Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
الغيرى فيما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب
الذي أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا، إن
الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. انتهى.
وعن عائشة رضي الله عنها: أتيت النبي عَّهِ بخريزة طبختها له، وقلت
لسودة - والنبي عَيُّ بيني وبينها -: كلي، فأبت، فقلت لها؛ كلي، فأبت، فقلت
لها: لتأكلين أو لألطخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها
وجهها فضحك رسول الله عَّ له فوضع فخذه لها وقال لسودة الطخي وجهها،
فلطخت: بها وجهي فضحك عَّ الحديث رواه ابن غيرن من حديث الهاشمي
وأخرجه الملاء في سيرته.
إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرى، فيما يصدر،) يقع (منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها
محجوباً، بشدة الغضب الذي أثارته) حركته، (الغيرة،) بفتح المعجمة، وسكون التحتية، وراء،
مصدر غار، مشتقة من تغير القلب، وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد
ما يكون بين الزوجين، (وقد أخرج أبو يعلى بسند، لا بأس به، عن عائشة مرفوعًا أن) المرأة
(الغيرى،) يقال: امرأة غيور، وغيرى، (لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه،) فقد تهلك بسبب ذلك،
وقد كتب اللَّه ذلك عليهن روى البزار، والطبراني عن ابن مسعود: كنت جالسًا مع النبي ◌َّة،
ومعه أصحابه، إذ أقبلت امرأة عريانة، فقام إليها رجل، فألقي عليها ثوبًا، وضمها إليه، فتغير وجهه
عَّة، فقال بعض جلسائه: حسبها امرأته، فقال عَّه: «أحسبها غيرى، إن اللَّه كتب الغيرة على
النساء، والجهاد علی الرجال، فمن صبر منهن کان له أجر شھید»، انتھی.
(وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أتيت النبي عَ لّ بخزيرة(،) بخاء، وزاي معجمتين، فياء، فراء،
فتاء تأنيث (طبختها له، وقلت لسودة) أم المؤمنين، (والنبي ◌َّه بيني، وبينها كلي، فأبت،
فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لأَلطخن بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في
الخزيرة، فلطخت بها وجهها،) بالتخفيف، وتشدد مبالغة، (فضحك رسول اللَّه عَ لَّهِ، فوضع
فخذه لها، وقال لسودة: الطخي وجهها) قصاصًا، (فلطخت بها وجهي، فضحك رسول اللَّه عَّةٍ،
الحديث، رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي، وأخرجه الملاء،) بفتح الميم، وشد اللام،
والإِمام الزاهد عمر الموصلي (في سيرته،) كان إمامًا عظيمًا ناسكًا، يملأ من بثر بجامع الموصل
احتسابًا، وكان السلطان نور الدين الشهيد يعتمد قوله، ويقبل شهادته، ذكره الشامي في فضائل
آل البيت من سيرته، (والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذر

٦٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق.
وبالجملة؛ فمن تأمل سيرته عليه الصلاة والسلام مع أهله وأصحابه وغيرهم
من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب
ولينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد في حدود الله وحقوقه
ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك.
وقد كان عَّ له يباسط أصحابه بما يولج حبه في القلوب، كان له رجل من
البادية يسمى زهيرًا، وكان يهادي النبي طَّةٍ بموجود البادية، بما يستطرف منها، وكان
عځ يهادیه ویکافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها،
عليه الدقيق،) ويأتي فيه للمصنف كلام طويل في الأكل النبوي، (وبالجملة، فمن تأمل سيرته
عليه الصلاة والسلام مع أهله، وأصحابه، وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل والأضياف،
والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه، الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق،) أي:
لا يصل أحد بعده إليها، (وإن كان يشتد في حدود اللَّه، وحقوقه، ودينه، حتى قطع يد السارق
إلى غير ذلك،) كحد الزاني، (وقد) للتحقيق (كان مَّة يباسط) يلاطف (أصحابه) بالقول
والفعل، (بما يولج،) يدخل (حبه في القلوب،) تطمينًا لهم، وتقوية لإِيمانهم، وتعليمًا لهم أن
يباسطوا بعضهم بعضًا، لأنهم إذا رأوا ذلك من أكمل الخلق، وأفضلهم، وقد علموا قوله تعالى:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب/ ٢١] الآية، اطمأنت قلوبهم على فعل
ذلك مع بعضهم.
(كان له رجل من البادية يسمى زهيرًا،) الذي في الشمائل، وغيرها زاهرًا، وكذا بخط ابن
الجوزي، والشامي، وفي الإصابة زاهر بن حرام الأشجعي، قال ابن عبد البر: شهد بدرًا، ولم يوافق
عليه، وقيل أنه تصحف عليه، لأنه وصف بكونه بدويًا حرام والده، يقال: بالفتح، والراء، ويقال
بالكسر والزاي، ووقع في رواية عبد الرزاق بالشك، انتهى.
فإن صحت رواية بتصغيره، أمكن أنه خوطب تحببًا، وملاطفة، واسمه الأصلي زاهر، وفي
رواية أحمد، وغيره، وتصغيره على أزيهر، (وكان يهادي النبي عَّةٍ)، أي: يهدي، فالمفاعلة
مستعملة في أصل الفعل، لأنه علق مهاداته (بموجود البادية) ،أي: ما يوجد حسنًا، من ثمارها،
وزهورها، (بما يستطرف،) بالطاء المهملة، يستملح (منها،) بدل مما قبله، لأن موجودها حسن،
وغيره، (وكان مَّ يهاديه، ويكافئه))) عطف علة على معلول، أي: يهاديه مكافأة له على هديته،
(بموجود الحاضرة، وبما يستطرف منها،) كذا في نسخ، بواو عطف التفسير، وفي نسخة، بلا واو

٦٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وكان عَِّ يقول: زهير باديتنا، ونحن حاضرته، وكان عَّ لُه يحبه، فمشى عَّهِ يومًا
إلى السوق فوجده قائمًا، فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره فأحس زهير
بأنه رسول الله عَّهِ، قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته.
وفي رواية الترمذي في الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال
أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي عَّ فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر
النبي عَّ حين عرفه، فجعل رسول الله عَّالله يقول: من يشتري
على البدل، (وكان عَّهِ، يقول: ((زهير باديتنا)))، أي: ساكنها، وإذا تذكرناها سكن قلبنا برؤيته، أو
نستفيد منه ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار، وصنوف النبات، فكأنه صار باديتنا، وإذا
احتجنا متاع البادية جاء به لنا، فأغنانا عن السفر إليها، فالتاء على هذه الوجوه للتأنيث، لأنه
الأصل، ويحتمل أن التاء للمبالغة، أي: بادينا، كما ورد، كذلك، قيل، وهو أظهر، أو المراد
حقيقتها التي هي خلاف الحاضرة، ويحتمل أنه من إطلاق اسم المحل، وهو البادية على الحال،
وهو ساكنها، (ونحن حاضرته))) أي: يصل إليه منا ما يحتاج إليه، مما في الحاضرة، أو لا يقصد
بمجيئه إلى الحضر إلاَّ مخالطتنا، وتوقف بعض في الأول؛ بأن المنعم لا يليق به ذكر إنعامه، منع؛
بأنه ليس من ذكر المن بالأنعام في شيء، بل إرشاد إلى مقابلة الهدية بمثلها، أو أفضل.
(وكان عَّ يحبه، فمشى ◌ٍَّ يومًا إلى السوق) لحاجته، لا لمحبته، فهو توطئة لقوله:
(فوجده قائمًا،) يبيع متاعه، (فجاءه من قبل،) بكسر ففتح، جهة (ظهره،) تفريع على قوله يحبه،
(وضمه بيده إلى صدره، فأحس زهير؛ بأنه رسول اللَّه عَّله) أي: أدرك ذلك بطريق من الطرق،
(قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء)، حصول (بركته، وفي رواية الترمذي في
الشمائل،) من طريق ثابت عن أنس؛ أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يهدي إلى
النبي عَُّ هدية من البادية، فيجهزه النبي عَّ﴾. إذا أراد أن يخرج، فقال عَّة: ((إن زاهرًا باديتنا،
ونحن حاضروه)؛ وكان رسول الله عَِّ يحبه، وكان رجلاً دميمًا، فأتاه النبي صَّهِ، وهو يبيع
متاعه، (فاحتضنه))) أي: أدخله في حضنه، وهو ما دون الإِبط إلى الكشح بزنة فلس، ما بين
الحاضرة إلى الضلع (من خلفه،) أي: جاء من ورائه، وأدخل يده تحت إبطي زاهر، فاعتنقه،
(ولا يبصره،) جملة حالية، (فقال: أرسلني من هذا) أي خلني، واطلقني، (فالتفت،) سقط من
بعض نسخ الشمائل، (فعرف النبي) القياس، فعرف أنه النبي (عَّةِ، فجعل، لا يألوا،) لا يترك،
ولا يقصر، (ما) مصدرية، (ألصق ظهره،) أي: لا يقصر في إلصاق ظهره، (بصدر النبي عٌَّ،)
تبركًا، وتلذذًا، وتحصيلاً لثمرات ذلك الإلصاق، من الكمالات الناشئة عنه (حين عرفه،) کرره
اهتمامًا بشأنه، وإيماءً إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلاَّ معرفته، (فجعل رسول اللَّه عَله، يقول:

٦٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
العبد، فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدني كاسدًا، فقال له عَُّله: أنت عند الله
غال، وفي رواية الترمذي أيضًا: لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله
غال.
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلاً كان يهدي للنبي عَّةِ العكة من
السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي عَظّ فقال: أعط هذا
متاعه، فما يزيد النبي عَّهِ على أن يتبسم، ويأمر به فيعطى.
ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة
طرفة إلا
((من يشتري العبد))،) أي: من يشتري مثله في الدمامة، أو يستبدله مني؛ بأن يأتي بمثله، فلما فعل
ذلك معه ملاطفة، نزله منزلة العبد، أو من يقابل هذا العبد، الذي هو عبد اللَّه بالإكرام، والتعظيم،
أو أراد التعريض له؛ بأنه ينبغي أن يشتري نفسه من اللَّه، ببذلها فيما يرضيه، وفيهما تكلف.
(فقال له زهير: يا رسول اللَّه إذن))) أي: إذا بعتني (تجدني كاسدًا) رخيصًا، لا يرغب في
أحد، لدمامتي، وقبح منظري، فأذن جواب شرط محذوف، ويجوز أن أذن للظرفية، والتنوين عوض
عن الجملة المحذوفة، أي: إذا كنت عبدًا تبيعني، لكن هذا قليل، فلذا اقتصر الشراج على ما قبله،
(فقال له عَّ: ((أنت عند اللَّه غالٍ)).) بغين معجمة، رفيع القدر عنده، وإن كسد في الدنيا لقبح
منظره، ومن أول قوله، فقال له زهير: أتى به من الرواية الأولى التي لم يعزها، ثم عاد لرواية
الشمائل، فقال: (وفي رواية الترمذي أيضًا) بقية الرواية السابقة، فقال: يا رسول اللَّه إذن، والله
تجدني كاسدًا، فقال النبي عَِّ (لكن عند اللَّه لست بكاسد، أو) شك من الراوي، (قال: ((أنت
عند اللَّه غالٍ) ببركة محبته عَِّ، فالصورة، لا يلتفت إليها؛ إن اللَّه، لا ينظر إلى صوركم، ولكن
ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم))، (وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم،) العدوي، مولى عمر المدني،
ثقة، عالم، من رجال الجميع، كان يرسل (أن رجلاً) هو عبد اللَّه، الملقب بحمار، بلفظ الحيوان
المعروف، كما في الإصابة عن أبي يعلى نفسه، (كان يهدي للنبي عَّ العكة من السمن) تارة،
(والعسل) أخرى، ويحتمل أنهما مخلوطين، كما هو شأن العرب كثيرًا، (فإذا جاء صاحبه
يتقاضاه،) أي: يطلبه، (جاء به إلى النبي عَّةٍ، فقال: أعط هذا متاعه،) أي: ثمنه، كما في
الرواية اللاحقة، (فما يزيد النبي عَّةٍ على أن يتبسم) تعجبًا، (ويأمر به، فيعطى) لثمن.
(ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم،) الأنصاري، المدني له رؤية، وليس له سماع
إلاَّ من الصحابة، قتل يوم الحرة، سنة ثلاث وستين، (وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلاَّ

٦٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب
ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: ألم تهده لي فيقول ليس عندي،
فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وكان عَِّ يمزح
اشترى منها،) فليست هديته قاصرة على السمن والعسل، (ثم جاء، فقال: يا رسول اللَّه هذا
أهديته لك،) أي: حملته لك، كما تحمل الهدية، فلا يرد كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك، (فإذا
جاء صاحبه يطلب ثمنه، جاء به، فيقول: أعط هذا الثمن، فيقول) عَّهِ: ((ألم تهده لي))؟،)
استفهام تقريري، (فيقول ليس عندي) ما أهديه، وإنما أتيت به، أريد ثمنه لمالكه، (فيضحك،
ويأمر لصاحبه بثمنه،) هكذا مشاه شيخنا، وهو خلاف الظاهر، ولذا قال بعض المحققين من
شراح الشمايل: كان هذا الصحابي رضي الله عنه، من كمال محبته للنبي عَِّ، كلما رأى طرفة
أعجبته اشتراها، وآثره بها، وأهداها إليه على نية إداء ثمنها، إذا حصل لديه، فلما عجز صار،
كالمكاتب، فرجع إلى مولاه، وأبدى إليه جميع ما أولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم،
فرجع بالمطالبة إلى سيده، ففعله هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق، انتهى.
وقع نحو ذلك للنعيمان بالتصغير، ابن عمرو بن رفاعة الأنصاري، ذكر الزبير بن بكار في
كتاب الفكاهة، والمزاج، كان لا يدخل المدينة طرفة إلاّ اشترى منها، ثم جاء به إلى النبي عَّه،
فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه، أحضره إلى النبي، فيقول: أعط
هذا ثمن متاعه، فيقول: ((أو لم تهده لي)؟، فيقول أنه واللَّه لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن
تأكله، فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه، (وكان عَّ يمزح،) لأن الناس مأمورون بالتأسي به،
والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة، والبشاشة، ولزم العبوس لأخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في
مخالفة الغريزة، من المشقة والعناء، فمزح ليمزحوا، قاله ابن قتيبة، وقال الخطاب: سئل بعض
السلف عن مزاحه عَّه، فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط للناس بالدعابة، قال: وأنشد
ابن الأعرابي في نحو هذا يمدح رجلاً:
يتلقى الندى بوجه صبيح وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وزاد تتم المعاني طرق الجد غير طرق المزاح
ولا يخالف هذا قوله عَّهِ: ((لست من دَدٍ، ولا الدد مني)، أخرجه البخاري في الأدب
المفرد، والبيهقي عن أنس، والطبراني في الكبير عن مطوية، ودد، بفتح الدال الأولى، وكسر
الثانية، أي: لست من أهل اللعب واللهو، ولا هما مني، وقد رواه الطبراني أيضًا، والبزار،
وابن عساكر، عن أنس بزيادة، ولست من الباطل، ولا الباطل مني، لأن المنفي ما كان بباطل،

٦٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ولا يقول إلا حقًا، كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله:
يا رسول الله احملني، فباسطه عليه الصلاة والسلام من القول بما عساه أن يكون
شفاء لبلهه بعد ذلك، فقال: أحملك على ابن الناقة. فسبق لخاطره استصغار ما
تصدق عليه البنوة فقال: يا رسول الله، ما عسى أن يغني عني ابن الناقة، فقال عَّهِ:
ويحك وهل يلد الجمل إلا الناقة. روى حديثه الترمذي وأبو داود.
وباسط عمته صفية.
ومجرد لهو ولعب مجرد، وهو في مزاحه صادق، كما قال: (ولا يقول إلاَّ حقًا،) فلا ينافي
الكمال حينئذٍ، بل هو من توابعه، وتتماته، لجريه على القانون الشرعي، فمن زعم تناقض
الحديثين من الفرق الزائغة، فقد ضل، (كما روى أبو هريرة،) قال: قالوا يا رسول اللَّه إنك تداعبنا،
قال: ((إني لا أقول إلاَّ حقًا)، أخرجه الترمذي وغيره (وقد قال له رجل: كان فيه بله») أي: عدم
اهتمام بأمر الدنيا، وتأمل في معاني الألفاظ، حتى حمل الكلام على المتبادر، من أن المراد
بالبنوة الصغير، فليس صفة ذم هنا، فهو كقوله في الحديث: ((أكثر أهل الجنة البله))، أي: في أمر
الدنيا لقلة اهتمامهم بها، وهم أكياس في أمر الآخرة، وللبلة إطلاقات، منها هذا، وعدم التمييز،
وضعف العقل، والحمق؛ وسلامة الصدر، ولكل مقام مقال، (يا رسول اللَّه احملني) على دابة،
(فباسطه عليه الصلاة والسلام من القول، بما،) أي: شيء (عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك،)
والظن، بل الجزم أنه حصل له الشفاء بتلك المداعبة، (فقال: ((أحملك))،) خبر مبتدأ محذوف،
أي أنا أحملك، بدليل رواية الترمذي، وأبي داود: إني حاملك (على ابن الناقة، فسبق لخاطره
استصغار ما تصدق عليه، البنوة، فقال: يا رسول الله ما عسى أن يغنى عني ابن الناقة،) أنثى
الإِبل، ولا تسمى ناقة حتى تجزع، (فقال عَّةٍ: ((ويحك، وهل يلد الجمل إلاَّ الناقة)؟،) فلو
تدبرت، وتأملت اللفظ، لم تقل ذلك، ففيه مع المباسطة، الإِيماء إلى إرشاده وإرشاد غيره؛ أنه إذا
سمع قولاً يتأمله، ولا يبادر برده، إلاّ بعد أن يدرك غوره، ولا يسارع إلى ما تقتضيه الصورة.
(روى حديثه الترمذي،) وصححه، (وأبو داود) وأحمد، والبخاري في الأدب، عن أنس:
أن رجلاً أتى النبي عَّهِ يستحمله، فقال: ((إني حاملك على ولد الناقة))، فقال: يا رسول اللَّه ما
أصنع بولد الناقة؟، فقال: وهل يلد الإِبل إلاّ النوق؟، وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه احملني
على بعير، فقال: ((احملوها على ابن بعير))، فقالت: ما أصنع به وما يحملني يا رسول اللَّه؟، فقال:
«هل تجيء بعير إلاّ ابن بعير))؟، فتعددت الواقعة بالنسبة للرجل والمرأة، وأما الخطاب بقوله:
أحملك على ابن الناقة، وأنا أحملك وفي رواية: أنا حاملوك، فلرجل واحد، والخلف اللفظي من
الرواة، فبعضهم باللفظ، وبعضهم بالمعنى، لا لتعدد الواقعة، لاتحاد المخرج، (وباسط عمته

٦٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وهي عجوز فقال لها: إن الجنة لا يدخلها عجوز، فلما جزعت قال لها: إنك
تعودين إلى صورة الشباب في الجنة. وفي رواية الترمذي عن الحسن: أنته عَّه
عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إِن
الجنة لا يدخلها عجوز، قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي
عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارًا﴾ [الواقعة/٣٥،
٣٦] وذکره رزین.
صفية) بنت عبد المطلب، أم الزبير، مما نقله صاحب المورد عن خط بعض المحدثين.
وقال غيره: أنه سمعه من مشايخ الحديث، وتوقف فيه بعضهم، فقال: اللَّه أعلم بصحته،
ففي حديث عائشة عند البيهقي، أتت خالتي، (وهي عجوز)، وصفية ليست حالة عائشة قالت: إن
صح ما قالوه، فسمتها خالتها إكرامًا وتعظيمًا لسنها، على العادة في تسمية المسنة خالة،
لا لكونها أخت أمها حقيقة، (فقال لها: ((إن الجنة لا يدخلها عجوز)»، فلما جزعت،) بكسر
الزاي، (قال لها: ((إنك تعودين إلى صورة الشباب في الجنة))،) فلا تجزعي، فإنما هذا مباسطة،
وهي حق، (وفي رواية الترمذي عن الحسن،) أي: البصري، لأنه المراد عند الإطلاق، وبه صرح
شراح الشمايل، ولم يقع في متنها نعته بالبصري، حتى ظن بعض من كتب عليها؛ أنه ابن علي،
ولیس، کما ظن.
(أتته عَّ عجوز، فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه لي أن يدخلني الجنة، فقال: ((يا أم
فلان))،) نسي الراوي اسمها، وما أضيف إليه، فكني عنه بما يكنى به عن الأعلام، ((إن الجنة
لا يدخلها عجوز»،) كأنه فهم من حالها، إنها تريد دخولها على صفتها، حالة السؤال، فمازحها
مريدًا إرشادها إلى خلاف ما في وهمها، الذي لا يطابق ما سيقع، (قال: فولت،) ذهبت، أو
أعرضت (تبكي،) حال من فاعل ولت، أي: ذهبت حال كونها باكية، (فقال: ((أخبروها،)
أعلموها (أنها لا تدخلها))) جملة سدت مسد ثاني وثالث مفعول أخبر، وضمير لا تدخلها، وما
بعد أما إليها، أو إلى العجوز المطلقة، والأول أقرب، ((وهي عجوز))) مسنة، ولا تؤنث بالهاء، قاله
ابن السكيت، وقال ابن الأنباري: سمع تأنيثه، أي: لا تدخلها، والحال أنها موصوفة بهذه الصفة،
واستشهد على ذلك تطييبًا لخاطرها، فقال: ((إن اللَّه تعالى يقول: ﴿إنا أنشأناهن﴾ [الواقعة/
٣٥] الآية،) أي: النسوة، أي: أعدنا إنشاءهن (﴿إنشاء﴾) خاصًّا، وخلقناهن خلقًا غير خلقهن،
وتفسير الآية بالجور، وإن كان مقتضى سياق القرءان، يرده هذا الحديث: ((فجعلناهن﴾) بعد
كونهن عجائز شمطار مصافي الدنيا، (﴿أبكارًا﴾) عذارى، وإن وطئك كثيرًا، فكلما أتاها الرجل
وجدها بكرّا، كما ورد في الأثر، ولكن لا دلالة للفظ عليه، (وذكره رزين) بن مطوية، العبدري،

٦٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وكان عليه الصلاة والسلام يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم.
ويأخذ معهم في تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، وهو مع
ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد الله به.
والدعابة : - بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة - هي
الملاطفة في القول بالمزاح وغيره.
وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة؛ قالوا: إنك تداعبنا، قال:
إني لا أقول إلا حقًّا.
السرقسطي، ورواه الترمذي، أيضًا، وابن الجوزي، موصولاً عن أنس: أن عجوزا دخلت على
النبي عَّةٍ، فقال لها ومازحها به: ((لا يدخل الجنة عجوز))، وحضرت الصلاة، فخرج عَّه إلى
الصلاة، فبكت بكاءً شديدًا، حتى رجع، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه إن هذه المرأة تبكي لما
قلت لها، لا يدخل الجنة عجوز، فضحك، وقال: «أجل لا يدخل الجنة عجوز، ولكن اللَّه تعالى،
قال: ﴿أنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارًا عربًا أترابًا﴾ [الواقعة/ ٣٥] الآية، وهن العجائز الرمص،
ولا تنافي بين روايتي وصله وإرساله، لأن الحسن حدث به مرسلاً، تارة، بإسقاط أنس، وتارة
وصله بذكر أنس، وقد رواه الطبراني في الأوسط من وجه آخر، من حديث عائشة: (وكان عليه
الصلاة والسلام يمازح أصحابه) بالقول والفعل، للملاطفة، (ويخالطهم، ويحادثهم) تأنيسًا لهم،
وجبرًا لقلوبهم، (ويؤنسهم،) بضم الياء، وسكون الهمزة، وتبدل واوًا تخفيفًا، وكسر النون، يسكن
قلوبهم، ولا ينفرهم، (ويأخذ معهم،) أي: يشاركهم (في تدبير أمورهم، ويداعب،) بدال مهملة،
(صبيانهم، ويجلسهم في حجره)،) بكسر الحاء، وفتحها، كما فعل مع أم قيس، إذ أتته بابن لها
صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، (وهو مع ذلك
سره في الملكوت، يجول،) بالجيم، (حيث أراد اللَّه، والدعابة، بضم الدال، وتخفيف العين
المهملتين، وبعد الألف موحدة، هي الملاطفة في القول بالمزاح،) بضم الميم، وبالزاي اسم
مصدر من مزح مزحًا، ومزاحة، وبكسر الميم مصدر مازح، كما في المصباح (وغيره،)
كالمداعبة الفعلية، كمجه في وجه محمود، واحتضانه زاهرًا، (وقد أخرج الترمذي، وحسنه من
حديث أبي هريرة،) قال: (قالوا،) أي: الصحابة مستفهمين، (إنك تداعبنا،) بدال، وعين، تمازحنا
بما يستملح، وقد نهيت عن المزاح، فهل المداعبة خاصة بك؟، (قال: ((إني لا أقول إلاَّ حقًّا،)
فمن حافظ على قول الحق، وتجنب الكذب، وأبقى المهابة والوقار فله، ومن داوم عليها، أو
أكثر منها، أو اشتمل مزحه على كذب، أو أسقطت مهابته، فلا).

٦٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في النهي عن المداعبة محمول على
الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك.
والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس
المخاطب - كما كان هو فعله عليه الصلاة والسلام - فهو مستحب.
وقال أنس: كان رسول الله عَّه أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له:
أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبي عَِّ ذات يوم حزينًا
فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال
(وما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في النهي عن المداعبة،) كقوله: ((لا تمار أخاك،
ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه))، رواه الترمذي (محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل
عن ذكر الله و) عن (التفكر في مهمات الدين، وغير ذلك)، كقسوة القلب؛ وكثرة الضحك،
وذهاب ماء الوجه، بل كثيرًا ما يورث الإِيذاء، والحقد، والعداوة، وجراءة الصغير على الكبير؛
وقد قال عمر: من كثر ضحكه قلت هيبته: ومن مزح استخف، به، أسنده العسكري، ولذا، قيل:
فإياك إياك المزاح فإنه يجري عليك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه من كل سيد ويورثه من بعد عزته ذلا
(والذي يسلم من ذلك،) بأن لا يؤدي إلى حرام، ولا مكروه، (هو المباح،) المستوى
الطرفين على الأصح، (فإن صادف) المباح (مصلحة؛ مثل تطييب نفس المخاطب، كما كان
هو فعله عليه الصلاة والسلام، فهو مستحب) وقضيته أنه لا يقترن به، ما يصيره واجبًا، ولو قيل
أن تعين طريقًا لدفع حرام لم يبعد وجوبه، ذكره شيخنا، وقال غيره: ما سلم من المحذور، فهو
بشرطه مندوب، لا مباح إذ الأصل في أفعاله، وأقواله، وجوب، أو ندب الاقتداء به فيها؛ إلاّ
لمانع، ولا مانع هنا.
(وقال أنس: كان رسول اللَّه عَّل أحسن الناس خلقاً،) بضم الخاء المعجمة، أتى به
توطئة لقوله: (وكان لي أخ) من أمه، أم سليم، (يقال له أبو عميره) بضم العين، وفتح الميم، ابن
أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري، وكان اسمه عبد اللَّه، فيما جزم به أبو أحمد الحاكم، أو
حفص، كما عند ابن الجوزي، ومات في حياة النبي عَّه، ففي مسلم عن أنس أن ابنا لأبي
طلحة مات، فذكر قصة موته، وأنها قالت لأبي طلحة هو أسكن مما كان: وبات معها، فبلغ
ذلك النبي عَّة، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما، فأتت بعبد اللَّه ابن أبي طلح، فبورك فيه،
وهو والد إسحق بن عبد الله الفقيه، وأخوته كانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم؛ (وكان له نغر
يلعب،) يتلهى (به، فمات، فدخل على النبي عَّ ذات يوم حزينًا، فقال: ((ما شأنه))؟، قالوا:

٧٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
له: يا أبا عمير ما فعل النغير، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية الترمذي قال أنس:
إن كان النبي عَّ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي يا أبا عمير ما فعل النغير.
قال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير
كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان.
وقد كان ألقى عليه مع الدعابة المهابة،
مات نغره، فقال له: ((يا أبا عمير ما فعل النغير))؟)) ملاطفة وتأنيسًا له وتسلية، وفيه جواز تكنية
من لم يلد له، وتكنية الطفل، وأنه ليس كذبًا، وجواز المزح فيما ليس بإثم، وجواز السجع في
الكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان عليه المصطفى من حسن
الخلق، وكرم الشمائل والتواضع.
(رواه البخاري) في الأدب وغيره، (ومسلم) في الصلاة والاستئذان، وفضائل النبي،
والترمذي في الصلاة، وابن ماجه في الأدب، (وفي رواية الترمذي))) وكذا البخاري في الأدب،
بهذا اللفظ أيضًا، ومسلم، فما أدري لم هذا التوهم من المصنف، (قال أنس: إن) مخففة من
الثقيلة بدليل دخول اللام في خبرها، أي: إنه (كان النبي عَّ ليخالطنا) بالملاطفة، وطلاقة
الوجه، والمزاح، قاله المصنف، وقال غيره: ليخالطنا يمازحنا، ففي القاموس خالطه مازحه،
والمراد أنس، وأهل بيته، (حتى) انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي، والمداعبة معه،
والسؤال عن طيره، (يقول لأخ لي) من أمي: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟،) أي: ما شأنه وحاله،
فباسطه بذلك ليسليه حزنه عليه، كما هو شأن الصغير إذا، فقد لعبته، فيفرح بمكالمة المصطفى
ويرتاح بها ويفتخر؛ ويقول لأهله كلمني وسألني، فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه، فيسلي ما
كان، وقد أكثر الناس من استنباط الأحكام من ذا الحديث، وزاد أبو العباس بن القاص من
الشافعية، على مائة أفردها في جزء.
(قال الجوهري النغير تصغير نغر،) بزنة رطب، (والنغر جمع النغرة، وهو طائر صغير،
كالعصفور،) وقيل فراخ العصافير، قال عياض: والراجح أنه طائر أحمر المنقار، وأهل المدينة
يسمونه البلبل، وفي رواية، قالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: ((يا أبا عمير
ما فعل النغير))؟، (والجمع نغران مثل صرد،) ميزان النغر، (وصردان) ميزان نغران، وقضية هذا؛ أنه
بصيغة كونه جمعًا يطلق على الطائر، وفيه خلاف، فعلى عدم إطلاقه، فضمير وهو طائر للنغير
المصغر، (وقد كان ألقي عليه مع الدعابة، المهابة:) العظمة في النفوس والإِجلال، والمخافة
على خلاف مقتضى حال المداعب، فإن المداعبة، قد تكون سببًا لسقوطه من العيون.

٧١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ولقد جاء إليه عَّةِ رجل فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: هوّن
عليك، فإني لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة،
فنطق الرجل بحاجته، فقام عَّ فقال: يا أيها الناس إني أوحي إلي أن تواضعوا، ألا
فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله
إخوانًا.
(ولقد جاء إليه عَّه رجل) لحاجة يذكرها له لقوله الآتي، فنطق بحاجته، (فقام بين يديه،
فأخذته رعدة شديدة،) بفتح الراء، وكسرها، كما في القاموس، واقتصر المصباح على الكسر،
وهي اضطراب قوي، (ومهابة،) أي: مخافة، عطف سبب على مسبب، والمهابة تكون بمعنى
العظمة والخوف، وهو المراد هنا، (فقال له: ((هون عليك))) خفف عن نفسك هذا الخوف،
وأزله منك، ولا تجرع مني، («فإني لست بملك)»،) أي: متصور بصورة الملوك، بل أنا عبد الله،
((ولا جبار))) أخبر الناس على ما أردته منهم؛ من فعل، أو ترك عطف لازم على ملزوم، ((إنما أنا
ابن امرأة من قريش تأكل القديد»،) اللحم المقدد (بمكة، فنطق الرجل بحاجته؛ فقام عَّة،) لما
رأى تواضعه مع الرجل، سكن روعه، حتى تمكن من عرض حاجته عليه، أمرهم بالتواضع، وبين
أنه بالوحي، (فقال: ((يا أيها الناس إني أوحى إلى) وحي، إرسال، لا إلهام، كما زعم، لأنه
خلاف الأصل والظاهر، بلا دليل (أن تواضعوا،) أي: تواضعكم أي: أمركم به، (ألا فتواضعوا،)
بخفض الجناح ولين الجانب، (حتى لا يبغي،) لا يجوز، ولا يتعدى (أحد) منكم (على أحد،)
ولو ذميًا، أو معاهدًا، أو مؤمنًا؛ وحتى هنا بمعنى كي، كما قال الطيبي: فهو علة للتواضع، فيكون
طريقًا لترك البغي والعدي، (ولا يفخر،) بمعجمة، لا يتعاظم (أحد على أحد،) بتعداد محاسنه
كبرًا، ورفع قدره على الناس تيهًا وعجبًا.
قال ابن القيم: والتواضع انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة للخلق، حتى
لا يرى له على أحد فضلاً، ولا یری له عند أحد حقًّا، بل، ویری الحق لذلك الأحد؛ (وكونوا) یا
(عباد اللَّه) فهو منادي، يحذف الأداة والخبر (إخوانًا،) لا عبادًا للّه، إذ هم عباده، فالقصد كونهم
إخوانًا، قال المجد بن تيمية: نهى اللَّه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهما
البغي والفخر، لأن المستطيل إن استطال بحق، فقد افتخر، أو بغير حق، فقد بغى، فلا يحل هذا،
ولا هذا، فإن كان إنسان من طائفة فاضلة، کبني هاشم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه
والنظر إليها، فإنه مخطىء إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرب حبشي أفضل عند الله
من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب بغضه وخروجه عن الفضل؛ فضلاً عن استعلائه واستطالته
بهذا.

٧٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فسكن عليه الصلاة والسلام روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم،
وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: فإني لست بملك، لما يلزمها من الجبروتية،
وقال: أنا ابن امرأة تأكل القديد، تواضعًا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول
المتمسكنة.
ولما رأته عليه الصلاة والسلام قبلة بنت مخرمة في المسجد، وهو قاعد
القرفصى، أرعدت من الفرق. رواه أبو داود.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي مسعود البدري، والحاكم أيضًا
من حديث جرير، (فسكن عليه الصلاة والسلام روعه،) بالفتح، خوفه وفزعه، (شفقة، لأنه
بالمؤمنين رؤوف رحيم؛ وسلب عنه وصف الملوكية،) أي: الوصف بكونه من الملوك، (بقوله:
((فإني لست بملك))، لما يلزمها من الجبروتية:) التكبر والافتخار، ولم يقل والجبرية، للإِشارة
إلى أنه من عطف اللازم على الملزوم، كما مر، (وقال: أنا ابن امرأة،) فنسب نفسه إليها، ولم
يقل رجل، زيادة في شدة التواضع، وتسكين الروع، لما علم من ضعف النساء، ووصفها بأنها
(تأكل القديد، تواضعًا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة،) فكأنه قال: إنما أنا ابن امرأة
مسكينة، تأكل مفضول الأكل، فكيف تخاف مني؟، (ولما رأته عليه الصلاة والسلام قبلة،)
بفتح القاف، وسكون التحتية، ولام، (بنت مخرمة،) بفتح الميم، وإسكان المعجمة، التميمية، ثم
من بني العنبر، هاجرت إلى النبي عَّه، ولها حديث طويل فصيح، شرحه أهل الغريب وقصة
طويلة (في المسجد) بعد صلاة الصبح، (وهو قاعد القرفصى؛) مثلثة القاف، والفاء مقصورة،
والقرفصاء بالضم، والقرفصاء بضم القاف، والراء على الاتباع أن يجلس على البنية، ويلصق
فخذيه ببطنه، ويحتبي بيديه؛ يضعهما على ساقيه، أو يجلس على ركبتيه منكبًا، ويلصق بطنه
بفخذيه، ويتأبط كفيه، قاله القاموس: (أرعدت من الفرق،) بفاء، وراء مفتوحين وقاف الخوف
والفزع.
(رواه أبو داود،) والترمذي، والبخاري في التاريخ، عنها في حديثها الطويل، وروى ابن
سعد، وابن جرير، والطبراني، وابن منده، عنها: لما رأيت رسول اللّه عَةٍ متخشعًا في الجلسة،
وهو قاعد القرفصاء، أرعدت من الفرق، فقال جليسه: يا رسول اللَّه أرعدت المسكينة، فقال
عَّله: ولم ينظر إليّ، وأنا عند ظهره: ((يا مسكينة عليك السكينة))، فلما قالها أذهب اللَّه ما كان
دخل قلبي من الرعب، ومتخشعًا، بضم الميم، وفوقية، فمعجمة مفتوحتين، فمعجمة، فمهملة من
الخشوع، وهو الانقياد، والطاعة.

٧٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صحبت رسول الله
ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفه لما قدرت، أو كما
قال.
وإذا كان هذا قوله وهو من جملة أصحابه، ولولا أنه عليه الصلاة والسلام
كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا أن
يسمع كلامه لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روي
أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت
مستيقظة، وإلا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما ذاك إلا أنه عليه
الصلاة والسلام لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له من
القرب والتداني
(وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص،) القرشي، السهمي، الصحابي، ابن
الصحابي، (قال: صحبت رسول اللَّه عَ لَّه) صحبة طويلة، وسمعت منه أحاديث كثيرة، وحفظت
عنه ألف مثل، ومع ذلك (ما ملأت عيني منه قط، حياء منه، وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفة)
بجميع أوصافه، (لما قدرت،) فلا ينافي أنه وصفه ببعضها، (أو كما قال) عبد اللَّه، شك الراوي،
هل قال هذا اللفظ، أو معناه، (وإذا كان هذا قوله، وهو من جملة أصحابه،) بكسر الجيم، وشد
اللام جمع جليل، ويجمع أيضًا على أجلاء، قال المجد: قوم جلة بالكسر، عظماء سادة ذوو
أخطار، وجواب إذا، محذوف، أي: فما بالك بغيره، (ولولا أنه عليه الصلاة والسلام كان
يباسطهم، ويتواضع لهم، ويؤنسهم، لما قدر أحد منهم أن يقعد معه، ولا أن يسمع كلامه، لما
رزقه اللَّه تعالى من المهابة، والجلالة،) عطف تفسير (يبين) يظهر (ذلك ويوضحه،) بعد
ظهوره، أي: يكشف حقيقة أمره، (ما روي أنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا فرغ من ركوع
الفجر) أي: صلاة ركعتيه قبل الصبح، (حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلاَّ اضطجع
بالأرض،) وهذا إذا كان ببيتها، لأنه كان يقسم، وحجر نسائه متصلة بالمسجد، فلا يأتي له مع
القسم أن يتحدث معها بعد كل فجر، ثم يحتمل أنه كان يحدث من هو عندها، ولم ينقل،
لأنهن لم يحدثن به، ويحتمل أن لا يحدث، ويقتصر على الاضطجاع، وفي الصحيحين عن
عائشة: كان إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن، (ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما
ذاك إلاّ أنه عليه الصلاة والسلام) كان يتهجد ليلاً، ويشتغل بما يقربه من اللَّه، فيظهر عليه حاله
حتى يظن أنه ليس من البشر، (فلو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له من

٧٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف
بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان عليه الصلاة والسلام يتحدث
مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع
عائشة أو من جنس أصل الخلقة التي هي الأرض. ثم يخرج إليهم، وما كان إلا
رفقًا بهم، ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾. قال ابن الحاج في المدخل.
وقد جاء في الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا
فنظر عليه الصلاة والسلام إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير
إلى التواضع، فاختار عليه الصلاة والسلام العبودية، فلما كان تواضعه إلى الأرض
حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف الأعلى، إلى
حضرة قاب قوسين أو أدنى،
القرب، والتداني، في مناجاته وسماع كلام ربه، وغير ذلك من الأحوال، التي يكل،) بكسر
الكاف، (اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه، ولا يباشره، فكان عليه الصلاة
والسلام يتحدث مع عائشة، أو يضطجع بالأرض،) للتنويع، كما علم، (حتى يحصل التأنيس
بجنسهم، وهو التأليس مع عائشة) التي هي بشر، (أو من جنس أصل الخلقة، التي هي
الأرض، ثم يخرج إليهم) ليتمكن الناس من مخالطته، والتكلم معه، (وما كان) يفعل ذلك (إلاّ
رفقًا بهم ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾) [الأحزاب / ٤٣] الآية، كما قال تعالى وصفًا لذاته العلية
في سورة الأحزاب، وهو من صفات المصطفى أيضًا، كما قال تعالى: ﴿بالمؤمنين رؤوف
رحيم﴾ [التوبة / ١٢٨] الآية.
(قال ابن الحاج في المدخل) كتاب نفيس، (وقد جاء في الحديث أنه لما خير) على
لسان إسرافيل، (بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا، فنظر) جواب، لما أدخل المصنف عليه
الفاء على عادته، وهو قليل (عليه الصلاة والسلام إلى جبريل، كالمستشير له،) لأنه يحب
الاستشارة، (فنظر جبريل إلى الأرض، يشير إلى التواضع،) لأن تركه طلب للرفعة المنهي عنها،
وفي التواضع يعظم غيره، حتى كأنه نزل نفسه منزلة الملصق بالأرض، ثم الإِشارة ليست بمجرد
نظر الأرض، بل مع الإِشارة باليد، ففي رواية، فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع، فقلت: نبيًّا
عبدًا.
(فاختار عليه الصلاة والسلام العبودية، فلما كان تواضعه إلى الأرض، حيث أشار جبريل،
أورثه اللَّه تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف الأعلى، إلى حضرة قاب،) قدر (قوسين، أو
أدنى،) أقرب من ذلك قرب مكانة لإمكان، لتنزهه سبحانه عنه، وخص القوسين لأنهم كانوا إذا

٧٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ووقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمج عليه الصلاة
والسلام في وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان في ذلك من البركة أنه
لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي عَّه إلا تلك المجة، فعد بها من
الصحابة وحديثه مذكور في البخاري من طريق الزهري عنه.
ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله، فنضح الماء في
وجهها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتًا
في وجهها ظاهرًا في رونقها وهي .
أرادوا إيقاع صلح، أو عهد بينهم، يقف أحد المتصالحين تجاه الآخر، وفي يد كل منهما قوس
يمده إلى صاحبه، بحيث يتلاقيان، (ووقف بين يديه محمود بن الربيع)، بن سراقة بن عمرو بن
زيد، الأنصاري، الخزرجي، وزيادة ابن عبد البر من بني عبد الأشهل، ذهول، لأنهم من الأوس،
وهذا من الخزرج، قيل من بني الحرث ابن الخزرج، وقيل من بني سالم بن عوف، (وهو صغير
ابن خمس سنين،) كما في البخاري عنه، قال في الفتح: وذكر عياض في الألماع وغيره، أن في
بعض الروايات أنه كان ابن أربع، ولم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات، بعد التتبع
التام، إلاَّ إن كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب، أنه عقل المجة، وهو ابن أربع، أو
خمس، وكان الحامل له التردد، قول الواقدي أنه مات ابن ثلاث وتسعين، والأول أولى بالاعتماد
لصحة سنده، على أن قول الواقدي: يمكن حمله إن صح على أنه ألقي الكسر، وجبره غيره،
وقال في الإصابة: أكثر روايته عن الصحابة، وأمه جميلة بنت أبي صعصعة، ومات سنة تسع
وتسعين، وكأنه مأخوذ من رواية الطبراني عنه، توفي النبي عَّه، وأنا ابن خمس سنين.
(فمج عليه الصلاة والسلام في وجهه مجة من ماء،) من بئر (من دلو) في دارهم
(يمازحه بها، فكان في ذلك) المج (من البركة، أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية
النبي عَّ إلاَّ تلك المجة، فعد بها) بسبب تذكرها، وروايتها (من الصحابة) الراوين عن
النبي عَّهِ، لا من الصحابة الذين رأوه، بلا رواية، (وحديثه مذكور) أي مروي (في البخاري، من
طريق الزهري، عنه) إلاَّ: عقلت من النبي عَّةِ مجة مجها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من
دلو، (ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة،) من أبي سلمة بن عبد الأسد، المخزومية،
حفظت عن النبي عَّهِ، وروت عنه، وعن أزواجه، أمها وعائشة، وأم حبيبة، وغيرهن، وعنها
جماعة، وكانت فقيهة عالمة، (وهو في مغتسله، فنضح الماء في وجهها، فكان) حصل (في
ذلك من البركة في وجهها، أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتًا في وجهها، ظاهرًا في

٧٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
عجوز كبيرة. وحديثها مذكور في البخاري.
فقد علمت أنه عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه وأهله، ومع القريب
والغريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه،
والوقوف مع من استوقفه والمزح مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الداعي ولين
الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه.
وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، فكان يباسط
الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته من ظلمات دياجي الجهل، ويقتدوا بهديه
ـّ اللّه
رونقها،) أي حسنها وبهجتها، (وهي عجوز كبيرة،) ولدت بالحبشة، وماتت سنة ثلاث وسبعين،
وكان دخولها عليه بإشارة أمها، قال في الإِصابة: روينا في الخلعيات، عن عطاف بن خالد، عن
أمه، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: كان عَّةٍ إذا دخل يغتسل، تقول أمي: أدخلي عليه، فإذا
دخلت نضح في وجهي، ويقول: ((ارجعي))، قالت أم عطاف: فرأيت زينب، وهي عجوز كبيرة،
ما نقص من وجهها شيء، وفي رواية، ذكرها أبو عمر: فلم يزل ماء الشباب في وجهها، حتى
كبرت وعمرت، (وحديثها مذكور في البخاري).
(فقد علمت أنه عليه الصلاة والسلام، كان مع أصحابه، وأهله، ومع القريب والغريب،)
على غاية (من سعة الصدر،) يفتح السين على الأشهر، وحكى كسرها، (ودوام البشر،) بكسر،
فسكون، (وحسن الخلق،) بالضم، (والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزح
مع الصغير والكبير أحيانًا،) إذا اقتضاه المقام، (وإجابة الداعي،) ولو عبدًا، (ولين الجانب، حتى
يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه،) وقد وقع ذلك لعمرو بن العاصي، (وهذا الميدان،)
بفتح الميم، وكسرها، محل تسابق الفرسان، والمراد هنا الحالة التي اتصف بها عَّله مع الخلق،
شبهها بالميدان، لشدة اتساعها وسهولتها، واستعار لها لفظه، (لا تجد فيه إلاّ واجبًا، أو مستحبًا،
أو مباحًا، فكان يباسط الخلق، ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته، من ظلمات دياجي الجهل،)
أي: من ظلم ليالي الجهل، أو من ظلمات هي دياجي الجهل، ففي القاموس دياجي الليل
حنادسه، والحندس، بالكسر: الليل المظلم، فيمكن أن إضافة دياجي إلى الجهل من إضافة
الموصوف إلى صفته، أي: الجهل الذي هو كالليل المظلم، (ويقتدوا بهديه عَّه) هكذا في
النسخ الصحيحة، لستيضيئوا ويقتدوا، وفي نسخة، بالنون فيهما، والصواب حذفها، وادعى بعض
الطرر أنها لغة قليلة.

٧٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وكانت مجالسته عَّ مع أصحابه رضي الله عنهم عامتها مجالس تذكير
بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرءان، أو بما آتاه الله من الحكمة والمواعظ
الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين، كما أمره الله تعالى أن يذكر ويعظ ويقص، وأن
يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر، فلذلك كانت
تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة،
كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قلنا
يا رسول الله، مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا في الدنيا وكنا من أهل
الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا.
فقال عَّهِ: لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في
(وكانت مجالسته عَّ مع أصحابه، رضي اللَّه عنهم عامتها مجالس تذكير بالله، وترغيب
وترهيب، إما بتلاوة القرءان،) وهو مشتمل على الثلاثة، (أو بما آتاه اللَّه تعالى من الحكمة،
والمواعظ الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين، كما أمره الله تعالى أن يذكر) في نحو: ﴿وذكر
فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات/ ٥٥] الآية، (ويعظ) في نحو قوله: ﴿وعظهم، وقل لهم
في أنفسهم قولاً بليغًا﴾ الآية، (ويقص) ﴿فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾ [الأعراف/ ١٧٦]
الآية، (وأن يدعو إلى سبيل اللَّه) ربه، دينه بقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك (بالحكمة﴾)
[النحل / ١٢٥] الآية، القرءان (والموعظة الحسنة،) مواعظ القرءان، أو القول الرقيق، (وأن يبشر)
في نحو: ﴿ويبشر المؤمنين بأن لهم من اللَّه فضلاً كبيرًا﴾ الآية، (وينذر) نحو: ﴿قم فانذر﴾
الآية، (فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب، والزهد في الدنيا، والرغبة
في الآخرة،) حتى، قال ابن مسعود: ما كنت أظن أحدًا من الصحابة يريد الدنيا، حتى نزل منكم
من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، (كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد، والترمذي،
وابن حبان في صحيحه، قال: قلنا يا رسول اللَّه، ما لنا إذا كنا عندك، رقت،) لانت (قلوبنا،
وزهدنا في الدنيا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا أهلنا، وشممنا،) بكسر
الميم، والفتح لغة، كما مر (أولادنا،) بالإِقبال عليها بالملاطفة والرفق، وتقبيل صغارهم، والشفقة
عليهم، فأطلق الشم على ذلك مجازًا بتشبيه ما أدركوه من أولادهم بالرائحة الطيبة، ومخالطتهم
لهم على هذا الوجه بالشم.
كذا حمله شيخنا، والأولى بقاؤه على حقيقته، (وأنكرنا أنفسنا، فقال عَّة: ((لو أنكم إذا
خرجتم من عندي، كنتم على حالكم ذلك))،) الذي تكونون عليه عندي، إشارة إلى أن الدوام
عليها عزيز، وإن عدمه لا يوجب معتبة لما طبع عليه البشر من المعتبة، («الزارتكم الملائكة في

٧٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
بيوتكم. الحديث.
وقوله: عافسنا : - بالعين المهملة وبعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة - أي:
عالجنا أهلنا ولاعبناهم.
ومن تواضعه عَِّ أنه ما عاب ذواقًا قط، ولا عاب طعامًا قط، إن اشتهاه
أكله وإلا تركه رواه الشيخان.
بيوتكم))،) لفظ أحمد، والترمذي: لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، قال بعض
العلماء: معناه، لو أنكم في معاشكم، وأحوالكم، كحالتكم عندي، لأظلتكم الملائكة، لأن حال
كونكم عندي حال مواجيد، والذي يجدونه معه خلاف المعهود، إذا رأوا الأموال والأولاد، ومعه
يرون سلطان الحق، ويشاهدونه، وترق أنفسهم لزوال سلطان الشهوة، ولم تصافحهم عنده، لأنها
لم تكن حالتهم، بل حالة الحق، ولو كان ما يجدونه عنده حالهم، لكانت حالة ثابتة لهم هبة من
اللَّه، واللَّه لا يرجع في هبة، ولا يسلب كرامته، إلاّ بالتقصير في واجباته، (الحديث) بقيته، ولو
لم تذنبوا لجاء اللَّه بقوم يذنبون، كي يغفر لهم، وأخرجه أبو يعلى والبزار، برجال ثقات من
حديث أنس بلفظ: لو أنكم إذا خرجتم من عندي، تكونون على الحال الذي تكونون عليها،
لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة، وأخرج مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والإِمام أحمد، عن
حنظلة الأسيدي، أنه سأل نحو سؤال أبي هريرة، فقال عَّهِ: ((والذي نفسي بيده، لو كنتم
تكونون في بيوتكم، على الحالة التي تكونون عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولأظلتكم
بأجنحتها، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة))، (وقوله عافسنا، بالعين المهملة، وبعد الألف فاء، فسين
مهملة ساكنة، أي: يعالجنا أهلنا ولاعبناهم،) نحوه قول النهاية المعافسة، المعالجة، والممارسة،
والملاعبة (ومن تواضعه عَّ لّ أنه ما عاب ذواقًا،) أي مذوقًا (قط،) من إطلاق المصدر على اسم
المفعول، قال في الدر: الذواق المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول من الذوق، (ولا عاب
طعامًا قط) سواء كان من صنع الآدمي أم لا، فلا يقول مالح نيء، ونحو ذلك، (إن اشتهاه أكله،
وإلاّ تركه،) واعتذر بأنه لم يكن بأرض قومه، كالضب، وهذا، كما قال ابن بطال من حسن
الأدب، لأن المرء، قد لا يشتهي الشيء، ويشتهيه غيره، وكل مأذون فيه من جهة الشرع،
لا عيب فيه انتھی.
ثم هو بمعنى ما قبله، ففي المصباح: الطعام يقع على كل ما يساغ حتى الماء، وذوق
الشيء، (رواه الشيخان) البخاري في الصفة النبوية، والأطعمة، ومسلم في الأطعمة من حديث
أبي هريرة، قال: ما عاب النبي عَّمِ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، وفي رواية وإلاً

٧٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب
بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم
يكره، قال: لأن صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال في فتح
الباري: والذي يظهر: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكدة: أن لا يعاب، كقوله: مالح،
حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك.
ومن تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين، فقال عَّهِ: لا تسبوا
الدنيا، ثم مدحها فقال: نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من
الشر.
تركه، ولم يقع فيهما ما عاب ذواقًا قط، (وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أما الحرام، فكان يعيبه
ويذمه وينهى عنه،) للمنع عنه شرعًا، لا من حيث ذاته، فقد يكون حسن المذاق والصنعة،
(وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم
يكره، قال: لأن صنعة اللَّه تعالى لا تعاب،) فلذاكره ذمه، (وصنعة الآدميين تعاب،) فلا يكره
عيبه، (قال في فتح الباري: والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع،) بالنسبة للشق
الثاني، الذي، قال البعض، بعدم كراهة ذمه، وأما الأول، فقد سلم كراهته، وعلله بأن صنعة اللَّه
لا تعاب، فالمعنى أن للتعميم علتين، ذكر إحداهما هذا البعض، وفاتته الأخرى مع ظهورها بكسر
قلب الصانع، وبهذا ظهر تعسف من، قال: لا يصلح هذا دليلاً على التعميم، وإنما يناسب ما
صنعه الآدميون، إلاَّ أن يقال ما لا صنع فیه للآدمي، کالفواکه، یمکن عیبه من حیث زراعته،
وخدمته، وقطعه قبل كمال نضجه، ونحو ذلك، فهو وإن كان إيجاده، إنما أيضًا فللَّه، لكن تدبيره
وتهيئته للانتفاع به، يضاف للآدمي عادة، فذمه يكسر قلبه من هذه الجهة.
(قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكدة،) أي: الأمور المستحسنة المتعلقة به، (أن
لا يعاب،) لأن المصطفى ما عاب طعامًا قط، ومعلوم الاقتداء به في أقواله، وأفعاله وغيرهما،
فذكر هذا ليبين بعض أنواع العيب، (كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ،) أي: ثخين
(رقيق غير ناضج) أي نيء، (ونحو ذلك) بالجر عطف على مدخول الكاف، فذكره إيضاح،
(ومن تواضعه إن هذه الدنيا،) ما بين السماء والأرض، (شاع سبها في العالمين) قديمًا وحديثًا،
فنهى عن ذلك، (فقال عَّةِ: ((لا تسبوا الدنيا، ثم مدحها))، فقال: نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ
الخير، وبها ينجو من الشر،) فإن قيل ما وجه كون هذا من التواضع، مع أنه هضم النفس من

٨٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وقال: لا تسبوا الدهر، رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: ولا تقولوا خيبة
الدهر، فإن الله هو الدهر. وفي لفظ له: يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر،
الملكات، تتصاغر تواضعًا، وفي القاموس تواضع للّه ذل وخشع، قلنا لعل وجهه من جهة أن
الذين يسبونها، يظهرون الاستغناء عنها، وعدم الاعتبار بها، مع أنه خلاف الواقع، فمدحه عَّ لها
ونهيه عن سبها، فيه إظهار للمحقق من احتياج من فيها إليها، (وقال: ((لا تسبوا الدهر)).
رواه مسلم بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، وزاد فإن اللَّه هو الدهر، وفي رواية فإن
الدهر هو اللَّه، قال ابن الأثير: كان من شأن العرب، أن تذم الدهر، وتسبه عند النوازل
والحوادث، ويقولون أبادهم الدهر، وأصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، ويكثرون ذكره بذلك في
أشعارهم، وذكره اللَّه عنهم، فقال: ﴿وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا﴾ [الجاثية/ ٢٤] الآية، نموت
ونحيى، وما يهلكنا إلّ الدهر، والدهر اسم للزمان الطويل، وهذه الحياة الدنيا، فنهاهم عَّم عن
ذم الدهر وسبه، أي: لا تسبوا فاعل هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على اللَّه، لأنه
الفعال، لما يريد، لا الدهر، فتقدير رواية: فإن الدهر هو اللَّه، فإن جالب الحوادث ومتوليها هو
اللَّه، لا غيره، فوضع الدهر موضع جالب الحوادث، لاشتهار الدهر عندهم بذلك، وتقدير رواية:
فإن اللَّه هو الدهر، فإن اللَّه هو الجالب للحوادث، لا غيره الجالب، ردًا لاعتقادهم أن جالبها
الدهر انتهى.
(رواه) الحديث لا بهذا اللفظ، فإنه رواية مسلم، كما علمت لا البخاري، نعم ترجم به
(البخاري،) وكذا مسلم أيضًا، كلاهما في كتاب الأدب، (من حديث أبي هريرة، بلفظ)
لا تسموا العنب الكرم، (ولا تقولوا خيبة الدهر،) بالخاء المعجمة، والموحدة المفتوحتين، بينهما
تحتية ساكنة، نصب على الندبة، كأنه فقد الدهر، لما يصدر عنه مما يكرهه، فندبه متفجعًا
عليه، أو متوجعًا منه، وقال الداودي: هو دعاء عليه بالخيبة، كقولهم: قحط اللَّه نواها، يدعون
على الأرض بالقحط، وهي كلمة هذا أصلها، ثم صارت تقال لكل مذموم، وفي رواية لمسلم
وادهراه وادهراه، والخيبة الحرمان والخسران، قاله الحافظ وتبعه المصنف، وزاد، وهو من إضافة
المصدر إلى الفاعل انتهى.
وقال الكرماني: خيبة بالنصب، مفعول مطلق، أي: لا تقولوا هذه الكلمة، أو لا تقولوا ما
يتعلق بخيبة الدهر ونحوها، ولا تسبوه، (فإن اللَّه هو الدهر،) أي الفاعل، ما يحدث فيه، قال
القاضي عياض: زعم بعض من لا تحقيق عنده، أن الدهر من أسماء الله، وهو غليظ، فإن الدهر
مدة زمان الدنيا، (وفي لفظ له) للبخاري، وكذا مسلم أيضًا، كلاهما في الأدب، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَ له، قال اللّه تعالى: (﴿يسب بنو آدم الدهر﴾)، وفي رواية يؤذيني