Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلة من الفضائل والكرامات قال: قلت لابن عباس، رأيت النبي عَ له في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد. لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال قال رسول الله عَّله: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة)) وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط. قال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيته بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال. الحسن بن على، فشبّهته به،) لأنه كان يشبهه، كما قال الصديق، وقد حمله: بأبي شبيه بالنبيّ ليس شبيهًا بعليّ وعليّ يضحك كما في الصحيحين، (قال: قد رأيته، فدلّ ذلك على أن رؤياه إنما تصح لرائيه على صفته (وسنده جيّد)، أي مقبول ( لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة) قال: (قال رسول اللَّه عَلّهِ: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة) صورتي أو غيرها). وفي سنده ابن التوأمة، بفتح الفوقية وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة، وصوابه صالح مولى التوأمة، وهو صالح بن نبهان المدني، التابعي الصغير، (وهو) صدوق اختلط فهو( ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط). قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب وابن جرير، مات سنة خمس أو ستّ وعشرين ومائة، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخطأه من زعم أن البخاري أخرج له. ( قال القاضي أبو بكر) محمّد (بن العربي)، الحافظ الفقيه المالكي: (رؤيته عَيْدُ بصفته المعلومة) التي كان عليها (إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيّرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال) لا الحقيقة، فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، والثانية تحتاجه، وللصوفية ما يوافق معنى هذا وإن اختلف اللفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التنبه له، وهو أن الرؤيا الصحيحة أن يرى بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآه بغيرها، كطويل، أو قصير، أو شيخ، أو شديد السمرة لم يكن رآه، وحصول الجزم في نفس الرائي بأنه رآه غير حجّة، بل ذلك المرئي ٢٨٢ الفصل الرابع ما اختص به عٍَّ من الفضائل والكرامات قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلاً. قال وقوله: ((فسيراني)) معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله: ((فكأنما رآني)) فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقًا وحقيقة، والثاني حقًّا وتمثيلاً. قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال. فإن رآه مقبلاً عليه مثلاً فهو خير للرائي، وعلى العكس فبالعكس. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله ((فقد رآني)) أو ((فقد رأى الحق)) أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًّا، ومن رآه على صورة الشرع بالنسبة لاعتقاد الرائي، أو خياله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإسلام، أو بالنسبة للمحل الذي رأى فيه تلك الصورة. قال القونوي كابن العربي: وقد جرّبناه فوجدناه لم ينخرم. (قال) القاضي ابن العربي: (وقد شذّ بعض القدرية، فقال: الرؤيا) من حيث هي للنبيّ أو لغيره (لا حقيقة لها أصلاً)، لأنهم حالوا الوقوف على حقيقتها بالعقل، وهي لا تدرك به، وهم لا يصدقون بالسمع، فنفوا عنها الحقيقة، وقالوا: إنما هي خيالات لا أصل لها كما بيّته ابن العربي نفسه، وكذا غيره. (قال) ابن العربي: (وقوله: فسيراني معناه: فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حقّ) في نفس الأمر (وغيب) عنّا. وأمّا قوله: ((فكأنما رآني))، فهو تشبيه، ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأوّل، وهو رؤيته يقظة (حقًّا وحقيقة) أي: محقّقًا،( والثاني) أي رؤيا المنام (حقًّا وتمثيلاً، قال: وهذا كلّه إذا رآه على صورته المعروفة؛) بأن كان صحابيًّا، أو تكرّرت عليه صفته من الكتب كما مرّ (فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال أي أمور شبهت له في المنام تدل على ما يحصل له يقظة ( فإن رآه مقبلاً عليه مثلاً، فهو خير للرائي، وعلى العكس، أي: مدبرًا عنه (فبالعكس)، أي: فهو شرّ للرائي، لكن لا يظهر تفريع هذا على مقابله، إذ مجرّد رؤياه مقبلاً أو مديرًا لا ينافي أنه رآه على صفته الأصلية، فالأولى لو مثّل بنحو من رآه شيخًا، أو شابًّا، أو جسمًا ملاً البلد الذي هو فيه. (وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فقد رآني))، أو ((فقد رأى الحق))؛ أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًّا، ومن رآه على غير ٢٨٣ الفصل الرابع ما اختصّ به عَل من الفضائل والكرامات غیر صورته کانت رؤيا تأويل، انتهى. وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى. وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لي من كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالتين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية: مما تحتاج إلى التعبير. وقال بعضهم: معناه، أن من رآه على صورته التي كان صورته كانت رؤيا تأويل) بأن يؤوّل بما يناسب ما رآه من خير وغيره. ( انتهى). (وتعقّبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنّه يراه حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها. انتهى). وتبعه عليه بعض المحقّقين، ثم قال: فإن قيل كيف يرى على خلاف صورته، ويراه شخصان في ليلة واحدة في مكانين، والبدن الواحد إنما يكون في مكان واحد، قلنا: التغيير في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته مرئيّة وصفاته متخيّلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحقّق الإبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي ظاهرًا على الأرض، أو مدفونًا فيها، وإنما الشرط کونه موجودا، انتھی. (وتعقّبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، فقال: لم يظهر لي من كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك) الذي ذكره النووي أنه يراه حقيقة مطلقًا، (بل ظاهر قوله)، أي: كلام عياض المذكور ( أنه يراه حقيقة في الحالتين) رؤياه على صورة حياته وعلى غيرها؛ (لكن في الأولى تكون الرؤيا ممّا لا تحتاج إلى تعبير، والثانية ممّا تحتاج إلى التعبير،) فإذا رآه على غير صورته، كان المراد منها أمرًا يحصل للرائي، فهي حقّ من هذا الوجه، وفي المفهم للقرطبي اختلف في معنى الحديث، فقال قوم من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رآه على حقيقته، كمن يراه في اليقظة سواء، وهو قول يدرك فساده ببادىء العقل، إذ يلزم عليه أن لا يراه أحد إلاّ على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه اثنان في وقت واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويخلو قبره عنه فيزار مجرد القبر، ويسلم على غائب، لأنه يرى ليلاً ونهارًا على اتّصال الأوقات وهذه جهالات لا يلتزمها من له أدنى مسكة من عقل، وملتزم ذلك مختلّ مخبول. (وقال بعضهم:) ولفظ القرطبي: طائفة، (معناه: أن من رآه على صورته التي كان ٢٨٤ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات عليها. ويلزم من قول من قال: ((إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة) أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثل بشىء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: فإن الشيطان لا يتمثل بي. فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شىء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته. فالصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغائًا، بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله تعالى، عليها) فقد رآه حقًّا، فهو شرط حذف جوابه، أو قوله على صورته معمول لمقدر، أيّ: من رآه حقًّا رآه على صورته، (ويلزم من قول من قال: إنها لا تكون إلاّ على صورته المعلومة) ، أخصر منه قول القرطبي: ويلزم منه (أن من رآه على غير صفته، أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام،) والأحاديث تأبى ذلك، (ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به) ومع ذلك تكون تلك الرؤيا حقًّا كما لو رآه ملأ بلدًا أو دارًا بجسمه، فإنه يدلّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة، وكثيرًا ما وقع ذلك. هذا أسقطه المصنف من القرطبي، (ولو تمكّن الشيطان من التمثّل بشىء ممّا كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: ((فإن الشّيطان لا يتمثّل بي))) إذ هو نفي مطلق، (فالأولى، أي الأحقّ (أن تنزّه رؤياه، وكذا رؤيا شىء منه) كعمامته ونحوها، (أو ممّا ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، أي: الاحترام والتعظيم، (وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته)، بفتح القاف ، (فالصحيح في تأويل هذا الحديث؛ أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة)، سواء كانت صفته أم غيرها (ليست باطلة ولا أضغائًا) أخلاط أحلام (بل هي حقّ في نفسها، ولو رؤي على غير صورته فتصوّر تلك الصورة ليس من الشّيطان بل هو من قبل اللَّه تعالى)، مثل اللَّه ذلك للرائي بشرى، فينبسط للخير، أو إنذارًا، فينزجر عن الشرّ تنبيهًا على خير يحصل، وقد ذكرنا أن المرئي في المنام أمثلة المرئيّات لا أنفسها غير أن تلك الأمثلة تارّة تطابق حقيقة المرئي، وتارة لا تتمّ المطابقة، وقد تظهر في اليقظة كذلك، فالمقصود بتلك الصورة معناها لا عينها، ولذا خالف المثال صورة المرئي بزيادة أو نقص، أو تغيّر لون، أو ٢٨٥ الفصل الرابع ما اختص به عَّله من الفضائل والكرامات وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره. ويؤيده قوله ((فقد رأى الحق)) أشار إليه القرطبي. وقال ابن بطال: قوله: ((فسيراني في اليقظة)) يريد تصديق ذلك في اليقظة وصحتها وخروجها على الوجه الحق، وليس المراد أنه يراه في الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته، ومن رآه في النوم ومن لم يره. وقال المازري: إن كان المحفوظ ((فكأنما رآني في اليقظة)) احتمل أن يكون أراد ظاهر، وإن المحفوظ ((فسيراني في اليقظة)) احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، زيادة عضو تنبيهًا على معاني الأمور. هذا أسقطه من كلام القرطبي (وهذا قول القاضي أبي بكر) محمّدٍ (بن الطيّب) بن محمّد القاضي، المعروف بابن الباقلاني، الملقّب بشيخ السنّة ولسان الأمّة، البصري، ثم البغدادي المالكي، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه، عظيم الجدل، وله بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة، وورده عشرون ركعة كل ليلة، ما تركها حضرًا ولا سفرًا، وإذا قضى ورده كتب خمسًا وثلاثين ورقة تصنيفًا من حفظه مات سنة ثلاث وأربعمائة (وغيره، ويؤيّده قوله: ((فقد رأى الحقّ))، أشار إليه القرطبي) في شرح مسلم، وحاصل كلامه أن رؤياه بصفته إدراك لذاته، فلا تحتاج لتعبير، وبغيرها إدراك لمثاله، فتحتاج إلى التعبير. (وقال ابن بطال) أبو الحسن في شرح البخاري: (قوله: ((فسيراني في اليقظة))، یرید) به أنه يرى (تصديق ذلك في اليقظة وصحتها)، أي: رؤياه (وخروجها على الوجه الحقّ) ولا يلزم منه أنه يرى ذاته يقظة، (وليس المراد أنه يراه في الآخرة؛ لأنه سيراه يوم القيامة جميع أُمته، ومن رآه في النوم ومن لم يره،) فلا معنى لقصر الحديث عليه، ويأتي الجواب بأنه يراه بصفة خاصة. (وقال) أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ بن عمر التميمي (المازري:) بفتح الزاي وكسرها، نسبة إلى مازر جزيرة بصقلية، الإمام الفقيه، العلاّمة الشهير في شرح إحدى روايتي مسلم، وهي التي بالشك: (إن كان المحفوظ: فكأنما رآني في اليقظة، فمعناه ظاهر) لأنه تشبيه( وأن المحفوظ فسيراني في اليقظة)، وهو المجزوم به في الصحيحين. (احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممّن لم يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة،) فيوفّقه الله للهجرة إليه والتشرّف برؤيته ٢٨٦ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات وأوحى الله بذلك إليه معد له. وقيل: معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها. وأجاب القاضي عياض: باحتمال أن تكون رؤياه في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف عليها، موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤيته على بي مدة. وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره، أنه رأى النبي عَّهِ في النوم، فبقي بعد اليقظة متفكرًا في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين - ولعلها خالته ميمونة - فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي عَ ◌ّهِ فنظر فيها صورة النبي عَِّ ولم ير صورة نفسه. ولقائه، (وأوحى الله بذلك إليه عَ لَه) فأخبر به (وقيل: معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها) أي: يرى يقظة ما يصلح أن يكون تأويلاً للرؤيا، وهذا اختاره ابن بطال نافيًا قول من قال: سيراه في الآخرة لأنها لا تختصّ بمن رآه منامًا. (وأجاب القاضي عياض) عنه( باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها) في الأحاديث (موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصّة من القرب منه) عطف تفسير لتكرمته، أي: بالقرب منه ( أو الشفاعة له بعلوّ الدرجة) في الجنّة زيادة على الشفاعة العامّة وعلى إدخال الجنّة، (ونحو ذلك من الخصوصيّات). (قال) عياض: (ولا يبعد أن يعاقب اللَّه بعض المذنبين في) يوم (القيامة) قبل دخول الجنّة (بمنع رؤيته عَبدِ مدّة،) فلا يضرّ قائل معنى: فسيراني في اليقظة أنه يراه في الآخرة، كون أُمّته جميعًا يرونه فيها، لأنهم وإن اشتركوا في الرؤية يختلفون في وقتها وصفتها. (وحمله) الإمام (ابن أبي جمرة)، بجيم وراء (على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبيّ عَّةٍ في النوم، فبقي بعد اليقظة متفكرًا في هذا الحديث،) أي: معنى قوله: ((فسيراني في اليقظة)، (فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلّها خالته ميمونة)؛ إن كان الرائي ابن عباس لأنه لم يجزم به أولاً، (فأخرجت له المرآة)، بكسر الميم على وزن فعلاة معروفة، وجمعها مراء كنواص؛ كما في المصباح ( التي كانت للنبيّ عَّه، فنظر فيها صورة النبيّ ◌َّه، ولم يرَ صورة نفسه)، فدلّ ذلك على أن معناه رؤية صورته في مرآته وإن أمكن، ويأتي إن هذا أبعد المحامل. ٢٨٧ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات وقال الغزالي: ليس معنى قوله: ((فقد رآني)) أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالاً صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: ((فسيراني في اليقظة)) ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني. قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية. والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقًّا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله عز وجل في المنام، ولا يعني أني رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره. وقال الغزالي أيضًا في بعض فتاويه: من رأى الرسول - يعني في المنام - لم ير حقيقة شخصه الودع روضة المدينة، وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة (وقال الغزالي: ليس معنى قوله: فقد رآني أنه رأى جسمي وبدني) حقيقة، (وإنما المراد أنه رأى مثالاً، صار ذلك المثال آلة يتأدّى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: ((فسيراني في اليقظة))، ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني،) بل المثال، (قال: والآلة تكون تارة حقيقة وتارة تكون خيالية، والنفس،) أي الذات (غير المثال المتخيّل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، قال) الغزالي: (ومثل ذلك من يرى اللَّه تعالى في المنام، فإن ذاته تعالى منزّهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته،) أي: الأمور التي تتعقّل بها ذاته (تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره) تقريبًا لعقله، (ويكون ذلك المثال آلة حقًّا في كونه واسطة في التعريفِ) أي: التعقّل، (فيقول الرائي: رأيت اللَّه عزّ وجلّ في المنام، لا يعني أني رأيت ذات اللَّه تعالى كما يقول في حقّ غيره)، بل يعني أنه رأى مثالاً علم به بعض صفاته المميّزة له عن غيره؛ لأن رؤية ذات اللّه تعالى لا تجوز يقظة في الدنيا، فكذا منامًا لا ترى حقيقة، بل مثالاً. (وقال الغزالي أيضًا في بعض فتاويه: من رأى الرسول، يعني في المنام، لم يرَ حقيقة شخصه الودع روضة المدينة)، أي: قربها، إذ هي بين القبر والمنبر؛ كما في الحديث، (وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدّسة عن الصورة والشكل) ٢٨٨ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات والشكل. وقال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كنت فليبشر وليعلم أنه قد رآني الرؤيا الحق، أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: ((فقد رآني)) فالشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شىء. والحاصل من الأجوبة أنه على التشبيه والتمثيل ويدل عليه قوله ((فكأنما رآني في اليقظة)). ثانيها: معناه، سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه. رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل. فحاصله أن المرئي ليس ذات الروح ولا الشخص كما قاله قبل. (وقال الطيبي) في شرح المشكاة: (المعنى: من رآني في المنام بأي صفة كنت، فليبشّر)، بفتح الياء والشين، (وليعلم أنه قد رآني الرؤيا الحقّ، أي: رؤية الحق لا الباطل؛ وكذا قوله: ((فقد رآني))، فالشرط والجزاء إذا اتّحدا) صورة (دلّ على الغاية في الكمال، أي: فقد رآني رؤیا لیس بعدها شىء) أي: فقد رأی حقیقتي علی کمالها، لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى؛ كما هو بقية كلام الطيبي. زاد الكرماني: أو هو في معنى الإخبار، أي: من رآني، فأخبره بأن رؤياه حقّ ليست من أضغاث الأحلام، ولا تخييلات الشيطان، ومثله قوله عَّة، أي في أسامة بن زيد: ((إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله))، فيؤوّل بالإخبار، أي: إن طعنتم فيه، فأخبركم بأنكم طعنتم في أبيه أو يلازمه عند البيانية، أي: إن طعنتم فيه أثمتم بذلك. (والحاصل من الأجوبة) المذكورة في قوله: ((فسيراني في اليقظة)) خمس تأويلات: أولها: (أنه على التشبيه والتمثيل) عطف تفسير(، ويدلّ عليه قوله: ((فكأنما رآني في اليقظة)،) بناء على ثبوته، إذ هو بالشكّ؛ كما مرّ. (ثانيها: معناه سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة). (ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممّن آمن به قبل أن يراه) فيهاجرّ ويراه. (رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك). (قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل) إذ لا دليل عليه، ورؤية ابن عباس أو غيره إن تثبت لا تدلّ على التخصيص. ٢٨٩ الفصل الرابع ما اختصّ به عَلِّ من الفضائل والكرامات خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه حينئذٍ ممن لم يره في المنام. والصواب كما قدمناه في رؤيته عليه الصلاة والسلام التعميم، على أي حالة رآه الرائي بشرط أن تكون على صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي، كما قال بعض علماء التعبير: إن رآه شيخًا فهو غاية سلم، ومن رآه شابًا فهو غاية حرب. وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيًّا على حالة وهيئته فذلك دليل على صلاح حال الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابتا مثلاً فذلك دال على سوء حال الرائي. (خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصيّة) من نحو قرب أو شفاعة برفع درجات، (لا مطلق من رآه حينئذ ممّن لم يره في المنام) وزيد سادس: وهو أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه. وقال القرطبي: من فوائد رؤياه عَّه تسكين شوق الرائي لكونه صادقًا في محبّته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((فسيراني في اليقظة))، أي: أن من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بمطلوبه. قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته، وهو دينه وشريعته، فتعبّر بحسب ما يراه الرائي من زيادة أو نقصان، أو إساءة أو إحسان. قال الحافظ: وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي، وإن ظهر فهو ثامن. (والصواب كما قدّمناه في رؤيته عليه الصّلاة والسّلام التعميم على أي حالة رآه الرائي) لأنه ظاهر الأحاديث الصحيحة، إذ لم يقيّد فيها بأنه على صورته، (بشرط أن تكون على صورته الحقيقية في وقت ما،) أيّ: وقت كان، (سواء كان في شبابه، أو رجوليته، أو كهوليّته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلّق بالرائي؛ كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخًا، فهو غاية سلم،) بالفتح والكسر: صلح، لأن الشيخ لا حرب عنده غالبًا(، ومن رآه شابًّا فهو غاية حرب،) لأنه دأب الشباب. (وقال أبو سعيد أحمد بن محمّد بن نصر: من رأى نبيًّا،) أيّ نبيّ كان (على حاله وهيئته، فذلك دليل على صلاح حال الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغيّر، الحال عابسًا مثلاً، فذلك دالّ على سوء حال الرائي٤) لأن الأرض لا تغيّر الأنبياء، وهذا تقدّم بمعناه عن ابن العربي. ٢٩٠ الفصل الرابع ما اختصّ به عَد من الفضائل والكرامات وقال العارف ابن أبي جمرة: من رآه في صورة حسنة فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. فقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أم لا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام نوراني مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وفي ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، وكذلك يقال في كلامه عليه السلام في النوم أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو في سمع الرائي له أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك، انتهى. وقال بعضهم: ليست رؤياه عَّه رؤيا عين، وإنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعي حصر المرئي بل يرى من المشرق إلى المغرب (وقال العارف) الرباني عبد اللَّه (ابن أبي جمرة) المقرىء، نزيل مصر، عالم، عابد، خيّر، من بيت كبير بالمغرب، شهير الذكر: الشيطان لا يتصوّر بصورته أصلاً، فـ(من رآه في صورة حسنة، فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص، فذلك خلل في الرائي من جهة الدين) فتدل رؤياه على شين أو نقص دينه أي: الطريق، (قال: وهذا هو الحق. فقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبيّ للرائي هل عنده خلل أم لا؟، لأنه عليه الصّلاة والسّلام نوراني مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصوّر فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها) فكذلك النبيّ عَّه هو على صفته التي ليس شىء أحسن منها، والتغيّر إنما هو في صفة الرائي، (وكذلك يقال في كلامه عليه السّلام في النوم أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي) لأنه لا يضبط ما يقال له (فرؤيا الذات الكريمة حقّ، والخلل إنما هو في سمع الرائي له أو بصره). (قال: وهذا خير ما سمعته،) أي: أحسن الوجوه التي سمعتها (في ذلك،) قال: ويؤخذ من قوله: ((فإن الشيطان ... الخ))، أن من تمثّلت صورة المصطفى في خاطره من أرباب القلوب، وتصوّر له في عالم سرّه أنه يكلّمه، أن ذلك يكون حقًّا، بل هو أصدق من مرئي غيرهم. (انتهى) كلام ابن أبي جمرة رحمه اللّه تعالى. (وقال بعضهم: ليست رؤياه عَّة) في المنام (رؤيا عين)) كرؤية اليقظة، (وإنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعي حصر المرئي) في محل، (بل يرى من المشرق إلى المغرب، ٢٩١ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة في المرآة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة. واختلاف رؤياه عَِّ بأن يراه بعضهم شيخًا وآخر شابًا، وآخر ضاحكًا وآخر باكيًا، يرجع إلى الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة في مرائي مختلفة الأشكال والمقادير، ففي المرآة الكبيرة يرى وجهه كبيرًا، وفي الصغيرة صغيرًا، وفي المعوجة معوجًا، وفي الطويلة طويلاً، إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائي، لا إلى وجه المرائي. كذلك الراؤون له عليه السلام أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسمًا إليه دل على أن الرائي متمسك بسنته، والله أعلم. وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال رؤية جماعة له عَّه في آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيته معَّهِ حق بأنه عَّهِ سراج، ونور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها، وكما أن ومن الأرض إلى العرش كما ترى الصورة في المرأة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة) إنما هي مثال، (وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة، واختلاف رؤياه ◌ِّه بأن يراه بعضهم شيخًا) أي: ما قابل الشباب فيشمل الكهل، (وآخر شابًّا، وآخر ضاحكًا، وآخر باكيًا، يرجع إلى الرائين كاختلاف الصورة الواحدة في مراء) بزنة نواص: جمع مرآة، بكسر الميم، (مختلفة الأشكال والمقادير، ففي المرآة الكبرى يرى وجهه كبيرًا، وفي الصغيرة صغيرًا، وفي المعوجة معوتجًا، وفي الطويلة طويلاً إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائي) جمع مرآة، (لا إلى وجه المرائي) إذ لا تختلف ذاته، (كذلك الراؤون له عليه السلام أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسّماً إليه، دلّ على أن الرائي متمسّك بستّنه، واللَّه أعلم). وفي الورديّة: رؤيا محمّد سرور كامله وليس للشيطان أن يماثله (وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال رؤية جماعة) إضافة بيانية (له عَّ في آن واحد من أقطار) نواح (متباعدة، مع أن رؤيته عَّه حقّ) وهو حيّ في قبره، يصلّي فيه بأذان وإقامة، (بأنه عَِّ سراج)، كما قال تعالى: ﴿وسراجًا منيرًا﴾، (ونور الشمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم،) بكسر اللام: جمع عالم بفتحها لأن فاعل يجمع على فواعل، (وكما أن ٢٩٢ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات الشمس يراها من في المشرق والمغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة فكذلك النبي عَّله، ولله در القائل: كالبدر من أي النواحي جئته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا وأما رؤيته عَّ في اليقظة بعد موته عليه الصلاة والسلام فقال شيخنا: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم. وقد اشتد حزن فاطمة عليه عَ لَّه حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر - على الصحيح - وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه. الشمس يراها كل من في المشرق والمغرب في ساعة واحدة)، وهي في محلّها، (وبصفات مختلفة، فكذلك النبيّ عَّهِ) إذ نوره أتمّ وأعلى منها، (وللَّه درّ القائل:) ( كالبدر من أي النواحي جئته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا ) كالشمس في كبد السماء وضوءها يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا وهذا الجواب نسبه بعضهم للصوفيّة، وقال: هو باطل، فإنه عَّه يراه زيد في بيته، وعمرو كذلك في بيته بجملته، والشمس إنما ترى من أماكن عدّة، وهي في مكان واحد، فلو رؤيت داخل بيت بجرمها، استحال رؤية جرمها داخل بيت آخر، وهذا هو الذي يوازي رؤيته عَ له في بيتين، والإشكال إنما يراد في رؤيته في مواضع عدّة، وإذا ورد بحسب ما قلنا، فلا يتّجه الجواب إلا بإثبات الأمثال وتعدادها، فالمرئي في آن واحد في مكانين مثالان، فلا إشكال. (وإمّا رؤيته عَّ في اليقطة) بفتح القاف (بعد موته عليه الصّلاة والسّلام، فقال شيخنا) السخاوي: (لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة ولا عن من بعدهم) كالتابعين، ولم يرد في ذلك شىء عن النبيّ عَّله إلّ ما قد يؤخذ من قوله: ((فسيراني في اليقظة)) على أحد الاحتمالات، بخلاف حديث رؤياه منامًا، فقال السيوطي: إنه متواتر، وأيّد عدم الورود بقوله: (وقد اشتدّ حزن فاطمة) رضي اللَّه عنها (عليه مِّلُ حتى ماتت كمدًا)، بفتح فسكون، وبفتحتين: حزنًا شديدًا (بعده بستة أشهر على الصحيح) الثابت في البخاري وغيره عن عائشة، وقيل: بثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، (وبيتها مجاور لضريحه) أي قبره (الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته في المدّة التي تأخّرتها عنه) فلو كان يرى في اليقظة لرأته لاشتداد حزنها، ولم يقع ذلك، إذ لو وقع لنقل، وردّ هذا بأن عدم نقله لا يدلّ على عدم وقوعه، وتعقبّ أنه ظاهر لو جعله لمانع دليلاً قطعيًّا على أنه لا يرى يقظة، وإنما جعله ظاهرًا في عدم وقوعه لفاطمة، وقول غيرها أنه يراه يقظة مؤّل فلا يتمّ أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاعل. ٢٩٣ الفصل الرابع ما اختصّ به مَّةٍ من الفضائل والكرامات وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو في كتاب ((توثيق عرى الإسلام)) للبارزي و ((بهجة النفوس)) لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة و ((روض الرياحين)) للعفيف اليافعي، وغيره من تصانيفه والشيخ صفي الدين ابن أبي المنصور في رسالته. وعبارة ابن أبي جمرة: قد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرًا .. (وإنّما حكي عن بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم) أنهم رأوه يقظة، (كما هو في كتاب (توثيق عرى الإسلام)) للبازري) القاضي شرف الدين، ((وبهجة النفوس))) وتحليها بمعرفة ما عليها ولها (لأبي محمّد عبد الله بن أبي جمرة) وهو اسم لشرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري، ((وروض الرياحين)) للعفيف اليافعي وغيره من تصانيفه، والشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته، وعبارة ابن أبي جمرة) في بهجة النفوس في قوله عَ له: ((من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة))، هل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته، أو في حياته؟ وهل ذلك لكل من رآه مطلقًا أو خاص بمن فيه الأهليّة والاتباع لسنّته؟ اللفظ يقتضي العموم، ودعوى الخصوص بغير تخصيص عنه عليه السّلام تعشّف، فإن خرق العادة قد يقع للزنديق إغواء وإملاء، ثم ذكر متقدّم عن ابن عباس أو غيره من رؤية صورته في مرآته، ثم قال: (وقد ذكر عن السلف:) لعلّه أراد بهم من دون من بعد الصحابة، فلا ينافي ما قدّمه المصنف عن شيخه، أو أن نفي السخاوي إنما هو من جهة اصطلاح المحدثين بالأسانيد ولو ضعيفة، (والخلف إلى هلم جرّا) . قال الشيخ جمال الدين بن هشام: هذا كلام مستعمل في العرف كثيرًا، وذكره الجوهري، فقال: تقول كان ذلك عام كذا وهلمّ جرّا إلى اليوم، وفي عباب الصغاني مثله. وقال ابن الأنباري: معناها سيروا على هينتكم، أي: تثبّتوا في سيركم ولا تجهدوا أنفسكم، مأخوذ من الجرّ، وهو ترك الإبل والغنم ترعى في السير. وقال أبو حيان في الارتشاف: هلمّ جرّا معناه: تعال على هينتك، ونصب جرّا على أنه مصدر في موضع الحال، أي جارين، قاله البصريّون، وقال الكوفيون: مصدر لأن معنى هلمّ جر، وقيل: نصب على التمييز، وأوّل من قاله عابدين بن زيد، قال: فإن جاوزت مقفرة رمت بي إلى أخرى كتلك هلمّ وتوقّف ابن هشام في كونه عربيًّا محضًا، وأطال في بيانه بأربعة أوجه، منها: أن الجوهري لا يقبل ما تفرّد به، كما قال ابن الصّلاح، ولم ينقله لغوي قبله، والصغاني تبعه، ثم قال: الظاهر لي على أنه عربي أن هلمّ هي القاصرة، بمعنى ائت وتعال إلاّ أن فيها تجوزين، أحدهما: ليس ٢٩٤ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعني من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أنهم رأوه عّلّه في النوم فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص. ثم قال: والنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء أو لا، فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه، فإنه يكذب ما اثبتته السنّة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي المراد المجيء الحشي، بل الاستمرار على الشىء والمداومة عليه، والثاني: أنه ليس المراد الطلب حقيقة، بل الخبر عبّر عنه بالطلب، كما في فليمدد له الرحمن مدًّا وجرًا، مصدر جرّه إذا سحبه، لكن ليس المراد الحسي، بل التعميم، فإذا قيل: كان ذلك عام كذا، وهلمّ جرّا، فكأنه قيل: واستمرّ في بقيّة الأعوام استمرارًا، فهو مصدر أو واستمرّ مستمرًّا فهو حال مؤكدة، وبهذا ارتفع إشكال الضعف، فإن هلمّ جرّا حينئذ خبر وإشكال التزام إفراد الضمير، إذ فاعل هلمّ مفرد أبدًا. (عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث، يعني: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة))، أنهم رأوه عَّهُ في النوم، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوّشين، فأخبرهم بتفريجها، ونصّ لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص). قال السيوطي: وأكثر من يقع له ذلك إنما يقع له قرب موته، أو عند الاحتضار، ويكرم الله من يشاء، (ثم قال) ابن أبي جمرة: (والمنكر لهذا لا يخلو، إمّا أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء أو لا) يصدق بها، (فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه، فإنه يكذب ما أثبتته السنّة،) أقواله، وأفعاله، وتقريره، وهمّه، وعزمه عَّةٍ (بالدلائل) أي: الدلالات (الواضحة) جمع دلالة، وهي ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه لا جمع دليل، فلا يردّ أنه لا معنى لإثبات السنّة بالدلائل إذ هي نفسها، أو المراد بالسنّة ما نقل عنه عَّهِ مما يدلّ على ثبوت الكرامات، وبالأدلّة المثبتة لها الطرق الموصلة إلى العلم بها، أي: أسانيدها، أو المراد أهل السنة بتقدير مضاف أو استعمل السنة في أهلها مجازًا أولياء للتصوير لا متعلّقة باثبتته، أي: السنّة التي هي الدلائل أو البمراد الأحاديث الواضحة عن أشياء في إثبات كرامات الأولياء، (وإن كان الأوّل، فهذه منها، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلويّ ٢٩٥ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات والسفلي عديدة مع التصديق بذلك. وقال الشيخ ابن أبي المنصور في رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس بن القسطلاني دخل مرة على النبي عَّه فقال له النبي عَ له: أخذ الله بيدك يا أحمد. وعن الشيخ أبي السعود قال: كنت أزور شيخنا أبا العباس وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح علي، لم يكن لي شيخ إلا النبي عَّهِ وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة. وقال الشيخ أبو العباس الحرار: دخلت على النبي عَّهِ مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخي محمد معهم منشورًا، فقلت: يا سيدي یا رسول الله، ما تکتب لي والسفلي عديدة،) صفة أشياء (مع التصديق بذلك) أي: متّهم لظهور مطابقته الواقع عندهم، أو ممّن علّموا به، حيث صدقوا بما أخبروا به، ولم ينكروه عليهم، وهو حال من الهاء في لهم أو متعلّق بیکشف. (وقال الشيخ ابن أبي المنصور في رسالته: ويقال إن الشيخ أبا العباس بن القسطلاني دخل مرّة على النبيّ عَّله، فقال له النبيّ عَّهِ: ((أخذ اللَّه بيدك يا أحمد))، وعن الشيخ أبي السعود) بن أبي العشائر بن سفيان بن الطيب الواسطي، ثم المصري، ذكره الحافظ المنذري في معجم شيوخه وأثنى عليه، وكان من أوسع الأولياء دائرة في السلوك، وله کرامات وخوارق، وكلام عال في الحقائق مات سنة سبع وأربعين وستمائة، ودفن بالقرافة، (قال: كنت أزور شيخنا أبا العباس) البصير، أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي برع في علوم الشّرع ببلده، ثم سافر على قدم التجريد، فدخل الصعيد، ثم أقام بالقاهرة يقرىء الناس وينفعهم، أجاز سبعة آلاف رجل بالقراءات السبع، وكان بارعًا في الحديث، حافظًا لمتونه، عارفًا بعلله ورجاله، حسن الاستنباط بذهن وقّاد. مات سنة ثلاث وعشرين وستّمائة، (وغيره من صلحاء مصر، فلمّا انقطعت واشتغلت، وفتح عليّ، لم يكن لي شيخ إلاَّ النبيَّ عَّةٍ و) ذكر (أنه كان يصافحه عقب كل صلاة،) وذلك يقظة، وحسبه بذلك شرفًا، (وقال الشيخ أبو العباس) بن أبي بكر (الحرار،) بمهملات كما في الكواكب المضيئة المغربي، الأشبيلي، العابد، الزاهد، صاحب الكرامات، قدم مصر وأقام بها، ومات بعد الستّمائة: (دخلت على النبيّ عَ ليه مرّة، فوجدته يكتب) أي يأمر بأن يكتب (مناشير:) جمع منشور، أي: كتب (الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخي محمّد معهم منشورًا:) كتابًا (فقلت: يا سيّدي يا رسول الله! ما تكتب لي ٢٩٦ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلةٍ من الفضائل والكرامات كأخي؟ قال: أتريد أن تكون قهمارًا. وهذه لغة أندلسية، يعني طرقيًّا، وفهم عنه أن له مقامًا غير هذا. وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه ((المنقذ من الضلال)): وهم - يعني أرباب القلوب - في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، انتهى. ورأيت في كتاب المنح الإلهية في مناقب السادة الوفائية عن سيدي علي ابن سيدي محمد أنه قال في بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يومًا فرأيت إنسانًا يقرأ عليه سورة ﴿والضحى﴾ وصحبته رفيق له وهو يلوي شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابًا، فرأيت النبي عَّلَّه يقظة لا منامًا وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص علي فقال لي: اقرأ فقرأت عليه سورة ﴿والضحى﴾ و ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ثم غاب عني، فلما بلغت إحدى وعشرين أحرمت كأخي؟، قال: ((أتريد أن تكون قهمارًا))، وهذه لغة أندلسيّة،) بفتح الألف، والدال، وضمّ اللام: إقليم بالمغرب، (يعني طرقيًّا))) وخاطبه بها، لأنه من المغرب، (وفهم عنه أن له مقامًا غير هذا). (وقال حجّة الإسلام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال، وهم يعني أرباب القلوب في يقظتهم، يشاهدون الملائكة) على غير صورهم الأصلية، (وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون،) أي: يكتسبون (منهم فوائد،) ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، (انتهى) كلام الغزالي بما زدته. (ورأيت في كتاب المنح الإلهية في مناقب السادات الوفائية، عن سيّدي عليّ ابن سيّدي محمّد) وفي العارف الكبير ابن العارف الشهير، الغنيين بالشهرة عن التعريف، وتقدّم بعضه، (أنّه قال في بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرءان على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يومًا فرأيت إنسانًا يقرأ عليه سورة ﴿والضحى﴾ الآية، وصحبته رفيق له، وهو يلوي) يميل (شدقيه) جانبي فمه (بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابًا) بقراءة القارىء، ومقتضى يلوي شدقيه أنها لم تكن حسنة، ولعلّه حكمة أمره عليه الصّلاة والسّلام لسيدي علي بالقراءة، (فرأيت النبيّ عَّهِ يقظة لا منامًاً) محلّ الشاهد، (وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص عليَّ، فقال: اقرأ، فقرأت عليه سورة ﴿والضحى﴾ و ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ الآية، ثم غاب عنّيٍ، فلما بلغت إحدى وعشرين) سنة (أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة) ٢٩٧ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبي عَّه قبالة وجهي فعانقني فقال لي: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت، انتهى، وصريح هذا أيضاً أنه يقظة. وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في (لطائف المنن)) عن الشيخ أبي العباس المرسي، أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالقيروان في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان، فذهب معه إلى الجامع .. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله عَّه وهو يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس الخ، فيحتمل أن يكون منامًا. بزاويتهم، (فرأيت النبيّ عَّله قبالة وجهي، فعانقني، فقال لي: ﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت) بأن صرت أتكلّم بالكلام الجامع المشتمل على الحكم الكثيرة، والمواهب الربانيّة، (انتهى، وصريح هذا أيضًا أنه يقظة). (وأمّا ما حكاه الشيخ تاج الدين) أبو العباس أحمد بن محمّد بن عبد الكريم (بن عطاء اللَّه) الجذامي، الاسكندراني، الإمام المتكلّم على طريقة الشاذلي، كان جامعًا لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه مالكي، وتصوّف، وكان أعجوبة زمانه، وله تصانيف كثيرة؛ كاختصار المدونة للبرادعي، مات سنة تسع وسبعمائة، ودفن بالقرافة، (في لطائف المنن) في مناقب الشيخ أبي العباس، والشيخ أبي الحسن، (عن الشيخ أبي العباس المرسي) بضم الميم نسبة إلى مرسية مدينة بالمغرب، أحمد بن عمر الأنصاري، المالكي، العارف الشهير قطب زمانه، ورأس أصحاب أبي الحسن الشاذلي، مات بالاسكندرية سنة ست وثمانين وستمائة، (أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي) بمعجمة، ومهملة، الشريف علي بن عبد اللَّه بن عبد الجبار، العلوي الهاشمي، من ذرية محمّد بن الحنفية. قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف باللّه منه، وقال ابن عطاء الله: نشأ بالمغرب الأقصى ومبدأ ظهوره بشاذلة، وله السياحات الكثيرة والمنازلات الجليلة والعلوم الكثيرة، لم يدخل في طريق اللَّه تعالى حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، ذو علوم جمّة، جاء في هذا الطريق بالعجب العجاب، وشرح من علم الحقيقة بالأطناب، ووسع للسالكين الركاب وكان العزّ بن عبد السلام يحضر مجلسه، ويسمع كلامه، مات سنة ست وخمسين وستمائة، (بالقيروان) بفتح القاف، والراء، والواو بلد بأفريقية، (في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان، فذهب معه إلى الجامع ... الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول اللَّه عَّ وهو يقول: (يا عليّ طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد اللَّه في كل نفس)) إلى آخره، فيحتمل أن يكون منامًا) لأنه لم يصرح. ٢٩٨ الفصل الرابع ما اختصّ به عَلِ من الفضائل والكرامات وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلاني: كنت أقرأ على أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يومًا في وقت خلوة، وأنا يومئذٍ حديث السن فخرج إلي وقال لي: من أدبك بهذا الأدب؟ وعاب علي، فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد وقعدت عند قبر النبي عَ لّهِ، فبينما أنا جالس على تلك الحال، وإذا أنا بالشيخ قد جاءني وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد. ونحوه ما حكاه السهروردي في ((عوارف المعارف)) عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه قال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله عَّه: تزوّج. وحكي عن السيد نور الدين الإيجي، والد السيد عفيف الدين، أنه في بعض زياراته للنبي عليه سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام يا ولدي. وقال البدر حسن بن الأهدل في مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، (وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلاني: كنت أقرأ على أبي عبد الله محمّد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يومًا في وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن، فخرج إليّ، وقال لي: من أدّبك بهذا الأدب؟، وعاب على) المجيء هذا الوقت، ومراده تربيته وتأديبه، (فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد) النبوي، (وقعدت عند قبر النبيّ عَلَّهِ، فبينما أنا جالس على تلك الحال، وإذا أنا بالشيخ قد جاءني، وقال: قم قد جاء فيك شفيع لا يردّ،) يعني النبيّ عَّه، فيحتمل أنه جاءه في المنام، (ونحوه ما حكاه السهروردي،) بضمّ السين، وسكون الهاء، وضمّ الراء، وفتح، وسكون الراء، ومهملة نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان العلامة العارف شهاب الدين، تقدّم بعض ترجمته (في عوارف المعارف عن الشيخ عبد القادر) بن موسى بن يحيى الشريف الحسني (الكيلاني،) بكاف أو جيم مكسورتين، ولد ببغداد سنة سبعين وأربعمائة، وحسبك فيه قول العزّ بن عبد السّلام: بلغت إمامته مبلغ القطع، ومات ببغداد سنة نيف وستين وخمسمائة، مناقبه شهيرة كثيرة، (أنه قال: ما تزوّجت حتى قال لي النبيّ عَ له تزوّج،) فيحتمل أنه منام. (وحكى عن السيد نور الدين الايجي) بالكسر وتحتية، وجيم نسبة إلى أيج بلدة بفارس، (والد السيد عفيف الدين أنه في بعض زياراته للنبيّ عَّةٍ سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام يا ولدي،) فهذا من سماع الصّوت، وإن لم يكن برؤية، (وقال البدر حسن بن الأهدل في مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، ٢٩٩ الفصل الرابع ما اختصّ به عليه من الفضائل والكرامات وصار العلم بذلك قويًّا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حسّ وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية متفاوتة، وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد متصلة صحيحة عمن يوثق به. وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالاً أو نورًا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز في هذا الباب. وصار العلم بذلك قويًّا انتفى عنه الشكّ) لاستحالة الكذب مع التواتر، (ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبقّ له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حسّ، وغموض طرف لورود حال لا تكاد تضبطها العبارة، ومراتبهم في الرؤية) المذكورة من شبه اليقظة (متفاوتة،) باعتبار مقاماتهم، فبعضهم أعلى فيها من بعض، (وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد رواية متّصلة صحيحة عمّن يوثق به؛) لأن غالبهم يكتمون الأمر. (وأمّا من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنّه يقظة، وقد يرى خيالاً أو نورًا فيظنّه الرسول) عَّ، واعترض هذا بأنه سوء ظن بهم، حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظنّ بأدون العقلاء، فكيف بالأكابر؟، (وقد يلبس) بكسر الباء: يخلط (عليه الشيطان) لعدم تمگّنه. أما المتمكّن فلا، كما حكى أن العارف الكيلاني رأى مرة نورًا ملأ الأفق، ونودي منه أنا ربك، وقد أبحت لك المحرمات، فقال: إخسأ يا لعين، فانقلب النور دخانًا وظلامًا، فقال: نجوت مني بفقهك في أحكام منازلاتك، وقد أضللت بهذا سبعين صديقاً، فسئل بم عرفت أنه الشيطان؟ قال: بقوله أبحت له المحرمات، (فيجب التحرّز في هذا الباب) فإن رؤيته عَ﴾. في اليقظة باب ضيّق وقل من يقع له ذلك إلاّ من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالباً مع أنّا لا ننكر من تقع له من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في بواطنهم وظواهرهم، قاله ابن الحاج في المدخل، قال: وقد أنكر بعض علماء الظاهرية رؤية النبيّ عَّ يقظة؛ لأن العين الفانية لا ترى العين الباقية، والنبيّ في دار الباقية، والرائي في دار الفناء، وردّه الشيخ أبو محمّد بن أبي جمرة بأن المؤمن إذا مات يرى اللَّه تعالى، وهو لا يموت، والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرّة، انتهى، ويتأمل معنى موت الواحد في اليوم سبعين مرّة، وفي روض الرياحين عن المرسي: لما جاء الغلاء الكبير إلى مصر توجّهت لأن أدعو، فقيل لي: لا تدع، فلا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام، فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل عليه السّلام، تلقّاني، فقلت: يا رسول اللَّه! اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر، فدعا لهم، ٣٠٠ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات وبالجملة: فالقول برؤيته عَّله بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه عَّ له من قبره، ومشيه في الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده الشريف، فلا يبقى منه فيه شىء، بحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب. أشار إلى ذلك القرطبي في الرد على من قال: بأن الرائي له في المنام رؤيا حقيقية، يراه بعد ذلك في اليقظة. قال: وهذه جهالات لا يقول بشىء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شىء من ذلك مختل مخبول. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة. نفرّج الله عنهم. قال اليافعي، قوله: تلقاني الخليل قول حق، لا ينكره إلاّ جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات، كما نظر النبيّ عَّه موسى عليه السّلام في الأرض، ونظره أيضًا هو وجماعة من الأنبياء في السموات، وسمع منهم مخاطبات، انتهى. (وبالجملة، فالقول برؤيته عَ ل بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول،) مبادئها بدون احتياج إلى تأمّل، (لاستلزامه خروجه من قبره ومشيه في الأسواق) وقد لا يلزم ذلك، إذ من الجائز أن يكشف لهم عنه وهو في قبره، (ومخاطبته للناس، ومخاطبتهم له،» وهم في أماكنهم، وهو في ضريحه، ولا محذور في ذلك، (وخلوّ قبره عن جسده الشّريف، فلا يبقى منه فيه شىء بحيث يزار مجرّد القبر، ويسّلم على غائب،) وقد علمت أن ذلك ليس بلازم كما يرى القمران والنجوم في أقطار الأرض شرقًا وغربًا، وهي في أماكنها، (.شار إلى ذلك القرطبي،) الإمام أبو العباس في المفهم، (في الردّ على من قال؛ بأن الرائي له في المنام رؤيا حقيقية، يراه بعد ذلك في اليقظة،) زاعمًا أن ذلك معنى ((من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة). (قال) القرطبي: (وهذه جهالات، لا يقول بشىء منها من له أدنى مسكة،) بضمّ الميم: شىء يمسكه (من المعقول وملتزم شىء من ذلك،) فضلاً عن جميعه، (مختلّ) مخدوع، (مخبول) مجنون ولا شكّ في ذلك أن التزامه أمّا إن قال بما أوّلناه، فلا. (وقال القاضي أبو بكر بن العربي) الفقيه، الحافظ، (وشذّ بعض الصالحين، فزعم أنها تقع بعين الرأس حقيقة)