Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
صفة إزاره عَليه
وكذا رواه من حديث زيد بن أسلم وأم سلمة وابن عمر، لكن يعارضه ما في
الصحيح أنه معَّه نهى عن التزعفر والله أعلم.
صِّلالله
[صفة إزاره
وأما صفة إزاره عَّة، فعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: أخرجت
إلينا عائشة كساء وإزارًا غليظًا فقالت: قبض رسول الله عَ لِّ في هذين، رواه
البخاري، وفي رواية: إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التي تدعونها
الملبدة، وفي رواية: كساء ملبدًا.
قال ابن الأثير:
أيضًا: كان يصفر بهما لحيته، وأجيب باحتمال أنه مما يتطيّب به، لا أنه كان يصبغ بهما لحيته،
(وكذا رواه من حديث زيد بن أسلم) العدوي، (وأُمّ سلمة، وابن عمر) بن الخطّاب، (لكن
يعارضه ما في الصحيح؛ أنه تعَّ نهى عن التزعفر،) وهل النهي لرائحته أو للونه تردد، ولفظ
الصحيح: نهى أن يتزعفر الرجل، وما ساقه هنا لفظ النسائي، وهو مطلق، فيحمل على المقيّد
بالرجل، ومرّ قريبًا جوابه، بأن نهيه لا يخالف فعله، لأنه للكراه والفعل لبيان الجواز، وأمّا حديث
عمران بن الطبراني: ((إياكم والحمرة، فإنها أحب الزينة إلى الشيطان))، ففي إسناده ضعف،
وحديث رافع بن خديج: أنه عَّلِّ رأى الحمرة قد ظهرت فكرهها، رواه أحمد، لا يدلّ على
التحريم لحمل الكراهة على التنزيه، (واللَّه أعلم) بالحقّ.
صَّلىالله
صفة إزاره .
(وأمّا صفة إزاره عٍَّ: فعن أبي بردة)، بضم الموحدة، وراء، ودال مهملة، الحرث أو
عامر (بن أبي موسى الأشعري،) قاضي الكوفة، وهو ثقة نبيل، ومن ذريّته أبو الحسن الأشعري،
مات سنة أربع ومائة، وقيل: غير ذلك، وقد جاوز الثمانين، أنّه (قال: أخرجت إلينا عائشة
كساء) من صوف ملتّدًا، كما يأتي، (وإزارًا غليظً،) صفة إزارًا، (فقالت: قبض رسول اللَّه عَ لَّه.
في هذين،) وكان لبسهما تواضعًا، أو اتفاقًا لا عن قصد، إذ كان يلبس ما وجد، (رواه
البخاري) في فرض الخمس واللباس، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في اللباس.
(وفي رواية) عند مسلم موصولة، والبخاري تعليقًا عن أبي بردة، قال: أُخرجت إلينا
عائشة (إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التي تدعونها) بتحتية وفوقية، وفي
مسلم يسمونها (الملتّدة،) بضم الميم، وفتح اللام، والموحدة المشدّدة.
(وفي رواية) للبخاري في الخمس: أخرجت لنا عائشة (كساءً ملبّدًا، قال ابن الأثير)

٣٠٢
صفة إزاره عـ
أي مرقعًا، يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر
القميص. اللبدة: وقيل الملبد: الذي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد.
وروى مسلم من حديث عائشة قالت: خرج رسول الله عَّ}. ذات غداة
وعليه مرط مرحل من شعر أسود.
والمرط : - بكسر الميم وإسكان الراء- كساء من صوف أو خز، يؤتزر به.
والمرحل: بتشديد الحاء المهملة المفتوحة، كمعظم، هو الذي فيه صور
الرحال، قال في القاموس في مادة رحل: وكـ ((معظم)): برد فيه تصاوير رحل،
قال: وتفسير الجوهري إياه بإزار خز فيه علم، غير جيد، إنما ذلك تفسير للمرجل
وقال في مادة رج ل - يعني بالجيم -: وبرد مرجل كمعظم، فيه صور الرجال،
انتھی.
في النهاية، (أي: موقعًا،) بضم الميم، وفتح الراء، وشدّ القاف، (يقال: لبّدت القميص ألبده
ولبّدته) بالتخفيف، (ويقال للخرقة التي يرفع بها صدر القميص: اللّبدة) بالكسر، (وقيل:
الملبد الذي ثخن،) غلظ (وسطه وصفق،) بضم الفاء صفاقة، فهو صفيق، خلاف سخيف،
(حتى صار يشبه اللّبد،) بالكسر، وزان حمل ما يلبد من شعر أو صوف، واللّبدة أخصّ منه؛ كما
في المصباح.
(وروى مسلم من حديث عائشة، قالت: خرج رسول اللَّه عَّ ذات غداة،) أي:
ضحوة، وذات مقحمة للتأكيد، أي: خرج في ساعة من ضحوه، (وعليه مرط مرخّل من شعر
أسود،) وقدّم المصنف هذا الحديث ناسبًا للترمذي، إلاّ أن في هذا زيدت مرحّل، فلذا أعاده،
(والمرط بكسر الميم، وإسكان الراء: كساء من صوف أو خزّ يؤتزر به،) والخزّ اسم دابة، ثم
أطلق على الثوب المتّخذ من وبرها، كذا في المصباح، أي: وبر تلك الدابة، وصريح تفسير
المصنف؛ كالقاموس والمصباح، أن استعماله في الشعر مجاز، إذ الصوف والخزّ خلاف الشعر،
(والمرحّل، بتشديد الحاء المهملة المفتوحة، كمعظم، هو الذي فيه صور الرحال:) جمع
رحل، (قال في القاموس، في مادة رحل، وكمعظم برد فيه تصاوير، رحل) بمهملة، (قال:
وتفسير الجوهري إياه بإزار خزّ، فيه علم غير جيّد، إنما ذلك تفسير للمرجّل،) بالجيم،
فالتبس عليه، (وقال في مادة رج ل ــ يعني بالجيم -: مرجّل، كمعظم فيه صور الرجال)
بالجیم، (انتھی).

٣٠٣
صفة إزاره عية
وقال النووي: الذي رواه الجمهور، وضبطه المتقنون: بالحاء المهملة، أي
عليه صور رحال الإبل، ولا بأس بهذه الصورة، وإنما يحرم تصوير الحيوان.
وقال الخطابي المرحل، الذي فيه خطوط والله أعلم.
وعن عروة: أن طول رداء النبي عَّهِ أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر، وعن
عروة أيضًا: أن ثوب رسول الله عَّ الذي كان يخرج فيه إلى الوفد رداء أخضر في
طول أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر.
وعن معن بن عيسى قال حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن
عبد الملك برد النبي عَّهِ من حبرة له حاشيتان.
وعن ابن عمر قال: دخلت على رسول الله عَّةٍ وعليه إزار يتقعقع.
وعن يزيد بن أبي حبيب
(وقال النووي: الذي رواه الجمهور، وضبطه المتقنون) من أتقن، (بالحاء المهملة،
أي: عليه صور رحال الإبل، و) لا يرد كيف لبس ما فيه صور، وقد نهى عنه؛ لأنه (لا بأس بهذه
الصور، وإنما يحرم تصوير الحيوان) التامّ الخلق، (وقال الخطابي: المرحل،) بمهملة (الذي
فيه خطوط، والله أعلم) بحقيقته.
(وعن عروة) بن الزبير، أحد الفقهاء، فهو مرسل: (أن طول رداء النبيّ عَّةٍ أربعة أذرع،
وعرضه ذراعان وشبر،) ويأتي له عزوة لتخريج الدمياطي، وقد رواه أبو الشيخ في الأخلاق النبويّة
عن عروة، بلفظ: وعرضه ذراعان ونصف.
قال الحافظ العراقي: وفيه ابن لهيعة، (وعن عروة أيضًا: أن ثوب رسول اللَّهُ عَ لِّ الذي
كان يخرج فيه إلى الوفد) القادمين عليه، (رداء أخضر في طول أربعة أذرع، وعرضه ذراعان
وشبر).
(وعن معن بن عيسى) بن يحيى الأشجعي، مولاهم المدني، القزار ثقة ثبت، قال أبو
حاتم: هو أثبت أصحاب ملك، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، (قال: حدّثنا محمّد بن هلال،)
"المدني، صدوق، توفي سنة اثنتين وستّين ومائة، قال: رأيت على هشام بن عبد الملك) بن
مرون الأموي، أحد ملوك بني أُميّة (برد النبيّ ◌َّةِ، من حبرة،) بزنة عنبة، (له حاشيتان).
(وعن ابن عمر بن الخطاب، (قال: دخلت على رسول اللَّه عَّهِ، وعليه إزار يتقعقع،)
أي: يصوت عند ردّ بعضه على بعضه لجدّته، (وعن يزيد))) بتحتية، فزاي، (ابن أبي حبيب)

٣٠٤
صفة إزاره عليه
أنه عَِّ كان يرخي الإزار من بين يديه ويرفعه من روائه.
وعن ابن عباس قال: رأيت رسول الله عَّ يأتزر تحت سرته وتبدو سرته،
ورأيت عمر بن الخطاب يأتزر فوق سرته، رواها كلها الدمياطي.
(فصل) وعن أسماء بنت أبي بكر، إنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها
لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله عَّله، كانت
عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي عَّ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى
نستشفي بها. رواه مسلم.
وقوله: جبة طيالسة: بإضافة جبة إلى طيالسة.
وكسروانية: بكسر الكاف وفتحها، والسين ساكنة والراء مفتوحة، نسبة إلى
كسرى ملك الفرس.
الأزدي، مولاهم المصري، بالميم، عالمها تابعي، ثقة، فقيه، وكان يرسل واسم أبيه سويد، وكان
يزيد حبشيًّا من العلماء الحكماء، مات سنة ثمان وعشرين ومائة؛ (أنه عٍَّ كان يرخي الإزار،)
أي: إزاره (من بين يديه، ويرفعه من ورائه) حال المشي، لئلاّ يصيبه قذر أو شوك، وهذا بيان
لصفة انتزاره، وقد رواه ابن سعد عن يزيد، بلفظه.
(وعن ابن عباس، قال: رأيت رسول اللَّه عَلَّه يأتزر تحت سرّته، وتبدو:) تظهر (سرّته،
ورأيت عمر بن الخطاب يأتزر فوق سرته، رواها كلّها الدمياطي) الحافظ، أبو محمد
عبد المؤمن بن خلف الشهير.
فصل
ترجم به، لأنه ليس من صفة الإزار، (وعن أسماء بنت أبي بكر) الصديق، مما رواه عنها
مولاها، قال: (إنها أُخرجت) إلينا (جبّة طيالسة:) نوع من الثياب لها علم (كسروانية،) وفي
لفظ كسرواني: (لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان،) وفي رواية: وفروجها مكفوفة (بالديباج،)
أي: عمل على جيبها، وكميها، وفرجها كفاف من حرير، وكفّه كل شىء، بالضم طرفه
وحاشيته، (وقالت: هذه جبّة رسول اللَّه عَِّ عند عائشة، فلما قبضت:) ماتت رضي اللَّه عنها
(قبضتها،) أي: أخذت الجبّة، (وكان النبيّ عَّةٍ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى،) وفي رواية:
للمريض إذا اشتكى (نستشفي:) نطلب الشفاء (بها،) لمخالطتها لعرقه، وملابستها لبدنه، (رواه
مسلم، وقوله: جبّة طيالسة، بإضافة جبّة إلى طيالسة،) لا بالتنوين، (وكسروانيّة، بكسر
الكاف، وفتحها، والسين ساكنة، والراء مفتوحة، نسبة إلى كسرى ملك الفرس،) بكسر

٣٠٥
لطيفة
ولبنة: بكسر اللام وإسكان الباء، رقعة في جيب القميص.
وفيه: جواز لبس ماله فرجان وأنه لا كراهة فيه، وأن المراد بالنهي عن
الحرير المتمحض منه وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر
والذهب فإنه يحرم كل جزء منهما، قاله النووي.
(لطيفة) قيل: لما كان عٍَّ لا يبدو منه إلا طيب، كان آية ذلك في بدنه
الشريف أنه لا يتسخ له ثوب، فما اتسخ له ثوب قط، قيل ولم يقمل ثوبه قط،
وقال ابن سبع في ((الشفاء)) والسبتي في (أعذب الموارد وأطيب الموالد)): لم يكن
القمل يؤذيه تعظيمًا وتكريمًا له عَّ لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذي
في الشمائل عن
الكاف وفتحها، فهما في كسروانية على اللغتين في المنسوب إليه، (ولبنة، بكسر اللام،
وإسكان الباء) الموحدة: (رقعة)، أي: قطعة حرير (في جيب القميص،) ولو جديدًا، وليس
المراد أنها جعلت فيه لإصلاح خلله، (وفيه) من الفقه (جواز ليس ماله فرجان، وأنه لا كراهة
فيه، وأن المراد بالنهي عن الحرير المتمحض؛) الخالص (منه، وإنه ليس المراد تحريم
كل جزء منه بخلاف الخمر والذهب، فإنه يحرم كل جزء منهما) على الرجال في الذهب،
(قاله النووي) في شرح مسلم.
لطيفة
(قيل: لمّا كان ◌ٍَّ لا يبدو) يظهر (منه إلاَّ طيب، كان آية:) علامة (ذلك في بدنه:)
جسده (الشريف؛ أنه لا يتّسخ له ثوبٍ، فما اتّسخ له ثوب قطّ، قيل: ولم يقمل،) بفتح الميم
(ثوبه قط٤) أي: لو يوجد فيه شىء من قمل، وإن كان المادة للتكثير، (وقال) أبو الربيع سليمن
(بن سبع،) بإسكان الموحدة، وقد تضم (في) كتاب (الشفاء والسبتي،) بفتح السين، وسكون
الموحدة، ففوقية، نسبة إلى سبتة مدينة بالمغرب، وجزم الرشاطي؛ بأن سبتة بالفتح، والتي ينسب
إليها السبتي بالكسر، قاله في التبصير (في أعذب الموارد وأطيب الموالد: لم يكن القمل
يؤذيه) لعدم وجوده في ثيابه، (تعظيمًا وتكريمًا له عَّهِ) على نحو:
على لا حب يهتدي لماره
ويرشد إلى هذا أن لفظ ابن سبع لم يكن فيه قمل، ولأن أصله من العفونة، ولا عفونة فيه،
وأكثره من العرق، وعرقه طيب، (لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذي في الشمائل، عن

٣٠٦
لطيفة
عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله عَّ يفلي ثوبه ويحلب شاته، ومن لازم
التفلي وجود شىء يؤذيه في الجملة، إما قملاً أو برغوثًا أو نحو ذلك. ويمكن أن
يجاب: بأن التفلي لاستقدار ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه
أذى في حقه عَِّ، وهذا فيه بحث، لأن أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما
أجرى الله العادة، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادة. ونقل الفخر الرازي: أن
الذباب لا يقع على ثيابه قط، وأنه لا يمتص دمه البعوض.
وأما الطيلسان - وهو بفتح اللام، واحدة الطيالسة، والهاء في الجمع للعجمة
لأنه فارسي معرب، وهو الساج أيضًا،
عائشة رضي اللَّه عنها: كان رسول اللَّه عَّ يفلي ثوبه،) بفتح التحتية، وسكون الفاء، ثم لام
من فلى يغلى، كرمي يرمي: يفتّشه، (ويحلب شاته).
زاد في رواية أبي نعيم: ويخدم نفسه، وفي رواية لأحمد وابن حبان: يخيط ثوبه،
ويخصف نعله، ولابن سعد: يرقع ثوبه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، وفي رواية له: يعمل
عمل البيت، وأكثر ما يعمله الخياطة، (ومن لازم التفلي وجود شىء يؤذيه في الجملة، إمّا
قملاً، أو برغوثًا، أو نحو ذلك،) فدعوى أنه لم يكن القمل يؤذيه مدفوعة، (ويمكن أن يجاب؛
بأن التفلّي لاستقدار ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه أذى في حقّه عَّةُ
وهذا فيه بحث؛ لأن أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما أجرى اللَّه العادة، وإذا امتنع
الغذاء لا يعيش الحيوان عادة،) وأجاب شيخنا؛ بأنه لم يجعل التفلية لإزالة القمل الحاصل من
غيره، بل لإزالة القذر الحاصل في ثوبه، ولا يلزم أن يكون حيوانًا، وبتقديره، فيجوز أنه فلّى ثوبه
قبل مضي مدّة لا يصبر الحيوان فيها على عدم التغذي، (ونقل الفخر الرازي؛ أن الذباب لا يقع
على ثيابه قطّ، وأنه لا يمتص دمه البعوض،) وهذا أيضًا من جملة اللطيفة، وتعقّب ذلك كلّهم
بعضهم بعدم ثبوته.
(وأما الطيلسان، وهو بفتح) الطاء (واللام) على الأشهر الأفصح، بزنة فيعلان، وحكى
عياض، والنووي، والمجد كسر اللام وضّها، وفيه لغة طالسان بالألف، حكاها ابن الأعرابي،
(واحدة الطيالسة، والهاء في الجمع للعجمة،) أي: إنهم جمعوه على لغة العجم؛ (لأنه فارسي
معرب).
قال المجد: أصله تالسان، ويجمع أيضًا على طيالس بلا هاء؛ كما قال البطليوسي.
قال ابن قرقول: شبه الأردية، توضع على الرأس والكتفين والظهر، (وهو الساج أيضًا،)

٣٠٧
لطيفة
وقال ابن خالويه في ((شرح الفصيح)) يقال للطيلسان الأخضر: الساج، وفي
((المجمل)) لابن فارس: الطاق والطيلسان فقال ابن القيم: لم ينقل عنه عَّله أنه
لبسه، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان
عن النبي عَِّ أنه ذكر الدجال فقال: يخرج ومعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم
الطيالسة. ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر.
بسين مهملة، فألف، فجيم وجمعه سيجان، (وقال ابن خالويه في شرح الفصيح: يقال للطيلسان
الأخضر الساج،) وقال هشام بن عمار: هو الطيلسان الأسود، وسوّى بينهما القاموس، فقال:
الساج: الطيلسان الأخضر أو الأسود، وفي النهاية: الساج الطيلسان المقوّر، وفي المغرب
للمطرزي: هو من لباس العجم، مدوّر، أسود، وقولهم في الشتم: ابن الطيلسان، يعني: إنك
أعجمي.
(وفي المجمل لابن فارس: الطاق،) بمهملة، فألف، فقاف (الطيلسان،) وفي القاموس:
الطاق ما عطف من الأبنية: جمعه طاقات، وطيقان، وضرب من الثياب والطيلسان أو الأخضر،
انتهى، فأخطأ من قال صوابه إطلاق الطيلسان، (فقال ابن القيّم: لم ينقل عنه عَّةٍ؛ أنه لبسه
ولا أحد من أصحابه، بل ثبت في صحيح مسلم من حديث النواس،) بفتح النون والواو
الثقيلة، فألف فمهملة، (ابن سمعان) بن خالد الكلابي أو الأنصاري، الصحابي المشهور، سكن
الشام، له في مسلم والأربعة، (عن النبيّ عَّهِ أنه ذكر الدجال، فقال: ((يخرج ومعه سبعون ألفًا
من يهود أصبهان عليهم الطيالسة))،) جمع طيلسان، كما مرّ، (ورأى أنس جماعة عليهم
الطيالسة) بمسجد البصرة، (فقال: ما أشبههم بيهود خيبر).
أخرجه البخاري عن أبي عمران، قال: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة،
فقال: کأنهم الساعة يهود خيبر.
قال في الفتح: وعند ابن خزيمة، وأبي نعيم، أن أنسًا قال: ما شبّهت الناس اليوم في
المسجد وكثرة الطيالسة إلاَّ بيهود خيبر، والذي يظهر أن يهود خيبر كانوا يكثرون من لبس
الطيالسة، وكان غيرهم من الناس الذين شاهدهم أنس لا يكثرون منها، فشبههم بيهود خيبر،
ولا يلزم منه كراهة لبس الطيالسة، وقيل: أنكر ألوانها؛ لأنها كانت صفرًا، انتهى، وتعقّبه
العيني، فقال: إذا لم يفهم منه الكراهة فما فائدة تشبيهه إياهم باليهود في استعمال الطيالسة،
ومن قال من العلماء: إنه كره ألوانها حتى يعتمد عليه، ومن قال: إن يهود ذلك الزمان كانوا
يستعملون الصفر من الطيالسة وكيف سلّمنا ذلك؟ فلم يكن تشبيه أنس لأجل اللون، وقد روى
الطبراني، عن أُمّ سلمة: ربما صبغ عَّ رداءه وإزاره بزعفران أو ورس، ثم يخرج، انتهى، وهذا

٣٠٨
لطيفة
قال: ومن لههنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود
والحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي علّ أنه قال: من تشبه بقوم فهو
منهم وفي الترمذي: ليس منا من تشبه بغيرنا وأما ما جاء في حديث الهجرة أنه
حَّ. جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه متقنعًا بالهاجرة، فإنما فعله عَّهِ تلك الساعة
ليختفي بذلك للحاجة، ولم يكن عادته التقنع. وقد ذكر أنس عنه عَّ أنه كان
يكثر القناع.
على عادته في التحليل على الحافظ، فمطلق التشبيه لا يستلزم الكراهة للاحتمال الذي
استظهره أنه تشبيه في مطلق المخالفة للناس، وأما إنكاره القول الذي حكاه؛ بأنه لا ألوانها
فمن قصوره أو مكابرة، فمن حفظ حبّة، وأما حديث أُمّ سلمة، فهو لبيان أن نهيه عن التزعفر
للكراهة، لا للتحريم.
(قال) ابن القيّم: (ومن لههنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود
والحاكم في المستدرك،) بإسناد فيه مقال، لكن قال في الفتح: سنده حسن، (عن ابن عمر،
عن النبيّ عَّهِ، أنه قال: ((من تشبّه بقوم،) أي: تزيّا في ظاهره بزيهم، وفي تعرفه بفعلهم، وفي
تخلّقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم، أي: والتشبه حق طابق فيه
الباطن الظاهر، (فهو منهم،) وقيل: معناه من تشبّه بالصالحين وهو من أتباعهم، أكرم كما
یکرمون، ومن تشبه بالفشاق يهان ويخذل.
قال القرطبي: لو خصّ أهل الفسق والمجون بلباس، منع لبسه لغيرهم، فقد يظن به من لا
يعرفه أنه منهم، فيظن به ظنّ السوء، فيأثم الظانّ والمظنون فيه بسبب العون عليه، وعلى التفسير
الأوّل، فالقصد منه الزجر والتنفير لا حقيقة ذلك، إذ التزيي بزي الكفار حرام؛ لإرادة إن لم
يذهب بنحو الزنار للكنيسة.
(وفي الترمذي) وضعفه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: ((ليس منّا،)
أي: من العاملين بهدينا والجارين على منهاج سنتنا (من تشبّه بغيرنا)))) في نحو ملبس وهيئة
ومأكل ومشرب وكلام وترهب وتبتّل، ونحو ذلك.
(وأما ما جاء في حديث الهجرة) في الصحيح؛ (أنه عٍَّ جاء إلى أبي بكر رضي اللَّه
عنه متقنّعًا،) قال الحافظ: أي: مطيلسًا رأسه، وهو أصل في لبس الطيلسان (بالهاجرة،) أي: في
الهاجرة، (فإنما فعله عَِّ تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة، ولم يكن عادته التقنّع،) أي:
تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
(وقد ذكر أنس) فيما رواه الترمذي في الشمائل، والبيهقي عن أنس، (عنه عٍَّ أنه كان
يكثر القناع،) أي: استعماله، إذ هو بكسر القاف أوسع من المقنعة، والمراد تغطية الرأس وأكثر

٣٠٩
لطيفة
وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحر ونحوه. قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي
في شرح تقريب الأسانيد: التقنع معروف وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء
أو نحو ذلك. انتهى.
وقال ابن الحاج في ((المدخل)): وأما قناع الرجل فهو أن يغطى رأسه بردائه
ویرد طرفه علی أحد کتفیه. انتهى.
وأما قول ابن القيم: إنه عليه الصلاة والسلام انا فعل ذلك للحاجة، فيرد عليه
حديث سهل بن سعد أنه عَّةٍ يكثر القناع. رواه البيهقي في الشعب والترمذي،
وللبيهقي في الشعب أيضًا وابن سعد في طبقاته من حديث أنس بلفظ: يكثر التقنع.،
فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم: أنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه لبسه.
الوجه برداء أو غيره، (وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحرّ ونحوه) كالبرد، وفي هذا الحصر
نظر، فقد قيل: سبب إِكثاره؛ أنه قد علاه من الحياء من ربّه ما لم يحصل لبشر قبله ولا بعده،
وما ازداد علمًا باللَّه إلاَّ زاد حياءً، فحياء كل عبد بقدر علمه بربّه، فألجأه ذلك إلى ستر منبع
الحياء ومحله، وهو العين والفم، وهما من الرأس، فالحياء من عمل الروح وسلطانها في الرأس،
ثم هو ينتشر في جميع البدن، فأهل اليقين قد أبصروا بقلوبهم أن اللَّه يراهم، فصارت جميع
الأمور لهم معاينة، فهم يعبدون ربّهم كأنهم يرونه، وكلما شاهدوا عظمته ومنّته زادوا حياء،
فأطرقوا رؤوسهم إجلالاً، وقتّعوها خجلاً، ومن زعم أن المراد بالقناع خرقة تلقّى على الرأس لتقي
العمامة من نحو دنس لم يحم حمل الحمى، بل فمه في البحر، وهو في غاية الظمأ.
(قال شيخ الإسلام، الولي ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد: التقتّع معروف،
وهو تغطية الرأس بطرف العمامة، أو برداء، أو نحو ذلك، انتهى،) وقال السيوطي: هو
التطليس، (وقال ابن الحاج في المدخل: وأما قناع الرجل،) أي: تقتّعه واستعماله، (فهو أن
يغطّي رأسه بردائه، ويردّ طرفه على أخد كتفيه، انتهى،) واحترز به عن قناع المرأة، فإنه خرقة
لطيفة تجعلها على رأسها.
(وأمّا قول ابن القيّم: أنه عليه الصّلاة والسّلام إنما فعل ذلك للحاجة، فيردّ عليه
حديث سهل بن سعد: أنه عٍَّ كان يكثر القناع، رواه البيهقي في الشعب والترمذي،)
بإسناد ضعيف، قاله الحافظ العراقي، (و) لكن له شاهد فــللبيهقي في الشعب أيضًا، وابن
سعد في طبقاته من حديث أنس بلفظ: يكثر التقنع،) ويكثر دهن رأسه، ويسرح لحيته بالماء،
(فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيّم؛ أنه لم ينقل عنه عليه الصّلاة والسلام، أنه لبسه،) وممّا

٣١٠
لطيفة
وأما قوله: ولا أحد من الصحابة، فيرده ما أخرجه الحاكم في المستدرك،
بسند على شرط الشيخين عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله عَّ له يذكر فتنة
فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذٍ على الهدى، فقمت فإذا هو
عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن أبي العلاء قال:
رأيت الحسن بن علي يصلي وهو مقنع رأسه، وأخرج ابن سعد
شابهه قول ابن مسعود: كان إذا نزل عليه الوحي اشتدّ ذلك عليه، وعرفنا ذلك منه، فتنحّى
خلفنا، وجعل يغطّي رأسه بثوبه، فأتانا، فأخبرنا أنه قد أنزل اللَّه عليه: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح/١]
الآية.
وقول ابن عباس: خرج عَّلِ متقنّعًا بثوبه، فقال: ((أيها الناس، إن الناس يكثرون والأنصار
يقلون، فمن ولى منكم أمرًا ينفع فيه أحدًا، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئتهم))، رواهما
أحمد وغيره.
وروى أبو عبيد في الغريب: أنه عَِّ مرّ على إبل سمان، فتقنعٍ بثوبه، ثم قرأ: ﴿لا تمدنّ
عينيك﴾ الآية، وفي طبقات ابن سعد مرسلاً: ذكر الطيلسان لرسول اللّه عَّ له، فقال: ((هذا ثوب
لا يؤدي شكره»، وفيه أحاديث كثيرة.
(وأما قوله: ولا أحد من الصحابة، فيرده ما أخرجه) الترمذي، وصححه (الحاكم في
المستدرك بسند على شرط الشيخين، عن مرّة بن كعب،) أو كعب بن مرّة، كما هو الرواية
وليس شكًا، بل إيماء إلى أنه يقال له: الأمران، وكعب بن مرة قول الأكثر البهزي، السلمي، بضمّ
السين المهملة، وسكن البصرة، ثم الأردن، ومات سنة بضع وخمسين، وحاصله أنه صحابي
واحد، اختلف في أن اسمه كعب، واسم أبيه مرة، أو اسمه مرة وأبوه كعب، ويقال: هما اثنان،
أحدهما الذي سكن البصرة، وروى عنه أهلها، والثاني: سكن الشام؛ كما بيّه في الإصابة بما
يطول.
(قال: سمعت رسول الله عَلَ﴾. يذكر فتنة فقربها،) أي: أشار إلى قرب وقوعها، (فمرّ
رجل مقنع في ثوب،) وفي لفظ: بردائه، (فقال: ((هذا يومئذ،) أي: يوم وقوع الفتنة (على
الهدى)»، فقمت، فإذا هو عثمن بن عفان رضي الله عنه)، فهذا صحابي من أجلاء الصحابة،
تقنع وراء المصطفى كذلك وأقرّه، وروى أبو يعلى وابن عساكر، صعد النبيّ عَّه المنبر،
وأصحابه تحت المنبر، وأبو بكر مقنع في القوم، فهذا خير الصحابة تقنع بحضرة المصطفى
وأقرّه.
وروى ابن عساكر: أن عمر تقنّع في خلافته يوم عيد، (وأخرج سعيد بن منصور في
سننه، عن أبي العلاء، قال: رأيت الحسن بن علي يصلّي وهو مقنع رأسه، وأخرج ابن سعد

٣١١
لطيفة
عن سليمن بن المغيرة قال: رأيت الحسن يلبس الطيالسة، وأخرج عن عمارة بن
زاذان قال: رأيت على الحسن طيلسانًا أَندقيًا.
وأما ما ذكره ابن القيم من قصة اليهود، فقال الحافظ بن حجر: إنما يصلح
الاستدلال به في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في
هذه الأزمنة فصار ذلك داخلاً في عموم المباح، وقد ذكره ابن عبد السلام في
أمثلة البدعة المباحة، وقد يصير من شعار قوم فيصير تركه من الإخلال بالمروءة.
وقيل: إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء. والله أعلم.
عن سليمان بن المغيرة، قال: رأيت الحسن) بن عليّ (يلبس الطيالسة،) بكسر اللام، (وأخرج)
ابن سعد أيضًا (عن عمارة) بضم العين والتخفيف (ابن زاذان،) بزاي وذال منقوطتين،
الصيدلاني، البصري، صدوق، كثير الخطأ، (قال: رأيت على الحسن طيلسانًا أندقيًّا) بفتح
الهمزة، وإهمال الدال، نسبة إلى أندق: قرية بسمرقند، وقرية بمرو؛ كما في القاموس وغيره،
فهؤلاء أربعة من الصحابة تطيلسوا، وأمّا التابعون، فثبت عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن
البصري، أخرجه ابن سعد عنهم، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن المسيّب، عن ابن أبي
شیبة، ومحمد بن واسع عند ابن عساكر، وميمون بن مهران عند ابن أحمد في زوائد الزهد،
وروى البيهقي عن خالد بن حراس، قال: جئت لملك بن أنس، فرأيت عليه طيلسانًا، فقلت: يا أبا
عبد الله هذا شىء أحدثته، أم رأيت الناس عليه؟ قال: لا، بل رأيت الناس عليه، والآثار عن
السلف في ذلك كثيرة.
(وأمّا ما ذكره ابن القيّم من قصة اليهود،) الخارجين مع الدجال ويهود خيبر، (فقال
الحافظ بن حجر: إنما يصلح الاستدلال به في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم،)
خاصّة (وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة، فصار ذلك داخلاً في عموم المباح) ﴿قل من حرّم
زينة الله التي أخرج لعباده﴾ الآية، (وقد ذكره) العزّ (ابن عبد السلام في أمثله البدعة المباحة،)
فأصاب وكفى به حجّة، (وقد يصير من شعار قوم، فيصير تركه من الإخلال بالمروءة،)
فيرتقي عن الإباحة إلى الطلب، (وقيل: إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة؛ لأنها كانت صفراء،)
وقد صح النهي عن الصفرة، ولا ينافيه لبسه عَّةِ المورس؛ لأنه لبيان أن النهي للكراهة فقط،
(والله أعلم) على أن الحافظ السيوطي قال في الأحاديث الحسان بعد كلام: فتبيّ من هذا أن
كل من وقع في كلامه من العلماء كراهة الطيلسان، وكونه شعار اليهود، إنما أراد المقور الذي
على شكل الطرحة، يرسل من وراء الظهر والجانبين من غير إدارة تحت الحنك، ولا إلقاء لطرفيه

٣١٢
فص خاتمه معَّ
وأما الخاتم ففي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله عَّ له اتخذ خاتمًا من
ورق، وكان في يده، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم كان في يد عثمن
حتى وقع في بئر آريس.
على الكفتين، وأما المربع الذي يدار من تحت الحنك ويغطي الرأس وأكثر الوجه، ويجعل طرفاه
على الكتفين، فلا خلاف أنه سنّة، انتهى، ومن خطّه نقلت:
صَّالله
فص خاتمه
(وأما الخاتم، ففي الصحيحين) في اللباس، (عن ابن عمر) بن الخطّاب: (أن
رسول اللَّه عَِّ اتّخذ خاتمًا من ورق) بكسر الراء، وفي رواية: من فضّة، وكان اتّخاذه سنة
سبع؛ كما جزم به ابن سيّد الناس، وجزم غيره؛ بأنه في السادسة، وجمع الحافظ؛ بأنه كان في
أواخر السادسة وأوائل السابعة؛ لأنه إنما اتّخذه لما أراد المكاتبة للملوك في مدّة الهدنة مع قريش،
وكانت في ذي القعدة سنة ستّ، ورجع إلى المدينة في الحجّة، ووجه رسله للملوك في
المحرم، فاتّخذه قبل توجيه الرسل، وكان صانع الخاتم يعلى بن منية، بضم الميم، وسكون
النون، وفتح التحتية، وهو اسم أُمّه، واسم أبيه أُميّة.
روى الدارقطني وغيره عن يعلى بن منية، قال: أنا صنعت للنبيّ عَّه خاتمً لم يشركني فيه
أحد، نقش فيه: محمد رسول اللَّه، (وكان في يده، ثم في يد أبي بكر الصديق، (ثم في يد
عمر،) مدّة خلافتهما، (ثم كان في يد عثمن) ست سنين من خلافته، (حتى وقع) من عثمن؛
كما في رواية البخاري، (في بئر أريس،) بهمزة مفتوحة، فراء مكسورة، فتحتية ساكنة، فسين
مهملة: حديقة بالقرب من مسجد قباء، قال المصنّف: لا تصرف على الأصح.
وقال الكرماني: الأصح الصرف، فأمر عثمن بنزح البئر فلم يوجد، ومعنى كونه في يدهم؛
أنهم كانوا يلبسونه، ففيه كما قال النووي: التبرك بآثار الصالحين ولبس ملابسهم، ويؤيّده رواية
البخاري عن ابن عمر، فلبس الخاتم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمن، حتى وقع من عثمن في بئر
آریس.
وقيل: معنى في يد تصرّف، فلا يلزم منه لبسه، فإنّه كان عند معيتيب، جعله أبو بكر أمينًا
عليه؛ كما رواه أبو داود وغيره، وجمع بأنهم كانوا يلبسونه أحيانًا للتبرّك ومقرّه عند معيقيب.
وفي رواية لمسلم: أنه سقط من معيقيب في بثر أريس، قال الحافظ: وهذا يدلّ على أن
نسبة سقوطه إلى عثمن مجازية أو بالعكس، وأن عثمن طلبه من معيقيب، فختم به شيئًا، واستمرّ
في يده وهو مفكر في شىء يعبث به، فسقط في البئر أو ردّه إليه فسقط منه، والأوّل هو الموافق
لحديث أنس.

٣١٣
فص خاتمه عَّ
..
....
وللنسائي عن ابن عمر: وفي ید عثمن ست سنين، فلما کثرت علیه الكتب دفعه إلى
رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمن، فسقط منه، فالتمس فلم
يوجد، انتهى، فإن كان المراد بالأنصاري معيقيبًا بالمعنى الأعمّ، إذ هو مهاجري، وإلا خالف
رواية مسلم، وزاد في رواية أبي داود والنسائي: فاتّخذ عثمن خاتمًا، ونقش فيه: محمّد
رسول اللَّه، فكان يختم به، وله شاهد من مرسل علي بن الحسين عند ابن سعد في الطبقات.
وفي الصحيح عن أنس: كان خاتم النبيّ ◌َِّ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد
عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمن، جلس في بئر أريس، فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به،
فسقط، فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمن ننزح البئر فلم نجده.
قال الحافظ وغيره: كان ذلك في السنة السابعة من خلافته ومن يومئذ انتقض أمر عثمن،
وخرج عليه الخوارج، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله واتّصلت إلى آخر الزمان، قال
بعض العلماء: فكان في هذا الخاتم النبوي من السرّ شىء مما كان في خاتم سليمن؛ لأنه لما
فقد خاتمه ذهب ملکه.
قال ابن بطال: يؤخذ منه؛ أن قليل المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه والاجتهاد في
تفتيشه، وقد فعل عَّ ذلك لما ضاع عقد عائشة، وحبس الجيش على طلبه حتى وجد، قال
الحافظ: وفيه نظر، فأما عقد عائشة، فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة التي نشأت عنه، وهي
رخصة التيمم، فكيف يقاس عليه غيره، وأما فعل عثمن، فلا حجّة فيه أصلاً؛ لأن الظاهر أنه إنما
بالغ في التفتيش عليه، لكونه أثر النبيّ عَّ﴾ قد لبسه، واستعمله، وختم به، ومثل ذلك يساوي
عادة قدرًا عظيمًا من المال، ولو كان خاتم غيره عَّ لاكتفى في طلبه بدون ذلك، وبالضرورة
يعلم أن المؤنة الحاصلة في الأيام الثلاثة تزيد على قيمة الخاتم، لكن اقتضت صفته عظم قدره،
فلا يقاس عليه ما ضاع من المال اليسر، انتهى.
والثاني واضح، وأما الأوّل، فإقامة النبيّ عَِّ على التماس العقد لم تكن لترقّب الثمرة،
ففيه الحجّة.
قال ابن بطال: وفيه أن فعل الصالحين العبث بخواتيمهم وما يكون بأيديهم، وليس ذلك
غائب لهم.
قال الحافظ: وإنما كان ذلك، لأن ذلك من مثلهم إنما ينشأ عن فكر، وفكرتهم إنما هي في
الخير.
قال الكرماني: معنى يعبث به يحرّمه أو يخرجه من أصبعه، ثم يدخله فيها، وذلك صورة
العبث.

٣١٤
فص خاتمه عَـ
وفيهما أيضًا عن أنس بن لملك أن النبي عَّ لبس خاتم فضة فيه فص
حبشي، وكان يجعل فصه مما يلي كفه.
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي والبزار في مسنده عن بريدة أن النبي عَّه.
رأى في يد رجل خاتمًا من حديد، فقال مالي أجد منك ريح الأصنام، ثم قال له:
اتخذه من فضة ولا تزده على مثقال.
وقد اختلف العلماء في لبسه في الجملة، فأباحه كثير من أهل العلم من
غیر کراهة،
(وفيهما،) أي: الصحيحين (أيضًا عن أنس بن مالك: أن النبيّ عَُّ لبس خاتم فضّة، فيه
فصّ حبشي،) أي: حجر من الحبشة جزع أو عقيق، (وكان يجعل فصّه مما يلي كفّه؛) لأنه
أبعد عن الزهو والإعجاب ليقتدى به، لكن لما لم يأمر به، جاز جعله في ظاهر الكفّ، وقد عمل
السلف بالوجهين والكفّ، مؤنثة سميت بذلك؛ لأنها تكف، أي: تدفع عن البدن، وقد تسمع
المصنف في العزّ وللصحيحين، فالذي في البخاري عن أنس: کان خاتمه من فضة، فصّه منه،
وفي مسلم: كان فصّه حبشيًّا، ويأتي للمصنف الإفصاح بذلك، وأما وكان يجعل فصّه ... الخ،
فاتّفقا عليه من حديث ابن عمر في خاتم الذهب، لا أنس في الفضة.
(وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي،) وأبو داود، (والبزار في مسنده، عن بريدة) بن
الحصيب بمهملتين، مصغّر، كبريدة؛ (أن النبيّ عَّةٍ رأى في يد رجل خاتماً من حديد، فقال:
(ما لي أجد،) أي: أشمّ مجازًا أو (منك))) بمعنى عندك (ريح الأصنام))؟) كذا في النسخ وفيها
سقط، فالمروي عند الجماعة المذكورين: أنه رأى رجلاً جاءه، وعليه خاتم من أهل الناصر،
فطرحه، الحديث، وشبّه، بفتح المعجمة، والموحدة ضرب من النحاس.
قال الخطابي: إنما قال ذلك، لأن الأصنام كانت تتّخذ منه، وقوله: حلية أهل النار، أي:
زيّ الكفار، فكرهه لذلك أو لرائحته، (ثم قال له) بعد ما جاءه، وعليه خاتم من ذهب، فقال:
((ما لي أرى عليك حلية أهل الجنّة)) فطرحه، وقال: يا رسول اللَّه! من أي: شىء أتّخذه؟ قال:
(اتّخذه من فضّة،) وفي رواية: من ورق، (ولا تزده على مثقال))،) وفي رواية: ولا تتمه مثقالاً،
بکسر، فسكون درهم وثلاثة أسباع درهم.
قال ابن الأثير: وهو في الأصل مقدار من الوزن، أي: شىء كان قلّ أو كثر، فمعنى مثقال
ذرة: وزنها، (وقد اختلف العلماء في) جواز (لبسه،) أي: الخاتم، (في الجملة، فأباحه كثير
من أهل العلم من غير كراهة،) ولو مع قصد زينة على ظاهره؛ لأن قصده لا يمنع اتّباع السنّة

٣١٥
فص خاتمه عَـ
ومنهم من كرهه إذ قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذي سلطان، لحديث أبي
داود والنسائي عن أبي ريحانة أن النبي عَّهُ نهى عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان.
ولأنه عليه الصلاة والسلام إنما اتخذه لحاجة ختم الكتب التي يبعثها إلى الملوك،
كما في حديث أنس أنه عَّ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل له إنهم
لا يقبلون كتابًا إلا بختم فصاغ خاتماً ونقش فيه: محمد رسول الله، وإنما لبسه أبو
بكر لأجل ولايته، فإنه كان يحتاج إليه كما كان النبي عَّه يحتاج إليه وكذلك
عمر وعثمن.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقًا، ولو لذي
سلطان احتجاجًا بحديث أنس أنه عَّ نبذه ولم يلبسه. وفي الشمائل للترمذي عن
ابن عمر أنه مَِّ اتخذ خاتماً من فضة فكان يختم به .
في أصل لبسه، (ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة،) لأنه قصد سيء، (ومنهم من كرهه إلا
لذي سلطان،) سلطنة عظمى فما دونها؛ (لحديث أبي داود والنسائي، عن أبي ريحانة)
شمعون، بفتح المعجمة، وعين مهملة، ويقال: معجمة، ابن زيد حليف الأنصار، ويقال: مولى
النبيّ عَّه، صحابي، شهد فتح دمشق، وقدم مصر، وسكن بيت المقدس، (أن النبيّ عَّه نهى
عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان،) أي: من له سلطنة على شىء ما بحيث يحتاج إلى الختم به،
لا السلطان الأكبر، خاصة ولا حجّة فيه؛ لأنه ضعيف، كما يأتي، (ولأنه عليه الصّلاة والسّلام
إنّما اتّخذه لحاجة ختم الكتب التي يبعثها إلى الملوك؛ كما في حديث أنس) في
الصحيحين: (أُنه ◌َّ كتب إلى كسرى) ملك الفرس، (وقيصر) ملك الروم، (والنجاشي)
ملك الحبشة، (فقيل له:) وعند ابن سعد، فقالت له قريش: (إنهم لا يقبلون كتابًا إلاَّ بختم)
عليه، صونًا للأسرار أن تنتشر، وصيانة للتدبير أن لا ينخرم، (فصاغ خاتمًا،) أي: أمر بصياغته إذ
الصائغ يعلى ابن منية؛ كما مرّ، (ونقش فيه: محمد رسول اللَّه) ثلاثة أسطر، كما يأتي، (وإنما
لبسه أبو بكر لأجل ولايته) الخلافة، (فإنه كان يحتاج إليه) لختم الأمثلة، والأحكام، والرسائل
إلى أمراء الأمصار، وغير ذلك، (كما كان النبيّ عَّةٍ يحتاج إليه، وكذلك عمر وعثمن) كانا
يحتاجان إليه، (وحكى ابن عبد البرّ عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقًا، ولو لذي سلطان
إحتجاجًا بحديث أنس: أنه عَِّ نبذه ولم يلبسه).
(وفي الشمائل للترمذي عن ابن عمر: أنه عَّ اتّخذ،) أي: اقتنى (خاتمًا من فضّة،
فكان يختم به) الكتب التي يرسلها للملوك، (ولا يلبسه،) ويأتي الجواب عن هذا للمصنف؛ بأنه

٣١٦
فص خاتمه عَّ
ولا يلبسه. وفي الصحيحين من حديث أنس أنه رأى في يده عَِّ خاتمًا من ورق
يومًا واحدًا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح
رسول الله عَّ خاتمه فطرح الناس خواتيمهم.
والصواب: القول الأول، فإن لبس النبي عَّةِ الخاتم إنما كان في الأصل
لأجل المصلحة لختم الكتب التي يرسلها إلى الملوك، ثم استدام لبسه ولبسه
أصحابه معه، ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدل ذلك على الإباحة المجردة.
لعله الذي كان من حديد، ملوي عليه فضّة، وأجيب أيضًا؛ بأنه المراد بنفي اللبس على الدوام،
أي: لا يلبسه دائمًا، بل غبًّا، فلا ينافي خبر: كان يلبسه في يمينه، ولا خبر: كان إذا دخل الخلاء
نزع خاتمة، ونحو ذلك، وبأن له خاتمين للختم، وهو الذي كان لا يلبسه، والثاني: كان يلبسه، أو
المراد لم يلبسه، أوّلاً حين اتّخذه للختم، ثم لبسه إشارة إلى أنه اتّخذه آلة تستعمل، وبأن معناه
لم يلبسه حين الختم، كما يفعله الأعاجم، يختمون وهم لا بسون للخاتم، واستبعد (وفي
الصحيحين من حديث) ابن شهاب، قال: حدّثني (أنس) بن لملك؛ (أنه رأى في يده مَِّ خاتمًاً
من ورق،) أي: فضّة (يومًا واحدًا،) وللنسائي عن ابن عمر: اتّخذ النبيّ حَّ لِ خاتمًا من ذهب،
فلبسه ثلاثة أيّام، فإن قلنا: إن قوله من ورق سهو، وصوابه من ذهب، فيجمع بأن قول أنس: يومًا
واحدًا ظرف لرؤية أنس، لا لمدة اللبس، وقول ابن عمر: ثلاثة أيّام ظرف لمدة اللبس، وإن قلنا:
لا وهم فيها، جمعنا بأن مدّة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيّام، ومدّة خاتم الفضّة يوم واحد؛ كما قال
أنس، ولا ينافيه رواية البخاري أيضًا: سئل أنس: هل اتّخذ النبيّ عَّةِ خاتمًا؟ قال: أخّر ليلة صلاة
العشاء، إلى أن قال: فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه؛ لحمله على أنه رآه في تلك الليلة كذلك،
واستمرّ في يده بقية يومها، ثم طرحه في آخر ذلك اليوم، ذكره الحافظ، (ثم إن الناس اصطنعوا
الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول اللَّه عَّ خاتمه) حين رآهم اتّخذوا خواتيم للزينة، أو
لكونهم شاركوه، (فطرح الناس خواتيمهم) التي نقشوها على نقشه، وحينئذ عاد عَّ له، فلبسه
حتی مات.
(والصواب: القول الأوّل،) وهو الإباحة لذي سلطان وغيره، (فإن لبس النبيّ ءُ
الخاتم إنما كان في الأصل لأجل المصلحة لختم الكتب التي يرسلها إلى الملوك، ثم
استدام لبسه،) وذلك ظاهر في الجواز المطلق، (ولبسه أصحابه معه،) ولم يكونوا أصحاب
سلطنة، (ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدلّ ذلك على الإباحة المجردة) عن الحاجة
للحتم به.

٣١٧
فص خاتمه عٌـ
وأما حديث النهي عن الخاتم إلا لذي سلطان فقال ابن رجب: ذكر بعض
أصحابنا أن أحمد ضعفه.
وأما ما جاء في حديث الزهري عن أنس أنه عٍَّ لبسه يومًا واحدًا ثم ألقاه.
فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه وهم من الزهري، وسهو جرى على لسانه لفظ الورق، وإنما الذي
لبسه يومًا واحدًا ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه في حديث
ابن عمر وأنس أيضًا.
(وأمّا حديث النهي عن الخاتم لا لذي سلطان، فقال ابن رجب) الحافظ، عبد الرحمن،
الشهير، الحنبلي: (ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعّفه،) وهو من أئمة الحديث، فلا حجّة فيه،
وفي فتح الباري: وقد سئل لملك عن حديث أبي ريحانة، فضعفه وقال: سأل صدقة ابن يسار
سعيد بن المسيّب، فقال: البس الخاتم، وأخبر الناس أني قد أفنيتك، انتهى.
(وأمّا ما جاء في حديث الزهري، عن أنس) المذكور، عن الصحيحين قريبًا: (أنه معَّه.
لبسه يومًا واحدًا، ثم ألقاه، فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة، أحدها: أنه وهم) غلط (من الزهري)
على جلالته واتقانه، (وسهو جرى على لسانه لفظ الورق،) فعبّر به، (وإنما الذي لبسه يومًا
واحدًا، ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه،) أي: أزيد من طريق (في
حديث ابن عمر وأنس أيضًا) الذي رواه هو عنه، وهذا الجواب نقله القاضي عياض عن جميع
أهل الحديث، وتبعه النووي.
وقال الكرماني: لا يجوز توهيم الراوي إذا أمكن الجمع، وليس في الحديث أن الخاتم
المطروح كان من ورق، بل هو مطلق، فيحمل على خاتم الذهب، أو على ما نقش عليه نقش
خاتمه، أي: الذي اتّخذه ليختم به إلى الملوك، لئلا تفوت مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك
ويحصل الخلل، فيكون طرحه له غضب ممن تشبّه به في ذلك النقش، فطرح الناس خواتيمهم
التي نقشوها على نقشه، فعاد، فلبسه حتى مات، أنتهى.
والثاني محتمل، وأمّا الأوّل فبعيد جدًا، إذ قوله: فطرح خاتمه بعد قوله: من ورق، ظاهر أنه
المراد لا الذهب على أنه مسبوق بهذا، قال الحافظ: وحاصله أنه جعل الموصوف في قوله:
فطرح خاتمه، وطرحوا خواتيمهم، خاتم الذهب، وإن لم يجرِ له ذكر.
قال عياض: وهذا يسوغ لو جاءت الرواية مجملة، ورواية ابن شهاب لا تحتمل هذا
التأويل، وأما النووي فارتضاه، وقال: هذا هو التأويل الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه.

٣١٨
فص خاتمه عليه
الثاني: أن الخاتم الذي رمى به عليه الصلاة والسلام لم يكن كله فضة،
وإنما كان حديدًا عليه فضة، وروى أبو داود عن معيقيب الصحابي - وكان على
خاتم النبي عَّه - قال: كان خاتم النبي عٍَّ من حديث ملوي عليه فضة. فلعل هذا
هو الذي لبسه يومًا واحدًا ثم طرحه، ولعله هو الذي كان يختم به ولا يلبسه.
الثالث: إن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم
لما رأوه قد لبسه فبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة.
ثم إن الخاتم يكون تارة من فضة، وتارة من ذهب، وتارة من حديد، وتارة
من صفر ورصاص أو نحوها، وتارة من عقيق:
فأما الذهب ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: نهانا رسول الله عَ اليه.
و(الثاني: أن الخاتم الذي رمى به عليه الصّلاة والسّلام لم يكن كلّه فضّة، وإنما كان
حديدًا عليه فضّة، و) يدلّ على ذلك؛ أنه قد (روى أبو داود عن معيقيب،) بضم الميم، وفتح
العين المهملة، ثم إسكان التحتية، ثم قاف مكسورة، ثم مثله تحت أخرى ساكنة، ثم موحّدة،
(الصحابي) ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر
الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لأبي بكر وعمر، وتوفي في آخر خلافة عثمن،
وقيل: في خلافة عليّ سنة أربعين وله عقب، وكان به جذام، (وكان على خاتم النبيّ عَّهُ،
قال: كان خاتم النبيّ عٍَّ من حديد، ملوي عليه فضّة،) وإسناد هذا الحديث جيّد، كما يأتي،
(فلعلّ هذا هو الذي لبسه يومًا واحدًا، ثم طرحه) وأطلق عليه أنه من ورق؛ لكون بعضه منه،
فلا وهم، (ولعلّه هو الذي كان يختم به ولا يلبسه،) واستبعد باقتضائه تعدّد الخاتم، وأجيب بأنه
ضروري حتى لا تتخالف الروايات.
(الثالث: أن طرحه إنما كان لئلاّ يظنّ أنه ستّة مسئونة، فإنهم اتّخذوا الخواتيم لما
رأوه قد لبسه، فبيّ بطرحه أنه ليس بمشروع،) أي: واجب، (ولا سنّة،) بل مباح، (ثم إن
الخاتم) من حيث هو لا بالنظر؛ لخصوص ما لبسه المصطفى، (يكون تارة من فضّة، وتارة من
ذهب، وتارة من حديد، وتارة من صفر،) بضم، فسكون: صنف من جيّد النحاس، (ورصاص،)
ولم يفصح به فيما يأتي (أو نحوها،) كالمتّخذ من ياقوت، (وتارة من عقيق، فأمّا الذهب،)
أي: حکمه من جواز وعدمه.
(ففي الصحيحين) من جملة حديث طويل، (عن البراء بن عازب، قال: نهانا رسول اللَّه عَلّ.

٣١٩
فص خاتمه عـ
عن خاتم الذهب وآنية الفضة. وفيهما عن أبي هريرة عن النبي عَّهِ: أنه نهى عن
خاتم الذهب، وفيهما أيضًا عن ابن عمر أنه عَِّ اتخذ خاتماً من ذهب فجعله في
يمينه وجعل فصه مما يلي باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد
رسول الله عَّ ◌ُلِّ المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب.
وهو مذهب الأئمة الأربعة: لملك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء
رضي الله عنهم.
ورخصت فيه طائفة منهم إسحق بن راهويه وقال: مات خمسة من أصحابه
عليه الصلاة والسلام وخواتيمهم من ذهب. قال مصعب بن سعد: رأيت على طلحة
وسعد وصهيب خواتيم الذهب. وعن حمزة بن أبي أسيد
عن خاتم الذهب،) أي: عن لبسه، (وآنية الفضّة،) ذكر هذا لا قصدًا، بل لاشتمال الحدیث علیه،
(وفيهما) أيضًا في كتاب اللباس، والنسائي في الزينة، (عن أبي هريرة عن النبيّ عَّةٍ؛ أنه نهى)
الرجال نهي تحريم (عن) لبس (خاتم الذهب، وفيهما أيضًا) في اللباس، (عن ابن عُمر) عبد الله:
(أنه مَِّ اتّخذ خاتمًا من ذهب،) أي: أمر بصياغته، فصيغ له، أو وجده مصوغًا، فاتّخذه ولبسه،
(فجعله في يمينه، وجعل فصّه مما يلي باطن كفّه؛) لأنه أبعد من الزينة، ولا عجاب وأصون للفصّ،
لكن لما لم يأمر بذلك، جاز جعله في ظاهر الكفّ، وقد عمل السلف بالوجهين، (فاتّخذ الناس
خواتيم الذهب،) أي: صاغوها مثل خاتمه، (قال) البراء: (فصعد رسول اللَّه عَِّ المنبر، فألقاه) فعل
ذلك زيادة في إظهار تجنّبه، (ونهى عن التختّم بالذهب،) ولم يقتصر على الإلقاء؛ لأنه بمجرّده لا
يدلّ على الحرمة، ولم يقل نهى عنه لئلاّ يتوهّم عود الضمير على خصوص الخاتم الذي ألقاه، (وهو،)
أي: التحريم المستفاد من النهي (مذهب الأئمة الأربعة: ملك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد)
ذكرهم بعد قوله الأربعة تبرّكًا، (وأكثر العلماء رضي الله عنهم، ورخّصت:) سهّلت (فيه طائفة) من
بين أنواع ما يتّخذ من ذهب، (منهم إسحق بن راهويه، وقال: مات خمسة من أصحابه عليه الصّلاة
والسّلام وخواتيمهم من ذهب،) وفصلهم بقوله: (قال مصعب بن سعد،) ابن أبي وقاص الزهري،
المدني، ثقة من رجال الجميع، مات سنة ثلاث ومائة: (رأيت على طلحة) بن عبيد الله، (وسعد)
بن أبي وقاص ملك الزهري، (وصهيب) بن سنان، أحد السابقين، (خواتيم الذهب).
(وعن حمزة بن أبي أُسيد،) بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، الأنصاري، الساعدي،
المدني، صدوق، روى له البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، (والزبير بن المنذر بن أبي أُسيد،)
وقد ينسب إلى جدّه صدوق، روى له البخاري؛ (أنهما نزعا من يد أبي أُسيد،) لملك بن ربيعة،

٣٢٠
فص خاتمه علَ
والزبير بن المنذر بن أبي أسيد أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتماً من ذهب حين
مات، وكان بدريًا، رواهما البخاري في تاريخه. وروى النسائي عن سعيد بن
المسيب قال: قال عثمن لصهيب ما لي أرى عليك خاتم الذهب فقال: قد رآه من
هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله عَ ليه
وأما خاتم الفضة، فأباحه كثير من العلماء، ولبسه النبي عَّةٍ وجماعة من
الصحابة.
......
قال الرافعي: يجوز للرجل التختم بالفضة، وكذا قال النووي في
شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاثين، وقيل: بعد ذلك، حتى قال المدائني: مات سنة ستّين،
قال: وهو آخر من مات من البدريّين. (خاتمًا من ذهب حين مات، وكان بدريًّا،) والظاهر أنهم لم
يبلغهم النهي، أو حملوه على التنزيه، (رواهما،) أي: قول مصعب، وقول حمزة مع الزبير،
(البخاري في تاريخه، وروى النسائي عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عثمن لصهيب: ما لي
أرى عليك خاتم الذهب؟ فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟) استفهمه
لاحتمال أنه أراد العمرين أو أحدهما، (قال: رسول اللَّه عَّه:) والظاهر أنه رآه قبل النهي، ثم
يحتمل أنه بلغه أو حمله على التنزيه، فهؤلاء أربعة، ولم يذكر المصنف الخامس، وذكره
الحافظ، فقال: وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء الذي روى النهي، فأخرج ابن أبي شيبة
بسند صحيح عن أبي السفر، قال: رأيت على البراء خاتماً من ذهب، وعن شعبة، عن أبي إسحق
نحوه، أخرجه البغوي في الجعديات، وأخرج أحمد من طريق محمّد بن ملك، قال: رأيت على
البراء خاتماً.
قال الحازمي: إسناده ليس بذاك، ولو صحّ فهو منسوخ، قلت: لو ثبت النسخ عند البراء ما
لبسه بعد النبيّ عَّةٍ، وقد روى حديث النهي المتّفق على صحّته عنه، فالجمع بين روايته وفعله
إما بأن يكون حمل النهي على التنزيه، أو فهم الخصوصية له من قوله: ((البس ما كساك اللَّه
ورسوله))، وهذا أولى من قول الحازمي: لعل البراء لم يبلغه النهي، ويؤيّده الاحتمال الثاني: أن في
رواية أحمد: كان الناس يقولون للبراء لم تتختم بالذهب، وقد نهى عنه رسول اللَّه عَّله، فيذكر
لهم هذا الحديث، ثم يقول: كيف تأمروني أن أضيع ما قال رسول اللَّه عَّه: ((البس ما كساك
الله ورسوله))، انتھی.
(وأما خاتم الفضّة، فأباحه كثير من العلماء) إباحة مستوية الطرفين، فلا ينافي حكاية
غيره الإجماع على الجواز؛ لأنه يصدق بالكراهة التي قال بها بعضهم، (ولبسه النبيّ عَّة.
وجماعة من أصحابه، قال الرافعي: يجوز للرجل التختّم بالفضة، وكذا قال النووي في