Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ خصائص أمته ټپڼ عليه بين الصوفية وأهل الصّلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به، والآخذ عنه، وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشّريقة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر. قال في الإصابة: لا يقال يستفاد من هذه الأخبار التواتر المعنوي؛ لأن المتواتر لا يشترط فيه عدالة، إنَّما العمدة على وروده بعدد تحيل العادة تواطأهم على الكذب، فإن اتّفقت ألفاظه فذاك، وإن اختلفت فمهما اجتمعت فهو التواتر المعنوي، وهذه الحكايات تجتمع في أن الخضر حيّ، لأنّا نقول بطرق حكاية القطع قول جماعة من الصوفيّة لكل زمان، وأنه نقيب الأولياء، وكلّما مات نقيب أقيم نقيب مقامه، وسمّي الخضر، فلا نقطع مع هذا أن الذي ينقل عنه الخضر صاحب موسى، بل هو خضر ذلك الزمان، ويؤيّده اختلافهم في صفته، فمنهم من يراه شیخّا، أو کھلاً، أو شابًّا، وهو محمول على تغاير المرئي وزمانه، انتهى. وروى ابن إسحق في المبتدأ عن أصحابه: أن عادم أخبر بنيه عند الموت بأمر الطوفان، ودعا لمن يحفظ جسده حتى يدفنه بالتعمير، فجمع نوح بنيه لما وقع الطوفان، وأعلمهم بذلك، فحفظوه حتى كان الذي تولّى دفنه الخضر. وروى خيثمة بن سليمن، عن جعفر الصادق، عن أبيه: أن ذا القرنين كان له صدیق من الملائكة، فطلب منه أن يدلّه على شىء يطول به عمره، فدلّه على عين الحياة، وهي داخل الظلمة، فسار إليها والخضر على مقدمته، فظفر بها الخضر، فشرب منها، وتوضّأ، واغتسل فيها، ولم يظفر بها ذو القرنين، فلا يموت حتى يرفع القرءان. وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن عمرو بن عوف: أن النبيّ عَّلل سمع وهو في المسجد كلامًا، فقال: ((يا أنس اذهب إلى هذا القائل، فقل له يستغفر لي))، فذهب إليه، فقال: قل إن اللَّه فضّلك على الأنبياء بما فضّل به رمضان على الشهور، وفضّل أَمْتك على الأمم مثل ما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهبوا ينظرونه، فإذا هو الخضر. وروى ابن عساكر نحوه، عن أنس بإسناد، أوهى منه، قال ابن المنادى: حديث واهٍ منكر الإسناد سقيم المتن، لم يراسل الخضر بينه وبين النبيّ حَ﴾. ولم يلقه، واستبعده ابن الجوزي من جهة إمكان لقيه له عَّدٍ، واجتماعه معه ثم لا يجيء إليه وجاء في اجتماعه ببعض الصحابة أخبار أكثره واهي الإسناد، وقد جزم بموته، وأنه غير موجود الآن: البخاري وإبراهيم الحربي، وأبو جعفر بن المناد، وأبو يعلى بن القراء، وأبو طاهر العبادي، وأبو بكر بن العربي وطائفة. قال ابن عطية: أخرج النقاش أخبارًا كثيرة تدلّ على بقائه، لا يقوم بشىء منها حجّة، قال: لو كان باقيًا كان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يثبت شىء من ذلك، انتهى، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر، وغيرهما: أن النبيّ حَّ قال في آخر حياته: ((لا يبقى ٤٠٢ خصائص أمته عيد و کذلك إلیاس على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد)»، قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قرنه، وأجاب: من أثبت حياته، بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث؛ كما خصّ منه إبليس باتّفاق، ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ الآية، وحديث ابن عباس: (ما بعث اللَّه نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمّد وهو حيّ ليؤمنّ به ولينصرِتّه))، ولم يأتِ في خبر صحيح، أنه جاء إلى النبيّ عَ له ولا قاتل معه، وقد قال عليله يوم بدر: ((اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض))، فلو كان الخضر موجودًا لم يصح هذا النفي، وقال عَّله: ((رحم الله موسى، لوددنا لو كان صبر حتى يقصّ اللَّه علينا من خبرهما))، فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمنّي ولأحضره بين يديه، وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة لا سيّما أهل الكتاب، وقد بسط الكلام فيه في الإصابة بنحو كراس، وألمّ بشىء منه في فتح الباري من جملته: روى يعقوب بن سفيان في تاريخه، وأبو عروبة عن رياح بتحتية ابن عبيدة، قال: رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه، فلما انسرف، قلت له: من الرجل؟، قال: رأيته؟، قلت: نعم، قال: أحسبك رجلاً صالحا، ذاك أخي الخضر، بشّرني أني سألي وأعدل، لا بأس برجاله، ولم يقع لي إلى الآن خبر، ولا أثر بسند جيّد غيره، وهذا لا يعارض الحديث في مائة سنة؛ لأنه كان قبل المائة، انتهى. قال في الإصابة: وعلى بقائه إلى زمن النبيّ عَّله وحياته بعده، فهو داخل في تعريف الصحابي على أحد الأقوال، ولم أرَ من ذكره فيهم من القدماء، مع ذهاب الأكثر إلى الأخذ بما ورد من أخباره في تعمیره وبقائه. (وكذلك إلياس،) بهمزة قطع اسم عبراني، وأمّا قوله تعالى: ﴿سلام على إل ياسين﴾ الأية، فقرأه الأكثر بصورة الاسم المذكور، وزيادة ياء ونون في آخره، وقرأه أهل المدينة آل ياسين، بفصل آل من ياسين، وبعضهم تأوّل أن المراد آل محمّد، وهو بعيد، ويؤيّد الأوّل أن اللَّه تعالى إنما أخبر في كل موضع ذكر فيه نبيًّا من الأنبياء في هذه السورة بأن السّلام عليه، فكذلك السلام في هذا الموضع على المبدأ بذكره في قوله تعالى: ﴿وإن الياس لمن المرسلين﴾ الآية، وإنما زيدت فيه الياء والنون، كما قالوا في إدريس إدراسين، ونقل بعضهم الإجماع على أن إدريس جدّ نوح، وفيه نظر؛ لأنه إن ثبت قول ابن عباس: أن إلياس هو إدريس، لزم أن إدريس من ذريّة نوح؛ لقوله تعالى: ﴿ومن ذريّته داود وسليمان﴾ الآية، إلى أن قال: ﴿وعيسى والياس﴾ الآية، سواء كان ضمير ذريّته لنوح أو لإبراهيم؛ لأن من كان من ذرّيته هو من ذرية نوح لا محالة. وذكر ابن إسحق: أن الياس هو ابن نسي بن فينحاس، ابن العزر بن هارون أخي موسى بن ٤٠٣ خصائص أمته تدخل على ما صححه أبو عبد الله القرطبي أنه حي أيضًا. وليس في الرسل من يتبعه رسول إلا نبينا عَّله، وكفى بهذا شرفًا لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا. فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة، ومنَّ علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة، ونؤَّه بنا في كتابه العزيز بقوله: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران/١١٠]، فتأمل قوله ﴿ کنتم﴾، عمران، (على ما صححه أبو عبد اللَّه)) محمّد بن فرج (القرطبي،) المفسر، (أنه حيّ أيضًا،) ذكر وهب في المبتدأ أن الياس عمر، كما عقر الخضر، وأنه يبقى إلى آخر الزمان. وروى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: ((يجتمع الخضر والياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرّقان عن هؤلاء الكلمات: بسم اللَّه، ما شاء اللَّه، لا يسوق الخير إلاّ اللَّه، لا يصرف التنوء إلّ اللَّه، بسم اللَّه، ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله، بسم اللَّه، ما شاء اللَّه، لا حول ولا قوّة إلاّ باللَّه)، وإسناده ضعيف، ورواه ابن الجوزي بسند واه جدّاً، وزاد: قال عَّل: ((ما من عبد قالها في كل يوم إلّ أمن من الغرق والحرق والسرق، وكل شیء یکرهه حتى يمسي، وكذلك حتى يصبحا، ورواه أحمد في الزهد بسند حسن، لكنه معضل، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، وزاد: ((ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل، ويصومان رمضان ببيت المقدس). وروي عن كعب الأحبار، قال: أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في الأرض، الخضر والياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى. وروى الحاكم في المستدرك عن أنس: أن الياس اجتمع بالنبيّ ◌َُّ، وأكلا جميعًا، وأن طوله ثلاثمائة ذراع، وأنّ قال: إنه لا يأكل في السنّة إلاّ مرّة واحدة، قال الذهبي: هذا خبر باطل. وفي الإصابة: يلزم من ذكر الخضر في الصحابة أن يذكر الياس، ومن أغرب ما روي فيه: أنه هو الخضر، فأخرح ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام عن ابن عباس مرفوعًا: (الخضر هو الياس)). (وليس في الرسل من يتبعه رسول) عاملاً بشريعته، تاركًا للشرع الذي أُوحي إليه بِه، (إلاّ نبينا عَّالِ؛) لأنه نبيّ الأنبياء، (وكفى بهذا شرفًا لهذه الأُمّة المحمديّة، زادها اللَّه شرفًا، فالحمد لله الذي خصّنا بهذه الرحمة، وأسبغ:) أفاض وأتمّ (علينا هذه النعمة، ومنّ علينا بما عمنا به من الفضائل الجمّة) الكثيرة (ونوّه بناء) أي: رفع ذكرنا (في كتابه العزيز، بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران/ ١١٠] الآية، (فتأمل قوله: ﴿كنتم﴾) الدالّ على ٤٠٤ خصائص أمته أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم في علم الله. فينبغي لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق الزكية، ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة من الأوصاف المرضية، ويتأهل لما لها من الخيرية. قال مجاهد ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس) إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أي: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وقيل: إنما صارت أمة محمد عَّ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أشهر. وقيل: هذا لأصحاب محمد عيد كما قال عليه الصلاة والسلام: ((خير الناس قرني ثبوت قدم الخيرية لهم من قبل وجود الأمم، (أي: في اللّوح المحفوظ، وقيل: كنتم في علم الله)) والقصد بهذين القولين تحقيق معنى المضي، وقيل: معنى ﴿كنتم﴾ أنتم؛ كقوله: ﴿واذكروا إذا كنتم قليلاً﴾ الآية، وفي موضع آخر: ﴿إذ أنتم قليل) الآية. وأشار البغوي إلى ترجيح الأوّل بما أخرجه هو وأحمد والترمذي وغيرهم عن مطوية بن حيدة؛ أنه سمع النبيّ ◌َّ﴾ يقول في قوله عزّ وجلّ: ﴿كنتم خير أَمَّة أخرجت للناس﴾ [السورة الآية] الآية، قال: ((إنكم تتمّون سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه))، (فينبغي لمن هو من هذه الأُمّة المحمديّةِ أن يتخلّق بالأخلاق الزكيّة) بملازمة الطاعات واجتناب المنهيّات، (ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة) بشرف نبيها (من الأوصاف المرضيّة) للَّه وعباده المتقين، (ويتأهل لما لها من الخيرية). (قال مجاهد) في تفسير قوله تعالى: ((كنتم خير أُمّة أُخرجت للناس﴾: إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أي) قوله: ((تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ الآية)، وتؤمنون باللّه؛ لأن ذلك استئناف لبيان الخيرية فهو شرط فيها فمن لم يكن كذلك لم يتّصف بالخيرية. (وقيل: إنما صارت،) أي كانت ووجدت (أُمّة محمّد عَ﴾ خير أُمّة؛ لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أشهر) وهذا كلّه على أن الخطاب للأُمّة كلّهم، (وقيل: هذا) الخطاب (لأصحاب محمّد ◌ُر؛ كما قال عليه الصّلاة السّلام) في الصحيحين وغيرهما: ((خير الناس،) وفي رواية: خير أُمّتي، (قرني،) أي: أهل عصري، يعني ٤٠٥ خصائص أمته بـ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))، وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمة أفضل من بعدها. وإلى هذا ذهب معظم العلماء. وإن من صحبه ◌َّه ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب الجمهور. وذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وإن قوله عليه الصلاة والسلام: ((خير الناس قرني)) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه عليه الصلاة والسلام جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود، وقد روى أبو أمامة أنه مُؤل قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات الصحابة، ومدّتهم من البعثة مائة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل على الخلاف في وفاة آخر الصحابة موتًا أبي الطفيل، وإن اعتبر من وفاته ◌ُ لله كان مائة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، (ثم الذين يلونهم،) أي: القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، ومدّتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة، إن اعتبر من سنة مائة، (ثم الذين يلونهم،) وهو أتباع التابعين من خمسين إلى حدود عشرين ومائتين، فمدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمان، ومرّ الحديث قريبا. (وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمّة أفضل من بعدها، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وإن من صحبه ◌ُ ورآه ولو مرّة من عمره أفضل من كل من يأتي بعده، وإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل) عطف علّة على معلول، (هذا مذهب الجمهور،) إطناب مساوٍ لقوله معظم العلماء. (وذهب أبو عمر بن عبد البرّ إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل سمّن كان في جملة الصحابة) كمن رآه مرّة، (وإن قوله عليه الصّلاة والسّلام: ((خير الناس قرني))، ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه عليه الصّلاة والسلام جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان؛) لكن في الاستظهار بذكر هؤلاء على الدعوى شىء، إذ هؤلاء كفار، والكلام في المؤمنين، (وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود،) وفي الاستظهار بهم أيضًا شىء، فالحدود جوابر على الصحيح، (وقد روى أبو أمامة) الباهلي، صدى بالتصغير ابن عجلان، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ستّ وثمانين، (أَنه ◌َّ قال: ((طوبى) تأنيث أطيب، أي: راحة وطيب عيش، حاصل (لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرّات،) المتبادر أنّه قال: هذا اللفظ، لا أنه كرّر طوبى سبعًا ٤٠٦ خصائص أمته ځ لمن لم يرني وآمن بي. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسًا عند رسول الله عَّله فقال: ((أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا»؟ قلنا: الملائكة، (لمن لم يرني وآمن بي))؛) لأن اللَّه مدح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، وإيمان الصحابة بالله واليوم الآخر غيبًا، وبالنبيّ عَّهِ شهودًا للآيات والمعجزات، ومن بعدهم آمنوا غيبًا بما آمنوا به شهودًا، فلذا أثنى عليهم، وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ، وابن حبان والحاكم بلفظ: ((طوبى لمن رآني وآمن بي مرّة، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرّات، فزاد مرّة وأخر سبع مرّات، وصححه الحاكم وتعقّب، لكن له شاهد من حديث أنس عند أحمد. وروى الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر، قال: سئل رسول اللَّه عَ لّهِ، فقيل له: أرأيت من آمن بك ولم يرك، وصدّقك ولم يرك؟، قال: «أولئك إخواني أولئك معي، طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات)»، ولا يعارض ما قبله؛ لأنه أخبر بما علمه أوّلاً، ثم زيد فأخبر به، ويدل على ذلك حديث الطبراني عن ابن عمر، وابن النجار عن أبي هريرة رفعاه: ((طوبى لمن أدركني وآمن بي، وطوبي لمن لم يدركني، ثم آمن بي))، فأخبر أن كلاً له طوبى، ولم يذكر عددًا، لأنه قبل أن يوحى إليه بالعدد. وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد؛ أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه! طوبى لمن رآك وآمن بك، فقال عَّل: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني))، فقال رجل: يا رسول الله! وما طوبى؟، قال: ((شجرة من الجنّة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنّة تخرج من أكمامها». وروى الطبراني برجال ثقات، والحاكم عن عبد اللَّه بن بسر، مرفوعًا: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني، طوبى لهم وحسن مآب)). (وفي مسند أبي داود) سليمن بن داود بن الجارود (الطيالسي)، البصري، ثقة، حافظ، روى له مسلم والأربعة، ومات سنة أربع ومائتين، (عن محمّد بن أبي حميد) إبراهيم الأنصاري، الزرقي، المدني، ضعيف روى له الترمذي وابن ماجه، (عن زيد بن أسلم) العدوي، المدني، ثقة، عالم من رجال الجميع مات سنة ستّ وثلاثين ومائة، (عن أبيه) أسلم مولى عمر، ثقة مخضرم، روى له الجميع ومات سنة ثمانين، وقيل: بعد سنة ستّينِ، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، (عن عمر) بن الخطّاب، (قال: كنت جالسًا عند رسول اللَّه عَله، فقال: «أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا))؟، قلنا: الملائكة،) لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ٤٠٧ خصائص أمته عندايه قال: ((وحق لهم، بل غيرهم)). قلنا: الأنبياء، قال: ((وحق لهم، بل غيرهم، ثم قال عَّله: ((أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانًا. وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن أكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر، لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، قال: وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم. قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها، التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل، إلا أهل بدر والحديبية. ومن تدبر هذا (قال: وحقّ،) بفتح الحاء من حقّ لازمًا، أي: ثبت (لهم)، وبضمّ الحاء من المتعدّي، أثب: أثبت ويبنى منه للمفعول، فيقال: حقّ لك أن تفعل كذا بالضمّ؛ كما في القاموس، واقتصر المصباح على اللازم، (بل) مرادي (غيرهم)،) أو غيرهم المراد، فهو بالرفع، ويحتمل النصب بتقدير أُريد غيرهم، (قلنا: الأنبياء، قال: ((وحقّ لهم، بل غيرهم))، ثم قال عَّ: ((أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانًا)،) إعادة تأكيدًا، والمراد: من أفضل، فلا ينافي قوله عَ له: ((أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)، رواه الطبراني بإسناد حسن. وروى ابن ماجه، وصححه الحاكم مرفوعًا: ((أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا))، ولا قوله عَّه: ((أفضل المؤمنين إيمانًا المقلّ، الذي إذا سأل أعطي، وإذا لم يعطَ استغنى))، رواه ابن ماجه والخطيب، ويجمع بينهما أيضًا باعتبار الجهة، أي: أفضل الخلق من جهة الإيمان بالغيب، وهكذا. (وروي أن عمر بن عبد العزيز،) الإمام العادل (لما ولي الخلافة، كتب إلى سالم بن عبد اللَّه) بن عمر، أحد الفقهاء: (أن اكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطّاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر،) أي: ولا يمكنك ذلك، لأنه لا يتصوّر، فالتعليق على محال. (قال: وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب بمثل قول سالم)، ترغيباً له، وحثاً على العدل الذي رامه. (قال أبو عمر) بن عبد البر بعد ذكر هذا، وأحاديث أُخر: (فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها) تواترًا معنويًّا لاتّفاقها على تفضيل العامل في أي زمان، (وحسنها) باعتبار المجموع ٤٠٨ خصائص أمه چچ الباب بأن له الصواب، انتھی. وإسناد حديث أبي داود الطيالسي عن عمر ضعيف فلا يحتج به، لکن روی أحمد والدارمي والطبراني عن أبي عبيدة - ابن الجراح : يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: قوم یکونون من بعد کم يؤمنون بي ولم یروني. وإسناده حسن وصححه الحاكم. والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحية لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله عليه، والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة لا نطيل بذكرها وسيأتي بقية مباحث ذلك في فضل الصحابة من المقصد السابع إن شاء الله تعالى. وقد خص الله تعالى هذه الأمة الشريفة بخصائص لم يؤتها أمة (التسوية بين أوّل هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلاّ أهل بدر والحديبية؛) لنصّه مجيد على أفضليّة أهلهما على من سواهما، فمحلّ النزاع فيمن لم يحصل له إلاّ مجرد المشاهدة، (ومن تدبّر هذا الباب؛ بأن له الصواب، انتهى؛ وإسناد حديث أبي داود الطيالسي، عن عمر ضعيف) لضعف محمّد بن أبي حميد، (فلا يحتجّ به،) فتحسين ابن عبد البرّ ما حكم على المجموع؛ لأنه قال: وحتّنها بعد أحاديث عدّة، وأبرز سند حديث عمر، أو باعتبار شاهده الذي استدركه بقوله: (لكن روى أحمد، والدارمي، والطبراني عن أبي عبيدة) عامر (ابن الجراح) أحد العشرة، أنّه قال: (يا رسول اللَّه! أحد) بتقدير أداة الاستغام همزة، أو هل أحد (خير منّا، أسلمنا معك وجاهدنا معك؟، قال:) ((خير منکم (قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم یروني)، وإسناده حسن، وصححه الحاكم،) وهو بمعنى حديث عمر، فهو شاهده، (والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول اللَّه عٍَّ) ولو مرّة، وذلك لا يكون لمن بعد الصحابة ولو بلغوا ما بلغوا، (والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة، لا نطيل بذكرها، وسيأتي بقية مباحث ذلك في فضل الصحابة من المقصد السابع إن شاء اللَّه تعالى) بما منه ما محصله: أنه يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، بأن زيادة الأجر والخيرية بسبب الإيمان بالغيب دون مشاهدة الآيات، لا تستلزم الأفضلية المطلقة، فإنما يقع التفاضل بالنسبة إلى ما يماثله، وما فاز به من شاهده ◌ُ﴾، لم يفز به من لم يقع له ذلك، فلا يعدله قیه أحد. (وقد خصّ اللَّه تعالى هذه الأُمّة الشريفة،) أي: أُمَة الإجابة (بخصائص لم يؤتها أُمّة ٤٠٩ خصائص أمته قبلهم، أبان بها فضلهم، والأخبار والآثار ناطقة بذلك. فخرج أبو نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّهُ: ((إن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمة، قال: یا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة قبلهم،) كالصفة الكاشفة لما قبلها، فإن عدم إيتائها لمن قبلهم هو معنى تخصيصهم بها، (أبان:) أظهر (بها فضلهم) على غيرهم، وكذلك خصّ أمّة الدعوة برفع ما كان من أنواع العذاب في الأمم السابقة، كالخسف ونحوه؛ لكن لم تعد كمالات لهم لكفرهم، ولأنها لم تنجهم من العذاب الأشد، ومتاع الدنيا قليل، (والأخبار والآثار،) عطف خاص على عام، أو مباين (ناطقة بذلك)) أي: دالّة دلالة قويّة، كالنطق، وبيّ بعضها مقتصرًا عليه؛ لأن دلالتها أوضح، وكافية في المقصود بقوله: (فخرّج أبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، (عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَ لل:((إن موسى عليه الصّلاة والسّلام لمّا نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمّة) بالأوصاف الحميدة التي لم توجد لغيرها، (قال: يا رب إني أجد في الألواح) التي أنزلت التوراة فيها، وكانت تسعة ألواح، وقيل عشرة، وفي الحديث: ((كانت من سدر الجنّة، طول اللّوح اثنا عشر ذراعًا))، وقال الحسن: كانت من خشب، والكلبي: كانت من زبرجدة خضراء، وسعيد بن جبير: من ياقوت أحمر، والربيع بن أنس: كانت من برد، وابن جريج: من زمرد، أمر اللَّه جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمدّ من نهر النور. قال وهب: أمره اللَّه يقطع ألواح من صخرة صماء، ليتها اللَّه له، فقطعها بيده، ثم شقّقها بأصبعه. قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكتّرت، فرفعت ستّة أسباعها، وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه المواعظ والأحكام، والحلال والحرام؛ كذا في المعالم. (أقّة هم الآخرون) زمانًا في الدنيا، (السابقون) أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة في الحشر والحساب، والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنّة قبل الأمم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة؛ سمع رسول اللّه تع الى يقول: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا)) الحديث. وفي رواية مسلم: ((نحن الآخرون من أهل الدنيا، والسابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق))، (فاجعلها أُمَّتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمّة ٤١٠ خصائص أمته عَـ أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم) مصاحفهم، أي: ما فيها محفوظ (في صدورهم،) أي: قلوبهم. قال في الاتقان: فيه تسمية القرءان إنجيلاً، وروى ابن الضريس وغيره عن كعب، قال: في التوراة يا محمّد إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلقًا، ففيه تسمية القرءان توراة، ومع هذا لا يجوز الآن أن يطلق عليه ذلك، وهذا كما سمّيت التوراة فرقانًا في قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ الآية، وسمّى عَّ الزبور قرءانًا في قوله: ((خفّف على داود القرءان)). ( يقرؤونها،) وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم ولا يحفظونها. قال الربيع بن أنس: نزلت التوراة سبعون وقر، بعير الجزء منها في ستة، لم يقرأها إلاّ أربعة: موسى، ويوشع، وعزير وعيسى، وبتفسير الأناجيل بالمصاحف يكون تجوّز بكتاب عيسى عن بقيّة الكتب تسمية للمطلق باسم المقيّد، ثم استعملها في القرءان خاصّة، وجمعه نظرًا إلى أن ما يلفظ به قارىء مغاير لما يلفظ به غيره من حيث التلفظ، وإن كان المقروء واحدًا، إذ القرءان اللفظ المنزّلَ على محمّد عَّله، ولا يتعدّد بتعدّد محلّه، فالمقروء على لسانه عليه الصّلاة والسلام هو المتلوّ الآن، والمختلف التلفظ لا نفس الألفاظ، وإلاّ لكان ما يقرؤه المصطفى غير ما قرأه جبريل، وهو باطل قطعًا، (فاجعلها أُمّتيٍ، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا ربّ إني أجد في الألواح أمّة يجعلون الصدقة في بطونهم،) أي: ما يصرفونه على أنفسهم وأهاليهم (يؤجرون) أي: يثابون (عليها) ثواب الصدقة بالمال على الغير؛ لأنه ينكف بذلك عن السؤال، ويكفّ أهله؛ كما قاله عَّهِ: ((كل معروف صدقة، وما أنفق المسلم من نفقة على نفسه وأهله كتب له بها صدقة)) الحديث، رواه عبد بن حميد، والحاكم، وصححه عن جابر، وفي كتاب البشر لابن ظفر: هكذا الرواية، يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، ومعنى ذلك أنهم يطعمونها مساكينهم، ولا يحرقونها، كما كانت الأمم تفعل، وجاء في حديث غير هذا ممّا هو منسوب إلى كتب اللَّه السالفة: يأكلون قرابينهم في بطونهم، فالمراد بهذا اللفظ الضحايا وما يؤكل من الهدايا، انتهى. وتبعه بعضهم، فقال: أي يأكلها فقراؤهم الذين هم منهم، وكان من قبلهم إنما تأكل صدقاتهم وقرابينهم نار تنزل من السماء إن كانت مقبولة، وإلا بقيت بحالها، انتهى. وهو وإن صح في نفسه، إلاّ أن اللفظ والامتنان عليهم بذلك ينبو عنه ويبعده، فالحمل الأول أولى لا سيما ويؤيّده أحاديث: (فاجعلها أُمَّتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا ربّ إني أجد في الألواح أُمّة ٤١١ خصائص أمته يأكلون الفيء فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سئية واحدة يأكلون الفيء،) أي: ما أخذ من الكفار بلا قهر أو به فيشمل الغنيمة؛ لأن كلاً منهما إذا انفرد عمّ الآخر هكذا ثبتت هذه الجملة في أصل صحيح عليه خطّ المصنف، وسقطت في غالب النسخ. (فاجعلها أُقْتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا ربّ إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة،) أي: عقد عزمه عليهم، (فلم يعملها،) بفتح الميم، (كتبت له حسنة واحدة،) كاملة لا نقص فيها، وإن نشأت عن مجرّد الهم، سواء كان الترك لمانع، أو لا، قيل: ما لم يقصد به الإعراض عنها، وإلاّ لم تكتب. وفي الصحيحين: فمن همّ بحسنة، فلم يعملها، كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، أي: قَدّرها أو أمر الحفظة بكتابتها، (وإن عملها،) بكسر الميم، (كتبت له عشر حسنات؛) لأنه أخرجها من الهمّ إلى العمل ومن جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها. وفي الصحيحين: فإن همّ بها، فعملها، كتبها اللَّه عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فالعشرة أقلّ ما وعد به من الأضعاف حتى قيل: المراد بها الكثرة لا العدد، (فاجعلها أُمَتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمّة، إذا همّ أحدهم بسيئة فلم يعملها) بجوارحه ولا بقلبه، (لم تكتب عليه) سيئة، بل تكتب حسنة؛ كما في الصحيحين، وإن همّ بسيئة لم يعملها، كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، (وإن عملها كتبت سيئة واحدة،) لم توصف بكاملة تفضّلاً منه؛ ولمطابقة قوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها﴾ الآية، ولإفادة أنها لا تتضاعف. قال العزّ بن عبد السّلام: ولإفادة أنها لا تكتب اثنتين، واحدة للعمل، وواحدة لهم، حيث انضمّ له العمل، واستثنى بعضهم الحرم المكيّ، فتضاعف فيه السيئات كالحسنات لتعظيم حرمته، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿من يأتٍ منكنّ بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ الآية؛ لأنه ورد تعظيمًا لحقّه عَّه، لأن وقوعه من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذاه، وقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه يالحاد، بظلم نذقه من عذاب أليم) الآية، قال قتادة ومجاهد: الإلحاد هو الشرك وعبادة غير اللَّه، وقال عطاء: دخول الحرم بلا إحرام أو ارتكاب شىء من محظورات الحرم من قتل صيد، أو قطع شجر. ٤١٢ خصائص أمه . فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون المسيح الدجال، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين، فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاکرین، قال: قد رضيت يا رب. وقال ابن عباس: هو أن تقتل من لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وقال قوم: هو كل شىء كان منهيًّا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم، ولكنّه لا يدل على تضعيف العدد، (فاجعلها أُمَتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا ربّ إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأوّل) الذي أنزل على الأنبياء قبل المصطفى، (والعلم الآخر) الذي نزل على نبينا. بح من الأحكام التي ليست من الشرائع السابقة، (فيقتلون المسيح الدجال،) نسبه إليهم لقتله في زمانهم على يد عيسى عليه السّلام، وهوٍ واحد منهم، (فاجعلها أُمَّتي، قال: تلك أُمّة أحمد، قال: يا ربّ فاجعلني من أمّة أحمد))، فأعطي عند ذلك خصلتين،) أي: أخبر بأن اللَّه أكرمه بهما، فلا ينافي أن الرسالة والكلام سابقان على ذلك. وفي رواية كعب الأحبار: فلما عجز موسى، قال: يا ليتني من أصحاب محمّد، فأوحى اللّه إليه ثلاث آيات يرضيه بها، (فقال: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس) الموجودين في زمانك ولهرون، وإن كان نبيًّا، كان مأمورًا باتّباعه، ولم يكُ کلیمًا، ولا صاحب شرع، (برسالاني،) بالتوحيد قراءة أهل الحجاز، وبالجمع قراءة غيرهم، (وبكلامي:) تكليمي إياك، (فخذ ما آتيتك) من الفضل، (وكن من الشاكرين) ) لأنعمي. قال البغوي: فإن قيل ما معنى اصطفائه بالرسالة، وقد أعطاها غيره لما لم يكن على العموم في حقّ الناس كافّة، استقام قوله: ﴿اصطفيتك على الناس﴾ الآية، وإن شاركه فيه غيره، كما تقول: خصصتك بمشورتي وإن شاورت غيره إذا لم تكن المشورة على العموم ويكون مستقيمًا، وفي القصّة أن موسى لما كلّمه ربّه لم يستطع أحد أن ينظر إليه، غشى وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلّمك ربّك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرّت للَّه ساجدة، وقالت: ادع اللَّه أن يجعلني زوجك في الجنّة، قال: ذاك إن لم تتزوّجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها، انتھی. وفي الأنوار روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة كان يوم النحر، (قال: قد رضيت يا ربّ)، وروى البغوي من طريق أبي العباس السراج بسنده عن كعب الأحبار: هذا ٤١٣ خصائص أمته ـ وروى ابن طغر بك في «التطق المفهوم) عن ابن عباس رفعه: قال موسى: یا رب، فهل في الأمم أكرم عليك من أمتي، ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المنَّ والسلوى، فقال: سبحانه وتعالى: يا موسى، أما علمت أن فضل أمة محمد على سائر الأمم، كفضلي على جميع خلقي؟ قال: يا رب فأرينيهم، قال: لن تراهم، ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم الله تعالى، فأجابوا كلهم بصوت واحد: لبيك اللَّهم لبيك، وهم في أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم فقال سبحانه: صلاتي علیکم، ورحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق الحديث مطوّلاً غير مرفوع، وقال في آخره: فلما عجز موسى عن الخير الذي أعطى اللَّه محمّدًا وأَُّته، قال: يا ليتني من أصحاب محمّد، فأوحى اللَّه ثلاث آيات يرضيه بهن: ﴿يا موسى إني اصطفيتك﴾ الآية، إلى قوله: ﴿سأريكم دار الفاسقين ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ الآية، قال: فرضي موسى كل الرضا. (وروى ابن طغربك،) بضمّ الطاء المهملة والراء، بينهما معجمة ساكنة، ثم موحدة مفتوحة، كأنه علم مركب من طغر وبك لقب للإمام، العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر الحميري التركاني الدمشقي، الحنفي، لم أرّ له في ابن خلكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء بهذا الضبط، وزيادة لام ساكنة بعد الراء، وقدمت هذا في أوّل الكتاب (في) كتاب ((النطق المفهوم))، عن ابن عباس رفعه): لفظة استعملها المحدثون بمعنى، قال عل): (قال موسى: يا رب، فهل من الأُمم أكرم عليك من أُمَتي، ظلّت عليهم الغمام،) سترتهم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه، (وأنزلت عليهم) فيه (المنّ والسلوى)) هما الترنجبين، والطير السماني، بتخفيف الميم والقصر،ٍ (فقال) اللَّه (سبحانه وتعالى: يا موسى أما علمت أن فضل أمة محمّد على سائر:) باقي (الأمم كفضلي على جميع خلقي،) وتلك مزايا لا تقتضي التفضيل، (قال: يا ربّ فأرينيهم، قال: لنٍ تراهم، ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم اللَّه تعالى، فأجابوا كلّهم بصوت واحد: لبّيك اللّهمّ لَبِك،) إجابة لك بعد إجابة، (وهم في أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم،) أي: بعض أصول هذه الأمّة، كان حينئذ في أصلاب الآباء، وبعضهم في بطون الأمهات بخلافه حين أخذ العهد على الذريّة، فلم يكن أحد موجودًا في بطون الأمهات، ولذا لم تذكر في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربّك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم﴾ الآية، (فقال سبحانه وتعالى: صلاتي) رحمتي ومغفرتي (عليكم، ورحمتي سبقت،) وفي رواية: غلبت، أي: غلبت آثار رحمتي على آثار (غضبي،) والمراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، وإليه أشار بقوله: (وعفوي سبق عذابي،) وفي مسلم، عن ٤١٤ خصائص أمته عذابي، استجيب لكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله غفرت له ذنوبه. أبي هريرة مرفوعًا: ((قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي))، وفي البخاري، عنه رفعه: ((إِن اللَّه لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي». قال في الفتح: في رواية غلبت، والمراد من الغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، والسبق والغلبة باعتبار التعلّق، أي: تعلّق الرحمة غالب سابق على تعلّق الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدّسة، وأمّا الغضب، فيتوقّف على سابقة عمل من العبد الحادث، وبهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين، ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، وقيل: معنى الغلبة الكثرة والشمول، تقول: غلب على فلان الكرم، أي: هو أكثر أفعاله، وهذا كلّه بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات. وقال بعض العلماء: إنهما من صفات الفعل، لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدّم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان وادم الجنّة أوّل ما خلق مثلاً، ومقابله ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم تتقدّم الرحمة في حقّهم بالتوسيع عليهم في الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأمّا ما أشكل من أمر من يعذّب من الموحدين، فالرحمة سابقة في حقّهم أيضًا، ولولا جودها لخلدوا أبدًا. وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلاّ باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا، ورضيعًا، وفطيمًا، وناشئًا قبل أن يصدر منه شىء من الطاعات، ولا يلحقه الغضب إلاّ بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحقّ معه ذلك، انتھی. وفي المصابيح: الرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، والصفات لا توصف بغلبة، ولا يسبق بعضها بعضًا، لكن هذا ورد على الاستعارة، ولا منع من جعل الرحمة والغضب صفتي فعل لا ذات، فالرحمة الثواب والإحسان، والغضب الانتقام والعذاب، فتكون الغلبة على بابها، انتھی. (أستجيب لكم قبل أن تسألوني،) زيادة في الإكرام، (فمن لقيني منكم، يشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وأنّ محمّدًا رسول اللّه، غفرت له ذنوبه،) وفي مسلم، عن عبادة مرفوعًا: ((من شهد أن لا إله إلاّ اللَّه وأنّ محمّدًا رسول اللَّه حرّم اللّه عليه النار). ٤١٥ خصائص أمته عبيد قال ◌َ له: فأراد الله أن يمن عي بذلك فقال: ﴿ما كنت بجانب الطور إذ نادينا) [القصص/٤٦]، أي: أمتك حتى أسمعنا موسى كلامهم. ورواه قتادة، وزاد: فقال: يا رب، ما أحسن أصوات أمة محمد علّ أسمعني مرة أخرى. وفي الحلية لأبي نعيم، عن أنس قال قال رسول الله عَّ: أوحى الله تعالى إلى موسى، نبىء بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد أدخلته النار. قال: يا رب، ومن أحمد؟ قال: ما خلقت خلقًا أكرم علي منه، وفي الصحيحين مرفوعًا: (من شهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وجبت له الجنّة)، وفي الطبراني رفعه: ((من شهد أن لا إله إلاّ اللَّه، خالصًا من قلبه، دخل الجنّة، ولم تمسّه النار))، وفي بسط الكلام في هذا طول. (قال ◌َّ: ((فأراد اللَّه أن يمنّ عليّ بذلك، فقال: و﴿ما كنت بجانب الطور﴾) الجبل (﴿إِذ نادينا﴾، أي: أُمّتك حين أسمعنا موسى كلامهم)) وفي البغوي: قيل نادينا موسى: خذ الكتاب بقوّة، وقال وهب: قال موسى: يا ربّ أرني محمّدًا، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أُمّته، وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا ربّ، قال الله تعالى: يا أمّة محمّد، فأجابوه من أصلاب آبائهم». وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: ((نادى يا أُمّة محمّد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني)). وروي عن ابن عباس ورفعه: ((بعضهم قال اللَّه: يا أُمّة أحمد، فأجابوا من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبّيك اللَّهمّ، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال تعالى: يا أُمّة محمّد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلّ اللَّه، وأنّ محمدًا عيدي ورسولي دخل الجنّة، و، كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر))، انتهى. (ورواه قتادة، وزاد: ((فقال: يا ربّ ما أحسن أصوات أُمّة محمّد عَّ أسمعني مرّة أخرى))) أصواتهم ولم أرَ هل أسمعه أم لا؟ (وفي) كتاب (الحلية،) أي: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (لأبي نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، الحافظ الشهير، (عن أنس قال: قال رسول اللَّه عَلِ: ((أوحى الله تعالى إلى موسى نبىء:) خبّر (بني إسرائيل) يعقوب؛ (أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد، أدخلته النار) خالدًا فيها لكفره به، (قال: يا ربّ ومن أحمد؟، قال: ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منه،) ٤١٦ خصائص أمته بي كتبت أسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السموات والأرض، إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأمته، قال: ومن أمته؟ قال: الحمادون، يحمدون صعودًا وهبوطًا وعلى كل حال. يشدون أوساطهم بل هو الأكرم، وكان الظاهر في جواب السؤال أن يقال، هو: أحمد بن عبد اللَّه الهاشمي، من ذريّة عمّك إسمعيل بن إبراهيم، مثلاً ليتميّز عند السائل عن غيره، لكنّه عدل عن ذلك إلى ما يفهم منه الجواب زيادة في تبجيله؛ كما أشار إليه بقوله: (كتبت اسمه مع اسمي في العرش،) أي: عليه (قبل أن أخلق السموات والأرض،) حين خلقت العرش فاضطرب، وهو أوّل المخلوقات بعد النور المحمديّ. روى أبو الشيخ والحاكم، وصححه، عن ابن عباس: أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمّد ومر أُقتك أن يؤمنوا به، فلولا محمّد ما خلقت عادم ولا الجنّة، ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلاّ اللَّه، محمّد رسول اللَّه فسكن، وهذا لا يقال رأيًا، فحكمه الرفع. (إن الجنّة) دار الثواب، (محرّمة:) ممنوعة (على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأَقته) حكم على الجملة، فلا ينافي أن الأنبياء تدخلها قبل هذه الأمّة؛ کما رواه ابن ماجه، والطبراني والدار قطني، عن عمر مرفوعًا: ((إن الجنّة حرمت على الأنبياء كلّهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها، أُمَتي))، (قال: ومن أُمّته؟، قال: الحمّادون) صيغة مبالغة، أي: الكثيرون الحمد، وتعريف الطرفين يفيد الحصر، فكثرة الحمد مختصّة بهم، وهو بالنظر إلى الغالب، أو المجموع، أو الموفقين منهم، أو هذا من شأنهم، وكأنّه قيل: ما سبب وصفهم بالمبالغة، فأجاب بقوله: (يحمدون) على الاستئناف البياني، جوابًا لسؤال اقتضته الأولى، ولذا ترك العاطف (صعودًا) إلى المحلّ العالي، (وهبوطًا) إلى الأسفل. وقال ابن القيّم: كان النبيّ ◌َّله وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصّلاة على ذلك، (وعلى كل حال) من قيام، وقعود، واضطجاع، وحضر، وسفر، وسرّاء، وهو سعة العيش والسرور، وضرّاء، كالأمراض والمصائب، فهم راضون عن اللَّه في كل حال. وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعًا: «المؤمن بخير على كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه، وهو يحمد الله))، ولما أحس معاذ بالموت، قال: مرحبًا بحبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، الحمد للَّه، والحمد لا يلزم كونه في مقابلة نعمة كالشكر، فلا يحتاج الحمد في الضرّاء للتوجيه بمنفعة الثواب عليها، (يشدون أوساطهم) بالأزر، كما ثبت في هذا الحديث المرفوع، ومثله نقل عن التوراة والإنجيل، وللدیلمي مرفوعًا: «انتزروا، کما رأيت الملائكة تأتزر عند ربّها ٤١٧ خصائص أمته معد له. ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار، رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، قال: اجعلني نبي تلك الأمة، قال: نبيها منها، قال: اجعلني من أمة ذلك النبي، قال: استقدمت واستأخر، ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال. إلى أنصاف سوقها))، ولذا عدّ من خصائص هذه الأُمّة، وتوقف فيه، بأنه ليس فيه أن الأُمم الماضية لم تكن تأتزر، ولا تثبت الخصوصية بالاحتمال، ويدفع بأن المتبادر من وصفهم بذلك الاختصاص، ولا يلزم النصّ على لفظ الخصوصيّة. نعم، يحتمل أن المراد بشد الأزر الاجتهاد في العبادة، بحيث يقومون لها بنشاط وفراغ قلب، نحو ما قيل في خبر: ((كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شدّ مئزره)، ويكون وجه الاختصاص إتيانهم بها على وجه أكمل من الأمم السابقة، (ويطهرون أطرافهم،) أي: يتوضّؤون، (صائمون بالنهار، رهبان) عباد (باللّيل، أقبل منهم) العمل (اليسير،) وأثيبهم عليه الثواب الكثير رحمة منه بهم. روى لملك، وأحمد، والبخاري وغيرهم عن ابن عمر مرفوعًا: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار، عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا، ثم أوتينا القرءان فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: ربّنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قبراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملاً، قال: هل ظلمتكم من أجركم شىء؟، قالوا: لا، قال: فهو فضلي أُوتيه من أشاء)). قال السيوطي: والمراد تشبيه من تقدّم بأول النهار إلى الظهر والعصر في كثرة العمل الشاقّ والتكليف، وتشبيه هذه الأمّة بما بين العصر واللّيل في قلّة ذلك وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره، إذ مدّة هذه الأُمّة أطول من مدّة أهل الإنجيل. قال إمام الحرمين: الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي لضرب الأمثال، انتهى. (وأدخلهم الجّة بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه،) يعني: وأن محمّدًا رسول اللَّه، فاكتفى بأحدهما عن الأخرى لكونهما صارا كالشىء الواحد. (قال) موسى: (اجعلني نِبِيّ تلك الأُمّة،) فإن قيل: كيف ساغ سؤال موسى عليه السّلام ذلك مع إخبار اللَّه تعالى أنّهم أمّة أحمد، قلت: (قال نبيّها منها، قال: اجعلني من أُمّة ذلك. النبيّ، قال: استقدمت) في الوجود الزماني، (واستأخر) أحمد فيه، بحيث كان خاتم النبيين، : لا يمكن أن تكون من أُمّته. (ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال) يوم القيامة في الجنّة، ٤١٨ خصائص أمته من وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى سعيا: إني باعث نبيًا أميًا، أفتح به آذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، مولده بمكة ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المنتخب . ولا يرد اجتماعه به ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السموات له مرار عديدة في أمر الصّلوات؛ لأن المراد الاجتماع المتعارف في الدنيا بلا موت. (وعن وهب بن منبه،) بضم الميم، وفتح النون، وكسر الباء، ابن كامل اليماني، أبي عبد الله الأنباري، التابعي، الثقة من رجال الصحيحين، مات سنة بضع عشرة ومائة، (قال: أوحى اللَّه تعالى إلى سعيا،) بسين مهملة وإعجامها لغة ابن أبي أمصيا نبي بشّر بعيسى؛ كما في القاموس: (إني باعث) إلى جميع العالمين (نبيًّا أُميًّا:) لا يقرأ ولا يكتب (أفتح به آذانًا صمًّا،) بضم الصاد، وشد الميم جمع صمّاء كعمى وعمياء، لا تسمع، وفتحها إزالته مجاز، استعير الصمم لعدم الإذعان للحقّ والانتفاع به؛ لأنها لما لم تسمع السمع المعتدّ به، نزل منزلة الصمم، فلما أرشدهم عَّ للحق، وكشف عنهم الحجب المظلمة، وانقادوا مذهنين، كانوا كمن زال صممه، (وقلوبًا:) جمع قلب العضو المعروف: ويراد به العقل، وبه فتر، وهو الظاهر؛ لقوله: (غلفًا،) بضمّ المعجمة، وسكون اللام: جمع اغلف، أي: مغطاة في أكتّة، ومعناه: أن قلوبهم كانت محجوبة عن الهداية، فأزال اللَّه تعالى بالنبي عَّ حجابها، وكشف غطاءها حتى اهتدت، (وأعينا:) جمع قلّة لعين، عدل عن عيونًا جمع كثرة، وإن كان أنسب هنا؛ لأن جمع القلة قد يكون للكثرة، كعكسه، أو لعدّه قليلاً بالنسبة لقدرة اللَّه، أو لأنها كانت قليلة في الابتداء (عميًّا:) جمع عمياء، وهو عدم البصر عمّا هو من شأنه استعير لعدم انتفاعهم بها فهي كالمفقودة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم﴾ الآية؛ لأنه فيمن طبع على قلبه، وهذا في غيره: (مولده) يكون (بمكّة، ومهاجره،) أي: هجرته، أي مكان هجرته (طيبة) المدينة المنوّرة، (وملكه،) أي ظهوره (بالشام،) لاشتماله على الأمراء الذين يتصرّفون في الدنيا تصرّف الملوك بخلاف الحجاز، وإن كان مبدؤه فيهم، لكنهم لم يكونوا كالملوك، بل كانوا حريصين على اتّباع خلافة النبوّة، وقد قال عَّهِ: ((الخلافة بالمدينة، والملك بالشّام)) رواه البيهقي، أي: خلافة النبوّة التي ذكرها بقوله الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تكون ملكًا عضودًا (عبدي المتوكّل،) الذي يكل أمره إلى اللّه، فإذا أمره بشىء نهض بلا جزع (المصطفى،) أي: المختار من أشهر أسمائه، وفي أحاديث: إن اللَّه اصطفاه، (المرفوع) الدرجات على جميع الخلائق، (الحبيب) فعيل من المحبّة بمعنى مفعول؛ لأنه محبوب اللَّه، أو بمعنى فاعل، لأنه محب له تعالى، (المنتخب،) بالخاء المعجمة، أو بالجيم، كلاهما بمعنى المختار، وهما من أسمائه عليه السلام. ٤١٩ خصائص أمته مع اليه المختار، لا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيمًا بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ولليتيم في حجر الأرملة، ليس بلفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش وفي نسخة: المتحبّب، بكسر الباء اسم فاعل من تحبّب إليه تودّد، وأظنّها تصحيفًا، ولم يذكره المصنّف في الأسماء، (المختار) اسم مفعول من الاختيار، وهو الاصطفاء؛ كما في الصحاح، وهما أيضًا معدودان في أسمائه؛ كما مرّ. (لا يجزى،) بفتح أوّله (بالسيئة،) لأن خلقه القرءان، وفيه جزاء سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله، وقال فاصفح عنهم، ولذا قال: (ولكن يعفو،) فلا يسيء لمن أساء عليه، (ويصفح:) يعرض عنه إغضاءً وتكرّمًا، فلا يقول: لم فعلت كذا يا فلان، بل يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا، (ويغفر) يستر ويدفع بالتي هي أحسن وذكر الغفر بعد العفو تأكيد إن كانا بمعنى أو يعفو تارة ويستر أخرى، واستدرك، لأنه لا يلزم من عدم جزائها بمثلها الغفر، لجواز أن يكله إلى اللّه ويؤخره للآخرة، (رحيمًا بالمؤمنين،) كما في الكتاب المبين: (بيكي للبهيمة المثقلة،) لشدّة شفقته على خلق الله، (وبيكي لليتيم في حجر الأرملة،) ويقوم به، (ليس بلفظٍ) سيء الخلق جاف، (ولا غليظ:) قاسي القلب، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من اللَّه لنت لهم، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ الآية، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ الآية، لأن النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة للمؤمنين، والأمر بالنسبة للكفّار والمنافقين، كما هو مصرّح به في نفس الآية، (ولا صخاب)، بصاد وسين روايتان، وهما لغتان، والصاد أشهر وأفصح، والسين لغة أثبتها الفراء وغيره، وضعفها الخليل، وخاء معجمة ثقيلة، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم (في الأسواق،) بل يلين جانبه، ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الموصوفين بصفة مذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدح وذم لما يتبايعونه وأيمان حانثة، ولذا ورد أنها شر البقاع لما يغلب على أهلها من الأحوال المذمومة. (ولا متزين،) روي بزاي منقوطة وتحتية ونون، وروي بدال مهملة من الدين، وروي متزي، بزاي بلا نون من الزي، وهو اللباس والهيئة، أي: لا يتلبّس (بالفحش،) أو يتجمّل أو يباهي وهو القبح، والقول السيىء، ولا يرد إيهام ظاهره؛ أنه قد يأتي به غيره متزين به؛ لأنه لا مفهوم له، لجريه على عادة أرباب الفحش في المباهاة به. وقيل: التزيّن بمعنى الاتّصاف على التجريد، أو المراد؛ أنه لا يرى الفحش زينة وهذا من علاماته عَُّلِّ؛ لأنه نشأ بين قوم يتزيّنون بالفواحش، كالقتل والطواف عراة، فأتى بخلافهم. ٤٢٠ خصائص أمته من ولا قوال للخنا، ولو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا ونذيرًا .. إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وتوحيدًا لي وايمانا بي، وإخلاصًا لي، وتصديقًا لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس والقمر، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحید، (ولا قوّال) صيغة مبالغة، أي: كثير القول (للخناء) بخاء معجمة، ونون، مقصور قبيح الكلام، وهذا مع ما قبله يفيد أنه لا يصدر عنه شىء منه لا قليل ولا كثير؛ لأن الفحش بمعناه أو فعال هنا للنسبة كتمًا ونبال، أي: ليس بذي قول للخنا، (ولو يمرّ إلى جنب السّراج:) المصباح، والجمع سرج، ككتاب وكتب، (لم يطفئه،) بفتح أوّله (من سكينته،) بفتح السين، وكسر الكاف مخفّفة. وحكى عياض في المشارق: كسر السين وشدّ القاف، وبها قرىء شاذًّا فعيلة من السكون، أي: وقاره وطمأنينته، (ولو يمشي على القصب:) كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبًا، قاله في مختصر العين الواحدة قصبة (الرعراع،) أي: الطويل؛ كما في القاموس: (لم يسمع من تحت قدميه،) لأَن مشيه بتؤدّة، وهو نبي، (أبعثه مبشّرًا) من صدقه بالجنّة، (ونذيرًا) منذرًا من كذبه بالنار، وهذا كلّه من صفاته عليه الصّلاة والسّلام (إلى أن قال: وأجعل أُمّته خير أُمّة أُخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر) تمييز، أي: من جهة الأمر والنهي، أو حال بمعنى آمرين وناهين، (وتوحيدًا لي وإيمانًا بي؛) كما قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كل آمن باللّهِ﴾ الآية، (وإخلاصًا لي وتصديقًا لما جاءت به رسلي،) والمنصوبات تمييزًا وأحوال، كما علم، (وهم رعاة الشمس والقمر) للعبادة والذكر، قال عَّةٍ: ((إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلّة لذكر الله تعالى))، رواه الحاكم والطبراني، أي: يرصدون دخول الأوقات بها لأجل ذكر اللَّه من الأذان للصّلاة، ثم إقامتها، ولإيقاع الأوراد في أوقاتها المحبوبة. وأخرج الطبراني والخطيب مرفوعًا: لو أقسمت لبررت أن أحبّ عباد اللَّه إلى اللَّه لرعاة الشمس والقمر، وإنهم ليعرفون يوم القيامة يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه)، وقال في عدّهم: ((ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصّلاة). (طوبى:) فرح وقرّة عين، وشجرة في الجنّة (لتلك القلوب) بإخلاصها في الإيمان والعبادة، (والوجوه والأرواح التي أخلصت لي،) صفة، قامت مقام التعليل، (ألهمهم التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتوحيد،) وثواب ذلك لا يعلمه إلاّ اللَّه، وفي الحديث: ((أفضل الذكر: