Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ النوع الرابع في توعنه عليه الصلاة والسلام فقال النووي: اله جوابان، أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان، الثاني: أنه كان له حالان، حال كان قلبه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو نادر، فصادف هذا، أي قصة النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمد هو الأول والثاني ضعيف. قال في فتح الباري: وهو كما قال، ولا يقال: القلب - وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلاً - لكنه يدرك إذا كان يقظانًا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميث الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا، الأنا طريق مكّة يصدق عليهما ولا يخفى تكلّفه. ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك تردّ عليه، ولأبي داود والطبراني من حديث عمرو بن أُميّة شبيهًا بقصّة عمران، وفيه: أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخير، بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة. وفي مسلم عن أبي هريرة: أن بلالاً كلا لهم الفجر، وأن النبيّ عَ لّه كان أولهم استيقاظًا؛ كما في قصة أبي قتادة، ولاين حبان عن ابن مسعود: أنه كلاً لهم الفجر، وهذا أيضًا يدلّ على تعدّد القصّة، انتهى، وقال النووي: اختلف هل كان النوم مرة أو مرتين، بورجّحه القاضي عياض، انتهى، وقد قدّمت هذا في خيبر مع زوائد نفيسة، (فقال النووي: له جوابان. أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات،) أراد بها ما يشمل القوى الباطنة (المتعلّقة به، كالحدث والألم (ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلّق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان،) بسكون القاف. (الثاني: أنه كان له حالان، حال كان قلبه لا ينام، وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه، وهو نادر، فصادق) هو، أي: النار (هذا) مفعول، (أي: قصّة النوم عن الصلاة، قال) النووي: (والصحيح المعتمد هو الأوّل، والثاني ضعيف،) بل شاذ؛ لمخالفته التصريح: (ولا ينام قلبي))، الشامل السائر الأحوال إذ الفعل المنفي يفيد العموم، قاله المكيّ. «قال في فتح الباري: وهو كما قال، ولا يقال القلب، وإن كان لا يدرك ما يتعلّق بالعين من رؤية الفجر مثلاً، الكته يدرك إذا كان يقظانًا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا، لأنّا ٤٠٢ النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه ◌َّه إذ ذاك مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق عَّهِ حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع في النفس، كما في قصة سهوه في الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء. وقال ابن العربي في القبس: النبي عَّ كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وتحقيق، ومع الملائكة في كل طريق، إن نسي فبآكد من المنسي اشتغل، وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصحابة كان عٍَّ إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ، لأنا لا ندري ما هو فيه، فنومه عن الصلاة أو نسيانه شيئًا منها لم يكن عن آفة، وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنة. انتهى. نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبهِ مَّ إذ ذاك مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق عٍَّ حالة إلقاء،) أي: تبليغ (الوحي) بمعنى الموحى إليه، فكان يستغرق بحيث يؤخذ عن الناس إذا نزل عليه (في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك) الاستغراق (بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قصة سهوه في الصلاة) حين سلم من ركعتين وغير ذلك، (وقريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى أو على السواء،) حيث فرضنا أن نومه ويقظته سيّان. (وقال ابن العربي في القبس) عن موطأ لملك بن أنس: (النبيّ معَِّ كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق،) أي: اشتغال بمعرفته (وتحقيق،) أي: إثباته بأدلّته، (ومع الملائكة في كل طريق إن نسي فبآكد من المنسي اشتغل، وإن نام فبقلبه ونفسه على اللّه أقبل، ولهذا قالت الصحابة: كان عَِّ إذا نام لا نوقظه حتى يستقظ لأنّا لا ندري ما هو فيه،) مرّ لفظ الصحيحين ما يحدث له، قال الحافظ: بضمّ الدال بعدها مثلثة، أي: من الوحي كانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي، فلا يوقظونه؛ لاحتمال ذلك. قال ابن بطال: يؤخذ منه التمسّك بالأمر الأعمّ احتياطًا ولذا استعمل عمر التكبير سلوكًا الطريق الأدب والجمع بين المصلحتين، وخصّ التكبير لأنّه أصل الدعاء إلى الصلاة، (فنومه عن الصّلاة أو نسيانه شيئًا منها لم يكن عن آفة، وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنّة، انتهى،) كما قاله عٍَّ: «لو أن اللَّه أراد أن لا تناموا لم تناموا، ولكن أراد أن تکون لمن بعد کم))، فهكذا لمن نام أو نسي، رواه أحمد. ٤٠٣ النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: (لا ينام قلبي)) أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها: أن معناه، لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله. قال ابن دقيق العيد، كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، لأن قوله عَّهِ: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)) خرج جوابًا عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه. وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظة على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب به، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة. قال: وعلى هذا الفرق فلا تعارض ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحتمل أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب السير معتمدًا على من وكله بكلاءة الفجر، انتهى. ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: ((ولا ينام قلبي)) بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًا لتعلقه به، وإن (وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى، ضعيفة منها: أن معنى قوله: ((لا ينام قلبي))، أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله) أو هو عينه. (قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض،) فلا ترد قصّة النوم، (وذلك بعيد؛ لأن قوله عَّه: ((إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي)، خرج جوابًا عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر، وهذا كلام لا تعلّق له بانتقاض الطهارة الذي تكلّموا فيه،) أي: هؤلاء المجيبون، (وإنما هو جواب يتعلّق بأمر الوتر، فتحمل يقظه على تعلّق القلب باليقظة للوتر، وفرّق بين من شرع في النوم مطمئنّ القلب به، وبين من شرع فيه متعلّقًا باليقظة. (قال) ابن دقيق العيد: (وعلى هذا الفرق فلا تعارض ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يحتمل أنه اطمأنّ في نومه لما أوجبه تعب السير، معتمدًا على من وكله) بشدّ الكاف: اعتمد عليه، (بكلاءة الفجر،) بكسر الكاف والمدّ، وتخفّف حفظه. (انتهى) كلام ابن دقيق العيد، (ومحصله) أي: جوابه الذي فكّ به التعارض: (تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: ((ولا ينام قلبي))، بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًّا لتعلّقه به، وإن ٤٠٤ النوع الرابع في تومه عليه الصلاة والسلام. نومه في حديث الباب كان تومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، وقد اعترض عليه: بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب،، وأجاب،» بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليها السياق، وهو هنا كذلك. ومن الأجوية الضعيفة أيضًا: قول من قال: كان قلبه يقظانًا وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم لمصلحة التشريع، والله تعالى أعلم، انتهى. نومه في حديث الياب. كان نومًا مستغرقًا) لتعب السير واعتماده على من وكله بالفجر، (ويؤيّده قول بلال) حين قال له النبيّ عَّله: ((ماذا صنعت بناء يا بلال))؟ فقال: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك،) أي: غلبني النوم كما غلبك، أو استولى اللَّه بقدرته عليّ كما استولى عليك مع منزلتك؛ (كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: ولم ينكر عليه،) بل قال: صدقت؛ كما في رواية ابن إسحق. (ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، وقد اعترض عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، مع أنه لا عبرة به بل بعموم اللفظ، (وأجاب) هو عنه؛ (بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة وأرشد إليها السياق، وهو هنا كذلك، ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا قول من قال: كان قلبه يقظانًا) بسكون القاف، (وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم لمصلحة التشريع) وجه ضعفه أنه عَّ لا يقرّ عمدًا على محرم بحيث يترك الإعلام به للتشريع؛ فإنه ممكن بالقول، (والله تعالى أعلم. انتهى) كلام فتح الباري من أول قوله: جمع العلماء إلى هنا، إلاّ ما نقله عن القيس، قليس فيه وزاد)، ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا، قول من قال: المراد ينقي النوم عن قلبه؛ أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام،، كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في تومه حقّ روحي، فهذه عدّة أجوبة أقرّ بها للصواب الأول، على الوجه الذي قرّرناه. قائدة قال القرطبي: أخذ بهذا بعض العلماء، فقال: من انتبه من نومه عن صلاة فاتته في حضر، فليتحوّل عن موضعه، وإن كان واديًا فليخرج عنه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنبيّ عَّه؛ لأنه لا يعلم من حال ذلك الوادي، ولا غيره ذلك إلّ هو، وقال غيره: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحوّل منه، ومنه أمر الناس في سماع الخطبة يوم. الجمعة بالتحوّل من مكان إلى مكان آخر، وقد بيّن مسلم في حديث أبي هريرة سبب الارتحال من ذلك الموضع بقوله: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، انتهى. والله الحمد كثيرًا مباركًا فيه. ٤٠٥ المقصد الرابع في معجزاته معهد الدالّة على ثبوت نيوته كتاب في المعجزات والخصائص المقصد الرابع في معجزاته علي الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته وفيه فصلان. الأول: في معجزاته. اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، والرسول العظيم - سلك الله بي وبك كتاب في المعجزات والخصائص المقصد الرابع في معجزاته علّلة الدالّة على ثبوت نبوته صفة لازمة لا مخصّصة، إذ كلّها دالٌّ على ذلك، (وصدق رسالته،) شدتها وقوتها لدلالة معجزاته على تحقّق رسالته تحقّقًا لا مرية فيه، وذلك مستلزم لشدّتها. وفي القاموس: الصدق بالكسر: الشدّة، والرسالة بالكسر والفتح اسم مصدر من أرسل رسولاً: بعثه برسالة يؤدّيها، فيجوز حملها على ما بعث به من الأحكام لنيؤديها، وعلى بعثه بما جاءه من الوحي، لكن وصفها بالصدق على هذين مجاز بناء على ما شاع من استعمال الصدق. في الأقوال خاصةٍ، فالأوّل أوّلى، (وما خصّ به،) أي ثبت له من الأمور الفاضلة دون غيره، إنّا، من الأنبياء أو الأمم، وهو عطف على معجزاته عام على خاص، أو من عطف ما بينه وبين المعطوف عموم وخوص وجهي، (من خصائص آياته) من إضافة الصفة للموصوف، أي، آياته الخاصة،، أي الفاضلة في الشرق على غيرها، وبهذا لا يردّ أنه عين قوله، وما خصّ بيه وشرط المبين بالكسر زيادته على المبين بالفتح، (وبدائع كراماته ) جمع كرامة آمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى الثبوّة، ولا هو مقدّمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم المتابعة تبي، كلف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، علم بها أو لم يعلم، فدخل في أمر خارق جنس الخوارق، وخرج بغير مقرون بدعوى النبوّة المعجزة، وبنفي مقدّمتها الإرهاص، وبظهور الصلاح ما يسمّى معونة مما يظهر على يد بعض العوام، وبالتزام متابعة نبيّ ما يسمى إهانة كالخوارق المؤكّدة لكذب، الكذابين؛ كبصق مسيلمة في البتر، وبالمصحوب، بصحيح الاعتقاد الاستدراج،، كما خرج السحر من جهات عدّة؛ كما قال السبكي. قال ابن أبي شريف: والذي يتلخّص من كلام من تكلّم في الخوارق أنها ستّة أنواع إرهاص، وهو ما أكرم به النبيّ عَّة قبل النبوّة، ومعجزة وهو ما ظهر بعد دعوى، النيّة وكرامة للولي) ومعونة واستدراج وإهانة، (وفيه فصلان): (الأول: في معجزاته، ) أي بعضها إذ هو الم يستوفها. (اعلم أيّها الحب لهذا النبيّ الكريم والرسول العظيم، سلك) ذهب، (اللّه بي. ويك،) ٤٠٦ المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته مناهج سنته، وأماتنا على محبته، بمنه ورحمته - أن المعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطًا: أحدها: أن تكون خارقة للعادة، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين أصابعه، وقلب العصا حية، قال في المختار: السلك بالفتح مصدر سلك الشىء في الشىء فانسلك، أي أدخله فيه فدخل وبابه نصر، قال تعالى: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين﴾، وأسلكه فيه لغة، ولم يذكر في الأصل - يعني الجوهري - سلك الطريق إذا ذهب؛ وبأنه دخل، وأظنه سها عن ذكره؛ لأنه مما لا يترك قصدًا (مناهج سنّته، ) أي الطرق الموصلة إلى سيرته الحميدة جمع منهج؛ كمذهب، ويجمع أيضًا عليه منهاج، (وأماتنا على محبته، ) المراد سؤال الإخلاص في حبّه ودوام ذلك للموت، فلا يزول عنه ما دام حيًّا لا سؤال الموت، ولا أنه مع المحبّة، وإن سبقه انتفاؤها (بمنّه:) إنعامه لا تعداد النعم بقرينة أن المطلوب أصل النعم، (ورحمته) إنعامه أو إرادته، فعطفها على منه مرادف على الأوّل، ومن عطف السبب على المسبّب على الثاني، أي إرادته الرحمة إذ الإرادة سبب للمنّ، (أن المعجزة هي الأمر الخارق للعادة ) وجوديًّا، كنبع الماء من الأصابع أو عدميًّا كنجاة إبراهيم من النار، (المقرون بالتحدّي الدالّ على صدق الأنبياء) صفة لازمة، إذ كل خارق مقروق بدعوى الرسالة دال على صدقهم (عليهم الصّلاة والسّلام، وسمّيت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها،) إذ لا ينسب شىء منها لكسبهم لخرقها للعادة، (فعلم) من هذا التعريف (أن لها شروطًا،) أركانًا أربعة لا بدّ منها لا ما كان خارج الماهية، إذ الخارق للعادة المقرون بالتحدّي مفهوم المعجزة لا خارج عنها، وما كان كذلك ركن لا شرط. (أحدها: أن تكون خارقة للعادة، ) بأن ينقطع أثر على سبب جرت العادة الإلهية بترتّبه عليه؛ كانقطاع الإحراق عن نار نمروذ في حقّ إبراهيم، وبأن يترتّب أثر على سبب لم تجرِ العادة الإلهية بترتّبه عليه؛ (كانشقاق القمر) للمصطفى، (وانفجار الماء من بين أصابعه) عَّله، (وقلب العصا حيّة ) لموسى عليه الصّلاة والسّلام. وروي عن ابن عباس والسدي: أنه لما ألقى عصاه صارت حية عظيمة، صفراء، شعراء فاغرة، أي فاتحة فاهًا بين لحييها ثمانون ذراعًا، وارتفعت عن الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها ووضعت لحيها الأسفل على الأرض، والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون، روي أنها أخذت قبته بين نابيها، فهرب وأحدث، قيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرّة ٤٠٧ المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته وإخراج ناقة من صخرة، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضهم بعضًا، فأخذها فعادت عصاه، ذكره البغوي، وفي التنزيل: فإذا هي ثعبان مبين، وفيه: فإذا هي حيّة تسعى. قال البغوي: الثعبان الذكر العظيم من الحيّات، ولا ينافيه قوله: كأنها جان، والجان الحيّة الصغيرة؛ لأنها كانت كالجان في الخفة والحركة، وهي في جثتها حيّة عظيمة. (وإخراج ناقة من صخرة ) لصالح عليه السّلام؛ كما ذكر ابن إسحق وغيره: أن عادًا لما هلكت عمرت ثمود بعدها وكثروا، وعمروا إعمارًا طوالاً حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم، والرجل حي فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعة، فعتوا، وأفسدوا، وعبدوا الأصنام، فبعث اللَّه إليهم صالحًا من أوسطهم نسبًا وأفضلهم حسبًا وموضعًا، وهو شاب، فدعاهم إلى اللَّه حتى شمط وكبر، لا يتبعه إلا قليل مستضعفون، فألحّ عليهم بالدعاء، وأكثر لهم التخويف، فسألوه آية تصدقه، فقال: أيّة آية تريدون؟، قالوا: تخرج معنا غدًا إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة، فتدعوا إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتّبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم، وخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، فسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء من دعائه، فلم تجبهم، فقال سيدهم جندع بن عمرو: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية من الحجر، يقال لها الكاثبة: ناقة مخترجة، جوفاء، وبراء، عشراء، والمخترجة ما شاكل البخث من الإبل، فإن فعلت صدقناك وآمنّا بك، فأخذ صالح مواثيقهم بذلك، فقالوا: نعم، فصلّى ركعتين ودعا ربّه: فتمخّضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحرّكت الهضبة فانصدعت عن ناقة، كما وصفوا: لا يعلم ما بين جنبيها إلاّ اللَّه عظمًا وهم ينظرون، ثم نتجت سقبًا، بمهملة مفتوحة، وقاف ساكنة وموحدة، أي ولدًا، وهم ينظرون مثلها في العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه، وأراد أشرافهم الإيمان، فنهاهم دواب ابن عمرو بن لبيد، والحباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر كاهنهم، فقال صالح: هذه ناقة اللَّه لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة، وسقبها ترعى الشجرة وتشرب الماء غبًّا، فما ترفع رأسها حتى تشرب كلّ ما في البئر، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج، فيحلبون ما شاؤوا، فيشربون ويدخرون حتى يملؤُوا أوانيهم كلّها، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت، لا تقدر أن تصدر من حيث ترد، يضيق عنها حتى إذا كان الغد يومهم، فيشربون ما شاؤوا من الماء ويدخرون ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أغنامهم، وبقرهم، وإبلهم إلى بطنه في حرّه وجدبه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فأضرّ ذلك مواشيهم للبلاء والاختبار، وكبر ذلك عليهم، فأجمعوا ٤٠٨ الدالة على ثبوت نبوته المقصد الرابع في معجزاته وإعدام جبل. فخرج غير الخارق للعادة، كطلوع الشمس كل يوم. الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهري: يقال: تحديث فلانًا، إذا باريته في فعل ونازعته على عقرها، وكانت عنيزة أم غنم لها بنات حسان، وإبل، وبقر، وغنم، وصدوف بنت المحيا، وكانت جميلة، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح وتحبان عقرها لما أضرب بمواشيهما، فدعت صدوف ابن عمها مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على عقر الناقة، فأجابها، ودعت عنيزة قدار بن سالف، رجالاً، أحمر، أزرق، قصيرا، عزيزًا، متبعًا في قومه، فقال: أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فانطلق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود، فاتّبعهم سبعة، فانطلقوا فرصدوهنا حين صدرت عن الماء، وكمن الها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن مصدع في أخرى، قمرت عليه، فرمي بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، فشدّ قدار عليها بالسيف، فكشف عرقوبها، فخرّت ورغت، ثم تحرها في البتها، فخرج أهل البلد، فاقتسموا الحمهنا وطبخوه، فانطلق سقبها حتى أتى جبلاً منيعًا، يقال له صنو، وقيل: فاره، وأتى صالح، فقيل اله: عقرت الناقة، فأقبل وخرجوا يعتذرون، إننا عقرها فلان، ولا ذنب النا، فقال صالح: أدركوا الفصل، فعسى أن يرفع عنكم العذاب، قلتا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فتطاول حتى ما ناله الطير، وجاء صالح، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم رغا ثلاثًا، وانفجرت الصخرة، فدخلها، فقال صالح: الكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذالك وعند غير مكذوب، وقيل: اتبع السقب أربعة من التسعة الذين عقرول الناقة متهم مصدع رمناه بسهم، فانتظم قلبه، ثم جرّ برجله، فأنزله، فألقوا لحمه مع لحم أمه، فقال صالح: التهكتم حرمة اللَّه، فأبشروا بحذابه ونقمته تصبحون غدًا، وكان يوم الخميس، وجوهكم مصفرّة، ثم تصبحون يوم العروبة وجوهكم محمرة، ثم تصبحون وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا قتله، فأنجاه اللَّه، فلما كان ليلة الأحد خرج هو ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، فلمّا كانت ضحوة اليوم الرابع تحتطوا، وتكفّنوا، وألقوا أنفسهم إلى الأرض، يقلبون أبصارهم إليها مرّة، وإلى السماء مرة، قلتا اشتدّ الضحاء أنتهم صيحة من السماء، فقطعت قلوبهم، فهلكوا كبيرهم وصغيرهم، وقدار بضم القاف، وفتح الدال المهملة الخفيفة، فألف غراء، (وإعدام جبل، ) (فخرج غير الخارق للعادة؛ كطلوع الشمس كل يوم)، والقمر كل ليلة. (الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة). (قال الجوهري: يقال: تحدّيت فلانًا، إذا باريته، ) أي عارضته (في فعل، ونازعته ) ٤٠٩ المقصد الرابع في معجزاته عنّي الدالّة على ثبوت نبوته ١١٠ للغلبة. وفي القاموس: نحوه. وفي الأساس: حدا، يحدو، وهو حادي الإبل، والجتدى حداء إذا غنى، ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة. وأصله: الحداء)، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي يطلب حداءه. كماا يقال: توفاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كاتوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى. يستحديه» أي يطلب منه حاداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل مباراة. انتهى. من حاشية الطيبي على الكشاف. عطف، تفسير (الغلبة،) أي لأجل أن، يخليه، (وفي القاموس نحوه، وفي الأساس.)) للزمخشري (حدا يحدو) ) فهو واوي، (وهو حادي الإبل، واحتدى حداء،) بضم المهملة والمد، (إذا غنى ) للإبل يبحثها على السير، (ومن المجاز تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم،) تفسيري (للغلبة،) فقول الجوهري: يقال، أي مجازًا، (وأصله الحداء) الغناء (يتبارى فيه الحاديان، ويتعارضان فيتحدّى كل واحد منهما صاحبه، أي يطلب حداءه، كما يقال: توفّاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو،) بفتح، فسكون، وبضمّتين، وشد الواو، ففي المختار: حدا الإبل من باب عدا، وحداء أيضًا بالضم والمد، انتهى، فله مصدران، (يقوم حادّ عن يمين القطار)))) بالكسر: عدد من الإبل على نسق واحد، (وحاد عن يساره، يتحدّى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه،، أي يطلب منه حذاءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل مباراة ) مغالبة. (انتهى من حاشية) العلامة شرف الدين، الحسن بن محمّد بن عبد الله، (الطيبي)، بكسر الطباء،، وسكون الياء) نسبة إلى الطيب: بلد بين والسط وكور الأهواز، (على الكشاف) تشير الزمخشري. قال السيوطي: وهو أجل حواشيه في ست مجلدات ضخمات، قال: وله إلمام بالحديث، لكنه لم يبلغ فيه درجة الحفاظ، ومنتهى نظره الكتب الستة ومسند أحمد، والدارمي لا يخرج من غيرها، وكثيرًا ما يورد صاحب الكشاف، الحديث المعروف، فلا يحسن الطيبي تخريجه، ويعدل. إلى ذكر ما هو في معناه ممّا في هذه الكتب، وهو قصور في التخريج، انتهى. ٤١٠ المقصد الرابع في معجزاته الدالّة على ثبوت نبوته وقال المحققون: التحدي، الدعوى للرسالة. والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة. وعبر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة. وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة، لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها. والشرط إنما هو عدم إمكانها. وقد خرج بقيد (التحدي)) الخارق من غير تحد، وهو الكرامة للولي. وبـ((المقارنة)) الخارق المتقدم على التحدي، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبينا معّ قبل دعوى الرسالة فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء، (وقال المحقّقون: التحدي الدعوى للرسالة، ) فما جاء به بعدها من الخوارق فهو معجزة، وإن لم يطلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي. (والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي،) الطالب للمعارضة، وهو مدعي الرسالة (على وجه المعارضة ) له، (وعبّر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة، وهو أحسن من التعبير بعدم المعارضة؛ لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها، والشرط إنما هو عدم إمكانها ) لا عدمها، (وقد خرج بقيد التحدّي الخارق من غير تحدّ وهو الكرامة للولي، ) وهي وإن لم تكن معجزة له، لكنّها كرامة لنبيه؛ كذا قيل، ونظر فيه ابن أبي شريف؛ بأن المعروف أن المعجزة هي الخارق الذي يظهر على يد مدعي النبوّة بعد دعواها، ومن عدّ الإرهاصات والكرامات معجزات، فسبيله التغليب والتشبيه، وليست معجزات حقيقة. قال التفتازاني: والولي هو العارف بالله وصفاته حسبما يمكن المواظب على الطاعات، المتجنب عن المعاصي، المعرض عن الإنهماك في اللذّات والشهوات. قال شارح الهمزية: ويتجه أن هذا ضابط الولي الكامل، وأن أصل الولاية يحصل لمن وجدت فيه صفات العدالة الباطنة بالشروط المذكورة عند الفقهاء، (وبالمقارنة الخارق المتقدّم على التحدّي)،( كإِظلال الغمام وشقّ الصدر، الواقعين لنبينا عَّهِ قبل دعوى الرسالة، فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها) تأسيسًا لنبوتهم التي ستحصل (وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك ممّا وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليهم أيضًا، وحينئذ ٤١١ المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته فيجوز ظهورها وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك ممّا وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليهم أيضًا، وحينئذٍ تسمى (إرهاصًا)) أي تأسيًا للنبوة كما صرح به العلامة السيد الجرجاني في شرح المواقف، وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم. وخرج أيضًا بقيد ((المقارنة)) المتأخر عن التحدي، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روى بعد وفاته من نطق بعض الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار. وخرج أيضًا بـ ((أمن المعارضة)) السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم. واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتى جوّزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا. وذهب آخرون: إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله تسمّى إرهاصًا، أي تأسيسًا للنبّة؛ كما صرّح به العلاّمة السيّد ) الشريف علي (الجرجاني في شرح المواقف، و)صرّح به (غيره، وهو مذهب جمهور أئمّة الأصول وغيرهم، ) خلافًا للرازي في تسميتها معجزة، (وخرج أيضًا بقيد المقارنة) الأمر (المتأخر عن التحدي بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته عَّ من نطق بعض الموتى بالشهادتين، وشبهه مما تواترت به الأخبار) المفيد للعلم، (وخرج أيضًا بأمن المعارضة السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم، ) بناء على دخول السحر في الخارق للعادة، وهو ممنوع. قال السنوسي: ومن المعتاد السحر ونحوه، وإن كان سببه العادي نادرًا، خلافًا لمن جعل السحر خارقًا، وقال ابن أبي شريف: الحقّ أن السحر ليس من الخوارق، وإن أطبق القوم على عدّة منها؛ لأنه يترتّب على أسباب كلّما باشرها أحد خلقه اللَّه تعالى عقب ذلك، فهو ترتيب مسبّب على سبب جرت العادة الإلهية بترتبه عليه؛ كترتب الإسهال على شرب السقمونيا، وشفاء المريض على تناول الأدوية الطبية، فإن كلاً منهما غير خارق. (واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع، ) كحال الطبيعة السوداوية صفراوية، (أم لا؟، فقال بالأول قائلون، حتى جوّزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا) وحجرًا، (وذهب آخرون إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة ) تغيير (طبيعة إلّ اللَّه ) صفة لا حدًّا، أي ٤١٢ المقصد الرابع في معجزاته عة الدالّة على ثبوت البوّكه تعالى الأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينًا. قالوا: ولو جوزنا للساحر ما جاز للنبي فأي فرق عندكم بينهما؟ فيإن الجأتم إلى منا ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق بالتحدي فقط قيل لكم هذا باطل من وجوه: أحدها: أن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع، وما تعرى من البرهان فهو باطل. "الثاني: أن أكثر آياته عَل وأعمها وأبلغها كانت بلا تحد، كنظق الحصى، ونبع المناء، وتنطق الجذع، وإطعامه المعين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرءان، وتمني الموت. غير الله (تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عيداً، قالوا: ولو جوزنا للساحر ما جاز للنبي، فأي فرق عندكم بينهما، فإن لجأتم ) اعتصمتم، أي قسكتم، وذهيتم (إلى ما ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق) بين النبي وبين الساحر، (بالتحدّي فقط، قيل لكم: هذا بال من وجوه). (أحدها: أن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب، ولا من ستة، ولا من قوال صاحب) للنبي عليه، (ولا إجماع، وما تعرّى) أي خلا ((من البرهان:) الدليل (فهو باطل،) فيبطل منا بني عليه. (الثاني: أن أكثر آياته ، وأعمها، وأبلغها كانت بلا تحدّ؛ كنطق الحصا وتبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المثين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع) المسمومة اله إذ أخبرته بذلك، (وشكوى البعير) اله أن صاحبه يجيعه ويأتي تفاصيل هذا كله، (وكذا سائر) باقي (معجزاته العظام) وقعت بلا تحد، ويأتي الجواب قريبًا، ومرت الإشارة إليه، (ولعلّه) نظافة (لم يتحد بغير القرءان) في نحو فأتوا بسورة من مثله، (وتمنّى الموت) تحدّى به اليهود بقوله: ﴿فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [البقرة/٩.٤] الآية، فلم يفعلوا؛ كما قال تعالى: ﴿ولن يتمتّوه أبدًا بما قدّمت أيديهم﴾ [البقرة/٩٥] الآية، من كفرهم بالنبي المستلزم الكذبهم. وفي البيضاوي: من موجبات النار، كالكفر بمحمد والقرءان، وتحريق التوراة. اأخرج البخاري والترمذي عن ابن عباس، عن النبيّ ة: «لو تمتوا الموت الشرق أحدهم بريقه)، ولابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، موقوفًا: لو تمتّوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلّ مات، والبيهقي عنه، رفعه: ((لا يقولهذا رجل منهم إلاّ غصّ بريقه))، وأورده ٤١٣ المقصد الرابع في معجزاته عن الدالّة على ثبوت نبوته قالوا: فأف لقول لا يبقى من الآيات ما يسمى معجزة إلا هذين الشيئين، ويلقي معجزات كالبحر المتقاذف بالأمواج، ومن قال إن هذه اليست معجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة. قالوا: وقد كان عليه الصلاة والسلام يقول عند ورود آية من هذه الآيات: ﴿أشهد أني رسول الله﴾، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلاً في المعركة: إنه من أهل النار، البيضاوي مرفوعًا، بلفظ: «لو تمنّوا الموت الغصّ كل إنسان بریقه، فمات مكانه، وما بقي يهودي على وجه الأرض))، وأشار محشيه إلى أنه لم يرد بهذا اللفظ. (قالوا: فأَفّ ) بفتح الغاء وكسرها منوّنًا وغير منون، بمعنى: تبّا ,وقبحًا (لقوال لا يبقى من الآيات ما يسمّى معجزة إلاّ هذين الشيئين، ويلقي ) بالق: يطرح، (معجزات كالبحر المتقاذف بالأمواج، ومن قال إن هذه ليست معجزات ولا آيات، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة، لكن لم يقل بذلك أحد، وإنما سرى الله ذلك من حمل التحدّي على المعنى الحقيقي له، (قالوا: وقد كان عليه الصّلاة والسلام يقول عند ورود آية من هذه الآيات: ﴿أشهد أني رسول اللَّه﴾،) كما في البخاري عن سلمة: حين خفت أزواد القوم فذكر الحديث في دعائه مُ له، ثم قال: ((أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وأني رسول اللَّه»، وله شاهد في مسلم عن أبي هريرة، والبيهقي: لما قدم وفد ثقيف، قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول اللّه، ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولهم، قال: («فإني أول من شهد بأني رسول اللَّه). وفي البخاري في قصّة جداد نخل جابر واستيفاء غرمائه بل وفضل اله تمر، فقال له الما بشّره جاير بذلك: «أشهد أنّي رسول اللَّه))؛ (كما قال ذلك عند تحققهم مصداق) أي صدق (قوله في الإخبار عن الذي أنكا في المشركين قتلاً في المعركة) يوم خيبر؛ كما في البخاري، أو يوم أحد؛ كما لأبي يعلى، باستاد فيه مقال، وهو قزمان، يضم القاف وسكون الزاي؛ كما قال جماعة وتوقّف فيه الحافظ؛ بأن الواقدي ذكر أنه قتل بأحد، قال: الكن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف (إنه من أهل النار،) قلمنا حضر القتال قاتل الرجال أشد القتال حتى كثرت به الجراح، فكاد بعض الناس يرتاب، رواه البخاري عن أبي هريرة، وفي حديثه عن سهل، فقالوا: أأينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار. واللظيراني عن أكتم، قلنا: يا رسول اللّه! إذا كان فلان في عبادته واجتهاده والين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: «ذلك إخبات النفاق))، فكنّا لتحفظ عليه في القتال. ٤١٤ المقصد الرابع في معجزاته ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته فقتل نفسه بمحضر ذلك الذي اتبعه من المسلمين قالوا: والوجه الثالث: وهو الدامغ لهذا القول، قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ [الأنعام/١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلى أن كذب بها الأولون﴾ [الإسراء/٥٩] فسمى الله تعالى تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًا من غيره. فصح أن اشتراط التحدي باطل محض، انتهى ملخصًا من تفسير الشيخ أبي وفي البخاري عن سهل: فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، فخرج معه كلما وقف وقف معه، (فقتل نفسه بمحضر ذلك) الرجل (الذي اتبعه من المسلمين،) قال الحافظ: وهو أكتم الخزاعي؛ كما في الطبراني فقول الشارح، أي الجمع الذي اتبعه من المسلمين خلافه، ومرت القصة في غزاة خيبر، (قالوا: والوجه الثالث وهو الدامغ)، بميم ومعجمة المبطل (لهذا القول،) بحيث لا يبقى للمتمسك به شبهة، قال تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ الآية. وقال البيضاوي: أي فيمحقه، وإنما استعار لذلك القذف، وهو الرمي البعيد، المستلزم لصلابة المرمي، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث تشقّ غشاءه الذي يؤدّي إلى زهوق الروح تصويرًا لإبطاله، ومبالغة فيه (قوله تعالى: ﴿وأقسموا﴾) الآية، أي كفّار مكّة، ﴿(باللَّه جهد أيمانهم)) الآية، أي غاية اجتهادهم فيها، ﴿(لئن جاءتهم آية﴾) الآية، مما اقترحوا، ﴿(ليؤمننّ بها قل إنما الآيات عند اللَّه﴾) الآية، ينزله كيف يشاء، ((وما يشعركم﴾) الآية، الآية، يدريكم بإيمانهم، أي أنتم لا تدرون، ﴿(أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾) الآية، لما سبق في علمي، وفي قراءة بالتاء خطابًا للكفار، وفي أخرى: بفتح أن، بمعنى: لعلّ، أو معمولة لما قبلها. (وقال تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات)) الآية، التي اقترحها أهل مكّة ﴿(إلاّ أن كذّب بها الأوّلون﴾) الآية، لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها واستحقّوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد عّ لّه، والمنع هنا مجاز عن الترك)، أي وما سبب ترك الإرسال إلاَّ تكذيب الأوّلين، وإلاّ فاللَّه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، (فسمّى اللَّه تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًّا من غيره، فصح أن اشتراط التحدّي باطل محض ) خالص، (انتهى ملخصًّا من تفسير الشيخ أبي أمامة بن النقّاش، ٤١٥ المقصد الرابع في معجزاته ◌َ ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته أمامة بن النقاش. وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيق للتحدي، بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة والله أعلم. الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطق يدي، أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو بنبي، فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي، لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب - لعنه الله تعالى - تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت وذهب ما .... وأجيب بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي، بمعنى طلب الإتيان بالمثل، الذي هو المعنى الحقيقي )اللغوي (للتحدي، )حتى يرد عليه ما ذكروه، (بل يكفي للتحدي، دعوى الرسالة،) فكل ما وقع بعدها من الخوارق آيات، سواء كانت بطلب المثل أم لا، فلا يردّ على هذا الشرط شىء مما ذكروه، (والله أعلم ) بأنه شرط في نفس الأمر أم لا. (الرابع من شروط المعجزة،) أي: الوصف الخارق المسمّى معجزة؛ (أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها.) فليس فيه سلب شىء عن نفسه، إِذ تقدير كلامه لو لم تقع المعجزة على وفق دعواه لم تكن معجزة، فيلزم سلب الإعجاز عنها بعد ثبوته لها، وهو باطل، وبعبارة: لا يخفى أن وقوعها على وفق دعوى المتحدّي يفيد أن مفهومه، لو لم تقع على وفقه لم تكن معجزة، وهذا تناقض بحسب الظاهر، والجواب: أن فيه تجريدًا، كأنه قيل من شرط المعجزة، بمعنى مطلق الخارق لا ما يسمّى معجزة بخصوصه، (فلو قال مدعي الرسالة آية نبؤَّتي أَن تنطق يدي أو هذه الدابة) بما يوافق دعواي، بدليل أن مقسم الشرط لذلك، فلا ينافي قوله: (فنطقت يده أو الدابة بكذبه، فقالت: كذب وليس هوٍ بنبي،) بيان للكذب، (فإن الكلام الذي خلقه اللَّه تعالى دال على كذب ذلك المدعي؛ لأن ما فعله اللَّه تعالى) من خلق نطقها بتكذيبه، (لم يقع على وفق دعواه،) بل وقع مخالفًا لها، فلو نطقت بما لا تكذيب فيه له، كان يقول اللَّه واحد، فمعجزة على ما يفهمِه قوله بكذبه، مع أنها لم تنطق بموافقة دعواه، إلاّ أن يراد بالموافق ما لا یناقضها، ومفاد قوله: أَو الدابة، أنه لا يعتبر في المکذب کونه ممن يعتبر تكذيبه، ووقع لبعض من حشى العقائد؛ أنه لا بدّ من كونه ممن يعتبر؛ (كما يروى أن مسيلمة) بكسر اللام، وأخطأ من فتحها (الكذّاب ـ لعنه اللَّه تعالى - تفل في بئر ليكثر ماؤها، فغارت وذهب ما ٤١٦ المقصد الرابع في معجزاته عام الدالّة على ثبوت نبوته فيها من الماء. فمتى اختل شرط من هذه للم تكن معجزة. ولا يقال: قضية ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلا على أيدي الصادقين، وليس كذلك، لأن المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحاح، فيها من الماء، قمتى اختل شرط من هذه) الحالة التي أريد تسميتها معجزة (لم تكن. معجزة،)، بل تارة كرامة، وتارة إهانة وغير ذلك، (ولا يقال: قضية، ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلاّ على أيدي الصادقين) وهم النبيون، (وليس كذلك؛ لأن المسيح،) بفتح الميم، وكسر المهملة التخفيفة، آخره حاء مهملة يطلق على الدجّال، وعلى عيسى عليه السلام، لكن إذا أريد الدجال قيّد؛ كما قال (الدجّال،) وقيل: هو بالتخفيف عيسى، والتشديد الدجال. وقيل: هو بالتشديد لهما، وعلى الأوّل: يسمى الدجال لمسحه الأرض، أو لأنه ممسوح العين، أو لأنّ أحد شقّي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، وسمّيٍ به عيسى لمسحه الأرض بالسياحة، أو لأن رجله كانت لا أخمص لها، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوخا بالدهن، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برىء، أو هو بالعبرانية الصديق، أقوال مبسوطة في شروح البخاري وغيره. (يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحاح؛). كما قال ◌َّ: ((إن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فنار جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره، فليستغث. باللّه وليقرأ فواتح الكهف، فتكون بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول الأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، فتشهد أني ربّك، فيقول: نعم، فيتمثّل له شيطان. صورة أبيه وأمّه، فيقولان: يا بنيّ اتبعه،» فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة». فيقتلها، ينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعده، ثم يزعم) أن له رًّا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث من ربّك، فيقول: ربي اللَّه، وأنت عدو اللّه أنت. الدجال، والله ما كنت قطّ أشدّ بصيرة بك مني اليوم)، وإن من فتنته أن يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت» وإن من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيكذبونه، فلا يبقى لهم سائمة إلّ ملكت، وإن من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت: حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه، وأمده خواصر، وأدره ضروعا))، رواه ابن ماجه، وابن خزيمة،، والحاكم في حديث طويل. ٤١٧ المقصد الرابع في معجزاته ◌ُّ الدالّة على ثبوت نبوّته لأن ما ذكر فيمن يدعي الرسالة وهذا يدعي الربوبية. وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ [الشورى/١١]. فإن قلت أي الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هل لفظ ((المعجزة)) أو لفظ ((الآية)) أو ((الدليل))؟ فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضًا في القرءان لفظ ((المعجزة)) بل ولا في السنة أيضًا، وإنما فيهما لفظ (لأن ما ذكر فيمن يدّعي الرسالة، وهذا) الدجّال (يدّعي الربوبية، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة؛) كما قام على استحالة إله غير اللَّه، (فلم يبعد أن يقيم اللَّه الأدلّة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملّة، ودلّت القواطع على كذب المسيح الدجّال فيما يدعيه للتغيّر من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها ربّ البريات. وقد قال عَّة: ((إني سأصفه لكم صفة لم يصفها إيّاه نبيّ قبلي، إنه يبدأ، فيقول: أنا نبيّ ولا نبيّ بعدي، ثم یشي، فيقول: أنا رێکم ولا ترون رێکم حتی تموتوا، وإنه أعور، وإن رێکم لیس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب). ﴿ليس كمثله شىء،﴾ الكاف زائدة؛ لأنه تعالى لا مثل له، ﴿وهو السميع﴾) لما يقال، (البصير) بما يفعل، (فإن قلت: أي: الإسمين أحقّ وأولى،) عطف علّة على معلول، أي: أحقّ لأولويته أو تفسيري، (بما أتت به الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، هل لفظ المعجزة، أو لفظ الآية، أو الدليل) بدلّ مفصل من مجمل، فالسؤال عن أمرين فقط معجزة ومقابلها من الآية أو الدليل، بدليل ذكره لفظ مرّة ثانية فقط؛ فالثاني أحد دائر بين اثنين، وبدليل: أن الجواب باختيار الشقّ الثاني بفرديه، فلا يردّ عليه أن تعبيره بالاسمين لا يصحّ؛ لأن المذكور ثلاثة. (فالجواب: أن كبار الأئمّة يسمّون المعجزات الأنبياء دلائل النبوة وآيات، النبوّة، ولم يرد أيضًا في القرءان لفظ المعجزة، بل ولا في السنّة أيضًا، وإنما فيهما لفظ ٤١٨ المقصد الرابع في معجزاته مَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته ((الآية)) و((البينة)) و((البرهان)). كما في قصة موسى عليه السلام: ﴿فذانك برهانان من ربك﴾ [القصص/٣٢]، أي العصا واليد، وفي حق نبينا عليه الصلاة والسلام ﴿وقد جاءكم برهان من ربكم﴾ [النساء/١٧٤]. وأما لفظ الآيات فكثير. بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية﴾ [الأنعام/١٢٤] و﴿إن في ذلك لآيات﴾ [الرعد/ ٣]. وإما لفظة المعجزة إذا أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمى معجزة إلا ما كان للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات، الآية والبيعة والبرهان،) فالتعبير بمعجزة خلاف الأولى لعدم وروده، والأولى الآية أو الدليل ونحوهما؛ لموافقة الوارد، وفي الشامي: لفظ المعجزة وضعه المتكلّمون على ما اشتمل على الشروط الأربعة السابقة من آيات الأنبياء، ولا ضير في ذلك خلافًا لمن زعمه، والتعبير بالآية والبرهان والبينة لا ينافي ذلك، وكل معجزة آية وبرهان وبينة، ولا عكس؛ كما يظهر بتأمل حدّ المعجزة، والظاهر أن الآية والدليل متساويان، انتهى، وفيه: أن مدعّي الأولويّة لم يمنع إطلاق المعجزة، بل ذكر أولويّة الآية، والدليل عليها، ولم يدع ضيرًا ولا منافاة، كما ترى. (كما في قصة موسى عليه السّلام، ﴿فذانك﴾) بالتشديد والتخفيف، (﴿برهانان﴾) مرسلان (﴿من ربّك﴾) إلى فرعون وملائه، (أي: العصا واليد،) وهما مؤنّثان، ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره برهانان، (وفي حقّ نبينا عليه الصّلاة والسّلام: ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ الآية، كما فسره به سفين بن عيينة عند ابن أبي حاتم، وجزم به ابن عطيّة والنسفي، ولم يحكيا غيره، وهو لغة الحجّة أو النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التامّ، وهو عَّ برهان بالمعنيين؛ لأنه حجّة اللَّه على خلقه، وحجّة نيّرة واضحة لما معه من الآيات الدالّة على صدقه، وهذا مما سمّاه اللَّه به من أسمائه تعالى فإنه منها؛ كما جاء في ابن ماجه. (وأمّا لفظ الآيات فكثير، بل هو أكثر من أن نسرده هنا،) لو سردناه من الكتاب والسنّة؛ (كقوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آيةٍ﴾ الآية، ﴿وإن في ذلك لآيات﴾ [الرعد: ٣]، (وأمّا لفظ المعجزة إذا أطلق، فإنه لا يدلّ على كون ذلك آية، إلاّ إذا فسّر المراد به، وذكرت شرائطه) الأربعة المتقدّمة، وهذا أيضًا يفيد أولويّة غيرها عليها؛ كقوله: (وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمّي) الخارق (معجزة، إلّ ما كان للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق: عادات) وهم الجمهور، (سمّاها كرامات، ٤١٩ المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزة كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانًا على نبوة النبي فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوّة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى. وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوّة نبينا عَِّ كثيرة، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة. والسلف كانوا يسمّون هذا) ما وقع للأنبياء، (وهذا) ما وقع للأولياء (معجزة؛ كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهاناً على نبوّة النبيّ، فإن هذا يجب اختصاصه به،) فيه تأمّل، إذ الكلام في الخارق الواقع لولي هل يسمّى معجزة، كما يسمّى كرامة، أم لا؟، وكذا ما وقع لنبيّ هل يسمّى كرامة، كما يسمّى معجزة، أم لا؟، لا في ثبوت الصفة نفسها، فلو قال بخلاف الآية، والدليل: فإنهما مختصّان بما ثبت للأنبياء لاستقام، ويدلّ له قوله: (وقد يسمّون الكرامات آيات لكونها تدلّ على نبوّة من اتّبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى). (وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل:) جمع دلالة قياسًا، ودليل على غير قياس، والمراد الثاني، إذ الأوّل صفة الدليل، ويصحّ إرادة الأوّل أيضًا؛ لأن وصف الدلالة بالوضوح يستلزم وضوح الدليل، أو أطلق الدلالة، وأراد الدليل مجازًا من باب تسمية الموصوف باسم صفته، ثم جمعت قياسًا؛ لأن الجمع يتعلّق باللفظ، سواء استعملت الكلمة في حقيقتها أومجازها، (نبوّة نبيّا عَّةٍ كثيرة،) عبّر بنبوّة دون رسالة، لأنهم كانوا ينكرون نبوّته من أصلها لا رسالته فقط، ولأن الدلائل إذا كانت للنبوّة، فللرسالة أولى؛ لأنه من إثبات الشىء بدليله، أي: آثبات الرسالة يإثبات النبوّة؛ لأن النبيّ لا يكذّب، (والأخبار بظهور معجزاته شهيرة،) لكنها كما قال في الشقاء ثلاثة أقسام: الأوّل: ما علم قطعًا ونقل إلينا متواترًا؛ كالقرءان، فلا مرية ولا خلاف في مجيء النبيّ عَّه به وظهوره من قبله، واستدلاله به على ثبوت نبوّته، وكونه رسولاً إلى الناس كافّة ونحو ذلك، وإن أنكر مجيئه به، وظهوره من قبله أحد، فهو معاند جاحد، وإنكاره کإنكار وجود محمّد عَّ في الدّنيا. الثاني: ما اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة، ونقله السير والأخبار؛ كنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام. ٤٢٠ المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته فمن ذلك: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده ومبعثه من الأمور الغريبة العجيبة القادحة في سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم، كقصة الفيل، وما أحل الله بأصحابه من العقوبة والنكال، وخمود نار فارس وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساو، ورؤيا المؤبدان، الثالث: ما لم يشتهر، ولا انتشر واختصّ به الواحد والإثنان، ورواه العدد اليسير، ولم يشتهر اشتهار غيره، لكنه إذا جمع إلى مثله اتّفقا في المعنى المقصود به الإعجاز، واتّفقا على الإتيان بالمعجز، كما قدّمنا أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه، وإذا انضم بعضها إلى بعض أفادت القطع، انتهى ملخّصًا، (فمن ذلك ما وجد في التوراة والإنجيل، وسائر) باقي (كتب اللَّه تعالى، المنزّلة من ذكره ونعته) وصفه بالصفات المميزة له، حتى كأنهم شاهدوا أنه الذي ذكر اسمه (وخروجه بأرض العرب وما خرج بين يدي أيّام مولده)، أي: أمامه بقربه، (ومبعثه من الأمور الغريبة، العجيبة، القادحة في سلطان الكفر) وحججه وبرهانه، أي: الشبه الباطلة التي يقيمها أهله على صحته زاعمين حقيتها، عبر عنها بالحجج، نظرًا لزعمهم (الموهنة لكلمتهم،) أي: كلمة أهل الكفر، أي: أقاويلهم الباطلة التي رفعوها، عبّر عنها بكلمة، لأنهم لما اتّفقوا كانت كأنها واحدة، (المؤيّدة لشأن العرب، المنوّهة بذكرهم؛ كقصّة الفيل وما أحلّ اللَّه بأصحابه من العقوبة والنكال،) كما مرّ بسطه، (وخمود نار فارس) التي كانوا يعبدونها، وكان لها ألف عام لم تخمد، (وسقوط) أربع عشرة شرفة من (شرفات)، بضمّ الشين، وإسكان الراء، وفتحها وضمّها: جمع شرفة تحقيرًا لها، أو لأن جمع القلّة قد يقع موضع جمع الكثرة، (إيوان) کديوان، ويقال فيه: أوان بوزن كتاب، بناء أزج غير مسدود الوجه، (كسرى،) بكسر الكاف وفتحها: ملك الفرس، وكانت شرفات إيوانه اثنتين وعشرين، (وغيض ماء بحيرة،) تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير، (ساوه) بمهملة، فألف، فواو مفتوحة، فهاء ساكنة: مدينة بين الري وهمذان، وبحيرتها متّسعة جدًا، كانت أكثر من ستة فراسخ يركب فيها السفن، ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة، كأن لم يكن بها شىء من الماء، (ورؤيا الموبذان،) بضم الميم، وسكون الواو، وفتح الموحدة؛ كما قال ابن الأثير وغيره. وحكى ابن ناصر كسرها أيضًا، وبال معجمة: اسم لحاكم المجوس؛ كقاضي القضاة للمسلمين، رأى ليلة مولده عَّهِ إبلاً صعابًا تقود خيلاً عرابًا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فقال له كسرى: أيّ شىء يكون هذا يا موبذان؟، قال: حدث يكون من ناحية العرب،