Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
و کذلك الأنبياء، رواه أبو داود وابن ماجه.
ومنها: أنه لا يورث، فقيل لبقائه على ملكه، وقيل لمصيره صدقة، وبه قطع
الروياني، ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفًا على ورثته؟ وأنه إذا صار وقفًا
هل هو الواقف؟ وجهان.
قال النووي في زيادات الروضة: الصواب الجزم بزوال ملكه وأن ما تركه
صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة، انتهى.
وقال في الشرح الصغير: المشهور أنه صدقة.
الدنيا، فلا يقال هذه الخصوصيّة شارك الأنبياء فيها الشهداء وغيرهم، (وكذلك الأنبياء)
ولا خلاف في طهارة ميتتهم وفي غيرهم خلاف، ولا يجوز للمضطر أكل ميتة نبي، (رواه أبو
داود وابن ماجة) عن أوس، رفعه: ((إنّ اللّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).
وروى الزبير بن بكار من مرسل الحسن: ((من كلمة روح القدس لم تأكل الأرض لحمه)).
وروى البيهقي عن أبي العالية: ((إنّ لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السبع)).
قال الشيخ أبو الحسن الملكي في شرح الترغيب: وحكمة عدم أكل الأرض أجساد
الأنبياء، ومن ألحق بهم، أن التراب يمر على الجسد فيطهره والأنبياء لا ذنب لهم، فلم يحتج إلى
تطهيرهم بالتراب.
(ومنها أنّه لا يورث، فقيل لبقائه على ملكه) لأنّه حي (وقيل: لمصيره صدقة، وبه
قطع) جزم (الروياني،) وهو المعتمد لقوله عَهُ: ((لا يورث ما تركنا صدقة))، الرواية برفع صدقة،
ونصبها الشيعة، وردّ بأنّه يبطل معنى الحديث؛ إذ كل من ترك ما لا حالة كونه صدقة كذلك،
وبأنّ عليًّا والعبّاس من أهل اللسان، وقد احتج الصدّيق عليهم بالحديث، فقبلوه، (ثم حكى
وجهين في أنّه هل يصير وقفًا على ورثته؟) لو كان يورث (وأنّه إذا صار وقفًا هل هو الواقف)
أو صار وقفًا من غير إنشاء صيغة؟ (وجهان، قال النووي في زيادات الروضة: الصواب الجزم
بزوال ملكه، وأن ما تركه صدقة على المسلمين لا يختص به الورثة، انتهى).
وقال الحافظ: يظهر أن ما تركه بعده من جنس الأوقاف المطلقة، ينتفع بها من يحتاج
إليها، وتقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان له عند سهل بن قدح، وعند أنس آخر، وعند
عبد اللَّه بن سلام آخر، وكان الناس يشربون منها تبركًا، وكانت جبته عند أسماء بنت أبي بكر
إلى غير ذلك مما هو معروف.
(وقال) الرافعي (في الشرح الصغير) على وجيز الغزالي: (المشهور أنّه صدقة،

٣٦٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وذكر الرافعي في قسم الفيء أن الخمس كان له عٍَّ ينفق منه على نفسه
ومصالحه، ولم يكن يملكه ولا ينتقل إلى ورثته.
وقال في باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما: بأن لجهة الإنفاق
مادتين: مملوكة وغير مملوكة، والخلاف جار في إحداهما، انتهى. والله أعلم.
وعلى هذا، فيباح له أن يوصي بجميع ماله للفقراء، ويمضي ذلك بعد موته
بخلاف غيره فإنه لا يمضي مما أوصى به إلا الثلث بعد موته.
وكذلك الأنبياء لا يورثون، لما رواه النسائي من حديث الزبير مرفوعًا: ((إنا
معاشر الأنبياء لا نورث»
وذكر الرافعي) في الشرح الكبير على الوجيز (في قسم الفيء أن الخمس كان له عَّه، ينفق
منه على نفسه ومصالحه، ولم يكن يملكه، ولا ينتقل إلى ورثته) لو كان يورث، (وقال في
باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما بأن لجهة الإنفاق مادتين مملوكة وغير مملوكة،
والخلاف جار في إحداهما، انتهى والله أعلم).
(وعلى هذا، فيباح له أن يوصي بجميع ماله للفقراء، ويمضي) أي: ينفذ (ذلك بعد
موته، بخلاف غيره، فإنّه لا يمضي مما أوصى به إلاّ الثلث بعد موته،) فالوصيّة بجميع المال في
سائر الأحوال من غير حرمة، ولا كراهة من خصائص الأنبياء، لأنهم لا يورثون (وكذلك الإنبياء
لا يورثون) لأنهم لو ورثوا لظن أن لهم رغبة في الدنيا لوارثهم، أو لأنهم أحياء، أو لئلا يتمنّى
ورثتهم، موتهم فيهلكون، (لما رواه النسائي من حديث الزبير) بن العوام (مرفوعًا: ((إنا معاشر
الأنبياء) نصب على الإختصاص أو المدح، والمعشر كل جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر،
والجن معشر، والأنبياء معشر، وهو معنى قول جمع المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف
(لا نورث))) وهذا بمعنى ما اشتهر مما لم يثبت لفظه: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)).
( وقال الحافظ في تخريج المختصر): والحاصل أنّه لم يوجد بلفظ نحن، ووجد
بلفظ: إنا، ومفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى، وهو في الصحيحين عن أبي بكر
رضي اللَّه عنه سمعت النبي عَّ يقول: ((لا نورث ما تركنا صدقة)، بحذف إنا، وكذا في السنن
الثلاث، انتهى، وصدقة، بالرفع خبر المبتدأ الذي هو ما تركنا، والكلام جملتان الأولى فعليّة،
والثانية إسميّة.
قال الحافظ: ويؤيده وروده في بعض طرق الصحيح: ((ما تركنا فهو صدقة))، وادّعى بعض
الرافضة أن الصواب قراءته بتحتيّة أوله، ونصب صدقة على الحال، والذي توارد عليه أهل
الحديث في القديم والحديث بالنون، ورفع صدقة، انتهى.

٣٦٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: ﴿وورث سليمن داود﴾ [النمل/١٦]
وقوله: ﴿فهب لي من لدنك وليًّا يرثني﴾ [مريم/٦] بأن المراد يرث النبوّة
والعلم.
وفي شرح المصنّف وحرفه الأماميّة فقالوا: لا يورث بتحتيّة بدل النون، وصدقة نصب
على الحال، وما تركنا مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، ويكون المعنى: إن
ما يترك صدقة لا يورث، وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الإختصاص الذي دلّ عليه قوله في
بعض طرق الحديث: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، ويقضي ما صرفوه إلى أمر لا يختص به
الأنبياء لأن آحاد الأمّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة، انقطع حق الورثة عنها، فهذا من
تحاملهم، أو تجاهلهم، وقد أورده بعض أكابر الاماميّة على القاضي شاذان، صاحب القاضي أبي
الطيب، فقال القاضي شاذان وكان ضعيف العربيّة، قويًّا في علم الخلاف: لا أعرف نصب صدقة
من رفعه، ولا احتياج إلى علمه، فإنّه لا خفاء بي وبك إن عليًّا وفاطمة من أفصح العرب، لا تبلغ
أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كان لهما حجّة فيما لحظت لأبدياها لأبي بكر، فسكت
ولم يجر جوابًا، وذهب النحاس إلى صحّة نصب صدقة على الحال، وأنكره عياض لتأييده
مذهب الاماميّة، لكن قدره ابن لملك ما تركناه متروك صدقة فحذف الخبر، وبقي الحال
كالعوض منه، ونظير قراءة بعضهم: ونحن عصبة بالنصب انتهى، لكن في التوجيه نظر إذ لم تأت
رواية بالنصب حتى توجّه، ولأنّه لم يتعيّ حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإماميّة، ولذا أنكره
عيّاض وإن صحّ في نفسه، (وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى ﴿وورث سليمان داود﴾
الآية، وقوله ﴿فهب لي﴾ الآية، ويقع في نسخة: ﴿رب هبّ لي﴾، وهو تصحيف مخالف
للتلاوة ﴿من لدنك وليًّا يرثني﴾ الآية، (بأنّ المراد يرث النبوّة والعلم،) خلافًا لمن زعم أن
خوف زكريا من مواليه كان على ماله، لأنّه لا يخاف على النبوّة، لأنها من فضل اللَّه، يعطيها من
شاء، فلزم أنّه يورث، وهذا مدفوع بأن خوفه منهم لاحتمال شرتهم من جهة تغييرهم أحكام
شرعه، فطلب ولدًا يرث نبوّته ليحفظها.
(ومنها: أنه حي في قبره،) قال البيهقي: لأن الأنبياء بعدما قبضوا ردّت إليهم أرواحهم،
فهم أحياء عند ربّهم كالشهداء، وقد رأى نبيّنا عَّه جماعة منهم وأمّهم في الصّلاة، وأخبر وخبره
صدق إن صلاتنا معروضة عليه، وإن سلامنا يبلغه، وإن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد
الأنبياء.
قال السيوطي: وكلّ نبيّ إلاّ وقد جمع مع النبوّة وصف الشهادة، فيدخلون في عموم قوله
تعالى: ﴿ولا تحسبنّ الّذِين قتلوا﴾ الآية. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم،

٣٦٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَِّ من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه حي في قبره ويصلي فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا
قيل: لا عدة على أزواجه.
وقد حكى ابن زبالة، وابن النجار أن الأذان ترك في أيام الحرة ثلاثة أيام
وخرج الناس، وسعيد بن المسيب في المسجد، قال سعيد: فاستوحشت فدنوت
من القبر فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر فصليت الظهر،
والبيهقي عن ابن مسعود، قال: لأن أحلف تسعًا أن رسول اللَّه عَ لَه قتل، أحبّ إليّ من أن أحلف
واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن اللَّه اتّخذه نبيًّا واتّخذه شهيدًا.
وأخرج البخاري والبيهقي، عن عائشة: كان عَّه يقول في مرضه الذي توفّي فيه: ((لم أُزّل
أجد ألم الطعام حين أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطع أبهري من ذلك السمّ))، (يصلّي فيه بأذان
وإقامة) من ملك موكل بذلك، إكرامًا له على ما يظهر، ويحتمل غير ذلك، (وكذلك الأنبياء)
أحياء في قبورهم يصلّون، روى أبو يعلى والبيهقي، عن أنس: أن النبيّ عَ ليه، قال: مررت على
موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلّي في قبره))، (ولهذا قيل: لا عدّة على
أزواجه) لأنه حيّ، فزوجيتهن باقية غايته، أنه انتقل من دار إلى دار وحياته باقية، وذلك مقتضى لبقاء
العصمة، وكان قائل هذا رأى أن روحه لما ردّت بعد موته إليه، كأنه لم يمت، لا أنه لم يمت حقيقة
بل هو أمر كهيئة الإغماء، نظنّ به موته، إذ لا قائل بذلك، ومثله يقال في بقيّة الأنبياء.
(وقد حكى) محمّد بن الحسن (بن زبالة) بفتح الزاي وتخفيف الموحدة، المخزومي،
أبو الحسن المدني، كذبوه ومات قبل المائتين، (وابن النجار أن الأذان ترك في أيّام) وقعة
(الحرّة،) بفتح الحاء المهملة، والراء الشديدة: أرض بظاهر المدينة ذات حجارة سود، كأنها
أحرقت بالنار، كانت بها الوقعة بين أهل المدينة وبين عسكر يزيد بن معوية سنة ثلاث وستين،
بسبب خلع أهل المدينة يزيد، وولّوا على قريش عبد الله بن مطيع وعلى الأنصار عبد الله بن
حنظلة وأخرجوا عامل يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد من بين أظهرهم وكان
عسكر يزيد سبعة وعشرين ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل، قتل فيها خلق كثير من الصحابة
وغيرهم، ونهبت المدينة وافتضّ فيها ألف عذراء.
وفي البخاري عن سعيد بن المسيّب: إن هذه الفتنة لم تبقٍ من أصحاب الحديبية أحدًا
(ثلاثة أيّام، وخرج الناس) من المسجد، (وسعيد بن المسيّب في المسجد) لم يخرج، (قال
سعيد: فاستوحشت،) أي: حصلت لي وحشة، أي نفرة في نفسي لخلو المسجد ممن يستأنس
به، (فدنوت من القبر الشريف لتزول الوحشة، (فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر،
فصّيت الظهر) بذلك اكتفاء به لعلمه أنه حقّ، لكن مقتضى: فلما حضرت الظهر أنه علم

٣٦٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال،
ورجع الناس وعاد المؤذنون فسمعت أذانهم كما سمعت الأذان في قبر النبي عليه،
انتھی.
وقد ثبت أن الأنبياء يحجون ويلبون.
فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات في الدار الآخرة
وليست دار عمل؟
فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم
یرزقون،
دخول الوقت قبل سماع الأذان، لكن روى الدارمي: أخبرنا مروان بن محمّد، عن سعيد بن
عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرّة لم يؤذن في مسجد النبيّ عَّله ثلاثًا ولم يقم، وأن سعيد بن
المسيّب لم يبرح مقيمًا، كان لا يعرف وقت الصّلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبيّ عَله، (ثم
مضى) استمرّ (ذلك الأذان والإقامة في القبر لكلّ صلاة،) يحتمل من ملك عنده بقبره تعظيمًا
له على الظاهر، ويحتمل غير ذلك (حتى مضت الثلاث ليال، ورجع الناس، وعاد المؤذنون،
فسمعت أذانهم، كما سمعت الأذان في قبر النبي عَّل، انتهى.
وأشار بذلك إلى أن ما سمعه في القبر هو الأذان المعروف، لا الإعلام بدخول وقت
الصّلاة بألفاظ أُخر، أو نبّه بذلك على سماعه بعد عود الناس أذان المؤذنين دون القبر، وإن كان
باقيًا، لأن سماعه تلك المدّة كرامة له، وتأنس لاستيحاشه بانفراده في المسجد، وتجويز أنه
انقطع الأذان في القبر بعد عود الناس لا يسمع، وكلامهم يأباه.
روى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب، قال: لقد رأيتني ليالي الحرّة، وما في مسجد
رسول اللَّه عَ لّم غيري، وما يأتي وقت صلاة إلاّ سمعت الأذان من القبر.
وروى الزبير بن بكّار، عنه: لم أزّل أسمع الأذان والإقامة في قبر رسول اللّه أيام الحرّة
حتی عاد الناس.
وأخرج ابن سعد، عنه: أنه كان يلازم المسجد أيام الحرّة والناس يقتتلون، قال: فكنت إذا
حانت الصّلاة أسمع أذانًا من القبر الشريف، (وقد ثبت أن الأنبياء يحجّون ويلبّون،) فيجب
اعتقاده لنبوّته، (فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات في الدّار الآخرة،
وليست دار عمل) بل دار جزاء ونعيم للمؤمنين، (فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم،
والشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون) كما في التنزيل، وقال عَّه: ((الشهداء على بارق نهر بباب

٣٦٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لّه من الفضائل والكرامات
فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا، أو نقول: إن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا لأنه
قبل يوم القيامة في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع في الآخرة
إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال في الآخرة من غير تكليف على سبيل
التلذذ بها، ولهذا ورد أنهم يسبحون ويقرؤون القرءان، ومن هذا سجود النبي عد له.
وقت الشفاعة.
وقد قال صاحب ((التلخيص)): إن ماله عليه السلام قائم على نفقته وملكه،
وعدہ من خصائصه.
ونقل إمام الحرمين عنه أنه ما خلفه بقي على ما كان عليه في حياته، فكان
ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملك النبي عَّهِ. فإن
الأنبياء أحياء،
الجنّة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيّة))، رواه أحمد، (فلا يبعد أن يحجوا)
ويلبوا (ويصلوا) وهذا لا يدفع السؤال: كيف تقع أعمال الدنيا في الآخرة، وليست دار عمل،
وكما يرد هذا في الأنبياء يرد أيضًا في الشهداء، والأحسن الجواب بأنه ورد عن الشارع، وهو
ممكن، فيجب قبوله، ولا يبحث فيه بشيء، وكون الآخرة ليست دار عمل، أي: مكلّف به،
وأعمالهم إنما هي لمجرد التلذذ وتيسيره لهم، فهو من جملة النعيم، (أو نقول) في الجواب: (أن
البرزخ ينسحب) ينحر (عليه حكم الدنيا لأنه قبل يوم القيامة) وكل ما قبله يعدّ من الدنيا
(في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف وقد
تحصل الأعمال في الآخرة من غير تكليف على سبيل التلذذ بها،) فهو من النعيم، وكان
هذا تتمّة الجواب الأوّل، (ولهذا) أي: حصول الأعمال في الآخرة تلذذًا، (ورد أنهم) أي أهل
الآخرة (يسبحون ويقرؤون القرءان) في الجنّة، كما في مسلم مرفوعًا: (إن أهل الجنّة يلهمون
التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس))، (ومن هذا سجود النبيّ عٍَّ وقت الشفاعة) ثلاث
مرّات.
(وقد قال صاحب التلخيص) ابن القاص: (أن ماله عليه السّلام قائم) أي: باق (على
نفقته وملكه) فيصرف منه على أزواجه ومن كان في نفقته في حياته (وعدّه من خصائصه، ونقل
إمام الحرمين) وصححه (عنه أنه ما خلفه بقي على ما كان عليه في حياته، فكان ينفق منه
أبو بكر على أهله) أي: زوجاته (وخدمه) ويصرف منه ما كان يصرف في حياته، (وكان يرى)
يعتقد (أنه باقٍ على ملك النبيّ عَّه، فإن الأنبياء أحياء،) ومال السبكي إليه لهذا التعليل،

٣٦٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وهذا يقتضي إثبات الحياة في أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد.
والذي صرح به النووي: زوال ملكه عليه السلام وأن ما تركه صدقة على
جميع المسلمين لا يختص به ورثته.
فإن قلت: القرءان ناطق بموته عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿إنك ميت
وإنهم ميتون﴾ [الزمر/٣٠]، وقال عليه السلام: إني امرؤ مقبوض، وقال الصديق:
فإن محمدًا قد مات، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك.
فأجاب الشيخ تقي الدين السبكي، بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه مَّه
أحيي بعد الموت، ويكون انتقال الملك ونحوه مشروطًا بالموت المستمر، وإلا
فالحياة الثانية
(وهذا يقتضي إثبات الحياة في أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد؛) لأنها وإن
كانت واقعة، لكن يزول ملكه معها، وتعتد نساؤه ويورث ماله فلا ينفق شىء منه على زوجاته
وخدمه اتفاقًا في ذلك كلّه بخلاف الأنبياء، ففيه خلاف.
(والذي صرّح به النووي) وقال إنه الصواب، كما مرّ قريبًا (زوال ملكه عليه السّلام)
بالموت» (وأن ما تركه صدقة على جميع المسلمين، لا يختصّ به ورثته) وإنما أنفق منه على
زوجاته لوجوب نفقتهن في تركته مدة حياتهن، لأنهنّ في معنى المعتدّات لحرمة النكاح عليهنّ
أبدًا، وليس ذلك لإرثهنّ منه، ولذلك اختصصن بمساكنهنّ مدّة حياتهنّ، ولم يرثها ورثتهن بعدهن
(فإن قلت:) كيف يكون حيًّا، ويختلف في زوال ملكه عن ماله وفي عدّة زوجاته، وهذا
(القرءان ناطق بموته عليه السّلام).
(قال اللَّه تعالى) خطابًا له عَِّ: (﴿إِنك ميّت وإنهم ميتون﴾) أي: ستموت ويموتون، فلا
شماتة بالموت، نزلت لما استبطأ الكفار موته عليه السّلام، (وقال عليه السلام: إني امرؤ
مقبوض، وقال الصدّيق) ومن كان يعبد محمّدًا، (فإن محمّدًا قد مات، وأجمع المسلمون
على إطلاق ذلك) ورجع عمر عن قوله أنه ما مات، ولن يموت حتى يفني اللَّه المنافقين، فقام
لما بويع أبو بكر، واستوى على منبره عليه السّلام، وتشهد، ثم قال: أمّا بعد، فإني قلت لكم
مقالتي بالأمس، ولم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدتها في كتاب اللَّه، ولا في عهد عهد
إلى رسول اللَّه عَّه، ولكني كنت أرجو أن يعيش حتى يكون آخرنا موتًا، فاختار اللَّه له ما عنده،
(فأجاب) أي: فأقول أجاب، لأن هذا ليس من المواضع التي تدخل عليها الفاء (الشيخ
تقي الدين السبكي بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه عَّ أحيى بعد الموت، ويكون انتقال
الملك ونحوه،) كاعتداد الزوجات (مشروطًا بالموت المستمر، وإلاّ فالحياة الثانية حياة

٣٦٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
حياة أخروية، ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء، وهي ثابتة للروح بلا
إشكال، وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الروح إلى الجسد ثابت في
الصحيح لسائر الموتى فضلاً عن الشهداء، فضلاً عن الأنبياء، وإنما النظر في
استمرارها في البدن، وفي أن البدن يصير حيًا كحالته في الدنيا، أو حيًا بدونها،
وهي حيث شاء الله تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادي لا عقلي، فهذا مما
يجوّزه العقل، فإن صح به سمعٌ اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء.
ويشهد له صلاة موسى في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسدًا حيًا، وكذلك
الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء، كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من
كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى
الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام
أُخروية ولا شكّ أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء) لفضل الأنبياء عليهم، (وهي ثابتة للروح
بلا إشكال) أي: بلا خلاف عند أهل السنّة، إذ لا تموت بموت الأجساد في جميع الناس، ففي
فنائها عند القيامة توفيه بظاهر قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ الآية، وعدمه قولان استقرب
السبكي الثاني.
(وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الرّوح إلى الجسد ثابت في الصحيح
لسائر الموتى فضلاً) أي: نهاية (عن الشهداء، فضلاً عن الأنبياء، وإنما النظر في استمرارها
في البدن، وفي أن البدن يصير حيًّا كحالته في الدنيا، أو حيًّا بدونها، وهي حيث شاء الله
تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادي) أجرى اللَّه به العادة، فيجوز تخلّفه (لا عقلي)
فيمتنع بخلفه (فهذا) أي: الحياة بلا روح (مما يجوّزه العقل، فإن صح به سمع اتّبع، وقد
ذكره جماعة من العلماء، ويشهد له صلاة موسى في قبره،) كما ثبت في الصحيح.
واختلف فيها، فقيل: الصّلاة اللغوية، أي: يدعو اللَّه ويذكره ويثني عليه وقيل: الشرعية،
ولا مانع من ذلك، لأنه إلى الآن في الدنيا، وهي دار تعبّد، وعلى هذا جرى القرطبي، فقال:
الحديث يدلّ بظاهره على أنه رآه رؤية حقيقيّة في اليقظة، وأنه حيّ في قبره، يصلّي الصّلاة التي
كان يصلّيها في الحياة، وذلك ممكن، (فإن الصّلاة تستدعي جسدًا حيًّا،) سواء قلنا أنها
الشرعية أو اللغوية، (وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء، كلّها صفات
الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقيّة أن تكون الأبدان معها، كما كانت في الدنيا من
الاحتياج إلى الطعام والشراب، وغير ذلك من صفات الأجسام) لأن ذلك عادي لا عقلي،

٣٦٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَادٍ من الفضائل والكرامات
التي نشاهدها بل يكون لها حكم آخر، فليس في العقل ما يمنع إثبات الحياة
الحقيقية لهم.
وأما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم بل ولسائر
الموتى، حكاه الشيخ زين الدين المراعي، وقال: إنه مما يعز وجوده وفي مثله
يتنافس المتنافسون.
وهذه الملائكة أحياء، ولا يحتاجون إلى ذلك، وقيّد بقوله: (التي نشاهدها) حتى لا يرد عليهم
أنهم يأكلون ويشربون مما لا نشاهده.
وفي الفتاوى الرمليّة: الأنبياء والشهداء والعلماء لا يبلون، والأنبياء والشهداء يأكلون في
قبورهم، ويشربون، ويصلون، ويصومون ويحجّون، واختلف هل ينكحون نساءهم، أم لا؟، ويثابون
على صلاتهم وحجّهم، ولا كلفة عليهم في ذلك، بل يتلذّذون، وليس هو من قبيل التكليف؛
لأن التكليف انقطع بالموت، بل من قبيل الكرامة لهم ورفع درجاتهم بذلك، (بل يكون لها
حكم آخر، فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم).
(وأمّا الإدراكات كالعلم والسماع، فلا شكّ أن ذلك ثابت لهم، بل ولسائر الموتى،)
كما ورد ذلك في الأحاديث.
قال عَ ليهِ: ((ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عليه إلاّ استأنس ورد عليه حتى يقوم))،
رواه ابن أبي الدنيا، وقال عَّ له: (ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن، كان يعرفه في الدنيا فيسلّم
عليه، إلاّ عرفه وردّ عليه السّلام)، رواه ابن عبد البرّ، وصححه أبو محمّد عبد الحقّ، وقال عَّه.
((إن الميت يعرف من يغسله ويحمله ويدليه في قبره))، رواه أحمد وغيره.
(حكاه الشيخ زين الدين المراعي) بفتح الميم، ومعجمة آخره المحدث، العالم التحرير،
(وقال: إنه مما يعزّ وجوده، وفي مثله يتنافس المتنافسون،) يرغبون بالمبادرة إليه لنفاسته، وفي
نبأ الأذكياء حياة النبيّ عَِّ في قبره هو وسائر الأنبياء، معلومة عندنا علمًا قطعيًّا لما قام عندنا
من الأدلّة في ذلك، وتواترت به الأخبار، وألّف البيهقي في ذلك جزأ، وفي تذكرة القرطبي عن
شيخه: الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدلّ على ذلك؛ أن
الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربّهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في
الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء، فالأنبياء أحق بذلك وأولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل
أجسادهم؛ وأنه عَّهِ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، ورأى موسى
قائمًا يصلّي في قبره، وأخبره عَّه بأنه يردّ السّلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما
يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيّبوا عنّا بحيث لا ندركهم وإن

٣٧٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عبة من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه وكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه.
كانوا موجودين أحياء، ولا يراهم أحد من نوعنا إلاّ من خصّه اللَّه تعالى بكرامة من أوليائه، انتهى،
ولا تدافع بين رؤيته موسى يصلّي في قبره، وبين رؤيته في السماء لأن للأنبياء مراتع ومسارح
يتعرّفون فيما شاؤوا، ثم يرجعون، أو لأن أرواحهم بعد فراق الأبدان في الرفيق الأعلى، ولها
إشراق على البدن وتعلّق به، فيتمكّنون من التعرّف والتقرّب، بحيث يرد السّلام على المسلم،
وبهذا التعلق رآه يصلّي في قبره، ورآه في السماء، ورأى الأنبياء في بيت المقدس وفي السماء
كما أن نبيّنا بالرفيق الأعلى، وبدنه في قبره يرد السّلام على من يسلّم عليه، ولم يفهم هذا من
قال: رؤيته يصلي في قبره منامية، أو تمثيل، أو إخبار عن وحي، لا رؤية عين، فكلها تكليفات
بعيدة.
وأخرج البيهقي في كتاب حياة الأنبياء والحاكم في تاريخه، عن أنس: أن النبيّ عَّه.
قال: إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله تعالى حتى
ينفخ في الصور.
قال الحافظ في سنده: محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيىء الحفظ، قال: وأمّا
ما أوردهم الغزالي والرافعي، بلفظ: (أنا أكرم على ربّي أن يتركني في قبري بعد ثلاث))، فلا أصل
له إلاّ أن أخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيّد إذ تلك قابلة للتأويل، قال
البيهقي: إن صح، فالمراد أنهم لا يتركون يصلّون، إلا هذا المقدار، ويكونون مصلين بين يديّ
الله.
(ومنها: أنه وكل بقبره ملك) قائم على قبره إلى يوم القيامة، (يبلغه صلاة المصلّين
عليه،) بلفظ محمّدًا وأحمدًا وغيرهما من أسمائه، كالعاقب والماحي، ولام المصلّين للاستغراق،
فهي للعموم، وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال ككون المصلّي جنبًا، أو متعاطيًا لمحرم،
أو في مكان لا يذكر اللَّه فيه كالأخلية، ولا مانع من ذلك لجواز أن النهي لأمر خارج، وهو
لا ينافي التبليغ الذي يترتّب عليه الثواب، ويبلغها له عقب التلفّظ بها، كما روى الديلمي عن
أبي بكر، رفعه: ((أكثروا الصّلاة عليّ، فإن اللَّه وكل بي ملكًا عند قبري، فإذا صلّى عليّ رجل من
أمّتي قال لي ذلك الملك: يا محمّد إن فلان بن فلان يصلّي عليك السّاعة))، وبه سقط توهم أنه
لا حاجة إلى ذلك لأن أعمال أُمّته كلّها تعرض عليه، والصّلاة من جملتها لأنها تعرض ساعة
التلفّظ بها، وهو غير وقت عرض الأعمال، ولذا جعلوا من أدلّة حياته على الدوام، وأن روحه
لا تفارقه أبدًا، قوله عَّ: ((ما من أحد يسلم عليّ إلّ ردّ اللَّه علي روحي حتى أرد عليه السّلام)،
رواه أبو داود بهذا اللفظ لاستحالة خلوّ الوجود كلّه من أحد يسلم عليه عادة، ويأتي إن شاء اللَّه

٣٧١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه بلفظ ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض
يبلغوني عن أمتي أمة السلام)) وعند الأصفهاني عن عمارة، ((إن الله ملكًا أعطاه
الإجابة سمع العباد کلهم،
تعالى بسط هذا الحديث في المقصد العاشر، (رواه أحمد والنسائي) في الصّلاة (والحاكم،
وصححه) في التفسير، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن مسعود، (بلفظ)
قال: قال رسول اللّه عَّطله: ((إن لله ملائكة:) جمع ملك نكره على معنى بعض صفته (سيّاحين،)
بسين مهملة من السياحة، وهي السّير، يقال: ساح في الأرض، يسيح سياحة إذا ذهب فيها،
وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط (في الأرضٍ) في مصالح بني ادم، وفي رواية:
بدله في الهواء، (يبلّغوني عن،) وفي رواية: ( من أُمّتي) أَمّة الإجابة))، ( السّلام) ممن يسلّم
عليّ منهن، وإن بعد قطرهٍ وتناءت داره، أي: فيردّ عليهم بسماعه منهم؛ كما في خبر آخر، وفيه
تعظيم له عَّةٍ، وإجلال لأمّته، حيث سخّر الملائكة الكرام لذلك، وهذا الحديث في الصحيحين
دون قوله: ((سيّاحين))، فلم يعزه المصنف لهما لزيادتهما، فإن ورد أنه لا يطابق ترجمته، إذ هي
ملك يبلغه الصّلاة، والحديث ملائكة تبلغه السّلام، فالجواب: أنه أراد بملك الجنس، وهو نوعان،
واحد موكل بالقبر وآخرون سياحون، وأراد بالصّلاة ما يشمل السّلام مجازًا، وفي الحديث الأوّل
تبليغ السّلام، والثاني تبليغ الصّلاة فطابق الترجمة، ولا يجاب بأن السيّاحين يبلغون الموكل لأنه
صرح برده عليهم، بسماعه منهم، ودعوى التجوّز ممنوعة، فالأصل الحقيقة.
قال بعض: هل يبلغ السيّاحون غير السّلام، أو الملك غير الصّلاة؟ لم أقف على شىء في
ذلك، والظاهر لا لأنه غير مشروع وكأنه أراد بغير الصّلاة والسّلام نحو ترضية وترحم عليه،
لتعليله بأنه لم يشرع، ولأن الأمر توفيقي لا دخل فيه للقياس.
(وعند الأصفهاني) بكسر الهمزة وفتحها، وهي همزة قطع، قال النووي: ويجوز حذفها
في الوصل، وبفتح الموحدة، وقد تكسر، ويقال بالفاء مفتوحة ومكسورة، مع كسر الهمزة
وفتحها مدينة معروفة، وهو أبو الشيخ عبد الله بن محمّد بن جعفر بن حيان، بفتح المهملة
والتحتيّة، حافظ أصبهان، ومسند ذلك الزمان سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة، أو أراد به الحافظ أبا
القسم إسماعيل بن محمّد بن الفضل بن علي القرشي، التيمي، الطلحي، الأصفهاني الإمام الحافظ
الكبير، الذي يضرب به المثل في الصّلاة مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وكلاهما
صحيح، فأبو الشيخ روى هذا الحديث في كتاب العظمة، وأبو القسم رواه في كتاب الترغيب
والترهيب له، وقصّر المصنف في العزو، فقد رواه البخاري في تاريخه، والطبراني، والعقيلي،
وابن النجار، كلّهم عن عمار بن ياسر، أحد السابقين، وقوله: (عن عمارة) تصحيف من الكتاب،
فالصّواب إسقاط الهاء عن النبيّ مَّهِ، قال: ((إن للَّه ملكًا أعطاه الإجابة سمع العباد كلّهم،)

٣٧٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَةٍ من الفضائل والكرامات
فما من أحد يصلي علي صلاة إلا أبلغنيها)).
أي: قوّة يقتدر بها على سماع ما ينطق به كل مخلوق من إنس وجنّ وغيرهما (فما) وفي رواية:
فليس (من أحد يصلّي عليّ صلاة إلاّ سمعها و(أبلغنيها))).
زاد الطبراني في روايته: ((وإني سألت ربي أن لا يصلّي عليّ عبد صلاة إلاّ صلّى عليه
عشر أمثالها)، للطبراني أيضًا عن عمّار بن ياسر، عن النبيّ عَّ له: ((إن للَّه ملكًا أعطاه أسماع
الخلائق كلّها، وهو قائم على قبري، إذا متّ إلى يوم القيامة، فليس أحد من أُمّتي يصلّي عليّ
صلاة إلاّ ستّاه باسمه واسم أبيه، وقال: يا محمّد صلّى عليك فلان بن فلان، فيصلي الربّ تبارك
وتعالی علیه بكل واحدة عشرًا)).
وروى الخطيب عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((من صلّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلّى
عليّ نائيًا وكّل اللَّه بها ملكًا يبلّغني))، ورواه الديلمي بلفظ: ((نائيًا أبلغته))، أي: بعيدًا أبلغنيه
الملك، فظاهره أن محل تبليغه ما لم يكن المصلّ عند القبر الشريف، وإلا سمعه عَ الِه بنفسه.
قال الشهاب بن حجر في فتاويه: والذي يظهر أن المراد بالعندية أن يكون في محل قريب
من القبر، بحيث يصدق عليه عرفًا أنه عنده، وبالبعد عنه ما عدا ذلك، وإن كان بمسجده عَّ له
وفي القول البديع: إذا كان المصلّي عند قبره الشّريف سمعه عَّه بلا واسطة، سواء كان ليلة
الجمعة أو غيرها، وما يقوله بعض الخطباء ونحوهم أنه يسمع بأذنيه في هذا اليوم من يصلّي
عليه، فهو مع حمله على القريب لا مفهوم له، وسئل النووي عمّن حلف بالطلاق الثلاث؛
أنه عَّ يسمع الصّلاة عليه هل يحنث أم لا؟فأجاب: لا يحكم عليه بالحنث للشكّ في ذلك،
والورع أنه يلزمه الحنث انتهى، لكن يعارضه خبر: ((من صلّ عليّ عند قبري، و کل الله به ملكًا
يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة))، وجمع صاحب الجوهر
المنظم بأنه يسمع الصّلاة والسلام عند قبره بلا واسطة، ويبلغه الملك أيضًا إشعارًا بمزيد
خصوصيته والاعتناء بشأنه، والاستمداد له بذلك.
وروى الطبراني وغيره عن الحسن بن علي، رفعه: ((حيثما كنتم فصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم
تبلغني)، ومعناه: لا تتكلّفوا المعاودة إلى قبري، لكن الحضور فيه مشافهة أفضل من الغيبة،
والمنهي عنه الاعتياد الرافع للحشمة، المخالف لكمال المهابة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال عَّله: ((إن أقربكم مني يوم القيامة في كل
موطن، أكثركم عليّ صلاة في الدنيا، من صلّى عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة قضى اللَّه له
مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل اللَّه بذلك ملكًا يدخله
في قبري، كما يدخل عليكم الهدايا، يخبرني بمن صلّى عليّ باسمه، ونسبه إلى عشيرته، فأثبته
عندي في صحيفة بيضاء).

٣٧٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وتعرض أعمال أمته عليه، ويستغفر لهم، روى بن المبارك عن سعيد بن
المسيب قال: ((ليس من يوم إلا وتعرض على النبي عَّ أعمال أمته غدوة وعشيًا
فیعرفهم بسیماهم وأعمالهم)).
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة، وابن عدي عن أنس مرفوعًا: ((أكثروا الصّلاة
عليّ في الليلة الغراء، واليوم الأزهر، فإن صلاتكم تعرض عليّ))، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا
عليك وقد أرمت؟ أي: بليت، فقال: ((إن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))، أي:
لأنها نور، وهو لا يتغيّر بل ينتقل من حالة إلى حالة.
وروى ابن ماجه برجال ثقات عن أبي الدرداء مرفوعًا: «أكثروا من الصّلاة عليّ يوم
الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لن يصلّي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى
يفرغ منها))، قلت: وبعد الموت؟ قال: ((وبعد الموت، إن اللّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد
الأنبياء)، أي: عرضت عليّ عرضًا خاصًّا، زيادة شرف للمصلّي في ذلك اليوم، فلا ينافي أنها
تعرض عليه في أيّ وقت صلّي عليه ولذا قال: ((أكثروا من الصّلاة عليّ في يوم الجمعة وليلة
الجمعة، فمن فعل ذلك كنت له شهيدًا وشافعًا يوم القيامة))، رواه البيهقي عن أنس بإسناد
ضعيف لكنّه حسن لشواهده، أي: شهيدًا بأعماله التي منها الصّلاة عليّ، وشافعًا له شفاعة خاصّة
اعتناء به، وإلا فشفاعته عامّة، ووجه مناسبة الإكثار من الصّلاة عليه يوم الجمعة وليلتها أن يومها
سيّد أيامِ الأسبوع، والنبيّ عَ له سيّد الخلق فللصّلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، وأيضًا فكل خير
تناله الأمة في الدارين إنما هو بواسطته، وأعظم كرامة تحصل لهم في يوم الجمعة، وهي بعثهم
إلى منازلهم في الجنّة، وكما أنه عيد لهم في الدنيا، فكذا في الأخرى فإنه يوم المزيد الذي
يتجلّى لهم الحقّ تعالى فيه، وهذا حصل لهم بواسطته؛ فمن شكره إكثار الصّلاة عليه فيه، وذكر
أبو طالب في القوت: أن أقل الأكثرية ثلاثمائة مرّة، وورد في الصّلاة عليه عَّ ألفاظ كثيرة،
أشهرها: اللَّهمّ صِلَّى على محمّد، وعلى آل محمد كما صِلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
ويأتي إن شاء اللَّه تعالى مزيد لذلك في المقصد السابع والأخير.
(وتعرض عليه أعمال أُقْته) حسنها وسيئها فيحمد اللَّه على حسنها، (ويستغفر لهم)
سيئها، روى البزار بسند جيد عن ابن مسعود، رفعه: ((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تعرض
عليّ أعمالكم، فما كان من حسن حمدت الله عليه، وما كان من سيىء استغفرت اللَّه لكم))،
أي: طلبت مغفرة الصغائر وتخفيف عقوبات الكبائر، وظاهره أن المراد عرض أعمال المكلّفين،
إذ غير المكلّف لا ذنب له، ويحتمل العموم، وذلك العرض كل يوم مرّتين كما (روى ابن
المبارك) عبد اللَّه، الذي تستنزل الرحمة بذكره (عن سعيد بن المستِّب) التابعي الجليل ابن
الصحابي، (قال: ليس من يوم إلاّ وتعرض على النبيّ عَبِّ أعمال أمّته غدوة وعشيًّا) زيادة
إكرام لهم، (فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم) فيحمد اللَّه ويستغفر لهم، فإذا علم المسيء ذلك قد

٣٧٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَادٍ من الفضائل والكرامات
ومنها: أن منبره على حوضه كما في الحديث وفي رواية: ((ومنبري على
ترعة من ترع الجنة)) وأصل الترعة الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت
في المطمئن فهي روضة. ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق
محسوس موجود، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها، وكل ما أخبر به الصادق عليه
الصلاة والسلام من أمور الغيب فالإيمان به واجب.
يحمله على الإقلاع، ولا يعارضه قوله عَ له: ((تعرض الأعمال كل يوم الاثنين والخميس على اللَّه،
وتعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، وتزداد وجوههم بياضًا
وإشراقًا، فاتقوا اللَّه ولا تؤذوا موتاكم))، رواه الحكيم، الترمذي، لجواز أن العرض على النبيّ معد له
كل يوم على وجه التفصيل، وعلى الأنبياء، ومنهم نبيّنا على وجه الإجمال يوم الجمعة،
فيمتاز عَ لّه بعرض أعمال أُمَّته كل يوم تفصيلاً، ويوم الجمعة إجمالاً، ويأتي إن شاء الله تعالى
وجه أن مماته خير في المقصد العاشر.
(ومنها: أن منبره على حوضه) أي: ينقل المنبر الذي قال عليه هذه المقالة يوم القيامة،
فينصب على الحوض، ثم تصير قوائمه رواتب في الجنّة، كما روى الطبراني (كما في حديث)
أخرجه الشيخان، وأحمد، والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَ له: ((ما بين بيتي
ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي))، (وفي رواية) عند النسائي في هذا الحديث بدل
قوله: ((ومنبري على حوضي)) ((ومنبري على ترعة)، بضم، فسكون (من ترع)
بضم، ففتح: جمع ترعة (الجنّة))) أي: موضع معين فيها، (وأصل الترعة) أي حقيقتها لغة
(الروضة على المكان المرتفع خاصّة، فإذا كانت في المطمئنّ، فهي روضة،) وبهذه
الحقيقة فسرها الديلمي، قال: وقيل هي الدرجة، وفي رواية لأحمد والطبراني عن بعض الصحابة
تفسير الترعة بالباب، وسوّى في القاموس بين هذه الحقائق، فظاهره أنها كلّها لغويّة، والروضة
الموضع المعجب بالزهور لاستراضة المياه السائلة إليها، أي: سكونها بها، وعلم من المصنّف أن
الروضة تطلق على مجمع الزهور في المرتفع والمنخفض، ويختصّ المنخفض بالروضة دون
الترعة.
(ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره،) أي: إن المراد منبره الذي كان يخطب
عليه في الدنيا، (وأنه حق محسوس،) مشاهد بحاسّة البصر، (موجود) في الجنّة وعلى الحوض
قبل، (فإن القدرة صالحة) لذلك (لا عجز فيها،) تعليل لنفي الخلاف، (وكل ما أخبر به
الصّادق عليه الصّلاة والسّلام من أمور الغيب، فالإيمان به واجب،) إذ لا ينطق عن الهوى،
لكن في نفي الخلاف نظر، فالخلاف موجود، فقيل: هو منبره الذي كان يخطب عليه.

٣٧٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَادٍ من الفضائل والكرامات
ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة، رواه البخاري بلفظ:
(ما بين بيتي ومنبري))، وهذا يحتمل الحقيقة والمجاز.
أما الحقيقة: فبأن يكون ما أخبر عنه عَّ له بأنه من الجنة مقتطعًا منها، كما
أن الحجر الأسود منها،
قال السيوطي: وهو الأصح، وقيل: منبر يوضع له هناك، وقيل: التعبد عنده يورث الجنّة،
فكأنّه قطعة منها، واستبعد الثاني بأن في رواية أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة، رفعه:
((منبري هذا على ترعة من ترع الجنّة)، فاسم الإشارة ظاهرًا، وصريح في أنه منبره في الدنيا،
والثالث: بأنه لا يكون خصوصيّة له، إذ التعبد في أي مكان يورث الجنّة، اللّهمّ إلاّ أن يجاب عن
المصنف بأن المعنى لم يختلف أحد في أن المنبر على ظاهره، وإن اختلفوا في أنه الذي كان
في الدنيا أو غيره، وفي أنه على حذف مضاف، أي: العمل عنده أم لا؟ ويحتمل أن لفظ أحد
بمعنى الجماعة، أي: لم يختلف جماعة في هذا، وإن اختلف غيرهم على نحو قول البيضاوي
في: لا نفرّق بين أحد من رسله أحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي، أو إن أحد بمعنى
واحد؛ كما في القاموس، أي: لم يتردّد واحد في ذلك، فلم يقل أراد بالمنبر المقام، وهذا قريب
ممّا قبله لكن قال شيخنا: تقريرًا هذا من حيث اللفظ، ومرادهم بمثله حكاية الاتّفاق، فالأقرب
الأوّل.
(ومنها: أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنّة، رواه البخاري) ومسلم وغيرهما،
(بلفظ: ((ما بين بيتي ومنبري،) ووقع في رواية ابن عساكر للبخاري في فضل المدينة من
صحيحه: وقبري بدل بيتي، قال الحافظ: وهو خطأ، فقد قدّم البخاري الحديث في كتاب
الصّلاة بإسناده بلفظ: بيتى، وكذا هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه، نعم وقع في حديث
سعد بن أبي وقّاص عند البزار برجال ثقات، وابن عمر عند الطبراني بلفظ: قبري، فعلى هذا
المراد بالبيت في قوله: بيتى أحد بيوته لا كلّها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد
الحديث بلفظ: ((ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنّة))، أخرجه الطبراني في
الأوسط، (وهذا يحتمل الحقيقة) بأن يكون على ظاهره ولم يثبت خبر عن بقعة بخصوصها
أنها من الجنّة إلّ هذه البقعة، (والمجاز. أمّا الحقيقة فبأن يكون ما أخبر عنه عَّذلك بأنه من
الجنّة مقتطعًا منها،) نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث
وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلاّ ثلثي ذراع.
قال الحافظ: وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أدخل بين الحجرة في الجدار (كما أن
الحجر الأسود منها) كما قال عَّه: ((الحجر الأسود من الجنّة))، رواه أحمد عن أنس والنسائي

٣٧٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَل من الفضائل والكرامات
وكذلك النيل والفرات من الجنة، وكذلك الثمار الهندية من الورق التي أهبط بها
وادم عليه السلام من الجنة، فاقتضت الحكمة الألهية أن يكون في هذه الدار من
مياه الجنة، ومن ترابها، ومن حجرها، ومن فواكهها، حكمة حكيم جليل.
وأما المجاز: فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن ملازمة
ذلك المكان للصلاة والعبادة سبب في نيل الجنة، قاله ابن أبي جمرة، وهو معنى
قول بعضهم: لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة.
وهذا فيه نظر: إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها.
عن ابن عباس، والأصل الحقيقة، ويؤيّده ما للخطيب وابن عساكر مرفوعًا: ((والحجر الأسود
ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنّة، وإنما سوّدته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد، يشهد
لمن استلمه وقتله من أهل الدنيا)).
وروى الأزرقي مرفوعًا: ((الحجر الأسود نزل به ملك من السماء) (وكذلك النيل والفرات
من الجنة).
روى مسلم عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار
الجنّة))، وهو على ظاهره على الأصل، وقيل: مؤوّل، (وكذلك الثمار الهندية من الورق التي
أهبط بها عادم عليه السّلام من الجنّة، فاقتضت الحكمة الإلهيّة أن يكون في هذه الدار من
مياه الجنّة) كالنيل والفرات، (ومن ترابها) وهو الأرض التي بين المنبر والقبر، (ومن حجرها)
وهو الحجر الأسود، (ومن فواكهها) وهو الثمار الهندية، (حكمة حكيم جليل) ليتدبّر العاقل،
فيسارع إليها بالأعمال الصالحة، وقيل في معنى الحقيقة أن ذلك الموضع ينقل بعينه في الآخرة
إلى الجنّة.
(وأما المجاز، فبأن يكون من إطلاق اسم المسبّب على السبب، فإن ملازمة ذلك
المكان للصّلاة والعبادة فيه سبب في نيل الجنّة، قاله ابن أبي جمرة) بجيم وراء، وفيه
تسمح إذ الروضة ليست مسبّبة من حيث ذاتها، بل الوصول إليها مسبّب عن العمل، لكنها لما
كانت المقصودة أطلق اسمها مريدًا التعبّد الموصل إليها، (وهو معنى قول بعضهم لكون العبادة
فيه تؤول،) أي: تؤدى، أي: تكون طريقًا (إلى دخول العابد روضة الجنّة) ففيه تجوّز أيضًا،
لأن الأيلولة الرجوع، (وهذا فيه نظر؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها،) فالعبادة
في أي مكان كذلك وجوابه أنها سبب قوي يوصل إليها على وجه أتمّ من بقيّة الأسباب، أو هي
سبب لروضة خاصّة أجلّ من مطلق الدخول والتنقم، فإن أهل الجنّة يتفاوتون في منازلها بقدر
أعمالهم.

٣٧٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وفي كتاب ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة أيضًا حكاية قول: إِن تلك
البقعة تنقل فتكون في الجنة، يعني روضة من رياضها. قال: والأظهر الجمع بين
الوجهين معًا، يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها موجبًا
لصاحبه روضة من رياض الجنة، ويأتي مزيد لذلك في فصل الزيارة من المقصد
الأخير إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه معَِّ أول من ينشق عنه القبر. وفي رواية مسلم: ((أنا أول من
تنشق عنه الأرض)).
وهو أول من يفيق من الصعقة،
(وفي كتاب ((بهجة النفوس)، وتحليها بمعرفة ما عليها ولها (لابن أبي جمرة أيضًا حكاية
قول إن تلك البقعة تنقل بعينها) يوم القيامة، (فتكون في الجنّة، يعني روضة من رياضها، قال:
والأظهر الجمع بين الوجهين معًا،) إذ لا تخالف بينهما، (يعني احتمال كونها تنقل إلى
الجنّة، وكون العمل فيها موجبًا لصاحبه روضة من رياض الجنّة،) أخصر، وأجمع من هذا قول
المصنف على البخاري، ولا مانع من الجمع، فهي من الجنّة، والعمل فيها يوجب لصاحبه روضة .
من الجنّة، وتنقل هي أيضًا إلى الجنّة، (ويأتي مزيد لذلك في فصل الزيارة من المقصد
الأخير إن شاء اللّه تعالى،) وهو نقل كلام ابن أبي جمرة في الاستدلال على ذين الوجهين
بالنظر والقياس بنحو ورقة، وقيل: في وجه المجاز أيضًا أنه من التشبيه البليغ، أي: كروضة من
رياض الجنّة في تنزل الرحمة وحصول السعادة.
(ومنها: أنه عَّهُ أوّل من ينشق عنه القبر؛) كما قال عَّه: ((أنا سيّد ولد عادم يوم القيامة،
وأوّل من ينشقّ عنّي القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع))، رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة، أي:
أوّل من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه، وتخصيصًا بتعجيل جزيل إنعامه.
(وفي رواية مسلم) أيضًا من حديث أبي هريرة: ((أنا أوّل من تنشق عنه الأرض،) فلا
يتقدم عليه أحد، أي: أرض قبره، فهو مساوٍ للرواية قبله، زاد الترمذي وقال: حسن غريب،
والحاكم من حديث ابن عمر: ((ولا فخر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع، فيحشرون
معى، ثم أنتظر أهل مكّة حتى أحشر بين الحرمين))، قال السمهودي: وفيه بشرى عظيمة لكل من
مات بالمدينة، وإشعار بذم الخروج منها مطلقًا، وهو عام أبدًا في كل زمان كما نقله المحبّ
الطبري وارتضاه.
وروى الترمذي عن أنس مرفوعًا: ((أنا أوّل الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وقدوا،
وأنا مبشّرهم إذا، أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد عادم على ربي، ولا فخر))، (وهو
أوّل من يفيق،) بضم أوله (من الصعقة،) وهي غشي يلحق من سمع صوتًا، أو رأى شيئًا يفزع

٣٧٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة فإذا أنا بموسى آخذ
بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)). رواه البخاري.
والظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن عنده علم بذلك حتى أعلمه الله
تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر.
وهو أول من
منه، واستشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أن الموتى لا إحساسٍ لهم، فقيل: المراد من
كان حيًّا إذ ذاك والأموات هم المستثنون في قوله تعالى: ﴿إلا من شاء اللّه﴾ الآية، أي: من سبق
له الموت قبل ذلك، فيصعق.
وأمّا الأنبياء، ففي حكم الأحياء، وقيل: المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشقّ السماء
والأرض، وهي غشية تحصل للناس في الموقف.
(قال عليه الصّلاة والسّلام: ((أنا أوّل من يرفع رأسه بعد النفخة) الأخيرة، كما في
الرواية، (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش) أي بعمود من عمده، وللشيخين من
حديث أبي هريرة، أيضًا: ((باطش بجانب العرش))، أي: آخذ بشىء منه بقوّة، فالبطش الأخذ بقوّة،
(فلا أدري أفاق قبلي أم جوزى بصعقة الطور) لما تجلّى ربه للجبل جعله دًا وخرّ موسى
صعقًا، وفي الصحيحين، أيضًا: فما أدري أكان ممّن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممّن استثنى
اللَّه؟، أي: في قوله: ﴿إِلاّ من شاء اللَّه﴾ الأية، فلم يصعق، وكل من الأمرين فضيلة ظاهرة لكن
لا يلزم من فضله من هذه الجهة أفضليته مطلقًا، ولا منافاة بين الروايتين لأن المعنى لا أدري،
أي: هذه الثلاثة كانت الإفاقة، أو الاستثناء، أو المحاسبة، (رواه البخاري) ومسلم وغيرهما، وبه
استشكل كونه عَّ أول من تنشقّ عنه الأرض وأوّل من يفيق، مع التردد في خروج موسى من
قبره، وأجاب عياض باحتمال أن هذه الصعقة ليست النفخة الأولى ولا الثانية التي يعقبها النشور،
بل صعقة تأتي يوم القيامة حين تنشقّ السماء والأرض، وردّه القرطبي بأنه عَّ له صرّح بأنه يخرج
من قبره فيلقى موسى متعلقًا بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث.
قال: ويؤيّده أنه عبّر بقوله: أفاق؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي وبعث من الموت، ولذا عبّر
عن صعقة الطّور بالإفاقة، لأنها لم تكن موتًا بلا شكّ، وإذا تقرّر ذلك ظهر صحة الحمل على أنها
غشية تحصل للناس في الموقف، وأجاب المصنف كغيره، بقوله: (والظاهر أنه عليه الصّلاة
والسّلام لم يكن عنده علم ذلك،) أي: كونه أوّل (حتى أعلمه اللَّه تعالى) بأنه أوّل، (فقد أخبر
عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر) كما مرّ في الأحاديث المفيدة علمه بإفاقته قبل
موسى، فحينئذ يكون ممن استثنى اللَّه أو جوزي بصعقة الطور، (وهو أول من يجيز) بضم الياء،

٣٧٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَيرٍ من الفضائل والكرامات
يجيز على الصراط، رواه البخاري عن أبي هريرة.
وأنه يحشر في سبعين ألفًا من الملائكة، كما روي عن كعب الأحبار: ما
من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك يحفون بقبره عليه الصلاة والسلام يضربون
بأجنحتهم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك، حتى إذا انشقت عنه
الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه علّه. رواه ابن النجار في تاريخ
المدينة.
وأنه يحشر راكب البراق، رواه الحافظ السلفي، كما ذكره الطبري.
وكسر الجيم، وبالزاي، أي: يمضي (على الصّراط) ويقطعه، وفي رواية: يجوّز، وهما بمعنى يقال
أجزت الوادي وجزته، (رواه البخاري) ومسلم (عن أبي هريرة) في حديث طويل بلفظ: قال عَّه:
(فأكون أنّا وأَمّتي أوّل من يجيز على الصّراط. ودعاء الرسل يومئذ: اللَّهم سلّم سلّم))، (وأنه يحشر
في سبعين ألفًا من الملائكة، كما روي عن كعب الأحبار:) جمع حبر، أي: ملجأ العلماء،
الخميري أبي إسحق الثقة المخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في خلافة عثمان أنه
دخل على عائشة، فتذاكروا رسول اللَّه عَّ له، فقال كعب: (ما من فجر يطلع إلّ نزل سبعون ألف
ملك يحفون بقبره عليه الصّلاة والسّلام، يضربون بأجنحتهم،) أسقط من الرواية: ويصلّون على
النبيّ عَّهِ، (حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك) أسقط منها، أيضًا: يحفون بالقبر،
يضربون بأجنحتهم، ويصلّون على النبيّ عَِّ سبعون ألفًا باللّيل، وسبعون ألفًا بالنهار، (حتى إذا
انشقّت عنه الأرض، خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه عَّة، رواه ابن النجار) الحافظ،
الإمام البارع أبو عبد الله، محمّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي، سمع ابن
الجوزي وابن كليب وغيرهما، وكان من أعيان الحفاظ الثقات مع الدين والورع، والصيانة والفهم،
وسعة الرواية، له ثلاثة آلاف شيخ، ومؤلفات عدّة، مات في خامس شعبان، سنة ثلاث وأربعين
وستّمائة، عن ست وستين سنة، رحل منها في الأقطار سبعًا وعشرين سنة للرواية (في تاريخ
المدينة،) المسمى بالدرر الثمينة، وكذا رواه أبو الشيخ، وابن المبارك، وابن أبي الدنيا، كلّهم عن
كعب، وكلّه من الكتب القديمة، لأنه حبرها.
(وأنه يحشر راكب البراق،) بضم الموحدة، (رواه الحافظ) العلاّمة، شيخ الإسلام الناقد،
الدين، الخير، أبو طاهر عماد الدين أحمد بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني، (السلفي،)
بكسر السين المهملة، وفتح اللام، لقب جده أحمد، ومعناه الغليظ الشفة، وله تصانيف، وروى
عنه الحفاظ، مات سنة ستّ وسبعين وخمسمائة؛ (كما ذكره الطبري) الحافظ محب الدين
المكي في ذخائر العقبي، فقال: أخرج السلفي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه عَّه قال: ((تبعث

٣٨٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّة من الفضائل والكرامات
ويكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة. رواه البيهقي بلفظ: فأكسى
حلة من الجنة لا يقوم لها البشر،
الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتي العضباء والقصواء،
وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنّة))
انتهى. وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: «تحشر الأنبياء على الدواب ليوافوا المحشر، ويبعث
صالح على ناقته، وأبعث على البراق، ويبعث ابناي الحسن والحسين على ناقتين من نوق
الجنّة، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي بالأذان محضًا، وبالشهادة حقًّا، حتى إذا
قال: أشهد أن محمّدًا رسول اللَّه شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين، فقبلت ممّن قبلت،
وردّت على من ردت))، وفيه مخالفة لما قبله فيما يركبه السبطان إلّ أن يجمع بركوب ناقتيه،
وبركوب ناقتي الجنّة زيادة في تعظيمهما، ثم لا يعارض هذا ما ورد مرسلاً، أن المؤمن يركب
عمله، والكافر يركبه عمله؛ لأن بعضهم يركب الدواب، وبعضهم الأعمال، أو يركبونها فوق
الدواب.
وروى النسائي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر رفعه: ((إن الناس يحشرون يوم القيامة على
ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على
وجوههم))، وأخرج الترمذي، وحسّنه عن أبي هريرة، مرفوعًا: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة
أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم، إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر
على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك).
هذا، وجزم الحليمي والغزالي، بأن الذين يحشرون ركبانًا يركبون من قبورهم، وقال
الإسمعيلي: إنهم يمشون من قبورهم إلى الموقف، ويركبون من ثم جمعا بينه وبين حديث
الصحيحين: ((يحشر الناس حفاة مشاة)).
قال البيهقي: والأول أَوْلى، وفي تاريخ ابن كثير: يحشر الناس مشاة، والنبي عَ ◌ّ راكب
على ناقته الحمراء، فإذا كان هذا من خصائصه، فإنما يؤتون بالنجائب بعد الجواز على الصراط،
وهو الأشبه، وفي حديث: ((إنهم يؤتون بنجائب يركبونها عند قيامهم من قبورهم))، وفي صحته نظر.
(ويكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنّة) بعد حشر الناس كلّهم عراة، أو بعضهم
كاسيًا، أو بعد خروجهم من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر،
فيحشرون عراة لحديث أبي سعيد عند أبي داود، وصححه ابن حبان، مرفوعًا: ((إن الميّت يبعث
في ثيابه التي يموت فيها))، (رواه البيهقي) في الأسماء، عن ابن عباس، مرفوعًا (بلفظ) («أول من
يكسى إبراهيم حلّة من الجنّة ويؤتى بكرسي، فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى به، (فأكسى حلّة
من الجنّة لا يقوم) أي: لا يصلح (لها البشر))،) وفي نسخة بالباء بدل اللام، يقال: قام بالأمر إذا