Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى،
من بين شراسيف وأحشى.
وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر
طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء فيه على من لا
يعلم، فضلاً عمن يعلم.
والثاني: أن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب
من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع،
شراسيف،) بشين معجمة، وراء وسين مهملة، جمع شرسوف؛ كعصفور، غضروف معلق بكل
ضلع أو مقسط الضلع، وهو الطرف المشرف على البطن، (وأحشى:) جمع حشى.
(وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل،)، بمثلثة طويل، يشبه
الحبل في امتداده، (ومشفر،) بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء)، (طويل، وإن ذلك
من خلق ربّنا لقليل؛ ففي هذا الكلام مع قلّة،) وفي نسخة: قلت بالفاء، (حروفه من
السخافة،) قلّة العقل، (ما لا خفاء فيه على من لا يعلم فضلاً عمّن يعلم،) إذ كلّ من سمعه
یمجه، ويعلم ضرورة هجنته ولكنته.
(و) الوجه (الثاني: أن إعجازه هو الوصف،) بالغ في العلّة حتى جعلها محمولة على
المبتدأ؛ كزيد عدل، فلا يرد أن الوصف علّة للإعجاز الذي هو تصيير الغير عاجزًا، لأجل الوصف
(الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب) من حسن تأليفه، والتئام كلمة وفصاحته، ووجوه
إيجازه من قصر وحذف جزء جملة مضاف، أو موصوف، أو صفة في نحو: واسأل القرية، أي:
أهلها ومنادون ذلك، أي: رجال ويأخذ كل سفينة غصبًا، أي: سفينة صالحة، وغير ذلك مما
استدلّ عليه من وجوه الإعجاز وبلاغته الخارقة عادة العرب في عجائب تراكيبهم وغرائب
أساليبهم، وبدائع إنشاءاتهم، وروائع إشاراتهم الذين هم فرسان الكلام، ومن صورة نظمه العجيب،
وأسلوبه الغريب، المخالف لأساليب العرب، ومناهج نظمها، ونثرها الذي جاء به القرءان، ووقفت
عليه تقاطع آياته، أي: أواخر وقوفها؛ كالتامّ والكافي، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله
ولا بعده نظير له، انتهى ملخّصًا من الشفاء.
(من النظم) بيان لكلام العرب، (والنثر) بمعنى المنظومْ والمنثور، (والخطب والشعر والرجز)
عطف أخصّ على أعمّ إذ الراجح أنه شعر، (والسجع) بمهملة: كلام له فواصل بمعنى المسجوع.

٤٤٢
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فلا يدخل في شىء منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه وحروفه من جنس
كلامهم، ومستعملة في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيرت عقولهم، وتدلهت
أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم، فلا ريب أنه في فصاحته قد
قرع القلوب .
قال المجد: السجع: الكلام المقفّى، أو موالاة الكلام على روى جمعه إسجاع
وسجوع وسجع؛ كمنع نطق بكلام له فواصل، وسجعت الحمامة: رددت صوتها.
وفي المصباح: أن تسمية مثل هذا سجعًا لتشبيهه بهدر الحمامة، والفرق بينه وبين
الشعر أنه يعتبر فيه الوزن قصدًا بخلاف السجع، فلا يعتبر فيه الوزن هذا، ومغايرة الثاني
للأوّل من حيث أنه لوحظ فيه جانب المعنى؛ ككون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال من
التأكيد وغيره، والثاني: لوحظ فيه جانب اللفظ المتعلّق بكيفية التأليف من الحذف لبعض
الأجزاء وغيره، بدليل قوله: من النظم ... الخ، وبه يصرّح كلام القاضي المتقدّم.
(فلا يدخل في شىء منها) حتى يتّصف بشىء من الأوصاف التي بنى عليها
كلام العرب، بل هو أعلى منها وأغلى، وإن شاركها في أنه مؤلف من كلماتهم، ونزل
على أساليب كلامهم، نظرًا لأصل اشتماله على تراكيب من نوع تراكيبهم، لكن تراكيب
القرءان في أعلى طبقات الفصاحة، فلم يعد شىء منه داخلاً في جنس كلامهم (ولا
يختلط،) أي: يشتبه (بها،) بحيث لو جمع شىء منه مع كلامهم تميّز عنه تميزًا، لا يخفى
على أحد، ومثل ذلك لا يكون من الخلط في شىء، (مع كون ألفاظه وحروفه من جنس
كلامهم، ومستعملة) بالنصب عطفًا على محل ما قبله؛ لأنه خبر كون (في نثرهم
ونظمهم، ولذلك تحيّرت عقولهم،) وقعت في الحيرة، فالعناد يمنعهم من الاعتراف أنه
من عند اللَّه، وظهور إعجازه في قولهم: مفترى سحر ونحو ذلك، (وتدلّهت،) بفتح أوّله،
والمهملة واللام الثقيلة: دهشت وتحيّرت في شأنه، (أحلامهم) عقولهم، فهو قريب مما
قبله.
وفي نسخة: تولّهت بواو، وبدل الدال من الوله، وهو الحيرة أيضًا، قال بعض: والأحسن
تفسير التدلّه بذهاب العقل من الهوى، فيكون ترقى من حيرته إلى ذهابه، (ولم يهتدوا إلى
مثله،) أي: ألم يقدروا على الإتيان بما يماثله أو يقرب منه، ولا سمعوه من نصائحهم، (في حسن
كلامهم) الذي يقدرون عليه، ونفى به قواهم البشرية من نظر، أو نظم، أو رجز، أو شعر، (فلا
ريب،) لا شكّ في (أنه في فصاحته قد قرع القلوب) أثّر فيها، إذا ورد عليها أثرًا؛ كتأثير من

٤٤٣
المقصد الرابع في معجزاته عَّم الدالّة على ثبوت نبوّته
ببديع نظمه، وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله
الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلا
تهافت تهافت الفراش في الشهاب، ودل ذل النقد حول الليوث الغضاب.
وقد حكي عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفَّته عن
ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزال - بتخفيف الزاي وقد تشدد - وكان
بليغ الأندلس في زمانه
قرع الباب (ببديع نظمه)، أي: بسبب تأليفه البديع، فهو من إضافة الصفة للموصوف، (و) ريب
أنه (في بلاغته قد أصاب المعاني،) أدركها بحيث أخذ منها أوفرها وأعذبها، (بصائب سهمه)
من إضافة الصفة للموصوف أيضًا، فإن قيل: الباء سببية أو آلية، وذلك يقتضي مغايرة السبب
والآلة للمسبّب، وللمجعول له الآلة والقرءان واحد؛ فالجواب: أنه يجعل صائب السهم وصفًا
زائدًا على بلاغته، ولفظه: (فإنه حجّة اللَّه،) برهانه (الواضحة ومحجّته،) بفتح الميم طريقه
(اللائحة) الظاهرة، (ودليله القاهر) الغالب، فإن الدليل إذا قوي وظهر قهر الخصم وقطعه،
(وبرهانه الباهر،) الغالب، الظاهر، (ما رام) قصد (معارضته شقيّ إلا تهافت،) تساقط وذلّ،
وانخفض عن نوع العقلاء، حتى كأنه رمى نفسه في المهالك؛ كما أفاده بقوله: (تهافت
الفراش،) بالفتح: جمع فراشة طائر معروف يتساقط (في الشهاب،) ككتاب شعلة من نار
ساطعة، (ودلّ، ذلّ النقد،) بفتح النون، والقاف، والذال المهملة: نوع من الغنم قبيح الشكل،
(حول الليوث:) جمع ليث الأسود، (الغضاب:) جمع غضبان؛ كعطاش وعطشان.
(وقد حكي عن غير واحد ممن عارضه،) أي: قصد معارضته بكلام يماثله؛ (أنه اعترته:)
حدثت له وأصابته (روعة،) بفتح الراء، وسكون الواو: فزعة، (وهيبة،) أي: مخافة (كفته) منعته
(عن ذلك) الذي أراده من المعارضة؛ (كما حكى عن يحيى بن حكيم) بزنة طبيب، قال في
التبصير: شاعر أندلسي بديع القول، مات سنة خمس وخمسين ومائتين في عشر المائة، انتهى،
وسمي في الشفاء والده الحكم بفتحتين، (الغزال، بتخفيف الزاي،) كما جزم به الذهبي في
المشتبه، والحافظ في تبصيره: علم منقول من اسم الحيوان، لقبه به هشام بن الحكم الجياني
في صغره لحسنه، (وقد تشدّد،) فهو وصف منسوب لصنعة الغزال، (وكان بليغ الأندلس،)
بفتح الهمزة، وضم الدال، وفتحها، وضم اللام فقط، (في زمانه،) أي: معروفًا بالبلاغة وفصاحة
النظم والنثر في عصره، وهو بكري قرطبي الدار، وله شعر في غاية الحسن، وارتحل إلى مصر،
ثم عاد للأندلس، ويقال: إنه بلغ من العمر مائة وثلاثين سنة، وأرسل رسولاً لبلاد الفرنج، فأعجب
ملكها ونادمه، وسألته زوجته عن سنّه، فقال: عشرين، فقالت: فما هذا الشيب؟، فقال: أما رأيت

٤٤٤
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذر على مثالها، وينسج على
منوالها، فاعترته خشية ورقة، حملته على التوبة والإنابة.
ويحكى أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل وقته - طلب ذلك ورامه، ونظم
كلامًا وجعله مفصلاً، وسماه سورًا، فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى:
﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر .. ﴾
[هود/٤٤] الآية، فرجع ومحى ما عمله
مهرًا ولد أشهب، فضحكت، (أنه قد رام) قصد (شيئًا من هذا،) أي: معارضة القرءان، (فنظر
في سورة الإخلاص ليحذر على مثالها) من حدّوته بمهملة ومعجمة، إذا قمت بحذائه، أي:
مقابله، فالمعنى: ليقول مثلها بزعمه، (وينسج) بكسر السين (على منوالها،) بكسر الميم: خشبة
ينسج عليها الثياب، وهو بمعنى ما قبله، (فاعترته:) أي: عرض له في حال النظر (خشية) خوف
أو ضعف ولين (حملته على التوبة) عما كان راحه والنوم عليه (والانابة) الرجوع عنه لعله انه أمر
وتعظيم (ورقّة) في قلبه وخشوع لا يقدر عليه البشر.
(ويحكى أن ابن المقفع،) بضم الميم، وفتح القاف، والفاء المشددة قبل العين المهملة؛
كما ضبطه في المقتفي، وفي القاموس: رجل مقفع اليدين؛ كعظم متشنجهما، ومرون بن المقفع
تابعي، وأبو محمد عبد الله بن المقفع، فصيح، بليغ، كان اسمه روزية أو داذية بن داذ جشنش قبل
إسلامه، وكنيته أبو عمرو، لقب أبوه بالمقفع؛ لأن الحجاج ضربه، فتقفعت يده، وتقفع تقبض، انتهى.
وقال ابن مكي في تثقيف اللسان: الصواب فيه المقفع، بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل
القفاع: جمع قفعة وهي شىء يشبه الزنبيل بلا عروة من خصوص، ويقال: إنه كاتب المنصور،
قتله سفين المهلبي لما ولي البصرة، وحضره أهلها، وفيهم ابن المقفع، فذكر عنده الوطيس، فلم
يعرفه، وسأل الحاضرين عنه، فضحك ابن المقفع، فلما انصرفوا أمر ابن المقفع بالجلوس حتى
خلا المجلس، فأمر بتنور عظيم، فأسجر، وأمر بطرحه فيها، فاحترق، وكان من جملة قوم زنادقة
يجتمعون على الطعن في القرءان، وصياغة هذيان يعارضونه بها، (وكان أفصح أهل وقته،) زمانه
وعصره الموجود فيه، (طلب ذلك ورامه، ونظم كلامًا، وجعله مفصّلاً وسماه سورًا، فاجتاز
يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعى ماءك﴾ الآية، الذي نبع منك
فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهارًا وبحارًا ﴿ويا سماء أقلعي) الآية، أمسكي عن
المطر، فأمسكت ﴿وغيض﴾ نقص ﴿الماء وقضي الأمر﴾ (الآية،) ثم هلاك قوم نوح واستوت
على الجودي، وقيل: بعدًا للقوم الظالمين، الجودي: جبل بالجزيرة بقرب الموصل، (فرجع
ومحا) جميع (ما عمله،) أي: غسله، وأبطل ما في صحفه لما رآها لا مناسبة بينها وبين شىء

٤٤٥
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر.
ولله در العارف سيدي محمد وفا حيث قال، يعني النبي عَّه والقرءان
المعظم:
له آية الفرقان في عين جمعه جوامع آيات بها اتضح الرشد
حديث نزيه عن حدوث منزة قديم صفات الذات ليس له ضد
بلاغ بليغ للبلاغة معجز له معجزات لا يعد لها عد
من الكتاب العزيز، (وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر) لظهور
إعجازه، إذ في هذه الآية من البلاغة المعجزة، مع الإيجاز أنه ناداهما كما ينادي العقلاء، وأمرهما
بما به يؤمرون، تمثيلاً لباهر قدرته وعظمته؛ لانقيادهما لما أراد، كالمأمور المطيع، المبادر للامتثال
حذرًا من سطوة أمره، والبلع استعارة للجفاف، والإقلاع للإمساك، وفيها لطائف أُخر مبيّنة في
علوم البلاغة.
(وللَّه در العارف سيدي محمد وفا، حيث قال: يعني) يريد بما قاله (النبي ◌َّه:
والقرءان العظيم له آية الفرقان) بإضافة البيان، أي: آية هي القرءان، وفي نسخة: الفرقان، (في
عين جمعه) يطلق الجمع عندهم على معان، منها: الاشتغال بشهود اللَّه عما سواه، بحيث يجتمع
الهمّ، ويتفرّغ الخاطر إلى حضرة قدسه تعالى، وعلى شهود ما سوى اللَّه قائمًا باللَّه، وعلى غير
ذلك مما هو معلوم لأهله، (جوامع آيات،) خبر محذوف من إضافة الصفة للموصوف، أي: هو
آيات جوامع، (بها اتّضح الرشد،) هو (حديث) أي: محدث الألفاظ؛ كقوله: ما يأتيهم من ذكر
من ربّهم محدث، (نزيه) منزّه (عن حدوث،) إذ المعاني القائمة بالذات قديمة، فأشار إلى أن
القرءان يطلق بالاشتراك على المعنيين، (منزّه) عن كل ما لا كمال فيه، يعني أن القرءان مع كونه
ألفاظًا مؤلفة متصف بغاية الكمال، منزه عن سائر صفات النقص، (قديم،) خبر ثان للمبتدأ
المقدر، ووصفه بالقدم، لأنه كلامه تعالى النفسي، القائم بذاته تعالى، (صفات،) أي: وهو من
صفات (الذات ليس له ضد) أمر وجودي يضاده؛ لأن الضدين تناسبًا ما وصفاته تعالى وكمالاً،
لأنه ليس لها في الوجود ما يناسبها حتى يحكم بالتضاد بينهما، (بلاغ) كسحاب، أي: فيه
الكفاية عن جميع الكتب السابقة لجمعه معانيها، وزيادة أو هو اسم من الإبلاغ، أي: الإيصال،
أي: إنه واصل لنا بالتواتر.
قال الجوهري: الإبلاغ الإيصال، وكذلك التبليغ والاسم منه البلاغ، والبلاغ أيضًا الكفاية،
ومنه قول الزاجر:

٤٤٦
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
تحلت بروح الوحي حلة نسجه عقود اعتقاد لا يحل لها عقد
لديه وإن كانوا هم الألسن اللد
تصدى وللأسماع عن غيه صد
وغاية أرباب البلاغة عجزهم
فأفاكهم بالإفك أعياه غيه
قلى الله أقوالاً بهاجر هجرها
هوانًا بها الورهاء والبهم البلد
وعن ريبها الألباب نزهها الزهد
تلاها فتل الفحش في القبح وجهها
بجمع رسول الله واستعلن الرشد
لقد فرق الفرقان شمل فريقه
أتى بالهدى صلى عليه إلهه ولم يلهُ بالأهواء إذ جاءه الجد
نزج من دنياك بـالبلاغ
(بليغ) في أعلى الطبقات، (البلاغة) قال الجوهري: البلاغة الفصاحة، (معجز) أصحاب
البلاغة، (له معجزات لا يعدّ لها عد،) لعدم إمكان عدها، إذ لا تحصر، (تحلت) بحاء مهملة،
(بروح الوحي حلّة نسجه،) فاعل تحلّت ومفعوله، (عقود، اعتقاد لا يحلّ لها عقد،) لعدم
إمكانه، إذ هو تنزيل من حكيم حميد، (وغاية أرباب البلاغة عجزهم لديه) عنده، (وإن كانوا
هم الألسن اللّد،) القوية، البالغة في الفصاحة: جمع ألد من لد من باب تعب: اشتدّت خصومته،
(فأفّاكهم:) كذابهم (بالإِفك) أسوأ الكذب، (أعياه غيَّه:) ضلاله، حيث (تصدّى:) تعرّض
لمعارضته.
قال في القاموس: والتصدد: التعرض وتبدل الدال ياء، فيقال: التصدي والتصدية،
(وللإسماع عن غيَّه صدّ،) اعراض لفرط نفارها منه، (قلى،) أبغض (اللَّه أقوالاً بهاجر) يترك
(هجرها) بالضم: فحشها وقبحها المشتملة عليه، (هوانًا بها الورهاء:) الحمقاء، (والبهم،)
بفتحتين جمع بهمة أولاد الضأن والبقر والمعز، (البلد) جمع بليد، (تلاها فتل،) بفوقية، ألقى
(الفحش) المشتملة عليه تلك الهذيانات (في القبح،) متعلّق بقوله: (وجهها) ما ظهر منها مفعول
الفحش، (وعن ريبها) كذبتها، إذ هو أحد معانيه في القاموس، (الألباب) العقول، (نزهّها
الزهد،) عدم الرغبة فيها عند سماعها واحتقارها، لخروجها عن باب الفصاحة مطلقًا فضلاً عن
فصاحة القرءان، (لقد فرّق الفرقان) القرءان فرقه بين الحقّ والباطل، (شمل فريقه،) أي: أصحاب
هاتيك الأقوال الموصوفة بما ذكر، ويحتمل أن فرق، بمعنى ميّز، وضمير فريقه للقرءان، أي: ميز
شمل فريقه القائمين به عن غيرهم، (بجمع رسول اللَّه، واستعلن الرشد،) اتّضح وضوحًا
لا يخفى على أحد، وفيه تلميح بمقام الجمع والفرق عندهم، (أتى بالهدى) البين، فلا يضرّنا
انتحال المبظلين، (صلّى عليه إلهه ولم يله بالأهواء إذ جاءه الجدّ) ، بالكسر ضدّ الهزل؛
كما قال: إنه لقول فصل، وما هو بالهزل، ويطلق الجدّ أيضًا على الاجتهاد ويصحّ إرادته هنا.

٤٤٧
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا یمله، وسامعه لا یمجه، بل الإکباب
على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، ولا يزال غضًا طريًا،
وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا
أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات،
(والثالث: أن وجه إعجازه) فيما قاله جماعة من الأئمة؛ كما في الشفاء، (هو أن قارئه
لا يملّه،) لا يضجر ولا يسأم منه، ولو أعاده مرارًا، مع أن الطباع جبلت على معاداة المعادات،
(وسامعه لا يمجه،) بضم الميم: لا يعرض عنه ولا يكره تكراره على سمعه، فحقيقة المجّ: طرح
المائع من الفم، فإن كان غير مائع، قيل: لفظ وعبّر في الأوّل بالملل، تشبيهًا للقارىء بصانع
يتعاطى الصناعة، والغالب حصول الملل، وفي الثاني: بالمجّ تشبيهًا للسامع بواضع المائع في
فمه، وتشبيه المسموعات بالمذوقات استعارة لطيفة، إذ أقام الإذن مقام الفم، واللفظ مقام المائع
لرقته؛ كما قيل:
وتغيّر المعتاد يحسن بعضه للورد خد بالأنوف يقبل
فاستعير لتركه، فكأنه كالنفس لا يملّ منه مع تكرّره؛ لأنه مادة الحياة. كما قيل:
ورى حديثك ما أمللت مستمعًا ومن يملّ من الأنفاس ترديدًا.
(بل الإكباب) الملازمة (على تلاوته يزيده حلاوة،) ترقى من عدم الملل إلى زيادة
الحلاوة، وأصاب المحزلان ما يمجّ مرّ أو مالح، يكره طبعًا، والحلاوة في المذوقات، وهي أجسام،
حلاوة الكلام مجاز، ومعناه: تميل القلوب إليه وتقبله، فيصير بذلك كالحلو المستلذّ من المذوقات،
(وترديده:) إعادته وتكريره مرّة بعد أخرى، (يوجب له محبة) لزيادة حلاوته وحسنه، (وطلاوة:)
حسنًا وبهجة وقبولاً، مثلّث الطاء؛ كما مرّ قريبًا، (ولا يزال) كلما كرّر (غضَّا) بمعجمتين، أي:
جديدًا مجاز من غضّ الصوت والطرف، (طريًّا،) أي: رطبًا ناعمًا، فلا تتغيّر بهجته ونضارته، فكأنه
في كل مرّة قريب العهد بالنزول، وقال التلمساني: عما، بمعنى ولا يبعد أن معنى غضًّا، رطبًا وطريًّا
ناعمًا، فكأنه قال: لا يزال طريًّا ناعمًا غير يابس، وذلك كناية عن حلاوة ما يجده الإنسان من النشاط
عند تلاوته، فأشبه النبت الذي تميل النفس إليه وتلتذّ به، (وغيره من الكلام، ولو) فرض أنه (بلغ في
البحسن والبلاغة مبلغه،) أي: غايته في حسنه، (يمل،) بالبناء للمجهول، أي: يمله قارئه وسامعه (مع
الترديد،) أي: التكرير مرارًا، (ويعادي إذا أعيد) أي: يكره ويثقل، وتنفر منه النفس، كنفرتها ممن
يعاديها، وهذا على فرض المحال لما مرّ أنه لا يوجد مثله، ولا ما يقرب منه؛ كذا قال شارح بناء
على عود، ضمير مبلغه للقرءان، فلو أعيد للكلام لم يحج لذلك، (وكتابنا) معاشر الأُمّة المحمديّة،
النازل إلينا بواسطة نبيّنا عَّهِ، (يستلذ به في الخلوات،) أي: يجد قارئه لذّة إذا اختلى بقراءته،

٤٤٨
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
ويؤنس يوجد بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى
أحدث وألف أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على
قراءتها، ولهذا وصف عَّه القرءان
وخصّ الخلوة، لأنها محل اجتماع الحواس واطمئنان القلوب بذكر اللَّه، فهو فيها أعظم لذّة، وإن كان له
لذّة أيضًا بقراءته بين الناس، (ويؤنس) بضمّ الياء وإسكان الهمزة، وفتح النون مبني للمجهول، أي:
(يوجد بتلاوته) أنس، يدفع الوحشة (في الأزمات،) بفتح الهمزة، وسكون الزاي: جمع أزمة، وهي
الشدّة، وقياس ما كان من الصفات على فعله، بفتح، فسكون؛ أن يجمع على فعلات، بسكون العين نحو
ضخمات، ويفتح في الاسم؛ كسجدات وركعات، هذا إن كانت سالمة، فإن اعتلّت عينها، بالواو،
والياء، فالسكون على الأشهر؛ كما في المصباح كغيره، فانقلب على من قال: تسكن في الأسماء،
وتحرّك في الصفات، (وسواه،) بضمّ السين وكسرها، مقصور على الرواية، أي: غيره وتفنّن، فعبر أوّلاً
بغير، وهنا بسوى، بمعناها (من الكتب) المنزلة قبله، كذا استظهر بعض (لا يوجد فيها ذلك) المذكور
من اللذّة والأنس، (حتى أحدث،) اخترع (وألّف أصحابها) من يقرؤها (لها) للكتب، (لحونًا:) جمع
لحن واحد، ألحان الأغاني والنغمات التي تزيّن بها الأصوات، وتوزن بضروب الموسيقى، والمراد هنا:
ترجيع الأصوات للتطريب، تحسينًا للقراءة والشعر، (وطرقًا:) جمع طريق، وهي: ما يجري على قانون
الموسيقي ضروبها الموزونة، كذا في النسيم.
وقال شيخنا: وطرقًا عطف تفسير، والمراد: أن غير القرءان يخترعون له أسبابًا تحمل الناس
على الرغبة فيه والإقبال عليه، فالمصنّفون للكتب يذكرون فيها اصطلاحات وأشياء تميزها عن
غيرها، ممّا هو مؤلف في فنّها، ليحملوا الناس على قراءتها، (يستجلبون) أي يطلبون وجودها أو
يجلبون لهم ولمن يسمعهم (بتلك اللحون) والنغمات (تنشيطهم)، أي: وجود نشاطهم وطربهم
(على قراءتها،) أي: على تطويل قراءتها وزيادتها، أو على أن يقرأها غيرهم؛ كقراءتهم إن أريد
باللحون تغنّى القارىء نفسه، ويحتمل أن يريد بما أحدثوه ما يكون مع القارىء من آلات الطرب
كالمزامير؛ كذا قال شارح (ولهذا،) أي: ما اختصّ به القرءان من عدم ملل قارئه، وما بعده
(وصف عَّ القرءان) في حديث رواه الترمذي عن عليّ: أن رسول اللَّه عَّهِ، قال: ((إنها ستكون
فتنة)، قيل: فما المخرج؟، قال: ((كتاب اللَّه فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما
بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه
اللَّه، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به
الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن الرد، ولا تنقضي عجائبه؛ هو
الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرءانًا عجبًا، يهدي إلى

٤٤٩
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
بأنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس
بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي
لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا:
الرشد، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعى إليه هدي إلى
صراط مستقيم))، هذا لفظه في الترمذي؛ فاقتصر المصنّف على حاجته منه، وقدّم فيه وأخّر،
فقال: (بأنه لا يخلق،) بفتح الياء، وضمّ اللام وتفتح، أي: لا يبلى ويتغيّر حاله، وبضمّ أوّله،
وكسر اللام من أخلق بمعنى خلق؛ لأنه جاء متعدًّا ولازمًا، فلامه مثلثة بمعنى واحد، (على) بمعنى
مع (كثرة الردّ،) بمعنى الترديد، أي: كثرة تكرار قراءته، والعادة أنها تؤثر وتفني ما كرر؛ كالثوب
إذا كرّر لبسه، ففيه استعارة مكنية وتخييلية، لتشبيهه بثوب رقيق، يلبس ليتجمّل به، والمراد: أما
الملل منه، فهو دليل ما قدمه، أن قارئه لا يملّه، وأمّا التصرف فيه بنحو تحريف، (ولا تنقضي
عبره،) بكسر المهملة، وفتح الموحدة: جمع عبرة بسكونها، أي: مواعظه التي يعتبر بها، الحاملة
على كمال الإيمان، الصارفة عن العصيان، عبارة عن كثرتها وبقائها، (ولا تفنى عجائبه،) أي:
لكثرتها لا تنفذ، وتنتهي جمع عجيبة، وهي كل ما يتعجّب منه، فكلّما أعيد النظر فيها، ظهر
ما هو أغرب وأعجب من الأوّل، (هو الفصل) أي: الحدّ الفاصل بين الحقّ والباطل، أو
المفصول المتميّز عن غيره، فعل، بمعنى فاعل أو مفعول، (ليس بالهزل) اللعب، أي: لا لعب فيه
ولا كلام سخيف، وهو في الأصل من الهزال ضدّ السمن، فهو كله سمين لا غثّ فيه، لما فيه
من الأوامر والنواهي التي يهابها سامعها، (لا تشبع منه العلماء،) أي: لا تستغني عنه، ولا تزال
تستنبط منه معاني وفوائد في كل حين، وفي الحديث: ((منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب
دنيا)، فشبّهه بمأكول بأقوام الحياة، إلا أن كل مأكول يشبع آكله إذا امتلأ جوفه منه، وهذا بخلاف
ذلك موائد، فوائده ممدودة، وألوان لذائذه, غير مقطوعة ولا ممنوعة، (ولا تزيغ،) بفتح الفوقية،
وكسر الزاي، وتحتية معجمة: تميل (به الأهواء)، بالمدّ: جمع هوى، وهو ما تهواه وتشتهيه
الأنفس من الضلال، أي: لا يصلّ من اتبعه، ويميل إلى هوى نفسه الأمارة، (ولا تلتبس به
الألسنة:) جمع لسان، وهو الجارحة، شاع في اللغات، فالمعنى: لا يشبه غيره من الكلام، فلا
يمكن اختلاطه به وإدخاله فيه؛ لأن أسلوبه ونظمه لا يشبه غيره، فالمراد: أنه لا يمكن أن يدسّ فيه
دسيسة، (هو الذي لم تنته،) لم تنكف وتترك (الجنّ حين سمعته، أن قالوا،) بفتح الهمزة،
ومحله نصب أو جرّ، بتقدير عن، ﴿إِنّا سمعنا قرءانًا عجبًا﴾ الآية، في بلاغته، وعلوّ رتبته،
وبركته وعزّته، ﴿يهدي إلى الرّشد﴾ الآية، يدلّ على الصواب من الإيمان والتوحيد، وهو تبکیت
لقريش، إذ مكثوا سنين مع فصاحتهم لم يهتدوا، والجنّ بمجرد سماعه آمنوا بلا توقّف، وتقدّمت

٤٥٠
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
إنا سمعنا قرءانًا عجبًا يهدي إلى الرشد. أشار إليه القاضي عياض.
والرابع: أن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان، مما علموه وما لم
يعلموه، فإذا سألوا عنه فبينه لهم عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذي حكاه من
قصة أهل الكهف وشأن موسی
قصّتهم في المقصد الأوّل، (أشار إليه،) بمعنى: ذكره بلفظه (القاضي عياض) في الشفاء، من
أوّل قوله: هو أن قارئه، إلى هنا.
(والرابع: أن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان) وجد، كأخبار القرون
الماضي، والأمم الهالكة، والشرائع الدائرة، (مما علموه)،) وفي الشفاء: مما كان لا يعلم القصة
الواحدة منه إلا الفذّ من الأحبار، الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده النبيّ عَّ على وجهه،
فيعترف العالم بذلك بصدقه، وإن مثله لم ينله بتعليم، (وما لم يعلموه، فإذا سألوا،) بالبناء
للفاعل (عنه،) عمّا لم يعلموه، (فبيّته لهم، عرفوا صحته،) لموافقته لما بلغهم إجمالاً،
(وتحقّقوا صدقه،) وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه عَّلِ عن هذا، فينزل عليه ما يتلو
عليهم منه ذكرًا، (كالذي حكاه من قصة أهل الكهف؛) الغار الواسع في الجبل، واختلف في
أنه بعربسوس في بلاد الروم، وكما تظافرت به الأخبار، أو قرب أيلة، أو طرسوس، أو غرناطة، أو قرب
زيرًا، أو بين أيلة وفلسطين، سألته اليهود عنها لما قدم المدينة؛ كما في الصحيح، عن ابن مسعود.
وفي الترمذي وغيره، عن ابن عباس: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا
الرجل، وملخصها: أنهم كانوا في مملكة جبار، يعبد الأوثان، فخرجوا، فجمعهم اللَّه على غير
ميعاد، فأخذ بعضهم على بعض العهود، ففقدهم أهلهم، فأخبروا الملك، فأمروا بكتابة أسمائهم
في لوح من رصاص وجعله في خزانته، ودخل الفتية الكهف، فضرب اللَّه على آذانهم فناموا،
فأرسل اللَّه من يقلبهم ويحوّل الشمس عنهم، فلو طلعت عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون
لأكلتهم الأرض، ثم ذهب ذلك الملك، وجاء آخر فكسر الأوثان، وعبد اللَّه وعدل، فبعث اللَّه
أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يأتيهم بما يأكلون، فدخل المدينة مستخفيًا، فدفع درهمًا لخباز،
فاستنكر ضربه، وهمّ برفعه إلى الملك، فقال: أتخوفني بالملك وإني دهقانه؟، قال: من أبوك؟،
قال: فلان، فلم يعرفه، فرفعوه إلى الملك، فسأله، فقال: عليّ باللوح، وكان قد سمع به، فسمّى
أصحابه، فعرفهم من اللوح، فكثر الناس وانطلقوا إلى الكهف، وسبق الفتى لئلاّ يخافوا من
الجيش، فلما دخل عليهم عمى اللَّه على الملك ومن معه، فلم يدرِ أين ذهب الفتى، فاتّفقوا
على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون.
(وشأن موسى) بن عمران كليم اللَّه لا موسى غيره، كما زعم أهل الكتاب وبعض من

٤٥١
المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين،
تلقّى عنهم، وفي البخاري، عن ابن عباس: تكذيب قائل ذلك. (والخضر عليهما السلام،) بفتح
الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وبسكون ثانية، مع فتح أوّله وكسره لقب، واسمه بليا بن
ملكان، على أصح الأقوال، وهو بفتح الموحدة، وسكون اللام، وتحتية، فألف، وأبوه، بفتح
الميم وسكون اللام، وفي الصحيح مرفوعًا: (إنما سمّي الخضر، لأنه جلس على فروة، فإذا هي
تهتزّ من تحته خضراء»، والفروة: الأرض اليابسة.
وقال الخطابي: الفروة وجه الأرض، أنبتت وأخضرّت بعد أن كانت جرداء، وهو نبيّ عند
الجمهور.
قال القرطبي: والآية تشهد بذلك؛ لأن النبيّ لا يتعلّم ممن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن
إنما يطّلع عليه الأنبياء، ثم اختلفوا: هل هو رسول، أم لا؟، وقيل: إنه ولي.
قال الثعلبي: وهو معمر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، وقيل: لا يموت إلّ في
آخر الزمان، حين يرفع القرءا. وقال ابن الصّلاح: هو حيّ عند جمهور العلماء والعامّة معهم،
وشذّ يإنكاره بعض المحدثين.
قال النووي: وذلك متّفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته
والاجتماع به أكثر من أن تحصر، وجزم البخاري وإبراهيم الحربي، وابن العربي وطائفة بموته، وأنه
غير موجود الآن؛ للحديث المشهور: أنه عَّه قال في آخر حياته: ((لا يبقى على الأرض بعد مائة
سنة ممن هو عليها اليوم أحد)).
قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قرئه، وأجاب من أثبت حياته: بأنه كان حينئذ على وجه
البحر، أو هو مخصوص من الحديث؛ كما خصّ منه إبليس باتّفاق، وجاء في اجتماعه
بالنبيّ عَّةِ حديث ضعيف، رواه ابن عدي، وبسط الكلام عليه في الإصابة والفتح وغيرهما.
(وحال ذي القرنين) الأكبر، الحميري، المختلف في نبوّته، والأكثر، وصحح أنه كان
من الملوك الصالحين، وذكر الأزرقي وغيره: أنه حجّ وطاف مع إبراهيم وآمن به واتّبعه، وكان
الخضر وزيره، وعن عليّ: لا نبيًّا كان ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا.
وحكى الثعلبي: أنه كان من الملائكة، وقيل: أُمّه من بنات آدم، وأبوه من الملائكة، لقّب
بذي القرنين واسمه الصعب على الراجح؛ كما في الفتح، أو هرمس، أو هرديس، أو عبد اللَّه.
وفي اسم أبيه أيضًا خلف لطوافه قرني الدنيا، شرقها- وغربها، أو الانقراض قرنين من الناس في
أيّامه، أو لأنه كان له ضفيرتان من شعر، والعرب تسمّى الخصلة من الشعر قرنًا، أو لأن لتاجه
قرنين أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو لكرم طرفيه أَمَّا وأبًا، أو لغير ذلك أقوال.

٤٥٢
المقصد الرابع في معجزاته معِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وقصص الأنبياء وأممهم، والقرون الماضية في دهرها.
والخامس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب، والإخبار بما يكون،
فیوجد على صدقه وصحته،
وفي مرآة الزمان: أن ذا القرنين مات ببابل، وجعل في تابوت، وطلي بالصبر والكافور،
وحمل إلى الاسكندرية، فخرجت أُمّه في نساء الاسكندرية حتى وقفت على تابوته وأمرت به،
فدفن، قيل: عاش ألف سنة، وقيل: ألفًا وستمائة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة، انتهى.
وأمّا ذو القرنين الأصغر، فهو الاسكندر اليوناني، قتل دارًا، وسلبه ملكه، وتزوّج بنته،
واجتمع له الروم وفارس، فلقّب بذي القرنين.
قال السهيلي: ويحتمل أنه لقّب به تشبيهًا بالأوّل، لملكه ما بين المشرق والمغرب، فيما
قيل أيضًا، واستظهره الحافظ، وضعف قول أن زعم أن الثاني هو المذكور في القرءان؛ كما أشار
إليه البخاري بذكره قبل إبراهيم، لأن الاسكندر كان قريبًا من زمن عيسى، وبينه وبين إبراهيم أكثر
من ألفي سنة، والحقّ أن الذي في القرءان هو المتقدّم؛ لأنه آمن بإبراهيم، وصافحه، وسلّم عليه
وسأله أن يدعو له، وتحاكم إليه إبراهيم في بئر، فحكم له، واستفهمه عن بناء الكعبة حين كان
بينيها هو وإسمعيل، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما، فشهدت خمسة أکبش،
فقال: صدقتما؛ كما ورد في آثار يشدّ بعضها بعضًا، ولأن الرازي جزم أن ذا القرنين نبيّ،
والاسكندر كافر، ولأنه من اليونان، وذو القرنين من العرب، وقد قدّمت ذلك بأبسط من هذا في
المقصد الأوّل.
(وقصص،) بالفتح مصدر، وبالكسر جمع قصّة، أي: سير (الأنبياء وأُممهم) مفصّلاً بأبلغ
عبارة وألطف إشارة، (والقرون الماضية في دهرها) وشبه ذلك من بدء الخلق، وما في التوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، ومما صدّقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على
تكذيبه، بل أذعنوا له، فمن وفق آمن، ومن شقى معاند حاسد، ومع هذا فلم يقدر واحد من
النصارى واليهود، مع شدّة عداوتهم للنبيّ عَّه على تكذيبه في شىء بما في كتبهم؛ كما بسطه
في الشفاء.
(والخامس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب،) وهو شامل لما سبق مما لم
يدركه هو ولا أهل عصره، وما يقع بعد ذلك مما لا يعلمه إلاّ اللَّه؛ كما قال: (والإخبار بما
يكون فيوجد،) أي: يقع بعد ذلك، دالاً (على صدقه،) لمطابقته لما أخبر به، (وصحته،)
كقوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين ليظهره على الدين كلّه وعد الله الذين آمنوا
منكم﴾ الآية، ﴿إذا جاء نصر اللَّه﴾ الآية، إلى آخرها، فوجد جميع هذا؛ كما قال في آيات

٤٥٣
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
مثل قوله تعالى لليهود: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من
دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ثم قال: ﴿ولن يتمنوه أبدًا بما
قدمت أيديهم﴾ [البقرة/ ٩٤- ٩٥] فما تمناه أحد منهم.
ومثل لقوله لقريش: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾[ البقرة/
كثيرة، بينها عياض (مثل قوله تعالى لليهود) لما ادعوا دعاوي باطلة؛ كقولهم: لن يدخل الجنّة إلا
من كان هودًا أو نصارى فكذّبهم وألزمهم الحجّة، فقال مخاطبًا لرسوله عَ له: ﴿قل) الآية، لهم
﴿إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ الآية، الجنّة ﴿عند اللَّه خالصة﴾ خاصة الآية، ﴿من دون
الناس﴾ الآية، كما زعمتم، أي: من باقيهم من المؤمنين غيرهم، ﴿فتمتّوا الموت إن كنتم
صادقين) الآية، في زعمكم أن الجنّة مخصوصة بكم؛ لأن من تيقّن دخولها اشتاق لها،
وأحبّ التخلّص من الدنيا وأكدارها، وتعلّق بتمتّي الموت، الشرطان على أن الأوّل قيّد في
الثاني، أي: إن صدقتم في زعمِكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها، والموصل إليها الموت
فتمّوه، (ثم قال:) تلو الآية، والأولى إسقاطه ﴿ولن يتمتوه أبدًا بما قدّمت أيديهم﴾ (الآية،) من
كفرهم بالنبيّ المستلزم لكذبهم، وتحريفهم التوراة، فنفى عنهم التمنّي في جميع الأزمنة
المستقبلة بقوله: لن وأبدًا، (فما نتمناه أحد منهم،) فهو أعظم حجّة، وأظهر دلالة على صحة
الرسالة، وقد قال عَّله: ((والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلاّ غصّ بريقة))، يعني: يموت
مكانه، فصرفهم اللَّه عن تمتّيه ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه، ذكره عیاض.
وفي الكشاف: فإن قلت: التمتّي من أعمال القلوب، وهو سرّ لا يطّلع عليه أحد، فمن أين
علم أنهم لن يتمتّوه؟، قلت: ليس التمنّي من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت
لي كذا، وليت كلمة تمنّ، ومحال أن يقع التحدّي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب؛
لقالوا: قد تمتّيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه.
قال القطي في حواشيه: استدلّ على أن التمنّي ليس من أفعال القلوب؛ لأن التحدّي إنما
يكون بأمر ظاهر، وفيه: أن التحدّي إنما يكون بإظهار المعجز، لا لزام من لم يقبل الدعوى
والتمنّي ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقًا، ويمكن أن يقال: التحدّي
هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمتّوه أبدًا معجزة طلب دفعها بتمنّيهم، والدفع إنما
یکون بأمر ظاهر.
(ومثل لقوله لقريش:) ﴿وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله
وادعوا شهداءكم من دون اللَّه إن كنتم صادقين﴾ الآية، ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ فاتّقوا

٤٥٤
المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
٢٣]: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة/ ٢٤] فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا.
وتعقب: بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرءان بعضها وقع في زمنه عَّه،
كقوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح/١] وبعضها بعده كقوله: ﴿ألم
غلبت الروم﴾ [الروم/١] فلو كان كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن
الغيب جاء في بعض سور القرءان واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان
كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.
النار﴾ الآية، (فقطع بأنهم لا يفعلون،) بإثبات النون على الصواب؛ لأن المراد الإخبار لا النهي،
وفي نسخة بحذفها على الحكاية، (فلم يفعلوا،) وهذه الآية أبلغ في الإعجاز من التي قبلها؟
لأنه أمر معجز في نفسه في سائر الأزمنة، وإن كان الخطاب لقريش بخلاف التي قبلها، فإعجازه
إنما هو بمجرد الإخبار عن عدم وقوعه منهم، وإن كان قول الإنسان: ليتني أموت ونحوه ممكنًا
لهم ولغيرهم، ولذا فرّق بينهما عياض، وإن ساوى بينهما المصنّف تبعًا للكشاف.
(وتعقّب،) عدّ الخامس وجهًا للإعجاز، (بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرءان بعضها
وقع في زمنه عَّدٍ؛ كقوله:) ﴿إِنّا فتحنا لك فتحا مبينًا﴾ الآية، هو فتح مكّة، ونزلت مرجعه
من الحديبية عدّة له بفتحها، وأتى به ماضيًا لتحقق وقوعه، وفيه من الفخامة والدلالة على علوّ
شأن المخبر به ما لا يخفى.
وقال جماعة: المراد فتح الحديبية ووقوع الصلح، فالفتح لغة فتح المغلق، والصلح كان
مغلقًا حتى فتحه اللَّه، وعلى هذا القول ليست الآية من الأخبار بالغيب المستقبل، (وبعضها
بعده؛ كقوله:) ﴿الم غلبت الروم﴾، على قراءة غلبت بالفتح، وسيغلبون بالضم، أي: أن الروم
غلبت على الشام، وسيغلبهم المسلمون عليها وينزعونها منهم، فكان ذلك بعده عَّ له، فأمّا على
القراءة المشهورة بضمّ الغين، وسيغلبون بفتحها، فوقع ذلك في عهده عَّه؛ كما هو مبيّ في
التفاسير والأخبار بما في جلبه طول، (فلو كان كما قالوا،) أي: الذين عدوا وجه إعجازه الإخبار
بما يكون، (لنازعوا) أي: الكفار، أي: لخاصموا وطلبوا (وقع المتوقّع،) أي: حصول الأمور
المتأخر حصولها عن زمن المصطفى، مع أنهم لم يطلبوا ذلك، (وبأن الإخبار عن الغيب جاء
في بعض سور القرءان) لا في كلّها، فلو كان معجز الطلب منهم أن يأتوا بما يشتمل على
الإخبار بالغيب ليصلح معارضة، (و) الحال أنه لم يطلب ذلك، بل (اكتفى منهم بمعارضة
سورة غيرة معيّنة،) بل أي: سورة، (فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها،)
ولم يقع ذلك، فلا يصح جعل إخباره بالغيوب وجه إعجازه.

٤٥٥
المقصد الرابع في معجزاته ◌َِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
السادس: أن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب
الكلام فيها، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب،
بين الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب
العاصين.
فهذه ستة أوجه، يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا، فإذا جمعها القرءان
فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها.
وقد قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرءان لا يأتون بمثله﴾ [الإسراء/ ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرءان
(والسادس: أن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة؛) كبيان علوم الشرائع، والتنبيه
على الحجج والعقليات، والردّ على الفرق الضالّة ببراهين قويّة، بينة، سهلة الألفاظ، موجزة؛
كقوله: ﴿أوَ ليس الذي خلق السموات والأرض﴾ الآية، ﴿قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرة﴾
[يس/٧٩] ﴿لو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا﴾ [الانبياء/٢٢] الآية، إلى ما حواه من علوم السير
والحكم وأخبار الآخرة ومحاسن الآداب، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شىء﴾ [الأنعام/
٣٨] ومنها علم النجوم، لقوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس/٤٠].
والطبّ: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف/٣١] الآية، والمعارف الجزئية؛ كقصة
يوسف إذ لا يعرفها إلاّ من شاهدها، وغير ذلك.
(لم تتعاطَ العربِ الكلام فيها) عامّة، زاد القاضي: ولا محمّد عَّ قبل نبوّته، (ولا
يحيط بها من علماء الأمم) السالفة، كالحكماء والأحبار، (واحد منهم، ولا يشتمل عليها
كتاب) من كتبهم، أي: لم يدون قبله، حتى يقال: أخذ علمه منها، (بيّ اللَّه فيه،) أي: القرءان
(خبر الأوّلين، والآخرين وحكم المتخلّفين) عن أمره ونهيه، والذين تخلّفوا عن الجهاد مع
نبيّه، أو عن الإيمان، وتعلّلوا بعلل باطلة؛ فبيّ لهم بطلان عللهم، وفضحهم بإظهاره، (وثواب
المطيعين وعقاب العاصين، فهذه ستّة أوجه يصحّ أن يكون كل واحد منها إعجازًا،) لا أن
الإعجاز إنما حصل بجملتها، بل كل واحد حصل به إعجازهم عن معارضته، (فإذا،) فحيث
(جمعها القرءان فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز
بجميعها) وإن كان بعضها أقوى من غيره في الإعجاز، (وقد قال تعالى) دليل سمعي على
عجزهم عن معارضته: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان
لا يأتون بمثله﴾ الآية، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، (فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرءان في

٤٥٦
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
في زمن رسول الله عَّله ولا بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه،
وما فيه من الأمثال والأشياء التي دلت على البعث وآياته، والأنباء بما كان يكون،
وما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وصلة
الأرحام، إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد وقد عجزت عنه العرب
الفصحاء والخطباء والبلغاء، والشعراء والفهماء، من قريش وغيرها، وهو عَّ في
مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة ولا يحسن نظم كتاب، ولا عقد
حساب، .
زمن رسول اللَّه عَلَّه ولا بعده،) إلى يومنا هذا، بل إلى يوم الدين، مع أنه لا يكاد يعد من سعى
في تغييره من الملحدة والمعطّلة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوّتهم، فما قدروا على إطفاء شىء
من نوره، ولا تغيير كلمة منه، ولا تشكيك المسلمين في حروف من حروفه، ولله الحمد (على
نظمه،) أي: نظامه البديع المعجز (وتأليفه،) كما يؤلّف البناء شيئًا بعد شىء، حتى يتمّ ويكمل
في غاية الإحكام، (وعذوبة منطقه، وصحّة معانيه، وما فيه من الأمثال) الكثيرة المقرّرة لما
مثل له التنزيل المعقول منزلة المحسوس.
فقال البيضاوي: ولأمرٍ ما أكثر اللَّه تعالى والأنبياء والحكماء في كلامهم من الأمثال،
ولكثرة اشتماله على الأمثال جعله مَّ عين المثل المبالغة، فقال: ((إن اللَّه أنزل القرءان آمرًا
وزاجرًا، وسنّة خالية ومثلاً مضروبًا، فيه نبؤكم وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم)) الحديث،
رواه الترمذي.
(والأشياء التي دلّت على البعث وآياته، والأنباء) الأخبار (بما كان ويكون وما فيه من
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، و) ما فيه من (صلة الأرحام
إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد، وقد عجزت عنه العرب الفصحاء،) فعجز غيرهم
أولى، إذ عجز أمراء الكلام مع توفر الأسباب فيهم يفيد أن من انتفت عنه تلك الأسباب أَولی،
(والخطباء والبلغاء) هو أعمّ ممّا قبله، إذ قد يكون بليغًا عارفًا بمواقع الكلام، لكنه ليس معتنيًا
بتأليف الخطب والمراسلات، ونحوهما.
(والشعراء والفهماء) هو قريب مما قبله، (من قريش وغيرها) من المتّصفين بذلك،
(وهو عَّ في مدّة ما عرفوه قبل نبّته وأداء رسالته أربعين سنة، لا يحسن نظم كتاب،) أي:
تأليفه متناسب الكلمات لفظًا ومعنى، (ولا عقد حساب،) أي: ولا أصلاً مما تستعمله الناس في
معرفة الأمور التي يدبّرونها في أنفسهم، ويعرفون بها أصول ما يرد عليهم من الوقائع؛ كذا قال

٤٥٧
المقصد الرابع في معجزاته عم ير الدالّة على ثبوت نبوّته
ولا يتعلم سحرًا، ولا ينشد شعرًا، ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا، حتى أكرمه الله
بالوحي المنزل، والكتاب المفصل، فدعاهم إليه وحاجهم به، قال الله تعالى: ﴿قل
لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا
تعقلون﴾ [يونس/ ١٦]، وشهد له في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿وما كنت تتلوا
من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت/ ٤٨].
وأما ما عدا القرءان من معجزاته عليه السلام، كنبع الماء من بين أصابعه،
وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به،
ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه
ظهر على يديه عَّ من خوارق العادات شىء كثير -
شيخنا، (ولا يتعلّم سحرًا، ولا ينشد:) يقرأ (شعرًا) لغير، فضلاً عن إنشائه، (ولا يحفظ
خبرًا، ولا يروي أثرًا حتى أكرمه اللَّه بالوحي المنزّل، والكتاب المفصّل،) المبيّ ما فيه
من الفوائد الجليلة؛ كالعقائد الحقّة والأحكام الشرعية، والمواعظ، والأمثال، والأخبار
الصادقة، أو المجعول سورًا، أو المنزل نجمًا نجمًا، أو المفرق بين الحقّ والباطل، (فدعاهم
إليه وحاجّهم به، قال اللَّه تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم﴾) الآية،
أعلمكم ﴿به﴾ الآية، ولا نافيه عطف على ما قبله، وفي قراءة: بلام جواب لو، أي:
لأعلمكم به على لسان غيري، ﴿فقد لبثت﴾ الآية، مكثت ﴿فيكم عمرًا﴾ الآية، سنينًا
أربعين ﴿من قبله﴾ الآية، لا أحدثكم بشىء ﴿أفلا تعقلون﴾ الآية الآية، إنه ليس من
قبلي. (وشهد له في كتابه بذلك، فقال تعالى:) ﴿وما كنت تتلوا من قبله) الآية، أي ::
القرءان، ﴿من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا﴾ الآية، أي: لو كنت قارئًا كاتبًا، ﴿لارتاب
المبطلون﴾ الآية، أي اليهود فيك، وقالوا: الذي في التوراة أنه أُمّي لا يقرأ ولا يكتب، ثم
ذكر قسيم ما مر أن القرءان معجز بلا شكّ، فقال: (وأمّا ما عدا القرءان) بالنصب؛ لأنه
تقدّمه ما (من معجزاته عليه السّلام،) بيان لما (كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير
الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد،) ويأتي تفصيلها؛ ففيه تفصيل، (فمنه ما وقع
التحدّي به، ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحدّ،) بناء على أن المراد
بالتحدّي طلب المعارضة، أما إن أريد مجرد الاقتران بدعوى النبوّة، فكلّها مسبوقة بالتحدّي.
وأما ما قبل البعثة فهو إرهاص لا معجزة على المعتمد؛ كما مرّ.
(ومجموع،) أي: جملة (ذلك) المذكور مما وقع التحدّي به، وما لم يقع (يفيد القطع)
3
الجزم، أي: العلم الضروري؛ (بأنه ظهر على يديه عٍَّ من خوارق العادات شىء كثير،)

٤٥٨
المقصد الرابع في معجزاته عَـ
الدالّة على ثبوت نبوّته
كما يقطع بوجود جود حاتم، شجاعة علي - وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت
موارد الآحاد، مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر ورواه العدد الكثير،
والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار،
وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
ويسمّي ذلك التواتر المعنوي؛ (كما يقطع بوجود جود حاتم) بن عبد الله بن سعد الطائي،
المشهورة أخباره في الجود، أسلم ابنه عدي سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وكان جوّادًا كأبيه،
وسأل النبيّ عَّةٍ عن أمور تتعلّق بالصيد؛ كما في الصحيحين.
وأخرج أحمد عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول اللَّه! إن أبي كان يصل الرحم،
ويفعل كذا وكذا، فقال: ((إن أباك أراد أمرًا فأدركه))، يعني الذكر.
وروى وكيع في الغرر، عن محرز، مولى أبي هريرة، قال: مرّ نفر بقبر حاتم، فركض
بعضهم قبره برجله، وقال: اقرنا وجنهم الليل فناموا، فقام صاحب القول فزعًا، فقال: إن حاتمًا
أتاني في النوم وأنشدني شعرًا حفظته، يقول فيه:
لدى حفرة لجب هامها
أتيت بصحبك تبغي القرى
وتبغي لي الذم عند المبيت وحولك طيّ وأنعامها
فإنا سنشبع أضيافنا وتأتى المطي فتعتامها
فقاموا، فإذا ناقة صاحب القول عقير فنحروها وباتوا يأكلون، وقالوا: قرانا حاتم حيًّا وميًّا،
وأردفوا صاحبهم، فلما نبع النهار إذا رجل راكب بعيرًا يقود آخر، فقال: أنا عدي بن حاتم، إن حاتمًا
أتاني في النوم، فزعم أنه قراكم ناقة أحدكم، وأمرني أن أحمله، فشأنكم البعير، فدفعه إليهم وانصرف.
(وشجاعة عليّ) أمير المؤمنين، وزهد الحسن البصري، وحلم أحنف لاتّفاق الأخبار
الواردة عنهم على كرم هذا، وشجاعة هذا، وزهد هذا، وحلم هذا؛ (وإن كانت أفراد ذلك
ظنيّة،) أي: كل واحد منهم ظنيّ لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحّته، لكونها (وردت موارد
الآحاد،) لكنها تفيد التواتر المعنوي الحاصل من مجموعها كالكرم والشجاعة؛ لاتّفاقها على
معنى واحد مع كثرتها، وإن كان كل واحد يصف جزئية، (مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية
قد اشتهر،) بحيث صار يفيد القطع بانفراده، ويسمّيه المحدثون مشهورًا ومستفيضًا، (ورواه
العدد الكثير والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار،) الأحاديث
(والعناية) الاهتمام (بالسيد) جمع سيدة وهي أخبار المغازي (والاخبار) كنبع الماء من بين
الأصابع، وتكثير الطعام، (وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة، لعدم عنايتهم:) اهتمامهم
(بذلك،) فبالنسبة لهم لا يفيد القطع بخلاف أولئك.

٤٥٩
المقصد الرابع في معجزاته عنّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فلو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري لما كان
مستبعدًا، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار
في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من
ذلك. ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق، لأن
مجموعهم محفوظ عن الأغضاء عن الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم
إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من ذلك فإنما هو من جهة توقف في
صدق الراوي أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ،
أو جواز الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي، كما وجد منهم في غير
هذا الفن من الأحكام
قال عياض: ولا بعد أن يحصل العلم بالتواثر عند واحد، ولا يحصل عند غيره، فإن أكثر
الناس يعلمون بالخبر وجود بغداد، وأنها مدينة عظيمة دار الإمامة والخلافة، وآحاد لا يعلمون
اسمها فضلاً عن وصفها، وهكذا تعلم الفقهاء من أصحاب لملك بالضرورة أن مذهبه إيجاب أُمّ
القرءان في الصلاة للمنفرد والإمام، وإجزاء النيّة أوّل ليلة من رمضان عمّا سواه، وأنّ الشافعي
يرى تجديدها كل ليلة، والاقتصار على مسح بعض الرأس، وأن مذهبهما القصاص في القتل
بالمحدّد وغيره، وإيجاب النيّة في الوضوء، واشتراط الوليّ في النكاح، وأن أبا حنيفة يخالفهما
في هذه المسائل وغيرهم ممن لا يشتغل بمذاهبهم، لا يعرف هذا فضلاً عمّا سواه، (فلو ادّعى
مدّعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري،) المحصل للعلم الضروري، (لما كان
مستبعدًا،) تفريع على قوله: وأفاد الكثير منه، إلى آخره، (وذلك،) أي: وجه عدم الاستبعاد، (أنه)
بالفتح، أي: لأنه (لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدّثوا بهذه الأخبار في الجملة،
ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك) من الآيات، (ولا الإنكار
عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق؛) لأن السكوت في محلّه إقرار، (لأن
مجموعهم محفوظ عن الأغضاء،) بغين وضاد معجمتين: التغافل (عن،) وفي نسخة: على،
بمعنى: عن، إذ إنما تعدّى بعن (الباطل،) سمعوه ولم ينكروه، إذ ليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم
من الإنكار (، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من
ذلك، فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي،) لا في المروي نفسه، (أو تهمته بكذب، أو
توقّف في ضبطه، أو نسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط) عليه لعدم اتّقانه، ولا يلزم من
ضعف السند ضعف المتن، ولذا قال: (ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي) نفسه؛ (كما
وجد منهم في غير هذا الفنّ من الأحكام،) كما وقع بين عمر وابن عباس في إنكاره عليه

٤٦٠
المقصد الرابع في معجزاته معّ الدالّة على ثبوت نبّته
وحروف القرءان ونحو ذلك والله أعلم.
وأنت إذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته عليه السلام وجدتها شاملة
العلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمائع والجامد،
والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل، إلى غير
ذلك، مما لو أعيد لطال، كالرمي بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق
السمع في الغياهب، وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه،
ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفه في الميضأة والتور
والمزادة، وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير والذئب
نكاح المتعة، (وحروف القرءان) أي: قراءاته المتعدّدة، إذ كل وجه من القراءة يطلق عليه حرف؛
كما صحّ أن عمر أنكر على هشام بن حكيم قراءة قرأ بها في سورة الفرقان، لم يسمعها، فجاء به
إلى النبيّ عَّله، وقال: سمعته يقرأ بغير ما أقرأتنيه، فقال: ((اقرأ يا هشام))، فقال: ((هكذا أنزلت))، ثم
قال: اقرأ يا عمر، فقرأ، فقال: (هكذا أنزلت، إن هذا القرءان أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما
تيسّر منه))، وهذا كثير، (ونحو ذلك) مما يتوقّف على النقل ولا يقال بالرأي، (واللَّه أعلم).
(وأنت إذا تأمّلت معجزاته، وباهر:) غالب (آياته،) من إضافة الصفّة للموصوف،
(وكراماته عليه السّلام وجدتها شاملة العلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن
والمتحرّك، والمائع والجامد، والسابق) على وجوده إكرامًا له، ويسمّى إرهاصًا، (واللّحق،
والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل، إلى غير ذلك مما لو أعيد،) كذا في
النسخ، والأولى: مما لو عدّ (لطال،) إذ الإعادة ذكر الشىء مرّة بعد أخرى، وليس المراد هنا،
بل المراد: لو شرع في عدّها العجز عن استيعاب إفرادها وضبطها، (كالرمي بالشهب:) جمع
شهاب: الكواكب المضيئة، (الثواقب) التي تثقب مسترق السمع، أو تحرقه، أو تخبله، (ومنع
الشياطين من استراق السمع في الغياهب:) جمع غيهب، وهو الظلمة، (وتسليم الحجر
والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه ومخاطبتها، له بالسيادة، وحنين الجذع) لفراقه،
(ونبع الماء من كفّه في الميضأة،) بكسر الميم والقصر، وقد تمدّ المطهّرة، وزنها مفعلة
ومفعال، وميمها زائدة ليست منها، (والتور،) بفوقية، مجرور بالعطف: إناء معروف، (والمزادة،)
بفتح الميم: شطر الرواية، والقياس كسرها؛ لأنها آلة يستقى بها الماء وجمعها مزايد، وربما قيل:
مزاد بغيرها؛ وكما في المصباح.
(وانشقاق القمر، وردّ العين من العور،) بل وبعد السقوط، (ونطق البعير والذئب