Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة علَـ الذي يصانع قائده، ثم فعل بالأخرى كذلك، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: التثما علي بإذن الله فالتأمتا. الحديث رواه مسلم. والمنصف : - بفتح الميم - الموضع الوسط بين الموضعين. والتلاؤم: الاجتماع. ولله در الأبوصيري حيث قال: جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرت سطرًا لما كتبت فروعها من بديع الخط في اللقم والسهولة، (الذي يصانع) يلاين (قائده) بسهولة الانقياد له، مستعار من المصانعة، وهي المداراة والإعطاء، ولذا قيل للرشوة مصانعة، قاله الراغب، (ثم فعل بالأخرى، كذلك) بأن أمسك غصنًا منها إلى آخره، (حتى إذا كان بالمنصف بينهما،) أي: الشجرتين، (قال: ((التثماء) بفتح الفوقية، وكسر الهمزة: انضما واجتمعا، (عليّ بإذن اللَّه))،) بتيسيره وإرادته، لا بفعلي، (فالتأمتا:) اجتمعتا (الحديث، رواه مسلم) في الصحيح، (والمنصف، بفتح الميم،) وإسكان النون وفتح الصاد المهملة الخفيفة، وبالفاء: (الموضع الوسط بين الموضعين، والتلاؤم،) بالهمز والالتئام: (الاجتماع))) ومنه التئام الجرح، وفي رواية أخرى عند مسلم: فقال عَّ: ((يا جابر، قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللَّه: الحقي بصاحبتها حتى أجلس خلفكما))، فزحفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما، فرجعت احضر، وجلست أحدث نفسي، فالتفتّ، فإذا رسول اللَّه عَّة. والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف عَّ وقفة، فقال برأسه هكذا يميناً وشمالاً، وهو حديث واحد طوّله بعض الرواة، وبعضهم اختصره؛ فكأنّه لما أخذ بغصن إحداهما، قال لجابر: ((قل لهذه الشجرة)) الخ ... ، فلمّا جاءت فعل بها مثل ما فعل بالأخرى وبقي أحاديث أُخر في طاعة الأشجار وانقيادها أورد منها في الشفاء جملة، ثم قال: فهذا ابن عمر، وبريدة، وجابر، وابن مسعود، ويعلى بن مرّة، وأسامة، وأنس، وعليّ، وابن عباس وغيرهم، قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها، ورواها عنهم من التابعين أضعافهم فصارت في انتشارها من القوّة حيث هي، (وللَّه درّ الأبوصيري،) صوابه البوصيري، كما تقدّم كثيراً، (حيث قال: جاءت لدعوته:) ندائه (الأشجار، ساجدة،) خاضعة، (تمشي إليه على ساق بلا قدم،) يعينها على المشي، قال تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [السورة الآية] الآية، والشجر ما له ساق، والنجم ما لا ساق له، وبلا قدم، متعلّق بتمشي، أو صفة لساق، وباؤه للمصاحبة، (كإنما،) حال من فاعل تمشي، وما كافة (سطرت) خطت الأشجار (سطرًا لما) للذي (كتبت فروعها)، أي: عروقها، مجازًا من ٥٢٢ حنين الجذع شوقاً إليه عملي. فشبه آثار مشي الشجرة لما جاءت إليه عَّ له بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة. وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره عَّهِ حتى تخر ساجدة بين يديه، '١ فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه زاده الله شرفًا وكرمًا لديه. وتأمل قول الأعرابي: (ائذن لي أن أسجد لك)) لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه عليه الصلاة والسلام أن ذلك لا يكون إلا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة. [حنين الجذع شوقًا إليه ێ}] ومن ذلك: حنين الجذع شوقًا إليه إطلاق اسم أحد الضدّين على الآخر، ليناسب قوله في الحديث المارّ: فتقطعت عروقها، وإن كان الفرع لغة من كل شىء أعلاه، (من بديع الخط،) بيان لما، والإضافة بيانية، أو هي من إضافة الصفة للموصوف، أي: الخط المبتدع؛ لأنه لم يعهد مثله للأشجار (في اللقم،) بفتح اللام والقاف، وبضم اللام، وفتح القاف: الطريق أو وسطه؛ كما في القاموس، (فشبّه آثار مشي الشجر لما جاءت إليه عَّله)) المفيدة للخيرات، (بكتابة كاتب، أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة،) منسقة، ووجه التشبيه أن الخطّ دالٌ على اللفظ، المفيد للمعاني، وآثار مشي فروع الشجرة في الأرض مفيد للخيرات، فالتشبيه من حيث الفائدة، (وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره عَّ حتى تخرّ ساجدة بين يديه، فنحن أولى): أحقّ (بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه)، لأنّا عقلاء، مكلّفون، وهي جماد غير مكلّف، (زاده اللَّه شرفًا وكرمًا لديه) عنده. (وتأمّل قول الأعرابي: ائذن لي أن أسجد لك،) بكسر اللام وخفّة الميم، أي: للأمر العظيم الذي (رأى من سجود الشجرة)، بيان لما، (فرأى أنه أحرى): أولى (بذلك) منها، (حتى أعلمه عليه الصّلاة والسّلام أن ذلك) أي: السجود، (لا يكون إلاّ للَّه، فحقّ على كل مؤمن أن يلازم السجود للربّ المعبود، ويقوم على ساق العبوديّة، وإن لم يكن له قدم) يقوم عليه؛ بأن كان كسيحًا، أو قدم معنوي، (كما قامت الشجرة) على ساقها، طاعة للمصطفى، وهي عبودية للَّه تعالى. حنين الجذع شوقاً إليه ـ (ومن ذلك حنين الجذع) المعهود، الذي كان يخطب عليه، (شوقًّا إليه عّلُّ) لمّا ٥٢٣ حنين الجذع شوقًا إليه ◌ّ. اعلم أن ((الحنين) مصدر مضاف إلى الفاعل. والمراد: شوقه وانعطافه إلى النبي عَّهِ، والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت، ولعل المراد منه الدلالة على الشوق، أي الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة. وقد روي حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك. فارقه وخطب على المنبر. (اعلم: أن الحنين،) بفتح المهملة ونونين، بينهما تحتية ساكنة: صوت كالأنين يكون عند الشوق لمن يهواه إذا فارقه، وتوصّ به الإبل كثيرًا، (مصدر مضاف إلى الفاعل،) أي: أن الجزع حرّ، (والمراد) بحنينه: (شوقه وانعطافه إلى النبيّ عَّه٤) لأن الحنين اشتياق المرأة إلى ولدها، فشبه سوق الجذع بالمرأة على ما يفهم من قصر المصباح، الحنين على ذلك، والحنان على غيرها، لكن قال الجوهري: الحنين الشوق وتوقان النفس، تقول حنّ إلیه، يحنّ حنیًا. وفي القاموس: الحنين الشوق وشدّة البكاء، والطّرب أو هو صوت الطرب عن حزن أو فرح، وعليه فهو بيان للمعنى المقصود بالحنين هنا من جملة المعاني المذكورة، (والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت)، فتفسيره بالشوق لا تعرض له في الأحاديث، (و) لكن (لعلّ المراد منه،) أي: الصوت: (الدلالة على الشّوق) للمصطفى، (أي: الصوت الدالّ على شوقه إلى رسول اللَّه عَّ) المتبادر أنه بالخفض تفسير للشوق، فيصير المعنى: ولعلّ المراد من الصوت الدلالة على الصوت؛ لأنه جعل تفسيرًا للشوق، وهذا لا معنى له، اللَّهمّ إلاّ أن يقرأ الصّوت بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فالمراد من الحنين الصّوت الدالّ على شوقه ويكون بيانًا لحاصل المعنى، (والجذع،) بكسر الجيم (واحد جذوع النخل،) وهو ساق النخلة؛ كما في القاموس وغيره، (وهو بالذال المعجمة،) وظاهره: كان أخضر أو يابسًا، وقيل: يختصّ باليابس ولا دلالة في وهزي إليك بجذع النخلة على الإطلاق؛ لأن كونه يابسًا، يدلّ للتقييد على أنه لا دلالة فيه لواحد من القولين، لأن الواقع أنه كان يابسًا. قال البيضاوي: الجذع ما بين العرق والغصن، وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة. (وقد روى حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة، تفيد القطع بوقوع ذلك،) فهو متواتر، فلا يليق تعبيره بروی ممرضًا؛ لأنه إنما يستعمل فيما يشكّ فيه، لا في الصحيح، فضلاً عن المتواتر، ولو أسقط عن، وجعل جماعة فاعل روى ببنائه للفاعل لم يرد عليه هذا. ٥٢٤ حنين الجذع شوقًا إليه ◌َا. قال العلامة التاج بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندي أن حنين الجذع متواتر: رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر. ورواه أحمد من رواية أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر. ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلي وغيرهما من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم. ورواه الترمذي وصححه، أبو يعلى وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة (قال العلامة التاج بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب) في الأصول، (والصحيح عندي، أن حنين الجذع متواتر،) وسبقه إلى ذلك عياض وغيره، كما يأتي. (رواه البخاري) في علامات النبوّة، والترمذي في الصّلاة، (عن نافع، عن ابن عمر:) كان النبيّ عَّة يخطب إلى جذع، فلما اتّخذ المنبر تحوّل إليه، فحنّ الجذع، فأتاه، فمسح يده عليه، زاد الإسمعيلي: فسكن، وقال عَّةٍ: (لو لم أفعل لما سكن)). (ورواه أحمد من رواية أبي جناب،) بجيم ونون خفيفة، فألف، فموحدة الكلبي، مشهور بكنيته، واسمه يحيى بن أبي حيّة الكلبي، ضعّفوه لكثرة تدليسه، مات سنة خمسين ومائة أو قبلها، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، (عن أبيه) أبي حية، بفتح الحاء المهملة، والتحتية الثقيلة، واسمه حيّ، بفتح الحاء المهملة، وشدّ التحتية الكلبي، الكوفي، روى عن سعد، وابن عمر، وعنه ابنه، قال أبو زرعة: محلّه الصدق. وفي التقريب: مقبول من الثالثة، روى له ابن ماجه فقط، والمراد من سوقه أن أبا حية تابع نافعًا في روايته، (عن ابن عمر،) فيغتفر ضعف أبي جناب، لأن القصد المتابعة، لا الاحتجاج. (ورواه ابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي، وغيرهما من رواية حماد، بن سلمة،) ابن دينار البصري، ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، روى له مسلم والأربعة، (عن ثابت) بن أسلم البناني، عابد، ثقة، روى له الستّة، (عن أنس، وإسناده على شرط مسلم،) فهو من الطبقة السادسة من مراتب الصحيح، (ورواه الترمذي وصحّحه أبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري، المدني، ثقة، حجّة من رجال الجميع، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ٥٢٥ حنين الجذع شوقًا إليه عَّ عن أنس. ورواه الطبراني من رواية الحسن عن أنس. ورواه أحمد بن منيع والطبراني وغيرهما، من رواية حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عامر عن ابن عباس. ورواه أحمد والدارمي وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبي کعب عن أبيه. ورواه الدارمي من رواية أبي حازم عن سهل بن سعد. ورواه أبو محمد الجوهري من رواية عبد العزيز أبي رواد عن نافع عن تميم الدارمي. ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخری کثيرة يجدها المحدث وقيل: سنة أربع وثلاثين، وكان مالك لا يقدم عليه أحدًا في الحديث فيما قال الواقدي، (عن أنس بن مالك. (ورواه الطبراني، من رواية الحسن) البصري فهؤلاء ثلاثة رووه (عن أنس ورواه أحمد بن منيع البصري)، بفتح الميم وكسر النون ابن عبد الرحمن أبر جعفر البغوي، نزيل بغداد، ثقة حافظ، مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وله أربع وثمانون. (والطبراني وغيرهما من رواية حماد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عامر،) مولى بني هاشم أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، صدوق، روى له مسلم والأربعة، مات بعد العشرين ومائة، (عن ابن عباسٍ) عبد الله، (ورواه أحمد، والدارمي، وأبو يعلى، وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبيّ بن كعب) الأنصاري، الخزرجي، ثقة، من كبار التابعين، يقال ولد في عهد النبيّ ◌َّهُ، وكان يقال له أبو بطن لعظم بطنه، روى له البخاري في الأدب المفرد، (عن أبيه) أبيّ بن كعب، بن قيس بن زيد، بن مطوية، بن عمرو، بن مالك، بن النجار الأنصاري، سيّد القرّاء، من فضلاء الصحابة، يكنى أبا المنذر، ويكنى أبا الفيل أيضًا. (ورواه الدارمي من رواية أبي حازم،) بمهملة وزاي، سلمة بن دينار المدني، عابد، ثقة من، رجال الجميع، (عن سهل بن سعد) الساعدي. (ورواه أبو محمّد،) الحسن بن علي (الجوهري، من رواية عبد العزيز أبي رواد،) بفتح الراء، وشدّ الواو، صدوق، عابد، ربما وهم ورمى بالأرجاء، روى له الأربعة وعلّق له البخاري، مات سنة تسع وخمسين ومائة، (عن نافع، عن تميم) بن أوس بن خارجة (الدارمي،) الصحابي المشهور، مات سنة أربعين، فعدّ ستّة من الصحابة الذين رووه، (ثم قال) ابن السبكي: (ولست أدّعي أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة، يجدها المحدث ٥٢٦ حنين الجذع شوقًا إليه عَلّ. ضمن المسانيد والأجزاء وغيرهما، وإنما ذكرت في المشاهد منها أو في بعضها، ورب متواتر عن قوم غير متواتر عند آخرين. انتهى. وقال الحافظ بن حجر: في فتح الباري، حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم، انتهى. وقال قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى. وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا علـ قال الشافعي - فيما نقله ابن أبي حاتم عنه، في مناقبه -: ما أعطى الله نبيًا ما أعطى نبينا محمدًا، فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى، قال: أعطي محمدًا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو أكبر من ذلك. ضمن المسانيد والأجزاء وغيرهما،) كالمشيخات والمعاجم، أي: غير القسمين، وفي نسخة وغيرها، بالتأنيث نظرًا للمعنى، أي: وغير الإفراد، المذكورة. (وإنما ذكرت) بالبناء للفاعل، مسند إلى ضمير المتكلّم وحذف المفعول، أي: ما وجدته (في المشاهد منها، أو في بعضها، وربّ متواتر عند قوم،) لكثرة اطلاعهم، (غير متواتر عند آخرين،) لقلّته، (انتهى) كلام ابن السبكي. (وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري) في حديث تسبيح الطعام: (حنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً، يفيد القطع عن من يطّلع على طرق الحديث، دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم، انتهى). (وقال) هنا (قال البيهقي: قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف،) ورووها (عن السلف،) رواية الإخبار الخاصة كالتكليف، هذا بقية كلام البيهقي، (انتهى، وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالّة على نبوّة نبيَّا مَُّ). (قال الشافعي فيما نقله ابن أبي حاتم،) عن أبيه، عن عمرو بن سواد، (عنه،) أي: الشافعي (في) كتاب (مناقبه) التي ألفها ابن أبي حاتم: (ما أعطى اللَّه نبيًّا) مثل (ما أعطى نبينا محمدًا، فقيل له،) القائل عمرو بن سواد، بلفظ قلت: (أُعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمّدًا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهي أكبر من ذلك). ٥٢٧ حنين الجذع شوقًا إليه معلّ. وقال القاضي عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن ملك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة، انتهى. فأما حديث أبي بن كعب، فرواه الشافعي في مسنده وابن ماجه والدارمي وأحمد وأبو يعلى كما سبق قريبًا والبيهقي كلهم من حديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: كان النبي عَِّ يصلي مستندًا إلى جذع إذ كان المسجد عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: (وقال القاضي عياض) في الشفاء: (حديث حنين الجذع مشهور منتشر،) أي: شائع بين الخلق، (والخبر به متواتر) لكثرة طرقه الصحيحة، ونقل جماعة له عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، (أخرجه أهل الصحيح،) أي: الذين التزموا إخراج الأحاديث الصحيحة في كتبهم؛ کالبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان. (ورواه من الصحابة بضعة عشر،) بكسر الباء وفتحها من ثلاثة إلى تسعة، (منهم: أُبيّ بنِ كعب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعبد اللَّه بن عمر) بن الخطّاب، (وعبد اللَّه بن عباس، وٍسهل بن سعد، وأبو سعيد،ٍ) سعد بن مالك (الخدري،) بالدال المهملة، (وبريدة، وأُمّ سلمة) أُمّ المؤمنين هند بنت أبي أَميّة، (والمطلب بن أبي وداعة،) بفتح الواو وخفّة الدال الحرث بن صبيرة، بمهملة، ثم موحدة ابن سعيد، بالتصغير، السهمي، أبو عبد الله، صحابي أسلم يوم الفتح، وأُمّه أروى بنت الحرث، بن عبد المطّلب، بنت عمّ النبيّ ◌َّه) نزل المدينة، ومات بها، وله أحاديث في مسلم والسنن، (انتهى) ما نقله من كلام عياض، ومنه كلهم يحدث بمعنى الحديث، أي: فروايتهم متّفقة بحسب المعنى، وكأنه يشير إلى أن تواتره معنوي لا اصطلاحي؛ كقول ابن الصّلاح: أن التواتر لا يكاد يوجد، لكن تعقب بأنه حقيقي لإجماع من بعدهم على صحّتها، ثم نسب المصنف ما ذكره عياض من أحاديث هؤلاء إلى مخرجيها إلا أخيرها وهو المطلب، وقد أخرجه أحمد والزبير بن بكار، فقال: (فأمّا حديث أبيّ بن كعب،) (فرواه الشافعي (في مسنده، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، وأبو يعلى، كما سبق قريبًا والبيهقي، كلّهم من حديث الطفيل بن أبيّ، بن كعب، عن أبيه، قال: كان النبيّ عَّه يصلّي، مستدًا إلى جذع، إذ كان المسجد عريشًا،) أي: مسقفًا بالجريد، وكانت الجذوع له كالأعمدة، (وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه،) هو تميم الداري، ففي ٥٢٨ حنين الجذع شوقًا إليه سنّ. هل لك أن نجعل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويسمع الناس خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي على المنبر، أبي داود وغيره، بإسناد جيّد؛ أن تميمًا قال له عَّةٍ لما كثر لحمه: ألا تتّخذ لك منبرًا يحمل عظامك، قال: ((بلی))، فاتخذ منبرًا، الحديث، ولا تصريح فیه بأن صانع المنبر تمیم، بل روى ابن سعد، أن تميمًا لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب؛ أن صانعه ميمون، لكونه من رواية سهل بن سعد، أخرجه قسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف، وهو مولى امرأة من الأنصار؛ كما في الصحيح، وقيل: مولى سعد بن عبادة؛ فكأنّه في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازًا، واسمها فكيهة بنت عمّة عبيد بن دليم، أسلمت وبايعت، وأمّا الأقوال الأخرى أن صانعه تميم، أو بأقوال باللام أخره، أو الميم الرومي، أو صباح، بضمّ المهملة وخفّة الموحدة، أو قبيضة، أو مينا، بكسر الميم أو صالح مولى العباس، أو إبراهيم أو كلاب مولى العباس، فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدًا الجمع بينها؛ بأن النجار كانت له أسماء متعدّدة، واحتمال كون الجميع اشتركوا في عمله يمنع منه قوله في كثير من الروايات: لم يكن بالمدينة إلا نجّار واحد يقال له ميمون، إلاّ أن يحمل على أن المراد واحد في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن كما بشّطه في فتح الباري، وقدّمته في المقصد الأوّل مبسوطًا. (هل لك أن نجعل منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة) فتستريح من القيام على الجذع، (ويسمع الناس خطبتك،) أقوى من سماعهم وأنت على الأرض، (قال: ((نعم))، فصنع له ثلاث درجات هي التي على المنبر،) أي: فوقه؛ لأنه كان ثلاث درجات إلى أن زاده مرون بن الحكم في خلافة مطوية ستّ درجات، وسبب ذلك أن معوية كتب إليه أن يحمل المنبر إليه من المدينة إلى الشام، فأمر به، فقلع، فأظلمت المدينة، وانكسفت الشمس حتى رأوا النجوم، فخرج مرون فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجّارًا، فزاد فيه ستّ درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق. قال ابن النجار: واستمرّ على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة، سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق. قال السيوطي: وكان ذلك إشارة إلى زوال دولة آل البيت النبويّ بني العباس، فإنها انقرضت عقب ذلك بقليل في فتنة التتار. قال ابن النجار: ثم جدّد المظفر صاحب اليمن سنة ستّ وخمسين وستّمائة منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيّد شيخ منيرًا، فلم يزل إلى سنة سبع وستّين وثمانمائة، فأرسل الظاهر ٥٢٩ حنين الجذع شوقًا إليه عَ لّ. صَّاللّه فلما صنع وضعه رسول الله عَةٍ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله عليـ أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله عَّ لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحدیث. وأما حديث جابر، فرواه البخاري من طرق، وفي لفظ له: أن رسول الله عَّةٍ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة خشقدم منبرا، انتهى. (فلما صنع) من أثل الغابة؛ كما في الصحيح، (وضعه رسول اللَّه عَّل موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدا لرسول اللَّه عٍَّ أن يخطب(١) تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه، خار،) بخاء معجمة: صوت، وهو في الأصل يختصّ بصياح البقر، ثم توسّعوا فيه في أصوات جميع البهائم، ثم قاله الراغب، فإطلاقه على صوت الجذع مجاز، (حتى تصدّع وانشقّ،) عطف تفسير، إذ حقيقة الصدع شقّ الأجسام الصلبة، كالزجاج والحديد، ثم استعير منه صدع الأمر بينه كأصدح بما تؤمر، وهو مبالغة في شدّة صياحه، كما يقال: صاح حتى انفلق، ويجوز بقاؤه على ظاهره، ولكن يؤيّد الأول قوله: (فنزل رسول اللَّهِ مَّ لمّا سمع صوت الجذع، فمسحه بيده،) فسكت؛ كما في رواية لزوال ألمه بقربه منه ومشيه له، (ثم رجع إلى المنبر، الحديث. (وأمّا حديث جابر، فرواه البخاري من طرق) في مواضع (وفي لفظ له) في علامات النبوّة وغيرها، عن شيخه أبي نعيم، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر: (أن رسول اللَّه عٍَّ كان يقوم يوم الجمعة،) يخطب (إلى شجرة، أو) قال: إلى (نخلة) بالشكّ من الراوي، وقد أخرجه الإسمعيلي من طريق وكيع، عن عبد الواحد، فقال: إلى نخلة، أي: إلى جذع نخلة، (فقالت امرأة من الأنصار) لم تسمّ أو هي فكيهة بنت عبيد بن دليم زوجة، سعد بن عبادة، وقول المستغفري اسمها علاثة، تصحيف، وللطبراني اسمها عائشة، وإسناده ضعيف، (أو رجل) شكّ من الراوي، والمعتمد الأوّل، وقد تقدّم بيانه في الجمعة، والخلاف في اسمها قاله في الفتح، وقال في مقدّمته: في رواية البيهقي؛ أنه تميم الداري، وقدّمنا الخلاف في اسم صانع المنبر، ورجّحنا أن تميمًا هو المشير به، وأن صانعه الذي قطعه من طرفاء الغابة، هو المختلف في اسمه، انتهى. ويقع في نسخ المصنّف: أو رجل (من الأنصار،) وليس في البخاري من الأنصار، ولا يصحّ لرواية البيهقي، فقال تميم: وليس من الأنصار، (ألا،) بالتحفيف (نجعل لك منبرًا؟، قال: ((إن شئتم) جعله)، فاجعلوا، (فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة،) ٥٣٠ حنين الجذع شوقًا إليه عَّ. رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله عَّةِ فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها. وفي لفظ: قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي عَّ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار - وهو بكسر العين المهملة النوق الحوامل. وفي حديث أبي الزبير برفع يوم، اسم كان، ونصبه على الظرفية (رفع)، بالراء، وفي رواية بالدال بدلها، وكسر الفاء، أي: النبيّ عَّهُ (إلى المنبر) ليخطب عليه، (فصاحت النّخلة) التي كان يخطب عندها، أسقط من لفظ البخاري في العلامات صياح الصبي، وزاد في البيع: حتى كادت أن تنشقّ، (فنزل رسول اللَّه عَّل فضمّها،) أي: النخلة، وفي رواية: فضمّه، أي: الجذع (إليه، فجعلت تئنّ، أنين الصبيّ الذي يسكن،) بضمّ التحتية، آخره نون، مبني للمفعول من التسكين، قاله المصنّف. (قال) عليه الصّلاة والسلام: ((كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها))،) أي: ذكر اللَّه، أو المواعظ، أو القرءان، أو نفس المصطفى؛ لأنه أطلق عليه الذكر أيضاً، لكن يبعده تسمع، وهو جواب سؤال نشأ من الكلام السابق، تقديره: لِمَ كانت تبكي. (وفي لفظ) للبخاري أيضًا في العلامات والجمعة، (قال جابر بن عبد الله: كان المسجد) النبويّ (مسقوفًا على جذوع نخل،) أي: كانت له كالأعمدة، (فكان) بالفاء، وفي رواية: بالواو، (النبيّ عَّ إذا خطب، يقوم) مستندًا (إلى جذع منها) حين يخطب، وصرّح به في رواية الإسمعلي: (فلمّا صُنع،) بالبناء للمفعول (له المنبر) ، وخطب عليه، مفارقًا للجذع، (سمعنا لذلك الجذع صوتًا، كصوت العشار،) وبقيّة هذا الحديث في البخاري، حتى جاء النبيّ عَّه، فوضع يده عليها، فسكنت، قال المصنف: بالنون، (وهو بكسر العين المهملة(،) بعدها معجمة خفيفة، (النوق الحوامل:) التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر: جمع عشراء، بضمّ، ففتح، وقال الخطابي: هي التي قاربت الولادة، وفي القاموس: العشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهرًا وثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، وتقدّم في الطريق الأخرى، فصاحت صياح الصبيّ، حتى كادت أن تنشقّ. (وفي حديث أبي الزبير) ، محمّد بن مسلم المكي، صدوق، روى له الجميع، مات ٥٣١ حنين الجذع شوقًا إليه عزله} عن جابر - عند النسائي في الكبرى -: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتھی. والخلوج : - بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم - الناقة التي انتزع منها ولدها. والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق. وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله عز وجل خلق فيه الحياة والعقل والشوق ولهذا حنَّ وأنَّ. فإن قلت: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: سنة ستّ وعشرين ومائة، (عن جابر عند النسائي في) السنن (الكبرى) إحدى تصانيفه، والصغرى هي أحد الكتب السّة: (اضطربت) تحرّكت (تلك السارية،) وصوّتت تصويتًا؛ (كحنين الناقة الخلوج، انتهى، والخلوج: بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام الخفيفة، وآخره جيم الناقة التي انتزع منها ولدها). زاد الفتح: وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: فحنّت الخشبة حنين الواله، وفي روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور. وفي حديث أبيّ بن كعب عند أحمد، والدارمي، وابن ماجه: فلمّا جاوزه خارّ الجذع حتى تصدّع وانشقّ، فأخذ أبي ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي وصار رفاتًا، وهذا لا ينافي أنه دفن؛ لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أُبيّ بن كعب، انتھی. (والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق) لمن يهواه، (وإنما يشتاق إلى بركة رسول اللَّه، ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء، والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدلّ على أن اللَّه عزّ وجلّ خلق فيه،) أي: الجذع)، (الحياة والعقل والشوق، ولهذا حنّ وأنّ،) والأنين صوت المريض، وهما متقاربان، وقيل في الأنين زيادة امتداد الصوت، وعبّر به إيماء إلى أنه لحقه ألم كالمريض، وهو عطف خاص على عام؛ لأن الحنين في الإبل إذا فارقت أولادها، ثم شاع في مطلق الشوق ولو بالكلام، وأمّا الأنين فيما لا يفهم كالتأوه، ففيه إشارة إلى أنه كان بصوت يفهم منه الحزن بدلالة طبيعية، كأنين المريض. (فإن قلت: مذهب الشيخ الحسن الأشعري،) من ذرّية أبي موسى الأشعري الصحابي، ٥٣٢ سعة حنين الجذع شوقًا إليه عَلّ. أن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل. أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلا أن الشوق إلى الحق شوقًا معنويًا عقليًا لا طبيعيًا بهيميًا. ومذهب الشيخ أبي الحسن أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبي عَّ هذه المعاملة، فالتزمه كما يتلزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل: وحن إليه الجذع شوقًا ورقة ورجع صوتًا كالعشار مرددا فبادره ضما فقر لوقته لكل امرىء من دهره ما تعودا (أن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل،) إذ الأصوات من العرض عند الأكثرين، ولم يخالف فيه إلا النظام، وجعل الأشعري الأصوات اصطكاك الجواهر بعضها ببعض، وذلك لا يستلزم الحياة ولا الإرادة. (أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة) للصوت حتى يلزمنا مخالفة الأشعري، (إلاّ أن الشوق إلى الحقّ) إنما يكون (شوقًا معنويًّا،) فهو خبر محذوف، أولى من تخريجه على نصب، أن الجزأين (عقليًا لا طبيعيًا بهيميًّا، ومذهب الشيخ أبي الحسن) الأشعري؛ (أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها، وقد بينا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر، وإلى مقام الحبيب عنده،) وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به، (وقد عامله النبيّ عَِّ هذه المعاملة) معاملة الحيّ العاقل، (فالتزمه) اعتنقه وضته؛ (كما يلتزم الغائب أهله وأعزّته، يبرد غليل:) حرارة (شوقهم إليه، وأسفهم:) حزنهم (عليه،) ففيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق اللَّه لها إدراكاً كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن حمل قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء/٤٤] الآية، على ظاهر؛ كما في الفتح (والله درّ القائل)، وهو صالح بن الحسين الشاعر في قصيدة طويلة: (وحنّ) صوت (إليه الجذع شوقًا،) أي: لأجل شوقًا، أو هو مفعول مطلق، أي: اشتاق إليه شوقًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، (ورقة ورجع صوتًا كالعشار،) بكسر العين وخفّة الشّين، (مردّدًا،) بفتح الدال، صفة صوتًا، وكسرها حال من فاعل رجع، أي: ورجع الجذع حال كونه مردّدًا الترجيح صوتًا كصوت العشار، (فبادره ضمَّا:) اعتناقًا، (فقرّ:) سكن (لوقته لكل امرىء من دهره ما تعوّدا،) يعني أنه أمر مطرد في كل من اعتاد أمرًا وانقطع عنه، فإنه يتألّم ٥٣٣ حبين الجذع شوقًا إليه ٹ وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: إن رسول الله عَ ◌ّةٍ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع منبرًا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول الله عَّله على المنبر جأر الجذع كجوار الثور، وارتج المسجد لجؤاره حزنًا على رسول الله عَّ فنزل إليه رسول الله عَ لّه على المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه لذلك ويحزن، فإذا رجع إليه فرح واطمأنّ، وهذا الجذع لما ألف مقامه عَّهِ عنده، اعتاد ذلك، فصار يتألم لفراقه تألم من فارقته أحبّته، فلما ضمّه، سكن وفرح كمقيم وردّ عليه أحبّته المسافرون سفرًا طويلاً، لا سيّما إذا ظنّ المقيم أن لا يرجع المسافر إليه. (وأمّاً حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي،) الحافظ، الثقة، أحمد بن علي بن المثنى، التميم، المتوفّى سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على مائة وعمّر، وتفرّد ورحل الناس إليه، (بلفظ: أن رسول اللَّهُ عَّ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد) النبوي، كالعمود (يخطب الناس، فجاءه رومي) باقوم، بموحدة، فألف، فقاف مضمومة، آخره ميم، أو لام، أو مينا أو غيرهما، والأصح والأشهر أنه ميمون، كما مرّ عن الحافظ، ووقع للمصنّف أن الأشهر باقوم، وفيه نظر، (فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع منبرًا،) بكسر الميم من نبره، رفعه ورقّاه؛ لأن القائم عليه يرتفع عن غيره، (له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول اللَّه عٍَّ على المنبر، جأر) بجيم، فهمزة مفتوحة، والجوار معروف، ولذا قال: (كجؤار الثور،) وهو مثل الخوار بالخاء، يقال: جار الثور يجار، أي: صاع، وقرأ بعضهم: ﴿عجلاً جسداً له جوار﴾ [طه: ٨٨] الآية، بالجيم، حكاه الأخفش، كذا في نور النبراس. وقال التلمساني: بضم الخاء المعجمة، يهمز ويسهل، وهو أولى، وبالجيم، وهو رفع صوته مع تضرّع واستغاثة، فصدر بالخاء، وذكر الحجازي على الشفاء؛ أن الرواية بالجيم، وأنه لم يروّ بالخاء، فيما علم، (وارتجّ،) بهمزة وصل، وراء ساكنة، وفوقية مفتوحة، وجيم ثقيلة: تحرّك واضطرّب اضطرابًا شديدًا، (المسجد،) أي: أهله (لجؤاره)،) لعظيم هذه الآية، وكثر فيه الكلام، أو هو على ظاهره بأن تحرّكت حيطانه وجداراته لشدّة صوته، إما حقيقة، أو لظنّ ذلك ممنّ هو فيه، (حزنًا،) وفي رواية: تحرّنًا، أي: إظهار حزن، وهو خلاف السرور. (على رسول اللَّه عَّه، فنزل إليه رسول اللَّه عَلَّه من المعبر، فالتزمه:) ضمّه (وهو يخور:) يصوّت، (فلما التزمه ٥٣٤ حنين الجذع شوقًا إليه عَّ سكت. ثم قال رسول الله عَّةٍ: والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله عَّ له، فأمر به عَّ له فدفن. ورواه الترمذي وقال: صحیح غريب. وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه: كان رسول الله عَّ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا، أراد أن يسمعهم، سكت) عن ذلك، (ثم قال رسول اللَّه عَلّ: ((والذي نفس) روح (محمّد بيده،) قدرته وتصرّفه، وحياته ومماته، متى أراد (لو لم ألتزمه:) اعتنقه وأضمّه، افتعال من اللزوم، وهو عدم الفراق، ثم استعير للعناق؛ كما في الأساس، (لما زال هكذا،) أي: له صياح وجؤار (حتى تقوم الساعة)،) وفي رواية: ((إلى يوم القيامة))، (حزنًا على رسول اللَّه عَّه)) قيل: وهذا على طريق المبالغة؛ كقوله: ((حتى يلج الجمل في سم الخياط))، وإن لم يقع، فلا يشكل بقوله تعالى: ﴿كل شىء هالك إلا وجهه كل من عليها فان﴾ الآية، ولا حاجة إليه، فلا مانع من بقائه على ظاهره؛ لأنه علق بقاءه على عدم التزامه، فإذا التزمه تغيّر وفنى، وقد علم اللَّه ذلك، (فأمر به عَُّله) بعض صحبه بأخذه ودفنه، (فدفن) تحت المنبر؛ كما في رواية. وفي بعض الروايات: فدفنت تحت منبره، أو جعلت في السقف؛ كذا في بعض نسخ الشفاء، فيحتمل أنه دفن تحت المنبر أوّلاً، ثم رفع في السقف، لئلاّ يداس بالأرجل، تكريمًا لأثره ێے، فلمّا هدم المسجد، أخذ أبي، فكان عندہ إلی أن بلی وصار رفاًا. قال البرقي: وإنما دفنه وهو جماد؛ لأنه صار حکمه حکم المؤمن لخبّه وحنينه إلى النبيّ عَّله، وقال غيره: لئلاّ تشتغل به الناس، وربما افتتن به بعد العصر الأول، وفيه إشارة إلى أنه سينبت في الجنّة؛ كما يأتي، (ورواه)) أي: حديث أنس المذكور (الترمذي، وقال: صحيح غريب،) لتفرّد راويه، فيجامع الصحة، فلا تنافي، ونصّ على صحته لبيان حاله، لا لنفي صحة غيره، (وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن) البصري، (عن أنس، ولفظه: كان رسول اللَّه عََّّةٍ إذا خطب يوم الجمعة، يسند ظهره إلى خشبة،) هي جذع نخلة، وفيه تكرّر ذلك منه؛ لأن خبر كان إذا كان مضارعاً يفيد ذلك استعمالاً؛ كقولهم: كان حاتم يقرى الضيف. وفي التنزيل: وكان يأمر أهله بالصّلاة والزكاة، (فلما كثر الناس، قال: ((ابنوا لي منبرًا))، أراد أن يسمعهم،) فأرسل لامرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار، كما في حديث سهل، ولا ٥٣٥ حنين الجذع شوقًا إليه عَلّ. فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن لملك أنه سمع الخشبة تحن كحنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله عَّ له عن المنبر فمشي إليها فاحتضنها فسكتت. ورواه أبو القسم البغوي وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله عَ له شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. ينافي ذلك أن المشير بن تميم، وأن الرومي قال: ألا أصنع لك شيئًا؛ كما في الرواية قبله عن أنس؛ لأنه لما شقّ عليه القيام على الجذع، وأراد إسماع الناس، أشار تميم بذلك، وقال له الرومي ما قال، فقال: ((بنو لي منبرًا)، ثم أرسل المرأة، (فبنوا له عتبتين،) أي: درجتين، والثالثة هي التي يجلس عليها؛ كما في الرواية قبله، ولا يفهم من قوله: ((ابنوا))، وقوله: فبنوا أنه من طين؛ لأنه لم يثبت، كما قدّمه المصنّف في المقصد الأوّل، والذي في الصحيحين؛ أنه من أثقل الغابة، وهو بمثلّثة شجر، كالطرفاء والغابة، بمعجمة موضع بالمدينة، (فتحوّل من الخشبة) أي: الجذع (إلى المنبر قال) الحسن: (فأخبر أنس بن مالك؛ أنه سمع الخشبة تحنّ؛ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول اللَّه ◌َِّ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضبها، فسكنت) تركت صياحها لزوال همّها وحزنها بمشيه لها وضتها، (ورواه أبو القاسم) الحافظ، الكبير، مسند العالم عبد اللَّه بن محمّد بن عبد العزيز، (البغوي،) الأصل، البغدادي، الإمام الجليل، المصنف، العارف، طال عمره وتفرّد في الدنيا، ومات سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين، وهو متقدّم على محيي السنة، البغوي بزمان، (وزاد فيه: فكان الحسن) البصري، (إذا حدّث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد اللَّه! الخشبة،) أي: الجذع (تحنّ إلى رسول اللَّه عَ لّم. شوقًا إليه،) مفعول مطلق لتحنّ، كجلست قعودًا، أو مفعول له الأوّل أَوْلى؛ لقوله: (لمكانه من اللَّه))) بلام التعليل، إن لم يكن بدلاً من قوله إليه، أو علّة متداخلة، فشوقًا علّة لتحنّ، ولمكانه علّة لشوقًا، أي: أن الخشية اشتاقت لعلوّ مقامه وجلالة قدره، وهي جماد، (فأنتم أحقّ) من الجماد (أن تشتاقوا إلى لقائه،) وذكر ابن عطية عن أبيه: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على سرير وعظه، سنة تسع وستين وأربعمائة: من أحبّ أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحبّ أهل الكهف وصحبهم، فذكره اللَّه في محكم تنزيله، فالخشبة تحنّ والكلبّ يحبّ، فهذه عبرة لأُولي الألباب. ٥٣٦ حنين الجذع شوقًا إليه عَلّ ولله در القائل: وألقى حتى في الجمادات حبه فكانت لإهداء السلام له تُهدى فأنَّ أنين الأم إذ تجد الفقدا وفارق جذعًا كان يخطب عنده يحن إليه الجذع يا قوم هكذا أما نحن أولى أن نحنَّ له وجدا إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة فليس وفاء أن نطيق له بعدا وأما حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين من طرق. وأما حديث ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه. وأما حديث ابن عمر، ففي البخاري. وأما حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد بن حميد. (وللَّه درّ القائل: وألقى حتى في الجمادات حبّه) عليه السّلام، (فكانت لإهداء السلام له تهدى،) أي: تدلّ لذلك؛ بأن يخلق اللَّه فيها هداية للسّلام عليه. وفارق جذعًا كان يخطب عنده فأنَّ أنين الأم إذ تجد الفقدا بألف الإطلاق، وهو إشباع حركة الروى، فيتولّد منها حرف مجانس لها، (يحنّ إليه الجذع يا قوم هكذا،) أي: الحنين الزائد المشبّه بحنين الام. أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا إذا كان جذع لم يطق بعد بضم، فسكون (ساعة، فليس وفاء) منّا، خبر ليس قدم على اسمها، وهو (أن نطيق له بعدًا،) وهو معرفة، بل من أعرف المعارف؛ لأن المصدر المنسبك من أن، والفعل في رتبة الضمير؛ كما في المغنى. (وأمّا حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين) في الصّلاة وغيرها (من طرق) عن سهل، قال: بعث عَّ إلى امرأة: ((أن مري غلامك النّار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ)). (وأما حديث ابن عباس، فعند الإمام أحمد، بإسناد على شرط مسلم،) ولا يلزم أنه كصحة ما رواه نفس مسلم، كما نبّه عليه ابن الصّلاح وغيره، ولذا كان من الرتبة السادسة من مراتب الصحيح، (ورواه ابن ماجه،) وابن منيع والطبراني؛ كما مرّ. (وأمّا حديث ابن عمر، ففي البخاري) مختصرًا، وقدّمت لفظه، (وأمّا حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد،) بلا إضافة (ابن حميد) بن نصر الكسبي، بمهملة أبي محمد، قيل: اسمه : ٥٣٧ حنين الجذع شوقًا إليه عَيّة. وأما حديث عائشة، فعند البيهقي وفي آخره: أنه عَِّ خير الجذع بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. وأما حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبي عٍَّ قاله: حين حنّ إن شئت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياى الله من ثمرك؟ ثم أصغى رأسه له النبي عٍَّ يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي عَّه: قد فعلت، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء. عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة، حافظ، روى عنه مسلم والترمذي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، وكذا رواه عنه الدارمي. (وأمّا حديث عائشة، فعند البيهقي) في الدلائل، ولم يذكرها أولاً فيمن أجمله من الصحابة، (وفي آخره: أنه عَُّ خيّر الجذع بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة،) وفيه نوع إجمال بيته قوله. (وأمّا حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبيِ عَّ قاله حين حنّ: (إن شئت) بتاء الخطاب؛ لأن الله خلق فيه إدراكًا (إن أردك إلى الحائط،) أي: البستان، (الذي كنت فيه تنبت لك عروقك،) بدل من أردّك، أو مستأنف لبيان علة الرد إلى مكانه الذي نبت فيه، (ويكمل خلقك ويجدد ذلك خوض،) بضم الخاء ورق النخل، (وثمرة)) أي: يعود لك خلقتك بتمامها ونضارتها، (وإن شئت) غرسك، بالمفعول مقدّر، (اغرسك في الجنّة،) بالجزم جواب الشرط، (فيأكل أولياء اللَّه من ثمرك))،) عطف على الجواب، فخيّره بين الحياة الدنيوية والأخرويّة، (ثم أصغى،) بمهملة، فمعجمة: أمال (رأسه) وقرّبه (له النبي عَّه، يستمع ما يقول،) أي: ليستمع قوله وجوابه، (فقال) الجذع: (بل تغرسني في الجنّة،) أي: تصيرني من غراسها، (فيأكل مني:) أي: من ثمري (أولياء اللَّه) المؤمنون، (وأكون في مكان لا أبلى،) بفتح الهمزة: أفنى، وضمّها خطأ (فيه،) وهو الجنّة كسائر أهلها وأشجارها، (فسمعه،) أي: كلام الجذع (من يليه:) أي: الجذع أو النبيّ، أي: يقرب منه، فسماعه لم يختص به النبيّ عَّله، (فقال النبيّ عَّلهُ: (قد فعلت)))) بضمّ التاء للمتكلّم، أي: جعلتك من غراس الجنّة، (ثم قال) عَّةُ: ((اختار دار البقاء:) الجنّة (على دار الفناء:) الدنيا، بفتح الفاء والمدّ: الذهاب والزوال. ٥٣٨ سجود الجمل وشكواه إليه وأما حديث أم سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل. والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة. وعند التحقيق يرجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك والله أعلم. ر: وأما كلام الحيوانات وطاعتها له عَـ فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه عَّله. عن أنس بن لملك رضي الله عنه قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، (وأمّا حديث أُمّ سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل) النبويّة، (والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما هو ظاهره التغاير،) الذي قد يأخذ منه من لا يعلم تعدد القصة، (هو من الرواة، وعند التحقيق،) بالجمع بين المتغاير، (يرجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك؛) لأن غرضنا الاختصار، (واللَّه أعلم،) وقد قال بعض علماء الحديث: من جعل كل رواية غايرت الأخرى مرّة على حدة، فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب. (وأمّا كلام الحيوانات،) أي: جنسها لا جميعها، إذ لم يرد كلام جميعها له، وإن انقادت له، وفرّق بين الكلام اللفظي والانقياد بمعنى علمها به، وفي حديث: ((ما بين السماء والأرض شىء إلاّ ويعلم إني رسول اللَّه، إلا عاصي الجن والإنس))، رواه البيهقي وغيره، (وطاعتها له عَّة) عطفها على الكلام، إشارة إلى أن الانقياد يكون بلفظ وبدونه، وجعل المصنف القصد هنا نفس الكلام، والانقياد والأحاديث داّة على ذلك، وفيما سبق من قوله. وأمّا ما روى من طاعات الجمادات وتكليمها له، بيان الأحاديث المروية في ذلك، ولعلّ نكتته زيادة على التفنن، الإشارة إلى أن القصد بهما واحد يحصل بكل من العبارتين. (فمنها،) أي: هذه المعجزة المعبّر عنها بمجموع الكلام والطاعة، وإلاّ فالظاهر منهما بالتثنية؛ لأن كل واحد معجز بانفراده، ولعلّ وجه العدول للإفراد النظر للمعنى، وهو أن كل واحد من الجزئيات مقصود بالإخبار به، وأنه معجز، (سجود الجمل وشكواه إليه عند،) كثرة العمل وقلّة علف. (عن أنس بن ملك رضي اللَّه عنه، قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون،) يسقون (عليه، وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره،) أي: الانتفاع به، كنى عن ذلك بالظهر، لأن الانتفاع بالإبل، بالجمل على ظهورها غالباً، (وأن الأنصار) أصحاب هذا ٥٣٩ سجود الجمل وشكواه إليه علي وأن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله عَ له فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه ـَ اللّه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله علـ 防衛 لأصحابه: قوموا، فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحية فمشى رسول الله نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله عَّله: ليس علي منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله عَّلِ أقبل نحوه حتى خر ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله عَّه بناصيته أُذل ما كان قط، الجمل (جاؤوا إلى رسول اللَّه عَّه، فقالوا: إنه كان لنا جمل) يحتمل إن كان للدوام، وأنها للانقطاع باعتبار استصعابه وقت الشكية منه، فكأن السقاية منه انقطعت، (نسني عليه،) ظاهر هذا أنه يائي، وفي الصحاح وغيره: سننت الناقة تسنو، إذا سقت الأرض، والقوم يسنون لأنفسهم إذا سقوا، وهذا ظاهر في أنه واوي، وهو صريح قوله قبل: يسنون عليه، وهو محذوف الواو، وأصله يسنوون بواوين، حذفت أولاهما لثقل الضّة عليها، فالتقى ساكنان، فحذفت لام الكلمة، ويحتمل أن نسنى واوي، وأصله نسنوي، قلبت الواو ياء، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، (وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره،) عطف علّة على معلول، (وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول اللَّه عَّةٍ لأصحابه: ((قوموا))) معي، تأنسًا وضبطًا لما يفعله في سيره، فيقوى يقينهم بمشاهدة المعجزات، ويخبرون من وراءهم بها، (فقاموا، فدخل الحائط) البستان، (والجمل في ناحية) جانب منه، (فمشى رسول اللَّه عَّهِ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه! قد صار مثل الكلب،) بفتح، فسكون: الحيوان المعروف (الكلب،) بفتح، فكسر، أي: العقور الذي أصابه داء، كالجنون من أكل لحم الإنسان ونحوه، (وإنّا نخاف عليك صولته:) سطوته ووثوبه، (فقال رسول اللَّه عَلٍّ: ((ليس عليّ منه بأس)))) شدة وضرر لمنع اللَّه له ذلك، (فلما نظر الجمل إلى رسول اللَّه عَّ أقبل نحوه حتى خرّ ساجدًا،) أي: واضعًا مشفره بالأرض، باركًا (بين يديه،) كما في رواية وهي مبينة لسجوده، إذ السجود الحقيقي لا يتأتى من الجمل، (فأخذ رسول اللَّه عَّ بناصيته، أذلّ،) حال من الضمير المضاف لناصيته، مأخوذ من الذل، بالكسر، الانقياد لا بضتها الذي هو ضد العز، (ما كان قطّ،) أي: حالة كونه منقادًا انقياد لم يسبق له مثله في زمن من الأزمنة الماضية، واستعمال قط غير مسبوقة بنفي أثبتها ابن لملك في الشواهد، قال: وهي مما خفي على كثير من النحّاة لمجيئها بعد المثبت في مواضع من البخاري، منها: في الكسوف أطول صلاة صليتها قط، وفي أبي داود: توضأُ ثلاثًا قطّ، وفي حديث لحرثة بن وهب: صلّى بنا النبيّ عَّه. ٥٤٠ سجود الجمل وشكواه إليه عَـ حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق بالسجود لك، فقال رسول الله عَله: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها، رواه أحمد والنسائي باسناد جيد. والحائط: هو البستان. وقوله: نسني - بالنون والسين المهملة - أي نسقي عليه. ونحن أكثر ما كنّا قط، وفي حديث جابر: ((ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقّها إلا جاءت يوم القيامة أكبر ما كانت قطّ)، وفي حديث سمرة: في صلاة الكسوف فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، ففي هذه الأحاديث استعمال قط غير مسبوقة بنفى، (حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله! هذه) أنت والجمل مذكر، مراعاة للخبر، وهو (بهيمة لا تعقل) صفة كاشفة، ففي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يميز، والمراد الثاني، (تسجد لك، ونحن نعقل، فنحن أحقّ بالسجود لك) منها، (فقال رسول اللَّه عَلَّمَ: ((لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر) إنما يسجد للَّه، (لو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها))). قال ابن العربي: فيه تعظيم وهو جائز، فقد سجدت الملائكة لآدم، وأخبر المصطفى أنه لا يكون، ولو كان لجعل للمرأة في آداب حق الزوج، وقال غيره فيه: أن السجود لمخلوق لا يجوز، وسجود الملائكة خضوع وتواضع له من أجل علم الأسماء التي عَّمها اللَّه له وإنبائهم بها، فسجودهم إنما هو ائتمام به؛ لأنه خليفة اللَّه، لا سجود عبادة إن اللَّه لا يأمر بالفحشاء. (رواه أحمد والنسائي، بإسناد جيد،) رواته ثقات مشهورون؛ كما قاله المنذري وبقيته عندهما: ((والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه يتبجّس بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه ما أدّت حقّه))، ويتبجس، بفتح التحتية، والفوقية، والموحدة، والجيم الثقيلة، فسين مهملة: يتفجّر، وفيه تأكيد حق الزوج، وحث على ما يجب من بره، ووفاء عهده، والقيام بحقّه، ولهنّ على الأزواج ما للرجال عليهن، قاله بعض، (والحائط هو البستان،) أي: المراد به ذلك تجوز، أو أصله اسم فاعل من حاطه، إذا أحاط به ودار عليه، ثم نقل للبستان نفسه الذي فيه الشجر والنخل، (وقوله: نسنى بالنون والسين المهملة، أي: نسقي عليه،) بيان للمراد من هذه الصيغة، وقضيته أن ألفه منقلبة عن ياء، ومقتضى الصحاح، والنهاية، والقاموس أنه واوي؛ كما مرّ، فقياسه نسنو، أو هما لغتان حكاهما ابن لملك.