Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش
ما لي أقتل من بينكم صبرًا. فقال له النبي عَّهِ: بكفرك وافترائك على رسول الله.
فذكر له سببين في تحتم قتله، وهذا في غاية الظهور.
وأما قول الخطابي وغيره: ((لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب
قتله إذا كان مسلمًا)) فمحمول على التقييد بعدم التوبة.
وأما سياق القاضي عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول الله عَ لّه،
وأنه بعث عليًا والزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضًا في هذا المقام لأن الظاهر أن هذا
كذب، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كان كافرًا، فيكون من محاربي
الله ورسوله، مع السعي في الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، وإلا فليس مطلق
(وقد روى البزار عن ابن عباس: أن عقبة بن أبي معيط،) أحد أسرى بدر، لما قدم
ليقتل بمحل على ثلاثة أميال من الروحاء قرب المدينة، (نادى) رافعًا صوته: (يا معشر قريش)
ذكرهم بيانًا لحجّته في عدم الفرق بينه وبين غيره، أو ليعطف عليه المسلمون منهم، (ما لي
أقتل من بينكم،) استفهام إنكاري، أي: دون غيري منكم، ومثله يستعمل للاختصاص (صبرًا؟)
أي: بلا حرب، ولا غفلة، وأصل معناه الحبس، (فقال له النبيّ عَّ: ((يكفرك وافترائك»،) أي
تعمدك الكذب على (رسول الله عَّ فذكر له سببين في تحتم قتله، وهذا في غاية الظهور) وهو
من جملة أدلّة المالكية، إذ هم قائلون بقتل الكافر إذا سبه، ولذا ذكره في الشفاء دليلاً.
(وأما قول الخطابي وغيره: لا أعلم أحدًا من المسلمين، اختلف في وجوب قتله إذا
كان مسلمًا، فمحمول على التقييد بعدم التوبة) لأنه الإجماع الإجماع.
(وأمّا سياق القاضي عياض لقصّة الرجل الذي كذب على رسول اللَّه) المتقدّمة قريبًا،
ولفظ عياض، ويروى أن رجلاً كذب على النبيّ (عَّةٍ وأنه بعث عليًّا والزبير ليقتلاه) إن
أدركاه، قال: ((وما أراكما تدركانه))، فوجداه ميتًا من لدغة حيّة، (فليس يفيد غرضًا في هذا
المقام) الذي هو تحتم قتل مؤذيه، وإن تاب إذا كان مسلمًا (لأن الظاهر أن هذا كذب فيه
إفساد وفتنة بين المؤمنين) هذا الاستظهار من عدم الاطّلاع على الحديث، فإن لفظه جاء إلى
ناس من الأنصار، فقال: إِن رسول اللَّه عَّه أرسلني إليكن وزوجني فلانة، (لا سيّما إن كان
كافرًا، فيكون من محاربي اللَّه ورسوله، مع السعي في الأرض بالفساد، فيكون متحتم
القتل) لذلك، وفيه: أن المحارب لا يتحتّم قتله، كما بيّ في القرءان مع أن منشأه القصور، فإن
الرجل صحابي، وهو جدجد الجندعي، ذكره صاحب الإصابة وغيره، (وإلّ، فليس مطلق

٣٤٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
الكذب عليه مما يوجب القتل.
وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبي عَّه، فقال: من
لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي عَ له
بذلك فقال: ((لا ينتطح فيها عنزان))، أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع، فإن في
هذه القصة ونظائرها نظرًا واضحًا لقيام الكفر بالمحكي عنهم والزيادة منه، وقد
أخبر عليه السلام أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا
الكذب عليه مما يوجب القتل،) ولا الكفر على الصّواب، خلافًا للجويني، وإنما هو إذا كذب
عليه بما فيه نقص له، كساحر ونحوه، والجواب عن عياض أنه لم يذكر هذه القصّة دليلاً
مستقلاً، إذ هو لا يقول، يقتل من كذب عليه ولا بكفره، وإنما ذكرها استئناسًا لما ساقه من الأدلّة
وأشار إلى ضعفها بقوله: ويروى، وقد علم أدنى الطلبة أنه لا يحتجّ بضعيف.
(وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة،) بفتح المعجمة، وسكون
المهملة، وميم بطن من الأنصار، ينسبون إلى جدّهم خطمة بن جشم بن لملك بن الأوس، وهي
عصماء بنت مرون اليهودية، نسبت إلى بني خطمة لأنها زوج يزيد بن زيد الصحابي، الخطمي،
(النبيّ عَ له، فقال: ((من لي بها))؟) أي: من يقوم لأجل حقّي عليه بقتلها، (فقال رجل من
قومها) عمير بن عدي الخطمي، صحابي شهير، كان المصطفى يزوره، وكان أعمى، وسمّاه
النبيّ عَّةِ البصير: (أنا) لك بها أقتلها (يا رسول اللَّه، فنهض) قام بسرعة عقب قوله، فجاءها ليلاً
ودخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فجسّها ونحّى الصبي عنها،
(فقتلها) بأن وضع سيفه على صدرها، حتى أنفذه من ظهرها، ثم رجع، فصلّى الصبح مع
المصطفى، (فأخبر النبيّ عَّله بذلك) أي: قتلها لما قال له، كما عند ابن سعد: ((أقتلت ابنة
مروان))؟، قال: نعم، هل عليّ في ذلك شيء؟ (فقال: لا ينتطح فيها عنزان)))، فكانت هذه
الكلمة أوّل ما سمعت من النبيّ عَّةِ، (أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع،) بل هي هدر،
فضربه مثلاً للأمر الذي يقع بلا خلف ولا نزاع لأن العنزين لا ينتطحان، بل يتشامان ويتفرقان،
وإنما ينتطح التيوس والكباش، ومرّت القصّة في المغازي، (فإن في هذه القصّة) أي: الاستدلال
بها، (ونظائرها نظرًا واضحًا لقيام الكفر بالمحكي عنهم، والزيادة منه،) وقد حاد المصنّف
رحمه اللَّه للحمية المذهبية عن سواء السبيل، فإنها كانت ذمية، يهودية، متزوجة بمسلم صحابي،
فأمره بقتلها لأذاها له، مع أن نساء الحربيين، فضلاً عن أهل الذمة، لا تقتل دليل لقول المالكية،
يقتل الكافر بسبّه عَّ ما لم يسلم، فالدليل من قصتها شمس في رابعة النهار.
(وقد أخبر عليه السّلام أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلاّ

٣٤٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصمه الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له
في مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على
القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. وهذا هو محل النزاع وموضع
الاستدلال لكل من المتنازعين.
أما ذكر كافراً صلى بلغته دعوة النبي عَ ل﴾. وامتنع من إجابته وحاربه بيده
ولسانه فلا نزاع في إهدار دمه قطعًا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها
كانت تعيب الإسلام، وتؤذي النبي وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل
إجماعاً.
فقد تبين مما ساقه القاضي عياض أن أمره عليه السلام بقتل سابه إنما نقل
عن الكفرة،
بالإسلام) بقوله: (أُمرت أن أقاتل الناس)) الحديث، (فكل منهم مهدر الدم، إلاّ من عصمه الله
منهم بالإسلام) أو بإعطاء الجزية كما في القرءان، أو عهد، أو أمان؛ كما بيّن في السنّة، فما هذا
الحصر من المصنّف، (وإنما النافع له في مقام الاستدلال، ذكر من طرأ عليه من المسلمين
وصمة الارتداد بالسبّ على القول، بكونه ردّة) فيه نظر، إذ هو ردّة إجماعًا كما مرّ، (فرجع
إلى الإسلام وتاب، وهذا هو محل النزاع، وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين) وسبحان
اللَّه، المصنف قد ذكر ذلك قبل، فإنّه ذكر قصّة ابن أبي سرح، وهو قد كان مسلمًا أصليًّا،
وأحد كتاب الوحي، ورجع إلى الإسلام، وامتنع النبيّ عَّله من مبايعته ثلاث مرّات، ولام أصحابه
على عدم قتله حين امتنع من بيعته وإنما بايعه لأجل عثمن وهو عَّةٍ ولي ذلك، فله العفو دون
غيره بعده، لعدم إذنه في ذلك
(أمّا ذكر كافرًا صلّى بلغته دعوة النبيّ عَه، وامتنع من إجابته، وحاربه بيده ولسانه،
فلا نزاع في إهدار دمه قطعًا، لا سيّما، وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة) التي هي عصماء
بنت مروان، (أنها كانت تعيب الإِسلام،) بفتح، فكسر من عاب يستعمل لازمًا متعدّيًا أو بضم
ففتح وشدّ التحتية من عيبه إذا نسبه إلى العيب أو أحدث فيه عيبًا، (وتؤذي النبيّ عَّهِ) عطف
أعمّ على أخص؛ لأن عيب الإسلام ما يكون بذكر خلل في الدين، وإيذاء النبيّ يكون به وبغيره
أو لازم على ملزوم، لأن عيب الإسلام يلزمه إيذاؤه، (وتحرّض) تحثّ (عليه، فاجتمع فيها
موجبات القتل إجماعًا) يعني: فلم يتعيّ أن قتلها للسبّ، وفيه أنه خلاف الظاهر من قول ابن
عباس: هجت امرأة النبيّ الحديث، (فقد تبيّن ممّا ساقه القاضي عياض، أن أمره عليه السّلام
بقتل سابّه إنما نقل عن) بمعنى في (الكفرة،) يردّ عليه ابن أبي سرح فقد امتنع من بيعته بعد

٣٤٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّبه من الفضائل والكرامات
ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد، ولو نقل فلا يتعين
كونه حدًا، لاحتمال أن يكون قتله كفرًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء/٤٨]، فأعلمنا أن ما وراء الشرك في
حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر/٥٣].
فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى
حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية
على المشاحة. وهذا حق النبي عَّه وليس لنا أن نسقطه
إسلامه، ولام الصحابة على ترك قتله، كما مرّ، (ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبّه، وإنّما كان ذلك
في أهل الكفر والعناد؛) لكريم أخلاقه وحبّه العفو والصفح، وهو ولي ذلك، فأحبّ العفو عمّن
وقع له ذلك وأسلم، وقد قال: ((من سبّ نبيًّا فاقتلوه))، أخرجه الدارقطني والطبراني من حديث
عليّ، ومن تشمل المسلم والكافر وأمره كفعله، (ولو نقل فلا يتعيّ كونه حدًّا لاحتمال أن
يكون قتله كفرًا،) ويدفع هذا الاحتمال إرادته قتل ابن أبي سرح بعدما أسلم، ويؤيّده عموم من
سبّ نبيًّا فاقتلوه، فإن ظاهره: ولو عاد إلى الإسلام.
وروى ابن قائع: أن رجلاً جاء إلى النبيّ معَّله، فقال: إني سمعت أبي يقول فيك قولاً
قبيحًا فقتلته، فلم يشق ذلك على النبيّ عَّله، فلو لم يكن قتل السابّ مشروعًا، كان ذلك من
أكبر الكبائر؛ لأنه قتل وعقوق، وظاهر قوله: فلم يشق أنه كان مسلمًا، إذ قتل الكافر لا يشق
علیه حتی ینفی.
(وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾) أي: الإشراك به، (﴿ويغفر ما
دون﴾) سوى (﴿ذلك﴾) من الذنوب (﴿لمن يشاء) الآية،) المغفرة له، فيدخله الجنّة بلا
عذاب، ومن شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنّة، (فأعلمنا أن ما وراء الشرك في
حيّز إمكان المغفرة،) وهو كذلك بلا شك، لكنه لا يمنع إقامة الحدود، ألا ترى أن الزاني
والسارق إذا تاب بعد بلوغ الإمام لا يسقط حدّه، فكذلك حدّ سابّ الأنبياء إذا تاب نقول بتوبته
وصحّة إسلامه، ولكن نقيم حدّه، وهو القتل عملاً بعموم قوله: ((فاقتلوه)).
(وقال تعالى: ﴿إِن اللَّه يغفر الذنوب جميعًا﴾ الآية،) لمن تاب من الشرك، ولكن
ليس ذلك مانعًا من إقامة الحدود، فالقاتل يقتل وإن تاب، فذكر المصنّف هاتين الآيتين
لا يفيد غرضًا في استدلاله، (فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى،)
كصلاة وصوم، (لا بالنظر إلى حقوق العباد؛ لأن حقوق اللَّه تعالى مبنية على المسامحة
وحقوق العباد مبنيّة على المسامحة، وهذا حقّ النبيّ عَّةٍ، وليس لنا أن نسقطه؛ لأنه لم

٣٤٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَةٍ من الفضائل والكرامات
لأنه لم يرد إذنه فى ذلك بخلافه هو عَلَّةٍ فإن له ذلك.
فالجواب: لا بد لنا من نص على ذلك منه عليه السلام، كأن يقول من
سبني مثلاً فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعًا عن سبه، فإن نقل اتبعناه، ثم إنه
من جهة النظر ينبغي إلحاق حقوق رسول الله عَ ليه بحقوق الله، فكما أن حقوق
الله مبناها على المسامحة، وكذلك حقوقه عَ له، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى.
ومما عد من خصائصه أنه إذا قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه
دونه
يرد إذنه في ذلك بخلافه، هو عٍَّ فإن له ذلك)، لأن الحقّ له، ومن له حقّ، فله إسقاطه
(فالجواب: لا بدّ لنا من نصّ على ذلك منه عليه السّلام، كأن يقول: من سبّتي مثلاً،
فاقتلوه ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعًا عن سبّه، فإن نقل اتبعناه،) والجواب: أن ظاهر قوله:
(من سبّ نبيًّا فاقتلوه))، عدم قبول توبته في ترك قتله لأنه حدّه، وإن قبلناها في إجراء أحكام
الإسلام عليه من تغسيل، وتكفين، وصلاة، ودفن بمقابر المسلمين، كالقاتل والزاني المحصن
ونحوهما، (ثم إنه من جهة النظر العقلي (ينبغي إلحاق حقوق رسول اللَّه عَ لّه، بحقوق
اللَّه، فكما أن حقوق اللَّه مبناها على المسامحة كذلك حقوقه عَّه فإنه متخلّق بأخلاق
اللَّه تعالى) التي تليق به، كما أشارت إليه عائشة، بقولها: كان خلقه القرءان لكن منع من
هذا الدليل العقلي قيام الأدلّة الشرعيّة على خلافه في هذه المسألة بعد وفاته عَلَه، وقد روى
النسائي عن أبي برزة الأسلمي، قال: أتيت أبا بكر وقد أغلظ الرجل، فردّ عليه، قال: فقلت:
يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه بسبّه إيّاك، فقال: اجلس فليس ذلك لأحد إلاّ
لرسول اللَّه عَّه، ومن ذلك أن عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة استشاره في قتل رجل
سبّ عمر بن الخطاب فكتب إليه أنه لا يحلّ قتل امرىء مسلم سبّ أحد من الناس، إلاّ رجلاً
سبّ رسول اللَّهُ مَّةِ، فمن سيّه فقد حلّ دمه.
وقال أبو بكر الصدّيق: حدّ قذف الأنبياء ليس يشبه الحدود، رواه ابن سعد وابن عساكر،
فهذه أدلّة متظاهرة على قتل الساب، ولو تاب.
قال عياض: ويدل على قتله من جهة النظر والاعتبار أن من سبّه عَّةٍ أو تنقصه قد ظهرت
علامة مرض قلبه، وبرهان على سوء طويته وكفره، ولهذا حكم له كثير من العلماء بالردّة، وهي
رواية الشاميين عن ملك.
ومما عدّ من خصائصه: أنّه إذا قصده ظالم، وجب على من حضره، أن يبذل) بضم
الذال (نفسه دونه) أي: يجود بها، وإن أدّى إلى قتله بخلاف غيره، فلا يجب الدفع مع خوف

٣٤٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَبد من الفضائل والكرامات
حكاه النووي في زيادات الروضة عن جماعات من الأصحاب.
ومن خصائصه عليه السلام أنه كان يخص من شاء بما شاء من الأحكام.
كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين. روى أبو داود عن عمارة ابن خزيمة بن
ثابت عن عمه وكان من أصحاب رسول الله عَّ أن النبي عَّ له ابتاع من أعرابي
فرسًا، فاستتبعه ليقبضه ثم الفرس، فأسرع النبي عَِّ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق
رجال يعترضون الأعرابي يساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن
ذلك، كما قاله الرافعي والنووي؛ لأن من قصد غيره مسلماً لا يكفر، وقاصده عَّ بذلك يكفر،
(حكاه النووي في زيادات الروضة عن جماعات من الأصحاب) الشافعيّة؛ لقوله تعالى: النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وظاهره وإن كان له عَِّ قدرة على الدفع والدافع عاجز، قال
الحافظ: ولم أر وقوع ذلك في شيء من الأحاديث صريحاً، ويمكن أن يستأنس له؛ بأن طلحة
وقاه بنفسه يوم أحد، وكان أبو طلحة الأنصاري يتقي بترسه دونه، ونحو ذلك من الأحاديث.
(ومن خصائصه عليه السلام؛ أنّه كان يخص من شاء بما شاء من الأحكام) وغيرها،
(كجعله شهادة خزيمة) ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، الخطمي، أبي عمارة المدني، من
كبار الصحابة، شهد بدرًا، وقتل مع على بصفين سنة سبع وثلاثين (بشهادة رجلين) ولذا لقّب
ذا الشهادتين.
(روى أبو داود،) وابن خزيمة، وشيخهما فيه الذهلی، باللام عن شعیب، عن ابن شهاب،
عن (عمارة بن خزيمة بن ثابت) الأوسي أبي عبد الله، أو أبي محمد المدني، تابعي، ثقة، مات
سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين، روى له الأربعة، (عن عمّه،) قيل: اسمه عمارة قال
ابن منده (وكان من أصحاب رسول اللَّه عَّهِ أَنَّ النبي ◌َّ ابتاع،) أي: اشترى (من أعرابي،)
هو سواء بن الحرث صحابي (فرسًا،) هو المرتجز، أو الظرب، أو النجيب، أقوال ذكرها
المصنّف في خيله في تعيين هذا الفرس المشترى من أفراسه عَّله، وزاد غيره القول بأنّه الملاوح،
ويردّ على ذلك أنّه ردها على الأعرابي، فماتت من الغد؛ كما في رواية الحرث وتأتي، فهي
صريحة في أنّها لم تكن من خيله المعينة، المسماة بالأسماء المعلومة، (فاستتبعه) أي تبعه فالسين
زائدة والأولى كونها للطلب، أي: طلب المصطفى من الأعرابي أن يتتبعه (ليقبضه ثم الفرس،
فأسرع النبي عَِّ المشي، وأبطأ الأعرابي،) ومعه الفرس، (فطفق،) بكسر الفاء وفتحها، أي:
جعل (رجال يعترضون الأعرابي،) أي: يتعرضون له بالكلام معه، مأخوذ من اعترض على الأمير،
أي مر عليه لينظر حاله، (يساومونه بالفرس،) أي يطلبون بيعها منه، فالمفاعلة ليست مرادة، بل
بمعنى السوم، والباء سببيّة، أو للمقابلة والعوض، أي يذكرون له ثمنًا في مقابلته، (ولا يشعرون أن

٣٤٧
الفصل الرابع ما اختص به عٍَّ من الفضائل والكرامات
رسول الله عَّةٍ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه .. فذكر الحديث قال رسول الله
عَُّلَّهِ: فطفق الأعرابي يقول لهمَّ شهيدًا يشهد أني قد بعتك، فمن جاء
من المسلمين يقول ويلك، إن رسول الله عَّه لم يكن ليقول إلا الحق، حتى جاء
خزيمة بن ثابت فاستمع المراجعة فقال: أنا أشهد أنك قد بايعته ... الحديث. وفيه،
قال: فجعل النبي عَّه شهادة خزيمة برجلين.
وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذي جعل
رسول الله عګ شهادته بشهادتين.
رسول اللَّه عَ ◌ِّ قد ابتاعه حتى زادوا على ثمنه، فذكر الحديث؛) وهو: فنادى الأعرابي فقال:
إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه، وإلاّ بعته، فقال النبي عَّه حين سمع نداء الأعرابي: ((أو ليس
قد ابتعته منك))، قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي عَ له: ((بلى قد ابتعته)، (قال: فطفق
الأعرابي يقول: هلم) أحضر (شهيدًا يشهد أني قد بعتك، فمن جاء من المسلمين) بعد هذا
(يقول) إنكارًا على الأعرابي: (ويلك إن رسول اللَّه ◌َّه لم يكن) مريدا (ليقول) شيئًا
(إلاّ الحق،) فخبر يكن محذوف، يتعلّق به الجار (حتى جاء خزيمة بن ثابت، فاستمع
المراجعة) التي بين النبي عَّه وبين الأعرابي، (فقال: أنا أشهد أنّك قد بايعته،) أي: بعته
(الحديث، وفيه قال: فجعل النبي عَِّ شهادة خزيمة برجلين)، هكذا رواه أبو داود وغيره من
طريق عن عمّه أخى خزيمة بدون تسمية الأعرابي، وقد رواه عمارة أيضًا عن أبيه، وسمي
الأعرابي.
أخرج أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني عن عمارة بن خزيمة بن
ثابت، عن أبيه: أنّ النبي عَّلِ اشترى فرسًا من سواء بن الحرث فجحده، فشهد له خزيمة،
فقال ◌َ له: ((ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا))، فقال: صدقتك بما جئت به، وعلمت
أنك لا تقول إلاّ حقاً، فقال مَّ: ((من شهد له خزيمة، أو شهد عليه فحسبه)).
(وفي البخاري) في التفسير (من حديث) خارجة، عن أبيه (زيد بن ثابت) بن الضحاك،
الأنصاري، النجاري، صحابيّ مشهور، كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم،
مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، (قال:) لما نسخنا الصحف في
المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول اللّه يقرؤها، (فوجدتها مع خزيمة).
وفي رواية لم أجدها مع أحد إلاّ مع خزيمة (الذي جعل رسول اللَّه عَلّ شهادته
بشهادتين) من المؤمنين، ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه﴾، هذا بقية رواية البخاري.
قال العلماء: أي: لم أجدها مكتوبة مع كونها محفوظة عنده وعند غيره: إذ القرءان

٣٤٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
وعند الحرث بن أبي أسامة في مسنده من حديث عن النعمان بن بشير أن
رسول الله عَّلِ اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا
أعرابي أتجحد، أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن شهد علي خزيمة فأعطني
الثمن، فقال النبي عَّهِ: ((يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد))؟ قال: أنا أُصدقك
على خبر السماء، ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله عَطِ شهادته
بشهادة رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة.
قال الخطابي: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع
به قوم من أهل البدع
لا يثبت إلاّ بالتواتر.
(وعند الحرث بن أبي أسامة،) واسمه داهر، (في مسنده من حديث) مجاهد، عن
الشعبي، (عن النعمان بن بشير) رضي الله عنهما: (أن رسول اللَّه عَ ◌ّل اشترى من أعرابي
فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة، فقال: يا أعرابي أتجحد؟،) بالإستفهام الإنكاري، أي:
وتطلب منه شهيدًا، (أنا أشهد أنّك بعته، فقال الأعرابي: أن) بفتح الهمزة، أي: لأجل إن،
و کسرها بمعنى إذ تعليلية نحو:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزنًا
وفي نسخة، وهي ظاهرة، إذ (شهد علي خزيمة، فأعطني الثمن، فقال النبي
((يا خزيمة إنا لم نشهدك) بالمبايعة))، بمعنى لم تحضرها، كما في الرواية التي قدّمتها؛ ما حملك
على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا، (كيف تشهد) على ما لم تعاينه ولم تحضره؟، (قال: أنا
أُصدّقك على خبر السماء) والأرض، كما في رواية الحرث، فسقط من قلم المصنّف والأرض؛
(ألا أصدقك على ذا الأعرابي، فجعل رسول اللَّه عَّ شهادته بشهادة رجلين، فلم يكن في
الإسلام من تعدل) لفظ الحرث من تجوّز (شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة،) بتخصيص
المصطفى له، ففيه أن يخصّ من شاء بما شاء، وبقية رواية الحرث عن النعمان: فردّ عَدُ الفرس
على الأعرابي وقال: ((لا بارك اللّه لك فيها، فأصبحت من الغد شائلة برجلها))، أي: ماتت، وهذا
الأعرابي اسمه سواء بن الحرث من وفد محارب، وروى ابن منده، وابن شاهين، عن المطلب بن
عبد الله، قال: قلت لبني الحرث: أن سواء أبوكم الذي جحد بيعة رسول اللَّه عَّله، قالوا: لا تقل
ذلك، فلقد أعطاه بكرة، فما أصبحنا نسوق سارحًا ولا بارحًا إلّ منها. (قال الخطابي) في شرح
أبي داود: (هذا الحديث حمله كثير من النّاس على غير محمله، وتذرّع،) بذال معجمة توسع
وتوسل (به قوم من أهل البدع،) وبإهمال الدال، أي: تمسكوا به وجعلوه كالدرع في اتقاء ما يرد

٣٤٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلةٍ من الفضائل والكرامات
إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شىء ادعاه، وإنما وجه
الحديث أنه معَِّ حكم على الأعرابي بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد
لقوله: والاستظهار على خصمه، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من
القضايا، انتهى.
ومن ذلك ترخيصه في النياحة لأم عطية، روى مسلم عنها: ((قالت: لما
نزلت هذه الآية
عليهم، (إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شيء ادعاه،) متعلّق
بالشهادة، وليس حمل الحديث على ذلك بصحيح، (وإنّما وجّه الحديث،) أي: جهته التي
ينبغي حمله عليها، (أنّه عَِّحكم على الأعرابي بعلمه) لأنّه من خصائصه.
(وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد،) التقوية (لقوله: والإستظهار على خصمه، فصار
في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا،) لأن شهادته متى وقعت كانت كشهادة
رجلين، فلا يطلب له ثان، (انتهى) كلام الخطابي، وفيه نظر، فإن الأحاديث ظاهرة، بل صريحة
في تخصيصه بذلك دائمًا، لا لمجرّد الحكم بعلمه، كيف! وفي رواية الحرث، فلم يكن في
الإسلام من تجوز شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة، وفي رواية محمّد بن أبي عمر العدني في
مسنده، فأجاز النبي عَّمِ شهادته بشهادة رجلين حتى مات خزيمة، وروى أبو يعلى عن أنس،
قال: إفتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: ومنا من جعل النبي تَّ شهادته بشهادة
رجلين الحديث، فإنه لو كان للحكم بعلمه لم يكن فخرًا أصلاً، والغاية بقوله: حتى مات خزيمة،
صريحة في ذلك إذ هو قد عاش بعد النبي سبعًا وعشرين سنة، نعم لا حجة فيه للمبتدعة، لأنّه
خصوصية لخزيمة، خصّه بها من له تخصيص من شاء بما شاء، (ومن ذلك ترخيصه في
النياحة:) رفع الصوت على الميت بالندب، وهو عدّ محاسنه كواكهفاء، واجبلاه، (لام عطية،)
نسيبة، بضم النون، وفتح المهملة، مصغر، ويقال بفتح أولها، وكسر السين بنت الحرث
الأنصارية المدنية، ثم سكنت البصرة.
وقيل: بنت كعب، وأنكره أبو عمر؛ لأن بنت كعب هي أم عمارة، روت أم عطية عن
النبي عَّهِ، وعن عمر، وعنها أنس ومحمد وحفصة، ولدا سيرين وآخرون.
وفي مسلم عنها غزوة مع رسول اللَّه عَّه سبع غزوات، كنت أخلفهم في رحالهم، وفي
الصحيح أيضًا عن حفصة بنت سيرين: أن أم عطية قدما البصرة فنزلت قصر بني خلف.
(روى مسلم) في الجنائز من طريق حفصة، (عنها قالت: لما نزلت هذه الآية:) ﴿يا أيها

٣٥٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
﴿يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ... ولا يعصينك في معروف﴾
[الممتحنة/١٢]، قالت: كان منه النياحة، فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم
كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال إلا آل فلان)). قال
النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، وللشارع أن
يخص من العموم ما يشاء.
النبي إذا جاءك المؤمنات (﴿يبايعنك على أن لا يشركن باللَّه شيئًا﴾ [الممتحنة/١٢] الآية، إلى
قوله: (﴿ولا يعصينك في معروف﴾ الآية، قالت) أم عطية: (كان منه،) أي: من (النياحة) على
الميت، وهي من كفر النعمة، لأن من ناح على الميت كفر نعمة أنه حي، (فقلت: يا رسول اللَّه
إلّ آل فلان،) لم يسم، (فإنّهم كانوا أسعدوني، في الجاهلية) الإسعاد: قيام المرأة مع
الأخرى في المناحة تراسلها، أي: تساعدها، وهو خاص بهذا المعنى، ولا يستعمل إلاّ في
المساعدة عليها، (فلا بدّ لي من أن أسعدهم، فقال:) رسول اللَّه عَةٍ (إلاّ آل فلان))،)
وأخرجه البخاري في التفسير عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول اللَّه عَّ له،
فقرأ علينا أن لا يشركن باللَّه شيئًا، ونهانا عن النياحة، فقبضت إمرأة يدها، فقالت: أسعدتني
فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي عَّبه شيئًا فانطلقت، ورجعت فبايعها، وللنسائي قال:
(اذهبي فاسعديها))، قالت: فذهبت فأسعدتها، ثم جئت فبايعته، وللترمذي: فأذن لها، ولأحمد
قال: «اذهبي فكافئیھم)).
قال الحافظ: التي قبضت يدها هي أم عطية، وفلانة لم أقف على اسمها انتهى.
وكأنّه عَطِّ سكت أولاً ثم أذن.
(قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية،) خاصة، (في آل فلان خاصة
وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء) لمن شاء.
قال المصنّف كغيره، وأورد على النووي حديث ابن العبّاس عند ابن مردويه، قالت:
لما أخذ رسول اللَّه عَّم على النساء، فبايعهن على أن لا يشركن باللَّه شيئًا، الآية، قالت خولة
بنت حكيم: يا رسول اللَّه كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية، وإن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها
الحديث، وحديث أسماء بنت يزيد الأنصارية عند الترمذي، قالت: قلت يا رسول الله إن بني
فلان أسعدوني على عمي، ولا بدّ من قضائهن فأبى، قالت: فراجعته مرارًا، فأذن لي، ثم لم أنح
بعد ذلك، وعند أحمد والطبراني من طريق مصعب بن نوح، قال: أدركت عجوزًا لنا، كانت
فيمن بايع رسول اللَّه عَّه، قالت: فأخذ علينا أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا نبي اللَّه إن أناسًا
كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأريد أن أسعدهم، قال: (اذهبي

٣٥١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء
بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله عد له تسلبي
ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت.
ومن ذلك: الأضحية بالعناق لأبي بردة ابن نيار، رواه الشيخان من حديث
البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله عَّه يوم النحر فقال: من صلى صلاتنا
ونسك نسكنا فقد أصاب السنّة،
فكافئيهم)، فانطلقت، فكافأتهم، ثم إنها أتت فبايعته، وحينئذ فلا خصومة لأم عطية، والظاهر أن
النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم تحريم، فيكون الإذن لمن ذكرنا، وقع لبيان
الجواز مع الكراهة، ثم لما تمّت مبايعة النساء وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد.
وفي حديث أبي لملك الأشعري عند أبي يعلى: أن رسول اللَّه عَّهِ قال: (النائحة إذا لم
تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران، ودرع من جرب انتهى، (ومن ذلك ترك
الإحداد) على الزوج، أي: ترخيصه في تركه (لأسماء بنت عميس،) بضم العين، مصغر آخره
سين مهملة، الخثعمية، صحابية تزوّجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لهم،
وماتت بعد على، ولها أحاديث في البخاري والسنن، وهي أخت ميمونة بنت الحرث أم المؤمنين
لأمها، (أخرج ابن سعد) محمد (عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب) قتل بغزوة موتة،
سنة ثمان من الهجرة (جعفر بن أبي طالب) الهاشمي، ذو الجناحين، الصحابي الجليل، له في
النسائي، (قال لي رسول اللَّه عَّ﴾ ((تسلبي)))) أي: حدي على زوجك (ثلاثًا،) قال المصباح:
التسلب: امتناع المرأة من الزينة والخضاب بعد موت زوجها، وفي نسخة تسلبى بدون موحدة؛
فإن صحت فالمعنى، تصبري، أي: صبّري نفسك على الإحداد ثلاثة أيام، (ثم اصنعي
ما شئت،) فأباح لها ترك الإحداد بعدها، مع وجوبه على المرأة ما دامت في العدّة، (ومن ذلك
الأضحية بالعناق،) بفتح المهملة، وخفة النون الإثني من ولد المعز قبل استكمالها الحول،
(لأبي بردة،) بضم الموحدة، (ابن نيّار) السلولي، حليف الأنصار، اسمه هانىء، وقيل
الحرث بن عمرو، وقيل ملك بن هبيرة، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعدها، (رواه الشيخان)
البخاري في العيد، والأضاحي ومسلم في الذبائح، (من حديث البراء بن عازب) رضي اللَّه
عنهما، (قال: خطبنا رسول اللَّه عَلّه يوم النحر،) وفي رواية يوم الأضحى بعد الصلاة، (فقال:
من صلّى صلاتنا ونسك،) بفتح النون والسين، (نسكنا،) بضم النون والسين، ونصب الكاف،
أي: ضحى مثل ضحيتنا، (فقد أصاب السنة،) أي: الطريقة، وفي رواية فقد أصاب سنتنا، وفي
رواية النسك، وفي أخرى: ومن ذبح بعد الصلاة فقد، ثم نسكه وأصاب سنة المسلمين، (ومن

٣٥٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله،
لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت
وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله عَّةٍ: (تلك شاة لحم))، قال:
عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم
نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم،) وليست أضحية، فلا ثواب فيها، واستشكلت هذه
الإضافة؛ بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن، كخاتم حديد، أو اللام، كغلام زيد، أو في كضرب
اليوم، أو لفظية مضافة إلى معلومها، كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شيء منها في شاة
لحم، وأجيب بأن الإضافة بتقدير محذوف، أي: شاة طعام لحم لا طعام نسك، وما أشبه ذلك،
يعني شاة لحم غير نسك، فهي مضافة إلى محذوف، أقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية
للصحيح أيضًا، فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النسك في شيء، (فقام أبو بردة بن نيار،
فقال: يا رسول اللَّه لقد نسكت) شاتي، أي ذبحتها (قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن
اليوم يوم أكل وشرب،) بضم الشين، وتجويز الزركشي، فتحها كما قيل به في أيام منى أيام
أكل وشرب، رده الدماميني؛ بأنه ليس محل قياس، إنما المعتمد الرواية.
زاد في رواية، وأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي، وفي أخرى عن أنس في
الصحيحين، فقال: يا رسول اللَّه إن هذا يوم نشتهي فيه اللّحم، أي: تجري العادة بكثرة الذبح
فيه، فتشوف له النفس إلتذاذ به، (فتعجلت،) وفي رواية: فذبحت شاتي، (وأكلت، وأطعمت
أهلي وجيراني) قبل أن آتي الصلاة، (فقال رسول اللَّه عَ ل: ((تلك شاة لحم)))، لا أضحية،
فلا ثواب فيها، بل هي على عادة الذبح للأكل المجرّد عن القربة، فأفاد بإضافتها إلى اللحم نفي
الأجزاء.
وفي رواية، فقال: له النبي عَِّ أبدلها، (قال:) وفي رواية، فقال: (عندي عناق جذعة،)
بالتنوين فيهما، فالثاني عطف بيان، وفي رواية: عندي جذعة، وأخرى عندي عناق، لبن إشارة
إلى صغرها؛ وأنّها قريبة من الرضاع، وفي أخرى: فإن عندنا عناقًا لنا جذعة، صفتان لعناقا
المنصوب بأن.
وفي رواية: فإن عندي داجنًا جذعة، وما يوجد في بعض النسخ، فإن عندي عناق جذعة،
وإن أمكن توجيهها بجعل اسم أن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة خبر، لكنه ليس رواية، (هي
خير من شاتي، لحم) لطيب لحمها وسمنها، فإن قيل كيف تكون واحدة خيرًا من أضحيتين،
بل العكس أولى، كعتق اثنين خير من عتق واحد، ولو كان أنفس، أجيب بأن القصد بالضحايا
طيب اللحم وكثرة السمن، فشاة سمينة أفضل من هزيلتين، وأما العتق فالمقصود منه التقرب إلى

٣٥٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
فهل تجزي عني؟ قال: نعم ولن تجزي عن أحد بعدك.
و«نيار)) بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء.
وقوله ((تجزي)) بفتح أوله غير مهموز، أي تقضي.
و «الجذع)) بالجيم والذال المعجمة.
وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في
الأضحية.
ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث
عقبة بن عامر - عند البيهقي -: ولا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقي: إن
كانت هذه
اللَّه بفك الرقبة، فعتق اثنين أفضل من عتق واحد، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على
غيره، كالعلم وأنواع الفضل، فجزم بعض المحققين أنه أفضل لعموم نفعه للمسلمين.
وفي رواية: هي خير من مسنة، وأخرى من مسنتين، بالتثنية، قال الجوهري: يكون ذلك
في الظلف والحافر في الثالثة، وفي الخف في السادسة (فهل تجزي عني؟، قال: نعم تجزي
عنك، وفي رواية قال: اجعلها مكانها، (ولن تجزي عن أحد بعدك،) أي: غيرك لأنه لا بد في
تضحية المعز من الثنية، (ونيار، بكسر النون، وتخفيف المثناة التحتية، وآخره راء بعد ألف،
(وقوله تجزى، بفتح أوله غير مهموز أي: تقضى)، کقوله: لا یجزی والد عن ولده، قال ابن
بري الفقهاء: يقولون لا يجزىء، بالضم والهمزة في موضع لا يقضى، والصواب الفتح بلا همز،
ويجوز الضم والهمز، بمعنى، الكفاية، في الأساس بنو تميم تقوله: نضم أوله، وأهل الحجاز، بفتح
أوله، وبهما قرىء لا تجزى نفس عن نفس، وجوّز بعضهم هنا الضم من الرباعي، وبه قال
الزركشي في تعليق العمدة اعتماداً على نقل الجوهري وغيره؛ أنها لغة تميم، وتعقب بأن الأعتماد
إنما هو الرواية، لا مجرد النقل عن تميم، (والجذع، بالجيم والذال المعجمة،) ثم عين مهملة ما
استكمل سنة، فالعناق تجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها للخصب، فتسمن، فيسرع
اجذاعها، (وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة باجزاء الجذع من المعز في الأضحية)
على سبيل الصراحة، (ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي
حديث عقبة بن عامر) الجهني، الفقيه، الفاضل، مات قرب الستين (عند البيهقى،) وأصله في
الصحيحين، عن عقبة قال: قسم النبي عَّ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا
رسول الله صارت لي جذعة، قال: ضح بها.
زاد في رواية البيهقي، (ولا رخصة فيها لاحد بعدك، قال البيهقي: إن كانت هذه

٣٥٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة.
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة
عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني ويحتمل في الجمع أن
تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه
لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وفي كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل
الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي
إلا في قضية أبي بردة في الصحيح، وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما
عذا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي عَ ليه
أعطاه عتودًا جذعًا، فقال: ضح به، فقلت إنه جذع أفأضحي به؟ قال: ضح به.
الزيادة محفوظة،) أي: ليست بشاذة، (كان هذا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة).
(قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم،) وهو
نفى الاجزاء عن غير المخاطب في كل منهما، (فايهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع
للثاني،) فلا يصح الجمع المذكور، (ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت
بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره
صريحًا،) لكن فيه دعوى النسخ بالإحتمال، وإنما يكون بمعرفة التاريخ، وإلى هذا أشار بقوله
الأتي: وإن تعذر الجمع ... الخ.
(وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل) هذا البعض
(الجمع) بحسب الظاهر، (وليس بمشكل) عند التحقيق، (فإن الأحاديث التي وردت في
ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح) للشيخين.
(وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك،) فوقعت المشاركة في
مطلق الاجزاء، لا في خصوص منع الغير، (فأخرج أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث
زيد بن خالد) الجهني المدني، صحابي شهير مات بالكوفة سنة ثمان وستين، أو سبعين، وله
خمس وثمانون سنة؛ (أن النبي عَّ أعطاه عتودًا،) بفتح المهملة، وضم الفوقية الخفيفة: ما
قوى ورعى من أولاد المعز، وأتى عليه حول، أو العتود: الجذع من المعز ابن خمسة أشهر، وفي
المحكم العتود الجدى الذي استكرش، وقيل: الذي بلغ السفاد (جذعا،) أي: صغيراً، (فقال:
ضح به، فقلت: إنه جذع) لا يجزي ضحية، (أفأضحي به، قال: ضح به) ولم يقل لا رخصة،

٣٥٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عّ لّ من الفضائل والكرامات
وفي الأوسط للطبراني من حديث ابن عباس أنه عَِّ أعطى سعد بن أبي وقاص
جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة، وفي
سنده شدة ضعف.
فلا منافاة بين ذلك وحديثي أبي بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في
ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزي، واختص أبو بردة،
وعقبة بالرخصة في ذلك.
وإن تعذر الجمع بين حديث أبي بردة وحديث عقبة، فحديث أبي بردة
أصح مخرجًا. وإن كان حديث عقبة عند البيهقي من مخرج الصحيح.
أو لا يجزي عن أحد بعدك.
(وفي الأوسط للطبراني من حديث ابن عباس أنه عَّهِ أعطى سعد بن أبي وقاص)
مالكًا أحد العشرة (جذعًا من المعز، فامره أن يضحي به، وأخرجه الحاكم من حديث عائشة)
أنه أعطى سعد الخ ... (وفي سنده شدة ضعف) وإن خرجه الحاكم، وكذا وقع لعويمر بن اشقر،
رواه ابن حبان، وابن ماجه، وروى أبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله
هذا جذع من الضان مهزولة، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفاضحى به، فقال:
((صح به فإن للّه الخير)، وسنده ضعيف، (فلا منافاة بين ذلك) كله (و) بين (حديثي أبي بردة
وعقبة؛ لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر) مجزيًا، (ثم تقرر الشرع بأن الجذع من
المعز لا يجزي، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك،) لكن يبقى التعارض بين
حديثيها، فإن ساغ أحد الجمعين المتقدمين، فلا تعارض، (وإن تعذر الجمع بين حديث أبي
بردة وحديث عقبة،) لأن جمع البيهقي فيه نظر، بأن في كل منهما صيغة عموم، كما صر،
والجمع بإحتمال نسخ خصوصية الأوّل بالثاني لا ينهض، إذ النسخ لا يكون بالإحتمال رجعنا
إلى الترجيح، (فحديث أبي بردة أصح مخرجًا) لاتفاق البخاري ومسلم عليه، هو أرفع
الصحيح، فيقدم على حديث عقبة عند البيهقي، خصوصًا وقد أخرجه الشيخان بدون تلك
الزيادة، (وإن كان حديث عقبة عند البيهقي من مخرج الصحيح) لأنه لا يلزم من إخراج
الشيخين لرجاله أن يكون صحيحًا مثل تخرجيهما بالفعل، وقد نبّه على ذلك ابن الصلاح في
مقدمة شرح مسلم، فقال: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في الصحيح، بأنه من شرط
الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، ذلك يتوقف على النظر في كيفية روايته عنه، وعلى أي
وجه أخرج حديثه، انتھی.

٣٥٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَةٍ من الفضائل والكرامات
ومن ذلك: انكاح ذلك الرجل بما معه من القرءان، فيما ذكره جماعة، وورد
به حديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي، قال: زوج
رسول الله عَّ له امرأة على سورة من القرءان
(ومن ذلك انكاح ذلك الرجل) الذي كان عند المصطفى، لما عرضت امرأة نفسها
عليه عَّ، فالإشارة إلى معلوم (بما معه من القرءان،) أي: بتعليمه إياها، بأن جعله صداقًا، وذلك
لا يجوز كونه صداقا، فهو خصوصية (فيما ذكره جماعة) كأبي حنيفة وأحمد ولملك، وهو أحد
قولين مرجّحين عند أصحابه، وجوّزه الشافعي والمصنّف كغيره ممن ذكر الخصائص، غالبًا
لا يقتصرون فيها على مذهبهم، بل يذكرون ما قيل أنّه خصوصيّة، ولو كان ضعيفًا، فعجيب
الإعتراض عليه بأنه مذهب الشافعي، وكان المعترض ما تنبّه لقوله فيما ذكره جماعة (وورد به حديث
مرسل).
(أخرجه سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي) ظاهر المصنّف أنّه تابعي لقوله مرسل،
وقد أورده في الإصابة في الكنى في القسم الأول، وقال: ذكره أبو موسى عن الطبراني، وأخرج
ابن السكن عن أبي النعمان الأزدي أنّ رجلاً خطب امرأة، فقال عَّ ◌ُله: (أصدقها))، قال: ما عندي
شيء، قال: ((أما تحسن سورة من القرءان فأصدقها السورة، ولا يكون لأحد بعدك مهر)، قال أبن
السكن: لا تحفظ هذه الزيادة إلاّ في هذه الرواية، انتهى.
وفي التجريد للذهبي أبو النعمان: له حديث ساقه مطين وغيره في التزويج على سورة من
القرءان؛ فهو صحابي قطعًا فمراد المصنّف، كالسيوطي بقولهما مرسل ما سقط منه، رواه على
أحد الأقوال لا ما رفعه التابعي، وإن كان هو المشهور في تعريفه، لأن الواقع أن أبا النعمان
صحابي لا تابعي، (قال زوج رسول اللَّه عَلَّهِ إمرأة) يقال إنّها خولة بنت الحكم، أو أم شريك،
أو ميمونة، قال الحافظ في المقدّمة، ولا يثبت شيء من ذلك، ولم يسم الرجل (على سورة من
القرءان) أي على جنس، فلا ينافي رواية الصحيحين، قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة
كذا يعددها، فقال عَّهِ: ((أنكحتها بما معك من القراءن))؛ ولأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة
سورة البقرة، أو التي تليها، وللدارقطني عن ابن مسعود البقرة وسورة من المفصل، ولتمام الرازي
عن أبي أمامة قال زوج النبي عَّ رجلاً من الأنصار على سبع سور، وفي فوائد أبي عمر بن
حبّوبة عن ابن عباس، قال: معي أربع سور أو خمس سور، ذكره الحافظ.
وفي أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة: ((قم فعلّمها عشرين، أي: آية من القرءان، وهي
إمرأتك، فظاهر حديث الصحيحين أنّه جعل الصداق تعليمه إيّاها جميع ما معه من القرءان على
اختلاف الروايات في تعيينه، ولا منافاة بينها، لأن كلا حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأما الجمع

٣٥٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّة من الفضائل والكرامات
وقال: لا يكون لأحد بعدك مهرًا.
بجواز أن ما كان مع الرجل سورة، وعدَّتها عشرون آية، أو كان عنده سور قصار تبلغ عشرين آية،
ففاسد لما رأيت من أن منها البقرة، أو آل عمران، هذا وإنما عدل المصنّف كالسيوطي عن
الصحيحين إلى المرسل، لأنّه صرح فيه بالخصوصية بقوله: (وقال: لا يكون لأحد بعدك مهرًا،)
وتجويز المراد لا يقع أن أحدًا يجعل السورة صداقًا حتى لا يخالف الشافعي عدول عن الظاهر،
وقد قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعده، أي: أنّه خصوصيّة بخلاف حديث الصحيحين، فإفادته
الخصوصيّة بالقوة لا الصريح.
روى الشيخان عن سهل بن سعد: أن امرأة عرضت نفسها على النبي عَّةِ، وفي رواية
لهما، فقالت: يا رسول الله إنّي قد وهبت نفسي إليك، فصعد فيها النظر، فقامت قيامًا طويلاً،
فقام رجل، فقال: يا رسول الله زوجينها، إن لم يكن لك بها حاجة، قال: ((ما عندك؟))، قال:
ما عندي شيء، قال: ((اذهب فالتمس ولو خاتمًا من حديد))، فذهب، ثم رجع، فقال: لا واللَّه
ما وجدت شيئًا ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا أزاري، ولها نصفه، قال سهل: وما له رداء؟
فقال عَّهِ: ((وما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه
شيء)، فجلس الرّجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي عَُّلِّ، فدعاه أو دعى له، فقال له:
((ماذا معك من القرءان؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا السور، يعدّها، فقال
النبي عَلَّه: ((أنكحتكها بما معك من القرءان)).
هذا وزاد السيوطي ترخيصه في إرضاع سالم، مولى أبي حذيفة وهو كبير في تعجيل
صدقة عامين للعبّاس، وفي الجمع بين اسمه وكنيته للولد الذي يولد لعلي، وفي المكث في
المسجد جنبًا لعلي، وفي فتح باب داره في المسجد له، وفي فتح خوخة فيه لأبي بكر، وأكل
المجامع في رمضان من كفارة نفسه، وفي لبس الحرير للزبير وعبد الرحمن فيما قاله جماعة،
وهو وجه عندنا، وفي لبس الخاتم الذهب للبراء، وفي اشتراط الولاء لموالي بريرة، ولا يوفى به
فيما ذكره بعضهم، وفي العزية لعلبة بن زيد الحارثي فيما ذهب إليه الواقدي، وفي خيار الغبن
لحبان بن منقذ فيما ذكره النووي في شرح مسلم، وفي التحلل بالمرض لضباعة بنت الزبير في
أحد القولين، وفي ترك مبيت منى لأجل السقاية لبني العبّاس في وجه، وبني هاشم في آخر،
ولعائشة في صلاة ركعتين بعد العصر، ولمعاذ في قبول الهدية حين بعثه إلى اليمن، وفي
المستدرك وغيره، عن أنس: أن أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه، قال ثابت: ما سمعت
بامرأة كانت أكرم مهرًا منها في الإسلام، وأعاد امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلّقها ثلاثًا من غير
محلل، وأسلم رجل على أن لا يصلّي إلاّ صلاتين، فقبل منه، وضرب لعثمان يوم بدر بسهم،
ولم يضرب لغائب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر، كان يواخي الصحابة ويثبت بينهم التوارث،

٣٥٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَلَّهِ من الفضائل والكرامات
ومنها أنه كان يوعك كما يوعك رجلان لمضاعفة الأجر.
ومنها أن جبريل أرسل إليه ثلاثة أيام في مرضه يسأله عن حاله، ذكره
البيهقي وغيره.
وليس ذلك لغيره، قاله على بن زيد، وخصّ نساء المهاجرين بأنّهن يرثن دون أزواجهن لأنهن
غرائب لا مأوى لهن، وكان أنس يصوم من طلوع الشمس، لا من طلوع الفجر، فالظاهر أنّها
خصوصيّة، (ومنها أنّه كان يوعك) ، أي: يأخذه الوعك، بسكون العين، أي: شدّة الحمّى، أو
ألمها، أو رعدتها، (كما يوعك رجلان لمضاعفة الأجر).
عَّةٍ، وهو يوعك، فقلت: إنّك
روى الشيخان عن ابن مسعود، قال: دخلت على النبى ێے،
لتوعك وعكًا شديد، فقال: ((أجل إنّي أوعك، كما يوعك رجلان منكم))، قلت: وذلك لأن لك
أجرين، قال: ((أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلاّ كفّر اللَّه بها سيئاته
كما تحط الشجرة أوراقها)).
زاد إلاّنموذج، وكذلك الأنبياء، وعصم من الأعلال الموحية، ذكر هذه القضاعي، الأعلال:
بمهملة جمع علّة، والموحية: بحاء مهملة القاتلة بسرعة، فلم يصب منها بشيء حياته.
وروى الطبراني عن أبي أمامة: كان عَّه يتعوّذ من موت الفجأة، وكان يعجبه أن يمرض
قبل أن يموت.
وروى ابن ماجة، وصحّحه الديملي، عن أبي سعيد مرفوعًا: (إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا
البلاء، كما يضاعف لنا الأجر، كان النبي من الأنبياء يبتلى بالقمل حتى يقتله، وإنّهم كانوا
يفرحون بالبلاء، كما تفرحون بالرخاء».
وروى أحمد بسند حسن، والطبراني، عن فاطمة بنت اليمان، قالت: أتينا رسول اللَّه عَلَّه
نعوده في نساء، فإذا شنِ معلّق نحوه، يقطر ماؤه في فيه من شدّة ما يجد من حر الحمى، فقلنا:
يا رسول اللَّه لو دعوت اللَّه فشفاك، قال: ((إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء)).
(ومنها جبريل أرسل إليه ثلاثة أيام في مرضه) الذي مات فيه إكرامًا له وإجلالاً، (يسأله
عن حاله) كل يوم يقول: إنّ اللَّه أرسلني إليك تفضيلاً وخاصّة، يسألك عما هو أعلم به منك،
كيف تجدك؟، قال: ((أجدني مكروبًا ومغمومًا))، وفي اليوم الثالث جاء، ومعه ملك الموت،
فاستأذنه في قبض روحه، فأذن (ذكره) أي خرّجه (البيهقي) في الدلائل (وغيره) وأشار البيهقي
لضعفه، ولمّا نزل إليه ملك الموت نزل معه ملك يقال له إسمعيل، وهو على سبعين ألف ملك
يسكن الهواء، لم يصعد السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قبل ذلك اليوم قط، وسبقهما جبريل،
فقال له ما تقدم، فقال له: ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، فأذن له،

٣٥٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه صلى عليه الناس أفواجًا أفواجًا بغير إمام، وبغير دعاء الجنازة
المعروف ذكره البيهقي وابن سعد وغيرهما،
فدخل، فوقف بين يديه، وقال: إن اللَّه أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك، فإن أمرتني أقبض
نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال له جبريل: إنّ اللَّه اشتاق إلى لقائك، أي:
أراده، فقال ◌َِّ لملك الموت: ((إمض لما أمرت به))، رواه الشافعي والبيهقي عن علي بإسناد
معضل.
وروى أبو نعيم عن علي: لمّا قبض عَّه، صعد ملك الموت باكيًا إلى السماء، والذي
بعثه بالحق لقد سمعت صوتًا من السماء ينادي: وامحمداه.
(ومنها أنّه صلّى عليه الناس أفواجًا أفواجًا،) أي: فوجًا بعد فوج، روى الترمذي أن
الناس قالوا لأبي بكر: أنصلّي على رسول اللَّه؟، قال: نعم، قالوا: وكيف نصلّي؟، قال: يدخل قوم
يصلّون ويدعون، ثم يدخل قوم فيصلّون، فيكبرون ويدعون، فرادى (بغير إمام،) قال علي: هو
إمامكم حيًّا وميتًا، فلا يقوم عليه أحد، فكان الناس تدخل رسلاً فرسلاً، فيصلّون صفًا صفًا ليس
لهم إمام، رواه ابن سعد.
قيل: وصلّوا كذلك لعدم اتفاقهم على خليفة، وقيل: بوصية منه، روى الحاكم والبزار
بسند فيه مجهول أنه عَّه لمّا جمع أهله في بيت عائشة، قالوا: فمن يصلّي عليك؟، قال: ((إذا
غسلتموني وكفنتموني، فضعوني على سريري، ثم اخرجوا عني، فإن أول من يصلّي على
جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا
علي فوجًا بعد فوج، فصلّوا علي وسلّموا تسليمًا)).
(وبغير دعاء الجنازة المعروف ذكره،) أي: رواه (البيهقي، وابن سعد وغيرهما) عن
علي أنّهم كانوا يكبرون، ويقولون السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه، اللَّهم إنّا نشهد أنّ محمدًا
قد بلّغ ما أنزل عليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيلك حتى أعز اللَّه كلمته، فاجعلنا نتبع ما أنزل
إليه، وثبتنا بعده، واجمع بيننا وبينه، فيقول الناس: آمين، أي: الناس الذين لم يكونوا مشغولين
بالصلاة، أو من سبق بالسلام ولم ينصرف، أو المصلّون أنفسهم.
وروى الحاكم والبيهقي: أوّل من صلّى الملائكة فرادى، ثم الرجال فرادى، ثم النساء، ثم
الصبيان بوصيّة منه بذلك.
وروى البيهقي عن ابن عبّاس: لما مات عَّ أدخل عليه الرجال فصلّوا بغير إمام إرسالاً حتى
فرغوا، ثم أدخل النساء، فصلين عليه كذلك، ثم العبيد كذلك، ولم يؤمهم عليه أحد، وتكرار
الصلاة عليه من خصائصه عند ملك وأبي حنيفة، وفي اقتصار المصنّف على أنه بغير دعاء الجنازة

٣٦٠
الفصل الرابع ما اختصّ به علّ ◌ُلّ من الفضائل والكرامات
وترك بلا دفن ثلاثة أيام كما سيأتي، ففرش له في لحده قطيفة، والأمران مكروهان
في حقنا، وأظلمت الأرض بعد موته كما سيأتي.
ومنها: أنه لا یبلی جسده،
إفادة أنّهم صلّوا عليه الصلاة المعروفة، ولم يقتصروا على مجرّد الدعاء، وهو كذلك.
قال عياض، وتبعه النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي عَه
كانت صلاة حقيقيّة، لا مجرّد الدعاء فقط، وعد طائفة من خصائصه أنّه لم يصل عليه أصلاً،
وإنّما كان الناس يدخلون إرسالاً، فيدعون ويصدقون على ظاهر حديث علي، وعلّل بأنّه لفضله
وشرفه غير محتاج للصلاة عليه، وردّ بأن المقصود من الصلاة عليه عود التشريف على
المسلمين، مع أن الكامل يقبل زيادة التكميل، (وترك بلا دفن ثلاثة أيّام) لاختلافهم في موته، أو
في محل دفنه، أو لاشتغالهم في أمر البيعة بالخلافة، حتى استقرّ الأمر على أبي بكر،
(كما سيأتي) ذلك بتعليله في المقصد الأخير زاد غيره، أو لدهشتهم من ذلك الأمر الهائل الذي
ما وقع قبله، ولا بعده مثله، فصار بعضهم كجسد بلا روح، وبعضهم عاجز عن النطق، وبعض عن
المشي، أو خوف هجوم عدو أو لصلاة جم غفير، (ففرش له لحده قطيفة) نجرانية، كان
يتغطى بها، وضعها مولاه شقران، وقال: واللَّه لا يلبسه أحد بعدك، فوضعها خصوصيّة له، كما
قال وكيع، فقد كره جمهور العلماء وضع قطيفة، أو مضربة، أو مخدّة ونحو ذلك في القبر
تحت الميت، وشذ البغوي، فجوّزه، والصواب: الكراهة، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث،
بأن شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنّما فعل ذلك
كراهة أن يلبسها أحد بعده، قاله النووي، وقد قال ابن عبد البر: أنها أخرجت لما فرغوا من وضع
اللبنات التسع، ورجحه الحافظ وشيخه في الألفية، قال:
وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت
(والأمران) تأخير الدفن والفرش (مكروهان في حقنا) تنزيها، (وأظلمت الأرض بعد
موته) رواه الترمذي عن أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه عَّ المدينة أضاء منها كل شيء،
فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب، وإنا لفي دفنه
حتى أنكرنا قلوبنا، (كما سيأتي) في المقصد العاشر.
زاد الأنموذج: ولا يضغط في قبره، وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغطة صالح،
ولا غيره سواهم، وفي تذكرة القرطبي: إلاّ فاطمة بنت أسد ببركته، وتحرم الصلاة على قبره
واتخاذه مسجدًا.
قال الأوزاعي: ويحرم البول عند قبور الأنبياء، ويكره البول عند قبور غيرهم.
(ومنها أنّه لا يبلى) بالبناء للمفعول (جسده) أي: لا يتغيّر عن حالته التي كان عليها في