما شمس وضع جبريل - عليه السلام - يده
على معرفته وقال: أما تستحي وذكر نحوه، لكنه مرسل لأنه لم يذكر أنسًا.
وفي رواية وثيمة عند ابن إسحق: ((نعست حتى لصقت بالأرض فاستويت
علیھا)).
في رواية للنسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي ملك عن أنس نحوه
موصولاً، وزاد: وكانت تسخر للأنبياء قبله، ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري
عند ابن إسحق.
أکرمٍ من ر کبك علی مفاد النفي عرفًا، وإن صدق لغة بالمساواة، (قال: فارفض) سال وجرى،
(عرقًا) منصوب على التمييز من الفاعل، ولهذا ورد مخففًا، والمعنى خجل من الاستصعاب
وعرق من خجل العتاب، قاله في الآيات الباهرة، (أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب،
وصححه ابن حبان) من حديث أنس، وأخرجه أبو داود، والطبراني والبيهقي، وصححه من
حدیث شداد بن أوس.
(وذكر ابن إسحق) حيث قال: حدثت (عن قتادة؛ أنه لما شمس) بفتح المعجمة والميم
فسين مهملة، أي: منع ظهره من ركوبه بامتناعه، (وضع جبريل عليه السلام يده على معرفته:)
يفتح فسكون ففتح موضع نبات العرف، أي: الشعر النابت على عنقه، (وقال: أما تستحيي،
وذكر نحوه،) فقال: أما تستحي يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبك عبد اللَّه قبل محمد أكرم
عليه منه، فاستحيا حتى ارفض حرقًا، ثم قر حتى ركبته، (لكنه مرسل، لأنه لم يذكر أنسا،) إنما
قال قتادة: حدثت عن رسول اللَّه مَّ الله قال: لما دنوت منه لأُركبه شمس فذكره.
(وفي رواية وثيمة) بمثلثة وتحتية وميم (عند ابن إسحق: نعست) الدابة، كذا في النسخ،
وهو تصحيف، فالذي في الفتح وغيره، فارتعشت (حتى لصقت بالأرض، فاستويت عليها).
(وفي رواية للنسائي وابن مردويه) بفتح الميم ويكسر، كما مر (من طريق يزيد) بتحتية
فزاي، (ابن أبي ملك) عبد الرحمن الهمداني بالسكون، الدمشقي، القاضي، صدوق ربما وهم،
مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه (عن أنس نحوه موصولاً،
وزاد وكانت تسخر للأنبياء قبله ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن إسحق)

٧٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء، خلافًا لمن نفى ذلك،
كابن دحية، وأوَّل قول جبريل: ((فما ركبك أكرم على اللَّه منه)) أي: ما ركبك أحد
قط، فكيف يركبك أكرم منه؟ فيكون مثل قول امرىء القيس:
على لاحب لا يهتدى لمناره
فيفهم أن له منارًا لا يهتدى له، وليس المراد: إلا أنه لا منار له البتة، فتأمله.
وقد جزم السهيلي بأن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهد ركوب الأنبياء
قبله.
قال النووي: قال صاحب مختصر العين، وتبعه صاحب التحرير: كان
الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى وقد تقدم النقل
بذلك.
قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته بالحلقة التى تربط بها الأنبياء.
محمد صاحب السيرة، (وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء خلافًا لمن
نفى ذلك كابن دحية، وأوّل قول جبريل: فما ركبك أكرم على اللَّه منه، أي: ما ركبك أحد
قط، فكيف يركبك أكرم منه،) فيكون من نفي الموصوف، فينتفي ذلك الوصف بانتفائه، وهي
طريقة معلومة خرجوا عليها قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة/٢٧٣]، أي: لا سؤال،
فلا إلحاف، ولم يرد إثبات السؤال، ونفى الإلحاف بدليل يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف،
إذ التعفف لا يجامع المسألة، وقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر/٤٨]، أي: لا
شافع، فلا شفاعة بغير عمد ترونها، أي: لا عمدة، فلا رؤية، (فيكون مثل قول امرىء القيس
على لا حب) بمهملة وموحدة، طريق واضح، (لا يهتدي لمناره،) أي: علمه، (فيفهم أن له
منارًا لا يهتدي له، وليس المراد، إلا أنه لا منار له البتة،) فالمراد نفي المنار من أصله لا
إثبات منار انتفى عنه الاهتداء (فتأمله،) لأن شرط التخريج على هذا إذا وجد ما يدل عليه، وليس
كذلك هنا، كيف (وقد جزم السهيلي؛ بأن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهد ركوب الأنبياء
قبله،) فصرح بأنه ليس خاصًا به، وهو من الحفاظ الكبار، وهو مثبت، فيقدم على نفي تلميذه
ابن دحية وإن وافقه ما (قال النووي: قال صاحب مختصر العين) الزبيدي، (وتبعه صاحب
التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق).
(قال) النووي متعقبً لهما، (وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. انتهى، وتقدم النقل بذلك قريبًا).
(قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته،) أي: شددته (بالحلقة التي تربط) بكسر

٧٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
انتهى. فليتأمل فإنه ليس فيه فربطته بالحلقة التي تربطه بها الأنبياء، وإنما قال: تربط
بها الأنبياء وسكت عن ذكر المربوط ما هو؟ فيحتمل - كما قال ابن المنير - أن
يكون غير البراق، ويحتمل أن يريد ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي
تمسكهم بها، ويكون من جنس العروة الوثقى، انتهى.
ولكن وقع التصريح بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي ولفظه:
((فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه)). وقد وقع عند ابن إسحق
من رواية وثيمة في ذكر الإسراء أيضًا: ((فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها
قبلي وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة)).
وفي مغازي ابن عائذ، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: البراق
هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسمعيل. وعلى ذلك فلا يكون ركوب
الباء وضمها لغة (بها الأنبياء. انتهى. فليتأمل، فإنه ليس فيه، فربطته بالحلقة التي تربطه بها
الأنبياء) بالضمير، (وإنما قال: تربط بها الأنبياء، وسكت عن ذكر المربوط ما هو، فيحتمل
كما قال ابن المدير أن يكون غير البراق،) ويصير تقديره تربط بها الأنبياء دوابهم، وذلك لا
يستلزم كون البراق مركوبًا لهم، وهذا لا يرد على الحافظ، لأنه لم يقل يؤيده قوله، إنما قال ظاهر
قوله، ولا شك أن ظاهره ربط البراق، لأنه المحدث عنه، وأما هذا الاحتمال فبعيد وأبعد منه
قوله.
(ويحتمل أن يريد ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي: تمسكهم بها، ويكون من
جنس العروة الوثقى،) وهو متمسك المحق من النظر الصحيح؛ والرأي: القويم، كما في
البيضاوي. (انتهى) كلام ابن المنير، ثم استدرك المصنف تعقبه على الحافظ؛ بأن الروايات يفسر
بعضها بعضًا، فتعين أن المراد تربط بها البراق لا الدواب ولا أنفسهم، فقال: (لكن وقع التصريح
بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي، ولفظه: فأوثقت،) أي: ربطت (دابتي بالحلقة
التي كانت الأنبياء تربطها فيه، وقد وقع عند ابن إسحق) في المبتدأ (من رواية وثيمة في
ذكر الإسراء أيضًا، فاستصعب البراق، وكانت الأنبياء تركبها قيلي، وكانت بعيدة العهد
بركوبهم، لم تكن ركبت في الفقرة) التي بينه وبين عيسى، وهي ستمائة على الصحيح.
(وفي مغازي ابن عائذ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، قال البراق: هي
الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسمعيل).
وفي أوائل الروض للسهيلي: أن إبرهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها

٨٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
البراق من خصائصه عَّه. نعم قيل: ركوبه مسرحًا ملجمًا لم يرو لغيره من الأنبياء
عليهم السلام.
فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟
أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا: إنه لم يركبه أحد
قبله، أو لبعد العهد إن قلنا إنه ركب قبله.
ويحتمل أن يكون استصعابه تيهًا وزهوًا بركوبه عَّ له، وأراد جبريل ((أبمحمد
تستصعب)) استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما تاه زهوًا لمكان
الرسول عليه السلام منه، ولهذا قال: فارفض عرقًا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبريًا
وبولدها.
وفي كتاب مكة للفاكهي والأزرقي: أن إبراهيم كان يحج على البراق، فهذه آثار يشد
بعضها بعضًا. وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك لم أر الإطالة بإيرادها قاله الحافظ، (وعلى ذلك)
كله، (فلا يكون ركوب البراق من خصائصه مَـ
قال النعماني: ولعل النافي ركوب غيره لم يستحضر هذه الأحاديث والآثار، لأنه اقتصر
على الحديثين، ولم أر نصًا ينفي ركوب غيره من الأنبياء عليه، ومعارضة النص بتأويل قول
جبريل فيه نظر، بل ورد ما يدل على أن غير الأنبياء ركبه.
ففي أوائل روض السهيلي: أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها
وبولدها، وفيه أيضًا عن الطبري أوحى اللَّه إلى أرمياء أن اذهب إلى بختنصر، فاعلمه أني قد
سلطته على العرب، فاحمل معدًا على البراق، كي لا تصيبه النقمة، فإني مستخرج من صلبه نبيًا
كريمًا أختم به الرسل، فحمله معه على البراق إلى أرض الشام انتهى.
(نعم، قيل: ركوبه مسرحجًا ملجمًا لم يرو لغيره من الأنبياء عليهم السلام،) فيحمل
القول بأن ركوبه من خصائصه على ركوبه مسرجًا ملجمًا لا مطلقًا، فلا ينافي أن غيره ركبه لا
بهذه الصفة، (فإن قلت: ما وجه استصعاب الراق عليه، أجيب،) أي: أجاب ابن المدير،
(بأنه)، أي: وجهه، (تنبيه): إعلام، (أنه لم يذلل قبل ذلك إن قلنا: إن لم يركبه أحد قبله، أو
لبعد العهد به، إن قلنا إنه ركب قبله،) وهم قولان، أرجحهما الثاني كما علم، (ويحتمل أن
يكون استصعابه تيهًا) بكسر الفوقية وسكون التحتية، تكبرًا، (وزهوًا) عطف تفسير.
ففي القاموس: الزهو: التيه والفخر (بركوبه ◌َد، وأراد جبريل) بقوله: (أُبمحمد
تستصعب استطاقة بلسان الحال، أنه لم يقصد الصعوبة، وإنما تاه زهواً لمكان الرسول عليه