Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
خصائص أمته ميه
فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد،
التعيين، وذكر أبو عبد اللَّه الأبي عن بعض الآثار، أن موسى عيّ لهم يوم الجمعة، وأخبرهم
بفضله، فناظروه بأنّ السبت أفضل، فأوحى اللَّه: ﴿دعهم وما اختاروا﴾ الآية، أي: بأن قالوا هو يوم
فراغ وقطع عمل، فإن اللَّه فرغ من خلق السموات والأرض، فينبغي انقطاعنا عن العمل فيه
للتعبد، قالت النصارى: الأحد لأنّه يوم الخلق الموجب الشكر والتعبد، ووفّق اللَّه هذه الأمّة
للصواب، فعيّنوا الجمعة، لأن الله خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يومها، فالعبادة فيه أحق، لأنّه
أوجد سائر الأيام ما ينفع الإنسان، وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان، فالشكر على نعمة الوجود،
(فهدانا الله له) بالتّص عليه، أو بالإجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرازق بإسناد صحيح، عن
محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه عَ له، وقبل أن ينزل الجمعة،
فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل في ذلك، فهلم،
فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه، ونصلّي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى
أسعد بن زرارة، فصلّى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه بعد ذلك: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾
[الجمعة/٩] الآية، وهذا وإن كان مرسلاً، فله بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة،
وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن ملك، قال: كان أوّل من صلّى بنا الجمعة
قبل مقدم رسول اللَّه عَّه المدينة أسعد بن زرارة الحديث، فمرسل ابن سيرين يدل على أن
أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالإجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي عێ علمه بالوحي،
وهو بمكّة، فلم يتمكّن من إقامتها، ثم وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع
بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحق وغيره.
وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتّي البيان والتوفيق، وقيل: في حكمة اختيارهم
الجمعة وقوع خلق ءادم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب الإشتغال بها، ولأن اللَّه أكمل في
الموجودات وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة، ذكره الحافظ.
(فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا،) أي: السبت، (والنصارى بعد غد،) أي: الأحد: وفي
رواية ابن خزيمة: فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، والمعنى: أنه لنا بهداية اللّه،
ولهم باختيارهم، وخطئهم في إجتهادهم.
قال القرطبي: غدًا منصوب على الظرف، متعلق بمحذوف، تقديره اليهود يعظمون غدًا،
وكذا قوله بعد غد، ولابد من هذا التقدير، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الجنة، وقال: ابن
ملك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهب، وبعد
غد الرحيل، فيقدر هنا مضافان، يكون ظرفان الزمان خبرين عنهما، أي: تبعية اليهود غدًا، وتبعية
النصاري بعد غد، انتهى.

٤٤٢
خصائص أمته عندي
رواه البخاري.
ومنها ساعة الإجابة التي في الجمعة، واختلف في تعيينها على أقوال تزيد
على الثلاثين
قال الحافظ: وسبقه إلى نحو ذلك عياض وهو أوجه من كلام القرطبي، وفيه فرضية
الجمعة، كما قال النووى لقوله: فرض عليهم، فهدانا اللّه له، فإن التقدير فرض عليهم وعلينا،
فضلّوا وهدينا، وفي رواية لمسلم، بلفظ: كتب علينا، وفيه إن الهداية والإضلال من اللّه، كما
هو قول أهل السنة، وإن سلامة الإجماع من الخطأ، مخصوص بهذه الأمّة، وإن استنباط معنى من
الأصل يعود عليه بالإبطال باطل، وإن القياس مع وجود النص فاسد، وإن الإجتهاد في زمن
الوحي جائز، وإن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدل عليه تسمية الأسبوع كله: جمعة، وكانوا
يسمون الأسبوع: سبتًا، كما في حديث أنس في الإستسقاء: فمطرنا سبتًا، وذلك أنّهم كانوا
مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك، وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمّة على الأمم السالفة،
زادها اللَّه تعالى، انتهى. (رواه البخاري،) ومسلم، والنسائي عن أبي هريرة.
(ومنها: ساعة الإجابة التي في) يوم (الجمعة) المشار إليها بحديث الصحيحين، من
طريق لملك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن رسول اللَّه عٍَّ ذكر يوم الجمعة،
فقال: ((فيها ساعة لا يوافقها مسلم، وهو قائم يصلّي يسأل اللَّه تعالى فيها شيئًا إلّ أعطاه إياه)،
وأشار بيده يقلّلها، وقوله: شيئًا، أي: ممّا يليق بالمسلم سؤاله من ربّه.
وفي رواية لمسلم، كالبخاري في الطلاق: ((يسأل الله خيرًا))، وفي ابن ماجه من حديث
أبي لبابة: ((ما لم يسأل حرامًا))، ولأحمد عن سعد بن عبادة: ((ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم))،
وهو خاص على عام للاهتمام به، فقطيعة الرحم من الإثم.
وروى البزار وأبو يعلى، عن أنس مرفوعًا: «أتاني جبريل في يده مرآة بيضاء، فيها نكتة
سوداء، قلت: ما هذه؟، قال: الجمعة فرضها عليك ربّك لتكون لك عيدًا ولقومك؟ قلت: ما هذه
النكتة السوداء؟ قال: هذه السّاعة))، وحقيقة الساعة هنا جزء من الزمان مخصوص ويطلق على
جزء من اثني عشر من مجموع النهار أو على جزء ما غير مقدّر من الزمان، فلا يتحقّق أو على
الوقت الحاضر.
وفي حديث جابر مرفوعًا عند أبي داود وغيره بإسناد حسن ما يدلّ للأوّل، ولفظه: ((يوم
الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيها ساعة)) إلى آخره، قال ابن المنير: الإشارة إلى تقليلها للترغيب فيها
والحض عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها.
(واختلف في تعيينها على أقوال تزيد على الثلاثين،) وقال غيره: على نحو خمسين

٤٤٣
خصائص أمته
ذكرتها في ((لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار)).
قولاً، (ذكرتها في (لوامع الأنوار)، اسم كتاب للمصنّف (في الأدعية والأذكار)))، وقد سردها
في فتح الباري ثنتين وأربعين قولاً، هل رفعت، وكذّب أبو هريرة قائله: أو في جمعة واحدة من
كل سنة أو مخفية في جميع اليوم، أو تنتقل يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة: لا ظاهرة ولا مخفيّة،
أو عند أذان الغداة، أو من الفجر إلى طلوع الشمس، أو منه كذلك، ومن العصر للغروب، أو في
هذين الوقتين، وما بين النزول من المنبر حتى يكبر، أو أوّل ساعة بعد طلوع الشمس، أو عند
طلوعها، أو آخر الساعة الثالثة من النهار، أو الزوال حتى يصير الظلّ نصف ذراع، أو كذلك حتى
يصير ذراعًا، أو بعد الزوال بقليل إلى ذراع، أو إذا زالت الشمس، أو إذا أَذِّن المؤذِّن للجمعة، أو
من الزوال حتى يدخل الرجل في الصّلاة، أو منه حتى يخرج الإمام، أو منه إلى الغروب، أو
ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصّلاة، أو عند خروجه، أو ما بين خروجه إلى انقضاء الصّلاة،
أو ما بين حرمة البيع وحلّه، أو ما بين الأذان إلى انقضاء الصّلاة، أو ما بين أن يجلس الإمام على
المنبر إلى أن تنقضي الصّلاة، ويمكن اتّحاد هذا القول مع اللذين قبله، أو عند التأذين، وعند
تذكير الإمام، وعند الإقامة، أو إذا أذّن وإذا رقى، وإذا أقيمت وهذا مثل ما قبله، أو إذا أخذ
الخطيب في الخطبة، أو عند الجلوس بين الخطبتين، أو عند نزوله من المنبر، أو حين الإقامة
حتى يقوم الإمام في مقامه، أو من إقامة الصفّ إلى تمام الصّلاة، أو هي الساعة التي كان عليه
السّلام يصلّي فيها الجمعة، ومغايرته لما قبله من جهة إطلاقه وتقييد هذا، أو من صلاة العصر
إلى الغروب، أو في صلاة العصر أو بعده لآخر وقت الاختيار، أو بعده مطلقًا، أو من وسط النهار
إلى قرب آخره، أو من الصفرة للغروب، أو آخر ساعة بعد العصر، أو من حين يغيب نصف قرص
الشمس، أو تدليها للغروب إلى تكامل غروبها، وبسط الكلام عليها بأدلّتها، مع بيان الصحة، أو
الضعف، أو الرفع، أو الوقوف، والإشارة إلى مأخذ بعضها بما يصلح أنه تأليف مفرد.
قال: وليست كلّها متغايرة، بل كثير منها يمكن اتّحاده مع غيره، ثم نقل ابن المنير الجمع،
بأن ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها المجتهد في الدعاء في جميعها، وليس المراد
من أكثرها، أنها تستوعب جميع الوقت الذي عيّ، بل إنها تكون في أثناءه؛ لقوله: يقلّلها.
وقوله في رواية أخرى: ((وهي ساعة خفيفة))، وفائدة ذكر الوقت؛ أنها تنتقل فيه، فيكون
ابتداء مظنّتها ابتداء الخطبة مثلاً، وانتهاؤه انتهاء الصّلاة، وكان كثيرًا من القائلين عيّن ما اتّفق له
وقوعه فيها من ساعة في أثناء وقت من الأوقات، فبهذا التقريب يقلّ الانتشار جدًا، ولا شكّ أن
أرجح الأقوال حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام، وما عداهما إمّا ضعيف الإسناد، أو
موقوف، استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد؛ أنه عَّ أنسيها
بعد أن علمها؛ لاحتمال أنهما سمعا ذلك منه قبل أن أنسى، أشار إليه البيهقي وغيره.

٤٤٤
خصائص أمته علي
فأمّا حديث أبي موسى، فروى مسلم، وأبو داود، عن أبي موسى: سمعت رسول اللَّه عَ له
يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصّلاة).
وأمّا حديث ابن سلام، فروى الإمام لملك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، عن
أبي هريرة، أنّه قال لعبد الله بن سلام: أخبرني، ولا تضن عليّ، فقال عبد الله بن سلام: ((هي آخر
ساعة من يوم الجمعة))، قال أبو هريرة: قلت: كيف تكون آخر ساعة، وقد قال عَّ ◌ُله: ((لا يصادفها
عبد مسلم وهو يصلّي)، وتلك ساعة لا يصلّى فيها، فقال ابن سلام: ألم يقل رسول اللَّه عَظله:
(من جلس مجلسًا ينتظر الصّلاة فهو في صلاة حتى يصلّي))، قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال:
هو ذلك. ولذا استشكل قوله في حديث أبي هريرة السابق وهو قائم، وكان ابن وضاح يأمر
بطرحه لأنه لو كان ثابتًا عند أبي هريرة لاحتجّ به على ابن سلام، ولم يعارضه بأنها ليست ساعة
صلاة، وقد ورد النصّ على الصّلاة، وأجابه بالنص الآخر؛ أن منتظر الصّلاة في حكم المصلّي،
وسلّم له أبو هريرة الجواب، وارتضاه وأفتى به بعده، وأجيب بحمل الصّلاة على الدعاء، أو
الانتظار وحمل القيام على الملازمة، أو المواظبة، ولفظ: ((وهو قائم))، ثابت عند أكثر رواة
الموطأ، وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد من رواية لملك وورقاء وغيرهما عنه.
واختلف السلف في أي الحديثين أرجح، فقال مسلم: حديث أبي موسى أجود شىء في
هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع
الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره.
وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة، بأنه الصّواب، ورجّح أيضًا
بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد الصحيحين، ورجّح آخرون قول ابن سلام کإسحق بن راهويه
وأحمد، فقال: أكثر الأحاديث عليه. وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شىء في هذا الباب.
وروى سعيد بن منصور، بإسناد صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسًا من
الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني كان يختاره، ويحكيه عن نصّ الشافعي، وأجابوا
بأن الترجيح بما في الصحيحين، أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ؛ كحديث
أبي موسى هذا؛ فإنه أَعلّ بالانقطاع والاضطراب، وبينهما بما يطول، ثم قال: واختار صاحب
الهدى انحصارها في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أنه عَ ليه
دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: الذي ينبغي
الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في
طريق الجمع.

٤٤٥
خصائص أمته ێ
ومنها: أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله تعالى إليهم، ومن نظر
إليه لم يعذبه أبدًا، وتزين الجنة فيه، وخلوف أفواه الصائمين
وقال ابن المنير: إذا علم أن فائدة إبهام هذه الساعة كليلة القدر بعث الدواعي على
الإكثار من الصّلاة والدعاء، ولو بين لاتّكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك
ممّن یجتهد في طلب تحديدها، انتھی.
وقال السيوطي: هنا أمر، وهو أن ما أورده أبو هريرة على ابن سلام وارد على حديث أبي
موسى أيضًا لأن حال الخطبة ليست ساعة صلاة، ويتميّز ما بعد العصر، بأنها ساعة دعاء، وقد
قال: ((يسأل اللَّه شيئًا)، وليس حال الخطبة ساعة دعاء لأنه مأمور فيها بالإنصات، وكذا غالب
الصّلاة، ووقت الدعاء منها إما عند الإقامة، أو في السجود أو التشهد، فإن حمل الحديث على
هذه الأوقات اتّضح، ويحمل قوله: وهو قائم يصلّي على حقيقته في هذين الموضعين، وعلى
مجازه في الإقامة، أي: قائم يريد الصّلاة، وهذا تحقيق حسن، فتح الله به، وبه يظهر ترجيح
رواية أبي موسى على قول ابن سلام لإبقاء الحديث على ظاهره من قوله: يصلّي ويسأل، فإنه
أولى من حمله على انتظار الصّلاة؛ لأنه مجاز بعيد، ويوهم أن انتظار الصّلاة شرط في الإجابة،
ولأنه لا يقال في منتظر الصّلاة قائم يصلّي، وإن صدق أنه في صلاة، لأن لفظ قائم يشعر
ملامسة الفعل، انتهى.
وفي الفتح: فإن قيل ظاهر الحديث حصول الإجابة لكل داع بالشرط المتقدم مع
اختلاف الزّمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدّم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلّقة
بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟، أجيب: باجتمال أن ساعة الإجابة متعلّقة بفعل كل مصل،
كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي
خفيفة، ويحتمل أنه عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة أو الصّلاة ونحو
ذلك، قال: وقول صاحبنا العلاّمة شمس الدين الجزري في الحصن الحصين: وأذن لي في روايته
عنه: الذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة، إلى أن يقول آمين، جمعًا بين
الأحاديث التي صحّت، يخدش فيه أنه يفوت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام، انتهى.
(ومنها: إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نظر اللَّه تعالى إليهم،) أي: الأُمّة المحمديّة
نظر رحمة وغفران، (ومن نظر إليه) كذلك (لم يعذّبه أبدًا؛) لأن الكريم لا يرجع فيما أعطى،
ولا أكرم منه سبحانه، (وتتزيّن الجنة فيه) تبشيرًا للصائمين، فإذا علموا ذلك بخبر الصادق، زاد
نشاذهم، وتلقّوه بمزيد القبول والمحبّة، وإعلامًا للملائكة، أنه بمنزلة عظيمة عند اللَّه، (وخلوف،)
بضم الخاء وفتحها خطأ، وقيل: لغة قليلة، أي: تغيّر ريح (أفواه الصائمين))) لخلو معدتهم عن

٤٤٦
خصائص أمته عليه.
أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة في كل يوم وليلة حتى
يفطروا، وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا. رواه البيهقي بإسناد لا بأس به
الطعام، (أطيب عند اللَّه،) أي: في الآخرة؛ كما جزم به العزّ بن عبد السّلام؛ لأن في رواية
لمسلم يوم القيامة، أو في الدنيا والآخرة معًا، كما جزم به ابن الصّلاح لأن رواية ابن حبان:
((لخلوف فم الصائم حين يخلف أطيب عند الله)، وروى الحسن بن سفين من حديث جابر:
(أعطيتِ أُمَّتي في شهر رمضان خمسًا))، قال: ((وأما الثانية فإنهم يمسون، وخلوف أفواههم أطيب
عند الله من ريح المسك))، فكل واحد من الحديثين صريح في أنه وقت وجود الخلوف في
الدنيا، يتحقّق وصفه بذلك، قال: وقد ذكر العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته، ولم يذكر أحد
تخصيصه بالآخرة، بل جزموا؛ بأنه عبارة عن الرّضا والقبول ونحوهما ممّا هو ثابت في الدارين،
وأمّا ذكر يوم القيامة في رواية مسلم، فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان
على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة، طلبًا لرضا اللَّه حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب
الرائحة الطيّبة للمساجد والصّلوات وغيرها من العبادات، فخصّ يوم القيامة بالذكر في تلك الرواية
لذلك؛ كما خصّ في قوله تعالى: ﴿إِن ربّهم بهم يومئذ لخيبر﴾ الآية، وأطلق في باقي الروايات
نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، (من ريح المسك) اختلف في معناه؛ لأنه تعالى
منزّه عن استطابة الروائح، فقال الماوردي: هو مجاز؛ لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيّبة لنا،
فاستغير ذلك لتقريب الصّوم من اللَّه، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي:
أنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم.
وقيل: إن ذلك في حقّ الملائكة، وإنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح
المسك.
وقيل: المعنى أن اللَّه يجزيه في الآخرة بكون نكهته أطيب من المسك كما يأتي
المكلوم، وربح جرحه يفوح مسكًا.
وقيل: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك المطلوب في الجمع والأعياد، ومجالس
الذكر والخير، وصححه النووي.
ونقل القاضي حسين في تعليقه: إن للطاعات يوم القيامة ريحًا يفوح، قال: فرائحة الصيام
فيها بين العبادات كالمسك، (وتستغفر لهم،) أي: للصائمين (الملائكة في كل يوم وليلة
حتى يفطروا) حين انقضاء الشهر، (وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا).
زاد في رواية للبيهقي، وأحمد والبزار: قيل: يا رسول اللَّه! هي ليلة القدر، قال: ((لا، ولكن
العامل إنما يوفّى أجره عند انقضاء عمله)) (رواه البيهقي بإسناد لا بأس به،) أي: مقبول عن

٤٤٧
خصائص أمته عند الد
بلفظ: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي .. ، و «تستغفر
لهم الحيتان حتى يفطروا)). رواه البزار. و ((تصفد مردة الشياطين)) رواه أحمد
والبزار.
جابر، (بلفظ:) إن رسول اللَّه عَ ◌ّه قال: ((أعطيت أُقْتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهنّ
نبيّ قبلي،) أما واحدة؛ فإنه إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نظر اللَّه إليهم، ومن نظر إليه لم
يعذّبه أبدًا، وأمّا الثانية: فإِن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأمّا
الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأمّا الرابعة: فإن اللّه عزّ وجلّ يأمر جنّته،
فيقول لها: استعدّي، وتزيّني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي،
وأمّا الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا)، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟،
قال: ((لا، ألم تر العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفّوا أجورهم)، وهذا لفظ رواية البيهقي.
وأخرجه الحسن بن سفين من حديث جابر أيضًا، وحشته أبو بكر بن السمعاني في أماليه،
وتبعه ابن الصّلاح، وله شاهد بنحوه من حديث أبي هريرة، رواه أحمد والبزار والبيهقي،
(وتستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا))، رواه البزار،) وأحمد، والبيهقي من حديث أبي هريرة
المذكور، ورواه أبو الشيخ بلفظ: الملائكة بدل الحيتان، (وتصفّد:) تشدّ وتربط بالأصفاد، وهِي
القيود (مردة الشياطين،) أي: عتاتهم، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: ((ويقول اللَّه:
يا جبريل اهبط إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم أقذفهم في البحار حتى
لا يفسدوا على أُمّة محمّد صيامهم))، (رواه أحمد والبزار) من حديث أبي هريرة، فزيادة: ((فلا
يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره))، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي
هريرة مرفوعًا: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنّة، وغّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين)).
قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وذلك علامة للملائكة بدخول
الشهر وتعظيمه، والتصفيد ليمنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم، ويحتمل أنه مجاز عن
كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم وإيذاؤهم، فيصيرون كالمصفدين، ويكون
تصفيدهم عن أشياء لناس دون ناس، ويحتمل أن فتح أبواب الجنّة عبارة عمّا يفتحه اللَّه لعباده
من الطّاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عمومًا؛ كالصيام والقيام،، وفعل الخيرات،
والإنكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها، وكذا تغليق أبواب
النار، وتصفيد الشياطين عبارة عمّا ينكفون عنه من المخالفات، ومعنى صفدت: غلّت، والصفد،
بفتح الفاء الغل، انتهى.
ونقله النووى، ولم يزد عليه، ورجح ابن المنير الأول، وقال: لا ضرورة تدعو الى صرف

٤٤٨
خصائص أمته عندايه
ومنها السحور، وتعجيل الفطر، رواه الشيخان.
اللفظ عن ظاهره، وكذا رجحه القرطبي، وقال: فإن قيل: فكيف ترى الشرور والمعاصى واقعة
في رمضان كثيرًا، فلو صفدت لم يقع ذلك، فالجواب إنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذى
حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، والمصفد بعض الشياطين، وهم المردة لا كلهم؛ كما في
رواية الترمذى وغيره مردة الجن، والمقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع
ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا
غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة، والشياطين الأنسية.
وقال الحليمي: يحتمل أن المراد بالشياطين مسترقّوا السمع منهم؛ لأنهم كانوا منعوا في
زمن نزول القرءان من استراق السمع، فزيدوا التسلسل في رمضان مبالغة في الحفظ.
وقال الطيبي: فائدة تفتيح أبواب الجنة توقيف الملائكة على إستحماد فعل الصائمين، وإنه
من اللّه بمنزلة عظيمة، وإذا علم المكلف ذلك باخبار الصادق، زاد في نشاطه، وتلقاه بأريحية.
(ومنها: السحور،) بفتح السين وضمّها، ويحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول أو
مشروب؛ كما في الفتح وغيره، (وتعجيل الفطر) عند تحقّق الغروب، وما يفعله الفلكيون من
التمكين بعد الغروب بدرجة، فمخالف للسنة، فلذا قل الخير، قاله المصنّف.
(رواه الشيخان) عن سهل بن سعد؛ أن رسول اللَّه عَ لّه قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا
الفطر))، زاد أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي هريرة؛ لأن اليهود
والنصارى يؤخّرون، ولابن حبان، والحاكم من حديث سهل: ((لا تزال أَمْتي على سنّتي ما لم
تنتظر بفطرها النجوم)، وليس في رواية الشيخين تصريح، بأنه من خصوصياتنا،، إنما هو في
غيرهما كما رأيت.
وأمّا السحور، فروى مسلم عن عمرو بن العاصي، أن النبيّ سَّه قال: ((فصل ما بين صيامنا
وصيام أهل الكتاب أكلة السحور))، وفصل، بصاد مهملة، وقراءته بمعجمة تصحيف، ولم يخرجه
البخاري، نعم رويا معًا أنس، قال: قال النبي عَّه: ((تسحروا فإن في السحور بركة)، وهذا
لا تصريح فيه بالخصوصية.
قال في الفتح: بفتح السين وضمّها روايتان لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب
الضمّ لأنه مصدر بمعنى التسحر أو البركة، كونه يقوى على الصوم وينشط له، ويخفف مشقته،
فيناسب الفتح لأنه ما يتسخّر به، وقيل: البركة ما تضمنه من الاستيقاظ والدعاء في السحر،
والأولى أنها تحصل بجهات متعدّدة اتّباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي على العبادة،
والزيادة في النشاط، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل،
والتّسبب للذكر والدعاء ومظّة الإجابة، وتدارك نيّة الصّوم لمن أغفلها قبل أن ينام، ووقع لبعض

٤٤٩
خصائص أمته سعد اليه.
وإباحة الأكل والشرب والجماع ليلاً إلى الفجر، وكان محرمًا على من قبلنا بعد
النوم، وكذا في صدر الإسلام ثم نسخ.
المتصوّفة: أن حكمة الصّوم كسر شهوة البطن والفرج: والسحور قد یباین ذلك.
قال ابن دقيق العيد: والصواب أن ما زاد قدره حتى تعدم هذه الحكمة بالكلية
لا يستحب، كتأنق المترفين في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عداه تختلف مراتبه، انتهى،
وقيل: المراد بالبركة نفي التبعية.
روى البزار والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: ((ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إن
شاء اللَّه إذا كان حلالاً: الصائم، والمتسحر، والمرابط في سبيل الله))، وذكره في الفردوس،
بلفظ: ((ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان»، وقيل:
يبارك في قليله، بحيث يعين على الصوم، فروى ابن عدي: ((تسخّروا ولو بشربة من ماء))،
وللطبراني: ((ولو بتمرة، ولو بحبات من زبيب))، هذا والخصوصيّتان للأُمّة على الأمم، لا على
الأنبياء؛ لقوله عَّ له: ((إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل أفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع أيماننا على
شمائلنا في الصّلاة)، رواه الطيالسي بإسناد صحيح.
(وإباحة الأكل والشرب والجماع) للصّائم (ليلاً،) ولو نام (إلى الفجر؛) كما قال
تعالى: ﴿أحلّ لكم ليلة الصّيامِ﴾ الآية، (وكان محرّمًا على من قبلنا بعد النوم، وكذا كان)
محرّمًا علينا (في صدر الإسلام، ثم نسخ،) روى البخاري عن البراء: كان أصحاب النبيّ معَّله
إذا كان الرجل صائمًا، فحضر، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن
قيس بن صرمة الأنصاري، كان صائمًا، فلمّا حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟،
فقالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، وجاءت امرأته، فلما رأته
قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبيّ عَّه، فنزلت هذه الآية:
﴿أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ الآية، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ﴿وكلوا واشربوا
حتى يتبيّ لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة/١٨٧].
وأخرج أحمد وابن جرير عن كعب بن لملك، قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل،
فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند
النبي عَّ وقد سمر عنده، فأراد امرأته، فقالت: إني قد نمت، قال: وأنا ما نمت ووقع عليها،
وصنع كعب بن ملك مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبيّ عَّه فأخبره، فنزلت الآية.
وروى البخاري عن البراء: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه،
فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل اللَّه: ﴿علم اللَّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم، فتاب عليكم
وعفا عنكم﴾ [البقرة/١٨٧] الآية.

٤٥٠
خصائص أمته مد له.
ومنها: ليلة القدر، كما قاله النووي في شرح المهذب.
وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذي
دلت عليه كاف ((كما)) في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم﴾ [البقرة/١٨٣] على حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا.
وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر رفعه: صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم.
وفي إسناده مجهول.
وإن قلنا المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته فيكون التشبيه واقعًا على
مطلق الصوم، وهو قول الجمهور.
وروى الباري عن سهل بن سعد، قال: نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط
الأبيض من الأسود﴾ الآية، ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصّوم، ربط أحدهم في
رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّ له رؤيتهما، فأنزل الله
بعد من الفجر، فعلموا إنما يعني الليل والنهار.
(ومنها: ليلة القدر،) لخبر الديلمي عن أنس، مرفوعًا: ((إن اللَّه وهب الأُمّتي ليلة القدر،
ولم يعطِها من كان قبلهم))؛ (كما قاله النووي في شرح المهذب) وعبارته: «ليلة القدر مختصّة
بهذه الأمّة، لم تكن لمن قبلنا))، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلّهم،
وجمهور العلماء. قال الحافظ: وجزم به ابن حبيب من الملكية وسبقهم كلّهم الحكيم الترمذي
فجزم بذلك، (وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمّة؛) كما ذهب إليه الجمهور، منهم
معاذ، وابن مسعود، وجماعة من الصّحابة والتابعين، والحجّة لهم قوله عَّه: ((إن اللَّه افترض صوم
رمضان، وسننت لكم قيامه))، رواه النسائي والبيهقي بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن عوف،
فهو ظاهر في الاختصاص (أم لا؟) كما ذهب إليه جمع، منهم الحسن والشعبي.
(إن قلنا: إن التشبيه الذي دلّت عليه) لفظة، (كما في قوله تعالى: ﴿كتب:﴾) فرض
(﴿عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ الآية، على حقيقته،) أي: تشبيهًا تامًّا،
(فيكون رمضان كتب على من قبلنا) من جميع الأمم، وعن السدي هم النصارى كتب عليهم
رمضان، (وذكره) أي روى (ابن أبي حاتم عن ابن عمر، رفعه: ((صيام رمضان كتبه اللَّه على
الأُمم قبلكم))،) فهذا يؤيّد تمام التشبيه، ويرد على السدي تخصيصهم بالنصارى، (و)لكن (في
إسناده مجهول،) فهو ضعيف، لكن له شاهد في الترمذي.
(وإن قلنا: المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته،) وهو شهر رمضان، (فيكون التشبيه
واقعًا على مطلق الصوم،) فلا ينافي اختصاصنا برمضان، (وهو قول الجمهور) من الصحابة

٤٥١
خصائص أمته ـ
ومنها أن لهم الاسترجاع عند المصيبة، قال سعيد بن جبير فيما رواه ابن
جرير والبيهقي وغيرهما عنه: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط
الأنبياء عليهم السلام مثله: إنا لله وإنا إليه راجعون. ولو أعطيت الأنبياء لأعطيه
يعقوب عليه السلام إذ قال: ﴿يا أسفي على يوسف﴾ [يوسف/٨٤].
ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الإصر الذي كان على الأمم قبلهم، قال تعالى:
والتابعين وغيرهم.
قال الزمخشري: وبالجملة، فالصوم عبادة أصليّة قديمة، ما أخلى اللَّه أُمّة من افتراضه
علیھم.
(ومنها: أن لهم الاسترجاع عند المصيبة؛) لقوله تعَ الى: ((أعطيت أُمَّتي شيئًا لم يعطه أحد
من الأُمم أن يقولوا عند المصيبة إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون)، رواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.
(قال سعيد بن جبير، فيما رواه ابن جرير، والبيهقي، وغيرهما عنه: ((لقد أعطيت هذه
الأُمّة))، أي: أُمّة الإجابة أن يقول المصاب منهم (عند المصيبة)، أي: مصيبة كانت، لقوله عَّ
ـة:
((كل شىءٍ ساء المؤمن فهو مصيبة))، رواه ابن السني، (ما لم يعط الأنبياء عليهم السلام مثله،)
وهو (إنا لله) ملكًا وعبدًا يفعل بنا ما شاء، (وإنا إليه راجعون) في الآخرة، فيجاز بنا.
وروى أبو داود في مراسيله: إن مصباح النبي عَّه طفىء، فاسترجع، فقالت عائشة: إنّما
هذا مصباح، فقال: كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة.
وفي الحديث: ((من استرجع عند المصيبة، آجره اللَّه فيها، وأخلف عليه خيرًا))، وظاهره
أن المأمور به مرّة واحدة فورًا، وذلك في الموت عند الصدمة الأولى، وخير إذا ذكرها، ولو بعد
أربعين عامًا، فاسترجع، كان له أجرها يوم وقوعها، كما ورد؛ لأنه زيادة فضل، لا ينافي الطلب
بفور وقوع المصيبة.
(ولو أعطيت الأنبياء لأعطيه يعقوب عليه السلام، إذ قال: يا أُسفي:) الألفٍ بدل من
ياء الإضافة، أي: يا حزني (على يوسف،) وهذا ظاهر في أنه من خصوصيّات هذه الأُمّة، حتى
على الأنبياء، إذ قوله: ((لقد أعطيت))، لا دخل للرأي فيه، فلا يكون إلّ عن بلاغ.
وأمّا ولو أعطيت ... الخ، فإن كان من البلاغ فواضح، وإن كان استنبطه، فهو استظهار
وتقوية لسابقه ببعض أفراده، فلا يقال: لا يلزم منه أنه لم يشرع لغيره من الأنبياء.
(ومنها: أن اللَّه تعالى رفع عنهم الإصر) الأمر الذي يثقل حمله عليهم، أي: لم يوجبه
عليهم، ولم يجعله من شرعهم، لا أنه جعله عليهم، ثم رفعه (الذي كان على الأمم قبلهم،)
أي: على بعضهم، وهو بنو إسرائيل؛ كما (قال تعالى:) ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأُمّي الذي

٤٥٢
خصائص أمته عداه.
﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف /١٥٧]، أي: ويخفف
عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة، وقطع كتعيين القصاص في العمد والخطأ وقطع
الأعضاء الخاطئة، وقطع موضع النجاسة، وقتل النفس في التوبة.
يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلّ لهم
الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، (﴿ويضع عنهم إصرهم﴾:) ثقلهم، (﴿والأغلال التي كانت
عليهم﴾،) فأتى بالآية دليلاً على أن من قبلهم كان عليهم الإصر، فالوضع عن بني إسرائيل الذين
آمنوا بالمصطفى حقيقي، وبه يستدل على رفعه عن الأمّة بطريق الأولى، بمعنى أنه لم يوضع
عليهم بدليل: ﴿ربّنا لا تحمل علينا إِصرًا كما حمّلته على الذين من قبلنا﴾ الآية، (أي: ويخفّف
عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقّة،) فالأغلال استعارة شبه الأمور الشاقّة التي كلفوا بها
بالأغلال التي تجعل في الأعناق: جمع غلّ، وهو طوق حديد.
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قاموا يصلون، لبسوا المسوح، وغّوا أيديهم إلى أعناقهم،
وربما نقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة، وأوثقها إلى السارية، يحبس نفسه على
العبادة (كتعيين القصاص في العمد والخطأ؛) لخبر البخاري: كان في بني إسرائيل القصاص،
أي: تحتّمه حتى في الخطأ، ولم تكن فيهم الديّة في نفس أو جرح؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وكتبنا
علیهم فيها﴾ [المائدة/٤٥] الآية، فهو شرع اليهود.
أمّا النصارى، فيتعيّ عندهم العفو عن القود، والمراد بالخطأ العمد، وهو أن يقصد شيئًا،
فيخالف لغيره ما قصد، لا ضدّ الصواب؛ كما زعم، لأن تعمّد الإثم يسمّى خطأ بالمعنى الثاني،
ولا يمكن إرادته هنا.
(وقطع الأعضاء الخاطئة،) كاللسان في الكذب، والذكر في الزنى، وفقء العين في النظر
للأجنبية، (وقطع موضع النجاسة،) أخرج البخاري عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في
البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن نبيّ إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فقال
حذيفة: ليته أمسك ... الحديث، أي: قطعه.
قال الحافظ: ووقع في مسلم جلد أحدهم، قال القرطبي: مراده الجلد، واحد الجلود التي
كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيّده رواية أبي
داود: كان إذا أصاب أحدهم، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعلّ بعضهم رواه
بالمعنى، انتهى.
(وقتل النفس في التوبة؛) كما قال تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ الآية،
قال الجلال: أي ليقتل البريء منهم المجرم، فأرسل سحابة سوداء لئلاّ يبصر بعضهم بعضًا،
فيرحمه، حتى قتل منهم نحو سبعين ألفًا.

٤٥٣
خصائص أمته عطائه
وقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب فيصبح قد كتب على باب
بيته: إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما.
وأصل الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله.
ومنها أن الله تعالى أحل لهم كثيرًا مما شدد على من قبلهم، ولم يجعل
عليهم في الدين من حرج، قال تعالى:
وروى ابن أبي حاتم عن علي، قال الذين عبدوا العجل: يا موسى ما توبتنا؟، قال: يقتل
بعضكم بعضًا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأُمّه وأخاه، حتى قتل سبعون ألفًا،
فأوحى اللَّه إليه، فليرفعوا أيديهم فقد غفر لهم.
وروى من طرق نحوه عن ابن عباس وغيره، وقول البيضاوي: أو المراد بالقتل قطع
الشهوات؛ كما قيل: من لم يعذّب نفسه لم ينعمها، ومن لم يقتلها لم يحيها.
قال السيوطي: هذا ذكره بعض أرباب الخواطر، قال جماعة: ولا يجوز أن يفسر به
بإجماع المفشرين على أن المراد القتل الحقيقي، انتهى. وفي الجليل استبعده جماعة بإجماع
المفسرين على أن المراد القتل الحقيقي؛ بأن يسلم من عبد العجل نفسه للبريء ليقتلها، فلا
يردّ عليه قول بعضهم: أجمع المفسّرون على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، إذ لو كانوا
مأمورين بذلك؛ لصاروا عصاة بتركه، (وقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب،
فيصبح قد كتب على باب بيته إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما،) وروى ابن جرير،
مرفوعًا: ((كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن
كفرها كانت له خزيًا في الدنيا، وإلاّ كانت له خزيًا في الآخرة، ﴿وقد أعطاكم الله خيرًا من
ذلك ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ الآية، وروى البيهقي مرفوعًا: ((كان بنو إسرائيل إذا أذنب
أحدهم ذنبًا، أصبح وقد كتبت كفارته على أسكفة بابه، وجعلت كفارة ذنوبكم قولاً تقولونه،
تستغفرون، الله فیغفر لكم)).
(وأصل الإصر الثقل،) بكسر المثلثة، وفتح القاف، وتسكن للتخفيف ضدّ الخفّة، وأما
واحد الأثقال، فبالسكون، كحمل وأحمال والثقل، بفتحتين متاع المسافر وحشمه، أو مطلق
المتاع (الذي يأصر)، بكسر الصاد (صاحبه أي: بحبسه من الحراك) بفتح أوّله وثانيه، (لثقله)، فلا
يقدر على التحرّك.
(ومنها: إن اللَّه تعالى أحلّ لهم كثيرًا مما شدّد على من قبلهم،) يريد الله بكم اليسر،
ولا يريد بكم العسر، وقال ◌َ له: ((إن الله رضي لهذه الأُمّة اليسر، وكره لها العسر»، رواه الطبراني
برجال الصحيح، (ولم يجعل عليهم في الدين من حرج،) بل سهّله، (قال تعالى:) ﴿هو

٤٥٤
خصائص أمته معَ اليه.
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، [الحج/ ٧٨] أي: ضيق بتكليف ما
اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، يعني
من لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل قاعدًا، وأباح للصائم الفطر في السفر،
والقصر فيه.
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا، وفتح لهم باب التوبة،
وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العباد. قاله
البيضاوي.
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر
والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة.
اجتباكم (وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾) الآية.
روى أحمد عن حذيفة: سجد عَّه، فلم يرفع رأسه حتى ظنّنا أن نفسه قبضت، فلما
فرغ، قال: ((ربي استشارني) الحديث، وفيه: ((وأحل لنا كثيرًا مما شدّد على من قبلنا، ولم
يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد شكرًا إلاّ هذه السجدة)، (أي: ضيق بتكليف ما اشتدّ
القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه، ولا عذر لهم في تركه؛) لعدم مشقة فعله
عليهم، (يعني: من لم يستطع أن يصلّي قائمًا، فليصلّ قاعدًا،) ومن لا فمضطجعًا على ما بيّ
في الفروع، (وأباح للصائم الفطر في السّفر،) وإن كان الصّوم أفضل، (والقصر فيه) للصّلاة،
وجعله أفضل من الإتمام، بل ذهب الحنفيّة إلى أنه عزيمة، فلا يجوز الإتمام.
زاد البيضاوي: أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شقّ عليهم؛ لقوله عليه
الصّلاة والسّلام: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، (وقيل ذلك)، أي: معنى الآية (بأن
جعل لهم من كل ذنب مخرجًا) بأن رخّص لهم في المضائق، هكذا في البيضاوي قبل قوله:
(وفتح لهم باب التوبة، وشرّع لهم الكفارّات في حقوقه،) كالحنث في اليمين به، (والأروش
والدّيات في حقوق العباد) دون تعين القود، (قاله البيضاوي) في تفسير الآية.
(وروي) عند ابن أبي حاتم، (عن ابن عباس، أنّه) قيل له: أمّا علينا في الدين من حرج
في أن نسرق أو نزني؟، قال: ((بلى)، قيل: فما جعل عليكم في الدين منٍ حرج؟، (قال:
((الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه اللَّه عن هذه الأمّة)))) بمعنى أنه
لم يجعله عليهم، قال تعالى: ﴿ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ الآية،
قال البيضاوي: حملاً مثل حملك إياه من قبلنا، أو مثل الذي حملته إياهم، فيكون صفة لإصرا،

٤٥٥
خصائص أمته عزيزخليل
وعن كعب، أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا لم يعطهن إلا الأنبياء: جعلهم شهداء
على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال: ادعوني استجب لكم.
ومنها: إن الله تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ
أو المراد به ما كلّف به بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في
اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة، أو ما أصابهم من الشدائد والمحن.
قال السيوطي: قول خمسين صلاة غلط، فلم يفرضٍ على بني إسرائيل خمسون صلاة قط،
بل ولا خمس صلوات، ولم تجتمع الخمس إلاّ لهذه الأمّة، وإنّما فرض على بني إسرائيل صلاتان
فقط؛ كما في الحديث.
وقال شيخ الإسلام: نسب التكليف بها إلى بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون، بل
ولا خمس صلوات، مع أن من حفظ حجّة على من لم يحفظ؛ كذا قال وفيه ما لا يخفى،
فكون المراد من بني إسرائيل اليهود، لا يدفع الردّ بأن الخمسين لم تفرض عليهم، فليس ملحظ
الردّ إيهامه أنها فرضت على جميع بني إسرائيل، مع أنها إنما فرضت على اليهود منهم، فيجاب
بأنهم المراد من بني إسرائيل، وكون من حفظ حجّة لا يجدي هنا؛ لأن النافي صحبه دليل نفيه،
وهو قوله: كما في الحديث، يشير إلى ما في حديث المعراج في مراجعة موسى لنبيتا، وفيه
ما لفظه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما، أخرجه النسائي من حديث أنس.
(وعن كعب: أعطى اللَّه هذه الأُمّة ثلاثًا،) لفظِه ثلاث خصال، (لم يعطهنّ إلّ الأنبياء،
كان النبيّ يقال له: بلّغ، ولا حرج، وأنت شهيد على أُمَّتك، وادع أجبك، (جعلهم شهداء على
الناس) يوم القيامة، بأن رسلهم بلغتهم، (وما جعل عليهم في الدين من حرج))) بل سهّله،
وقال ◌َله: ((خير دينكم أيسره)، أي: ما لا مشقّة فيه ولا إِصر، لكن بعضه أيسر من بعض، فأمر بعدم
التعمّق فيه، فإنه لن يغالبه أحد إلاّ غلبه، وجاءت الأنبياء السابقة بتكاليف، وآصار بعضها أغلظ من
بعض، (وقال: ادعوني) اسألوني (أستجب لكم) دعاءكم، وقيل: المعنى اعبدوني أثبكم بقرينة،
﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي) الآية، وأجاب من فسّر الدعاء بالسؤال، بأن الاستكبار الصارف
عنه منزل منزلته للمبالغة، أو المراد بالعبادة الدعاء؛ لأنه من أبوابها.
أخرج الفريابي عن كعب: أعطيت هذه الأُمّة ثلاث خصال لم يعطهنّ الأنبياء، كان النبيّ
يقال له: بلّغ ولا حرج، وأنت شهيد على أُمّتك، وادع أجبك، وقال لهذه الأُمّة: ﴿ما جعل عليكم
في الدين من حرج لتكونوا شهداء على الناس ادعوني أستجب لكم﴾ الآية، فاقتصر المصنّف
علی حاجته منه.
(ومنها: إن اللَّه تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ،) أي: إثمه لا حكمه، إذ حكمه من

٤٥٦
خصائص أمته عد اله
والنسيان، وما استكرهوا عليه، وحديث النفس، وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا
مما أمروا به أو أخطؤوا في شيء عجلت لهم العقوبة، فحرِّم عليهم شىء من مطعم
أو مشرب على حسب ذلك الذنب.
وقد قال عَُّله: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه،
الضمان لا يرتفع، أو عن حكمه على القول الثاني أو عنهما، قيل: وهو أقرب لعموم التناول وعدم
المرجح، ولا ينافيه ضمان المال والديّة، ونحوهما لخروجه بدليل منفصل، (والنسيان) بالكسر
ضدّ الذكر والحفظ، ويطلق على الترك، وليس بمراد هنا، (وما استكرهو عليه،) أي: حملوا على
فعله قهرًا، وخصّ بغير الزنا، وقتل المسلم وقطعه، فلا يبيح ذلك الإكراه، (وحديث النفس) رفع
عن هذه الأمّة المؤاخذة به، أي: ما يقع في قلوبهم من القبائح ظهرًا؛ لقوله عَّه: ((إن اللَّه تجاوز
لأَمّتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلّم به أو تعمل))، رواه الشيخان.
روى أحمد، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية، اشتدّ ذلك على الصحابة، فأتوا رسول اللَّه عَلَّه.
فجثوا على الركب، وقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال: ((أتريدون أن تقولوا،
كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك
المصير)، فلما اقترأها القوم، وذلّت بها ألسنتهم، أنزل اللَّه في أثرها ﴿آمن الرسول﴾ الآية،
فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه، فأنزل ﴿لا يكلف اللَّه نفسًا إلاّ وسعها﴾ الآية، إلى آخرها.
وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه، وعند الفريابي عن محمّد بن كعب، قال:
ما بعث من نبيّ، ولا أرسل من رسول، أنزل عليه الكتاب إلاّ أنزل عليه هذه الآية: ﴿وإن تبدوا
ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه﴾ الآية، فكانت الأمم تأتي على أنبيائهم ورسلها
ويقولون: نؤاخذ بما تحدث به أنفسنا، ولم تعملٍ جوارحنا، فيكفرون ويضلّون، فلما نزلت على
النبيّ عَِّ اشتدّ على المسلمين ما اشتدّ على الأمم قبلهم، فقالوا: أنؤاخذ بما تحدّث به أنفسنا
ولم تعمل جوارحنا، قال: ((نعم، فاسمعوا وأطيعوا))، فذلك قوله تعالى: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة/٢٨٥]
الآية، فرفع اللَّه عنهم حديث النفس إلاّ ما عملت الجوارح، (وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا
شيئًا ممّا أُمروا به أو أخطؤوا في شىء، عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شىء من مطعم أو
مشرب)) عقوبة من اللَّه لهم (علي حسبٍ ذلك الذنب) منٍ كبر وصغر، (وقد قال عَّله: ((إن
اللَّه وضع) وفي رواية: رفع (عن أُمَّتي) أُمّة الإجابة، فقوله: أَمّتي دليل على أن ذلك كان على
من قبلهم (الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) حديث جليل، قال بعض العلماء: ينبغي أن

٤٥٧
خصائص أمته :
رواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجه.
ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم، لا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي
هذا﴾ [الحج/ ٧٨] ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة/٣] إذ لو لم يكن
خاصًا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة.
يعد نصف الإسلام؛ لأن الفعل إما عن قصد واختيار أولاً، الثاني: ما يقع عن خطأ، أو نسيان، أو
إكراه، وهذا القسم معفو عنه اتفاقًا، وإنما اختلف هل المعفو عنه الإثم أو الحكم، أو هما معًا؟،
وهو ظاهر الحديث وما خرج عنه، كضمان الدم الخطأ وإتلاف المال خطأ ونحوهما، فبدليل
منفصل، وفيه: ((إن طلاق المكره لا يقع))، (رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن ماجه،)
والطبراني، والدارقطني، بأسانيد جيّدة، وفي بعضها كلام لا يضر، كما بيته النور الهيثمي،
وتلميذه الحافظ، وحسّنه النووي في الروضة، وأخرجه الطبراني عن ثوبان، بلفظ: ((رفع عن
أُتّتي) ... الخ، وخفي على الكمال بن الهمام، فقال: هذا الحديث يذكره الفقهاء بهذا اللفظ، ولا
يوجد شىء من كتب الحديث؛ كذا قال والكمال لله.
قال البيضاوي: ومفهوم الخبر أن الخطأ والنسيان كان مؤاخذًا بهما أوّلاً، أي: في الأُمم
السابقة ولا يمتنع ذلك عقلاً، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناولها يؤدّي إلى الهلاك، وإن كان
خطأ، فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يقضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة؛ لكنه تعالى وعدنا
التجاوز عنه رحمة وفضلاً، ومن ثم أمر الإنسان بالدعاء، استدامة واعتدادًا بالنعمة.
(ومنها: أن الإسلام وصف خاص بهم، لا يشركهم فيه غيرهم إلّ الأنبياء عليهم
الصّلاة والسّلام؛) كما ذهب إليه جمع من العلماء، فشرفت هذه الأمّة بأن وصفت بالوصف
الذي كان يوصف به الأنبياء، تكريمًا لها؛ (لقوله تعالى:) ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو
اجتباكم وما جعلٍ عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم (هو سمّاكم المسلمين من
قبل﴾ الآية،) في أمّ الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وفي التوراة والإنجيل وسائر كتبه على أن
ضمير هو عائد للَّه؛ كما قاله جمع من المفسّرين، كابن عباس ومجاهد عند ابن المنذر،
وعلىّ بن زيد عند ابن أبي حاتم، وكذا روى عن قتادة وابن عيينة ومقاتل، قالوا: ((وفي هذا﴾)،
يعني القرءان، وأيّد بأنه قرىء ﴿اللَّه سماكم المسلمين) الآية، فلو لم يكن ذلك خاصًّا به،
كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر، ولا لاقترانه بما قبله معنى، وهذا ما فهمه السلف من
الآية؛ ولقوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة/٣] الآية، فإنّه ظاهر في الاختصاص،
(إذ لو لم يكن خاصًّا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة) لأنه لو

٤٥٨
خصائص أمته عَـ
وقد يجاب: بأن رضي الإسلام دينًا لهم، وتسميه إبراهيم إياهم بذلك، لا
ينفي اتصاف غيرهم بذلك. وفائدة ذلك: الإعلام بالإنعام عليهم بما أنعم به على
غيرهم من الفضائل.
وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حق
لغة وشرعًا. كما أجاب به ابن الصلاح لقوله تعالى: حكاية عن وصية يعقوب -
﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة/١٣٢] ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من
المسلمین﴾ [الذاريات/٣٦]،
رضيه لغيرهم ما حسّن الامتنان به عليهم ولا تقديم لكم، (وقد يجاب بأن رضا الإسلام دينًا
لهم) في هذه الآية، (وتسمية إبراهيم إيّاهم بذلك) في الآية التي ساقها قبلها؛ بناء على أن
الضمير لإبراهيم؛ لأنه أقرب مذكور، كما قاله جماعة، كابن زيد في أحد قوليه، قال: هو إبراهيم
ألا ترى إلى قوله: ﴿من ذرّيتنا﴾ الآية، ﴿أُمّة مسلمة لك﴾،(لا ينفي اتصاف غيرهم بذلك)
الوصف، (وفائدة ذلك) أي: الامتنان على هذه الأمّة مع الاشتراك (الإعلام بالإنعام عليهم بما
أنعم به على غيرهم من الفضائل،) ودفع السيوطي هذا الجواب بأنه جهل بقواعد المعاني؛ فإن
تقديم ((لكم)) يستلزمه؛ كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ الآية،
أن تقديم (هم) تعريض بأهل الكتاب؛ وأنّهم لا يوقنون بالآخرة، وكما قال الأصفهاني في قوله:
﴿وما هم بخارجين من النار﴾ الآية، أن تقديم ((هم) يفيد أن غيرهم يخرجون منها، وهم
الموحدون.
(وقيل: لا يختصّ بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حقّ لغة
وشرعًا، كما أجاب به ابن الصّلاح؛ لقوله تعالى حكاية عن وصية يعقوب:) ﴿ووصى بها
إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين (فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون﴾
الآية.
قال السيوطي: هذا من قول إبراهيم ويعقوب لبنيهما، وفي بني كل الأنبياء، فلا يحسن
الاستدلال به على غيرهم، مع أنه لا يلزم منه طرده في أُمّة موسى وعيسى، لما علم أن ملة
إبراهيم تسمّى الإسلام، وبها بعث النبي عَّةِ، وكان أولاد إبراهيم ويعقوب، عليها فصحّ أن
يخاطبوا بذلك، ولا يتعدّى إلى من ملّته اليهودية والنصرانية، قال: وأمّا قوله تعالى حكاية عن
أولاد يعقوب: ﴿ونحن له مسلمون﴾ الآية، فجوابه أن ذلك إمّا على سبيل التبعية له إن لم يكونوا
أنبياء، مع أن فيهم يوسف وهو نبي قطعًا، فلعلّه هو الذي تولّى الجواب، وأخبر عن نفسه
بالاصابة، وأدرج أخوته معه تغليبًا، وإن كانوا أنبياء كلّهم، فلا إشكال من أدلّة العموم قوله: (فما
وجدنا فيها غير بيت من المسلمين،) وأجاب عنه السيوطي بما حقّقه صاحب القول الراجح:

٤٥٩
خصائص أمته علّ
إلى غير ذلك. ولأن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب كثير من العلماء،
وليس خاصًا بهذه الأمة، بل يوصف به كل من دخل في شريعة مقرًا بالله
وبأنبيائه،
أن هذا الوصف يطلق على الأنبياء والبيت المذكور بيت لوط، ولم يكن فيه مسلم إلّ هو
وبناته، وهو نبي فصح أطلاقه عليه بالأصالة، وعلى بناته بالتغليب أو على التبعية، إذ لا مانع أن
تختص أولاد الأنبياء بخصائص لا يشاركهم فيها بقيّة الأمّة، كما اختصّت فاطمة؛ بأنه
لا يتزوّج عليها وأخوها إبراهيم؛ بأنه لو عاش لكان نبيًّا، وذكر أمورًا استظهارًا على ذا الجواب
(إلى غير ذلك؛) كقوله تعالى: ﴿وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم باللّه فعليه توكّلوا إن كنتم
مسلمين﴾ الآية، وأجاب السيوطي بحمله على التغليب؛ لأنه خاطبهم وفيهم لهرون ويوشع،
وهما نبيّان، فأدرج بقيّة القوم في الوصف تغليبًا، أو يحمل على أن المراد: إن كنتم منقادين
لي فيما آمركم به، قال: والتحقيق الذي قامت عليه الأدلة ما رجحناه من الخصوصية بالنسبة
إلى الأمم، وأن كل ما ورد من إطلاق ذلك فيمن تقدّم فإنما أطلق على نبي، أو ولده تبعًا، أو
جماعة فيهم نبي غلب لشرفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي
وبرسولي﴾ الآية، قالوا: آمنًا وأشهد بأننا مسلمون، فإن الحواريين فيهم أنبياء منهم الثلاثة
المذكورون في قوله تعالى: ﴿إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعززنا
بثالث﴾ الآية، فقالوا: إنّا إليكم مرسلون، نصّ العلماء على أنهم من حواري عيسى، وأحد قولي
العلماء، أن الثلاثة أنبياء، ويرشحه ذكر الوحي إليهم؛ (ولأن الإيمان) لكونه التصديق القلبي
(أخص من الإسلام؛) لأنه الانقياد للأحكام المأمور بها، فإن صحبه تصديق قلبي فمسلم فقط
تجري عليه أحكام الدنيا، ولا ينفعه ذلك عند اللَّه، (كما هو مذهب كثير من العلماء،
وليس خاصًّا بهذه الأمّة، بل يوصف به))) أي: بالإيمان (كل من دخل في شريعة مقرًّا بالله
تعالى وبأنبيائه كما قاله الراغب) فقياس الوصف بالأخصّ الوصف بالأعمّ، وجوابه أنه قیاس
في معرض النصوص الظاهرة بخلافه، فلا يعتبر. وقد حكى السيوطي القولين في تأليف سمّاه
إتمام النعمة، ورجّح القول بالاختصاص، وذكر له ثلاثة وعشرين دليلاً، منها ما رواه ابن راهويه،
وابن أبي شيبة عن مكحول: كان لعمر على رجل حق، فأتاه يطلبه، فقال عمر: لا والذي
اصطفى محمّدًا على البشر، لا أُفارقك، فقال اليهودي: واللَّه ما اصطفاه، فلطمه عمر، فأتى
النبيّ فأخبره، فقالِّهِ: ((بل يا يهودي عادم صفى، اللَّه وإبراهيم، خليل اللَّه، وموسى نجيّ
اللَّه، وعيسى روح اللَّه، وأنا حبيب اللَّه، بل يا يهودي تسمّى اللَّه باسمين، سمّى بهما أُمّتي هو
السّلام، وسمّى أُمّتي المسلمين، وهو المؤمن وسمّى أَمَّتي المؤمنين)) الحديث، وهو صريح في
اختصاصنا بوصفٍ الإسلام، وإلا لم يحسن إيراده في معرض التفضيل، إذ كان اليهودي يقول:
ونحن وسائر الأمم كذلك.

٤٦٠
خصائص أمته له
كما قال الراغب.
وأخرج البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن مردويه، عن الحرث الأشعري، عن
النبيّ عَِّ: ((من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنّم))، قال رجل: وإِن صام وصلّى، قال:
(نعم، فادعوا اللَّه بدعوة اللَّه التي سمّاكم بها المسلمين والمؤمنين عباد اللَّه))، ولابن جرير عن
قتادة: ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأمّا الإيمان فيبشر أصحابه وأهله،
ويعدهم الخير حتى يجيء الإسلام، فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فصريحه
اختصاص الإسلام بنا لفرقه بينه وبين الإيمان المتعلّق بأهل الأديان، وقوله تعالى: ﴿وقل للذين
أُوتوا الكتاب والأميين أسلمتم﴾ الآية، دليل على الخصوص، وإلاّ لقال: الكتابيون نحن
مسلمون وديننا الإسلام، وذكر في آخره قول السبكي: القصد من تكثير الأدلّة أن الآية الواحدة
والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرّق لها الاحتمال، فإذا كثرت قد تترقّى إلى حد يقطع بإرادتها
ظاهرًا، ونفى الاحتمال والتأويل، قال: ولذا ذكرت ثلاثة وعشرين دليلاً؛ لأن كلاً على انفراده
يمكن تأويله، وتطرّق الاحتمال، فلما كثرت غلب على الظن إرادة ظاهرها، ونفى الاحتمال
والتأويل، وعبّرت بغلب على الظن دون القطع، لأجل ما عارضها من الآيات التي استدلّ بها
للقول الآخر.
ومنها: قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا
به إنه الحق من ربنا إنّا كنا من قبله مسلمين﴾ الآية، والجواب أن مسلمين اسم فاعل مراد به
الاستقبال على حقيقته، وهو الأصل لا الحال ولا الماضي الذي هو مجاز، والتقدير: إنّا كنّا
من قبل مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا، ويرشّحه أن السياق
يرشد إلى أن قصدهم الإخبار بحقيّة القرءان، وإنهم كانوا على قصد الإسلام به إذا جاء
به عَّ لما عندهم من صفاته وقرب زمانه، وليس قصدهم الثناء على أنفسهم؛ بأنهم كانوا
بصفة الإسلام؛ لأنه ينبو عنه المقام أو يقدّر في الآية: ﴿إنّ كنّا من قبله به مسلمين﴾ الآية،
نوصف الإسلام سببه القرءان لا التوراة والإنجيل ويرشحه ذكر الصلة في قوله: ﴿قبله هم به
مؤمنون﴾ الآية، فدلّ على أنها مراده في الثانية، وحذفت كراهة لتكرارها مرّتين في آية واحدة
لذكرها في قوله: ﴿آمنًا به﴾ الآية، أو وصفهم به من أوّل أمرهم اعتبارًا بما ختم لهم من
الدخول في الإسلام؛ كقول الأشعري: من كتب اللَّه أنه يموت مؤمنًا، فيسمى عند اللَّه مؤمنًا،
ولو في حلة كفر سبقت منه، وكذا عكسه فإذا وصف الكافر حال كفره بالإيمان للخاتمة،
فلأن يوصف بالإسلام من كان على دين حق لما قدر له من دخوله فيه من باب أولى، انتهى.
هذا ومن خصوصيات الإسلام، أنه يجبّ ما قبله، أي: يقطع، روى ابن سعد والطبراني،