Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
في شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه.
قال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور
المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر
والعجب، فتلين وتنطبع للحق والخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغبارها.
وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا عَّ في أوطان القرب، وحسبك من
تواضعه عليه الصلاة والسلام أن خيره ربه بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا،
فاختار أن يكون نبيًا عبدًا،
كذا أملاني شيخنا (في شريف تواضعه،) أي: تواضعه الشريف، (وآدابه، وحسن عشرته،) فهو
من إضافة الصفة للموصوف، إذ حسنها (مع أهله، وخدمه، وأصحابه،) ليس من أشرف تواضعه،
إذ الحظ الأوفر من تواضعه في أوطان القرب، كما (قال بعضهم: أعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة
التواضع إلاَّ عند لمعان) إضاءة النور، الحاصل بسبب (المشاهدة في قلبه،) وإنما يحصل برياضة
النفس ومجاهدتها في الإقبال على اللَّه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ (فعند ذلك تذوب
النفس،) تفني قواها عن ميلها إلى الشهوات المائلة إليها بالطبع، فتنهم بها وتستعمل القوى
والجوارح في أثرها كل الأوقات؛ فإذا جاهدها بمنعها من شهواتها، وتذكيرها ما آل ذلك من الذل
والهوان، أهلكها بحيث تغيرت طباعها، حتى كأنها ذابت فلم يبق لها أثر، (وفي ذوبانها)
سيلانها، (صفاؤها،) خلوصها، (من غش الكبر والعجب،) من إضافة الأعم إلى الأخص، أي:
غش النفوس الذي هو الكبر والعجب، فشبه النفس باعتبار ما طبعت عليه، أصالة من نحو كبر
وحسد، بتبر اشتمل على أوساخ منعت نفعه؛ وجعل معالجة النفس في خلوصها مما ألفته من
الميل إلى القبيح، كتصفية التبر مما يمنع نفعه، فحينئذٍ تطمئن بذكر اللَّه، لترقيها في معرفة
الأسباب والمسببات؛ وعملها بمقتضاها، وعرفت الحق، وأقبلت عليه بجملتها، فلم يبق لها تعلق
بشيء من مألوفها، (فتلين وتنطبع للحق والخلق، بمحو آثارها) التي طبعت عليها من فخر،
وسرعة غضب، وحرارة عند غليان دم القلب، إذا أصابها ما تكرهه، وغير ذلك من كل ما يشين؛
(وسكون وهجها) بالواو، والهاء المفتوحين اتقادها (وغبارها) عطف مغاير، وفي نسخة وهجها
بالراء المفتوحة، والهاء الساكنة، وتفتح الغبار، وعليها، فعطف الغبار تفسير، (وكان الحظ الأوفر
من التواضع لنبينا عَّة في أوطان القرب،) فكلما زاد قربًا زاد تواضعًا، (وحسبك)، يكفيك (من
تواضعه عليه الصلاة والسلام، أن) مصدرية، أو مخففة، أي: أنه (خيره ربه بین أن یکون نبيًا
ملكًا، أو نبيًا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًا عبدًا،) تواضعًا لربه، مع أنه لو كان نبيًا ملكًا ما ضره،

٤٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فأعطاه الله بتواضعه أن جعله أو من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفع،
فلم يأكل متكثًا بعد ذلك حتى فارق الدنيا. وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا
تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله، رواه
الترمزي.
ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب
الترمذي عن أنس قال: خدمت النبي عے عشر سنين،
فالنبوة معطاة له في الوجهين، (فأعطاه اللَّه بتواضعه، أن جعله أول من تنشق عنه الأرض) يوم
القيامة، (وأول شافع، وأول مشفع،) مقبول الشفاعة، كما يأتي بسط ذلك في الخصائص إن شاء
اللَّه تعالى، كقوله: (فلم يأكل متكئًا،) مائلاً على أحد الجانبين، كما عزاه عياض في شرح مسلم
للأكثر، وجزم به ابن الجوزي، أو معتمدًا على وطاء تحته، جزم به الخطابي، وعزاه في الشفاء
للمحققين، أو معتمدًا على شيء، أو على يده اليسرى، من الأرض أقوال بسطها المصنف في
الأكل من ذا المقصد (بعد ذلك حتى فارق الدنيا،) لأنه لما اختار العبودية فعل فعل العبد، ولذا
قال آكل، كما يأكل العبد، وأجلس، كما يجلس العبد.
وروى ابن عدي، والديلمي، وغيرهما بإسناد ضعيف عن أنس: جاء جبريل إلى النبي عَّهِ،
وهو يأكل متكئًا، فقال: التكأة من النقمة، فاستوى بعد ذلك قاعدًا، فما رؤى بعد ذلك متكثًا،
وقال: ((إنما أنا بعد آكل، كما يأكل العبد، وأشرب، كما يشرب العبد))، والتكأة، بوزن الهمزة ما
يتكأ عليه، ورجل تكأة: كثير الاتكاء، والتاء بدل من الواو، كما في النهاية، (وقد قال عليه
الصلاة والسلام: لا تطروني،) بضم أوله، وسكون الطاء، والإطراء: المدح بالباطل، أي:
لا تتجاوز الحد في مدحي، بأن تقولوا ما لا يليق بي، (كما أطرت النصارى ابن مريم،) وفي
رواية عيسى ابن مريم، حيث كذبوا، وقالوا: إله وابن اللّه، وأحد ثلاثة وغير ذلك من افكهم، (إنما
أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله،) ولا تقولوا ما قالته النصارى، فأثبت لنفسه ما هو ثابت له من
العبودية والرسالة، وأسلم لله ما هو له، لا لسواه، (رواه الترمذي،) كذا في النسخ، وقد رواه
البخاري من حديث عمر، وعزاه المصنف نفسه له في الأسماء النبوية.
(ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام، أنه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب الترمذي،)
ومسلم، والبخاري، (عن أنس، قال: خدمت النبي عَّةِ)) زاد في رواية أحمد في السفر
والحضر (عشر سنين،) الرواية، بسكون الشين، ويجوز فتحها، وفي مسلم تسع سنين، وحملت
على التحديد، والأولى، وهي أكثر الروايات على التقريب، إلغاء للكسر، فخدمته؛ إنما كانت أثناء

٤٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فما قال لي أف قط ولا قال لشىء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشىء تركته لم تركته؟
وكذلك كان النبي عَّه مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحدًا قط، وهذا أمر لا
تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربانية.
وفي رواية مسلم: ما رأيت أحد أرحم بالعيال من رسول العـ
وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله عَّهِ شيئًا قط، لا ضرب امرأة ولا خادمًا
إلا أن يجاهد في سبيل الله،
السنة الأولى من الهجرة، (فما قال لي أف،) بضم الهمزة، وسكون الفاء مشددة، ولأبي ذر أف،
بفتحها: صوت يدل على التضجر (قط،) تأكيد لنفي الماضي بمعنى الدهر والأبد، مع أنه، قد
يتفق له فعل شىء ليس على الوجه الذي أراده منه المصطفى، ففي رواية أبي نعيم، فما سبني
قط، وما ضربني من ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر، فتوانيت فيه،
فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد، قال: دعوه، ولو قدر شيء كان، (ولا قال لشيء صنعته لم
صنعته، ولا لشىء تركته لم تركته،) زاد في رواية، ولكن يقول: قدر اللَّه، وما شاء اللَّه فعل، ولو
قدر اللَّه كان، ولو قضى لكان، (وكذلك كان النبي عَّ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحدًا
قط، وهذا أمر لا تتسع له،) لا تطيقه، ولا تقدر عليه (الطباع البشرية، لولا التأييدات الربانية،)
وما ذاك إلاَّ لكمال معرفته عَِّ أنه لا فاعل، ولا معطي، ولا مانع إلاَّ اللَّه، وأن الخلق آلات
وسائط، فالغضب على المخلوق في شيء فعله، كالإِشراك المنافي للتوحيد، وقيل سبب ذلك؛
أنه كان يشهد تصريف محبوبه فيه، وتصريف المحبوب في المحب، لا يعلل، بل یسلم
ليستلذ، فكل ما يفعله الحبيب محبوب، (وفي رواية مسلم) عن أنس في حديث: (ما رأيت
أحد أرحم بالعيال من رسول اللَّه عَّهِ، وقالت عائشة: ما ضربٍ عَّة، زاد في رواية، بيده، وهو
لتأكيد النوعية نحو يطير بجناحيه، إذ الضرب عادة لا يكون إلاَّ باليد، (شيئًا قط) آدميًا، أو غيره،
أي: ضربًا مؤذيًا وضربه لمركوبه لم يكن مؤذيًا، ووكزه بعير جابر، حتى سبق القافلة بعدما كان
عنها بعيدًا، معجزة، وكذا ضربه لفرس طفيل الأشجعي لما رآه متخلفًا عن الناس، وقال: ((اللهم
بارك فيها))، وقد كان هزيلاً ضعيفًا، قال طفيل: فلقد رأيتني ما أملك رأسها، ولقد بعت من بطنها
باثني عشر ألفًا.
رواه النسائي، (ولا ضرب امرأة، ولا خادمًا،) خاص على عام، مبالغة في نفي الضرب،
لكثرة وجود سبب ضربهما، للابتلاء بمخاطبتهما ومخالفتهما غالبًا، فقد يتوهم عدم إرادتهما من
قولها شيئًا، (إلاَّ أن يجاهد في سبيل اللَّه)) فيضرب إن احتاج إليه، وقد قتل بأحد أبي بن خلف،

٤٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وما نيل منه شىء فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شىء من محارم الله فينتقم لله.
رواه مسلم.
وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله عَِّ إذا خلا في بيته؟ قالت: كان
ألين الناس، بسامًا ضحاكًا، لم ير قط مادًا رجليه بين أصحابه.
وعنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله عَِّ ما دعاه أحد من
أصحابه ألا قال لبيك رواه.
وعند أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان عنها: قالت كان رسول الله عَ ليه
يخيط ثوبه ويخصف بكسر نعله، وفي رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضًا: يغلي
وما قتل بيده أحدًا غيره، بل قال ابن تيمية: لا نعلمه ضرب بيده أحدًا غيره، (وما نيل منه شيء،
فينتقم من صاحبه،) إذ طبعه لا ينتقم لنفسه (إلاَّ أن ينتهك،) بضم، فسكون، ففتح، أي: لكن إذا
انتهاك (شىء من محارم اللَّه، فينتقم لله) لا لنفسه ممن ارتكب تلك الحرمة، (رواه مسلم،)
وبعضه روي البخاري، (وسئلت،) كما رواه ابن سعد وغيره (عائشة: كيف كان رسول اللَّه عَ لّه.
إذا خلا في بيته؟، قالت: كان) إذا خلا بنسائه، (ألين الناس، بسامًا،) كثير التبسم، (ضحاكًا،)
بمعنى ضاحكا زيادة عن التبسم قليلاً، في بعض الأحيان، (لم يرَ قط مادًا رجليه بين أصحابه،)
زاد في رواية حتى يضيق بهما على أحد، (وعنها ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول اللَّه عَلَّةِ»)
وبينت بعض ذلك؛ بأنه (ما دعاه،) أي ناداه (أحد من أصحابه إلاَّ، قال: ((لبيك)))) ظاهره أنه
جوابه دائمًا، ويحتمل أنه كناية عن سرعة الجواب مع التعظيم، (رواه) كذا في نسخ وبعدها
بياض، وفي أخرى بدون رواه، وفي بعضها رواه البخاري، وهي خطأ، فقد قال السيوطي: في
تخريج أحاديث الشفاء.
رواه أبو نعيم في الدلائل بسند، رواه، وروى أبو داود، والترمذي عن أنس، والبزار عن أبي
هريرة: ما التقم أحد أذن رسول اللَّه عَ له، فنحى رأسه عنه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي
رأسه، وما أخذ أحد بيده، فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، (وعند أحمد، وابن سعد، وصححه
ابن حبان، عنها،) أي: عائشة، (قالت: كان رسول اللَّه عَّ يخيط) بفتح الياء، وكسر الخاء،
(ثوبه ويخصف، بكسر) المهملة، (فعله،) أي: خرز طاقًا على طاق، بقية هذه الرواية عند أحمد،
ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، أي: من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس إرشاد للتواضع، وترك
التكبر، لكنه مشرف بالوحي والنبوة، مكرم بالرسالة والآيات، (وفي رواية لأحمد، ويرفع،) بفتح،
فسكون، ففتح، (دلوه،) أي: يصلحه، (وعنده أيضًا يفلي،) بفتح، فسكون مضارع فلي ثلاثيًا،

٤٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ثوبه، ویحلب شاته ويخدم نفسه.
وهذا يتعين حمله على أوقات فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه
وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة.
وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بني قريظة على حمار
مخطوم بحبل من ليف رواه الترمذي.
وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله عٍَّ فلما أراد الانصراف قرب له
سعد حمارًا وطأ عليه بقطيفة، وركب رسول الله عَُّله ثم قال سعد: يا قيس،
اصحب رسول الله عَ ليه،
كما ضبطه غير واحد، يجوز ضم أوله، وسكون ثانيه مخففًا، أو فتحه مثقلاً (ثوبه،) أي: يزيل
قمله، وظاهره إن العمل يؤذيه، لكن قال ابن سبع: لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ولأن أكثره من
العفونة، ولا عفونة فيه، ومن العرق، وعرقه طيب، ولا يلزم من التفلية وجود القمل، فقد يكون
للتعليم، أو لتفتيش نحو: خرق فيه ليرقعه، أو لما علق به من نحو شوك ووسخ، وقيل كان في
ثوبه قمل، ولا يؤذيه، وإنما كان يفليه استقدارًا له، (ويحلب)، بضم اللام، (شاته، ويخدم)، بضم
الدال، (نفسه،) عطف عام على خاص، ونكتته الإشارة إلى أنه كان يخدم نفسه عمومًا
وخصوصًا، (وهذا يتعين حمله على) أنه كان يفعل ذلك في بعض (أوقات،) لا دائمًا، (فإنه ثبت
أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه، وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة،) وفيه ندب خدمة الإِنسان
نفسه، وأنه لا يخل بمنصبه، وإن جل.
(وكان يركب الحمار،) زاد ابن سعد في روايته عريًا ليس عليه شيء، وذلك مع ما فيه
من غاية التواضع، إرشاد للعباد، وبيان إن ركوبه لا يخل بمروأة، ولا رفعة، بل فيه غاية التواضع،
وكسر النفس، (ويردف،) بضم التحتية (خلفه) الذكر والأنثى، الصغار والكبار، (وركب يوم بني
قريظة،» وفي رواية لأبي الشيخ يوم خيبر، ويوم قريظة، والنضير (على حمار مخطوم) في أنفه
(بحبل من ليف،) زاد في رواية الشمائل عليه أكاف من ليف، وهو برزعه لذوات الحوافر، بمنزلة
السرج للفرس، وهذا نهاية التواضع، وأي تواضع، وقد ظهر له عَظّم من النصرة عليهم، والظفر
بأموالهم، ما هو معروف، (رواه الترمذي) من حديث أنس، (وعن قيس بن سعد) بن عبادة، (قال:
زارنا رسول اللَّه عَّه) على عادته في تفقد أصحابه، قيل: كان سعد دعاه رجل ليلاً، فخرج له،
فضربه بسيفه، فعاده عَّهِ، (فلما أراد الانصراف، قرب له سعد حمارًا) ليركبه (وطأ) بشد
المهملة، وهمزة، ( (عليه بقطيفة) كساء له خمل ووبر، وضعه على ظهر الحمار، (وركب
رسول اللَّه عَ ◌ٍّ، ثم قال سعد) لابنه: (يا قيس أصحب رسول اللَّه عَّة)) أي كن معه في خدمته،

٤٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
قال قيس: فقال لي رسول اله عَّ له اركب، فأبيت، فقال: إما أن تركب وإما أن
تنصرف. وفي رواية أخرى: اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها، رواه أبو
داود وغيره.
وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول اله عَّه من خيبر،
وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله عَّ له رديف
رسول اله عَّةٍ، إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال عَّه إنها أمكم، فشددت
الرحل، وركب رسول الله عَّله، الحديث.
والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه.
وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي ◌َّه ليس بيني وبينه إلا آخرة
وفي ذا الحديث؛ أنه لمَِّ جاء على حمار، مردفًا أسامة خلفه، فسعد وهبه الحمار ليركبه
وحده، ويبقى أسامة على الحمار الذي جاء به، (قال قيس: فقال لي رسول اللَّه عَ لَّه: ((إركب))،
فأبيت) أن أركب، تأدبًا معه لا مخالفة لأمره، (فقال: ((أما أن تركب، وإما أن تنصرف))) اي ترجع
ولا تمشي معي أي فوافقه على الركوب (وفي رواية أخرى اركب أمامي فصاحب الدابة أولى
بمقدمها) إذ هو أدرى بسيرها، وسماه صاحبًا، باعتبار ما كان، لأنه ابن مالكها سعد بن عبادة،
لا ابن أبي وقاص، كما غلط من، قاله، وعند ابن منده: فأرسل ابنه معه ليرد الحمار، فقال:
احمله بين يدي، قال: سبحان اللَّه أتحمله بين يديك؟، قال: ((نعم، هو أحق بصدر حماره))، قال:
هو لك يا رسول اللّه، قال: ((أحمله إذن خلفي))، (رواه أبو داود وغيره،) وفيه قصة طويلة.
(وفي البخاري من حديث أنس بن ملك، أقبلنا مع رسول اللَّه مٍَّ من خيبر،) بمعجمة،
فتحتية، فموحدة، فراء آخره، ونسخة من حنين، تصحيف من الجهال، فالثابت في البخاري
خيبر، (وإني لرديف أبي طلحة،) زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس، (وهو يسير وبعض نساء
رسول اللَّهُ مَّةٍ، رديف رسول اللَّه ◌َاجٍ، إذ عثرت الناقة، فقلت) وقعت (المرأة،) فنزلت، هذا
أسقطه من الرواية، وفي رواية، نصب المرأة، أي: أوقعت الدابة المرأة، وفي أخرى، فقلت: بالفاء
من الفلى، وهو الإِخراج والفصل، ونزلت بلفظ المتكلم، (فقال عَّه: ((إنها أمكم)،) تذكيرًا لهم
بوجوب تعظيمها، (فشددت الرحل، وركب رسول اللَّه عَ ◌ّ الحديث) بقيته، فلما دنا ورأى
المدينة، قال: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون))، (والمرأة صفية) بنت حيي أم المؤمنين،
(والردف والرديف، الراكب خلف الراكب بإذنه،) قيد به، لأنه المتبادر، إذ من ركب بلا إذن،
غاصب شرعًا، وإن كانت اللغة لا فرق بين الإِذن وعدمه.
(وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي عَّة، ليس بيني، وبينه إلاَّ آخرة،) بفتح

٤٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
الرحل. وقد ركب عَّه على حمار على إكاف عليه قطيفة فدكيه أردف أسامة
وراءه.
ولما قدم عليه الصلاة والسلام مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب،
فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول الله عَ ليه مكة وقد
حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه، رواه البخاري.
وذكر المحب الطبري في مختصر السيرة النبوية له، أنه عَّ ه ركب حمارًا
عربيًا إلى قبا وأبو هريرة معه، قال: يا أبا هريرة أحملك؟ قال: ما شئت
يا رسول الله، فقال: اركب، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر فاستمسك
برسول الله عَِّ فوقعا جميعًا. ثم ركب عَّهِ ثم قال يا أبا هريرة أأحملك؟ قال: ما
الهمزة، والمد، وكسر الخاء، (الرجل،) قال المصباح: خشبة يستند إليها الراكب،(وقد ركب
عَُّ على حمار، على إكاف) بالكسر، البرذعة، (عليه قطيفة فدكية)، بفتحتين، موضع بخيبر،
(أردف أسامة وراءه،) ففيه جواز الأرداف، وإن كانوا ثلاثة إذا لم تكن الدابة ضعيفة لا تطيق
ذلك، وقيل يكره ما فوق الاثنين، (ولما قدم عليه الصلاة والسلام مكة، استقبله أغيلمة،) تصغير
الغلمة، جمع الغلام، وهو شاذ، والقياس غليمة، قاله الكرماني، (بني عبد المطلب، فحمل واحدًا
بين يديه، وآخر خلفه،) رواه البخاري، عن عبد اللَّه بن عباس، (وقال ابن عباس: أتى
رسول اللَّه عَ لِّ مكة، وقد حمل قثم،) بضم القاف، وخفة المثلثة المفتوحة، ابن العباس الهاشمي،
كان آخر الناس عهد بالنبي عَّه ولي مكة من قبل علي، ثم سار أيام معوية إلى سمرقند،
فاستشهد وقبر بها (بين يديه، والفضل،) بسكون الضاد، أخوة ثبت يوم حنين، ومات سنة ثمانٍ
عشرة على الأصح، (خلفه، أو قثم خلفه، والفضل بين يديه،) شك الراوي (رواه البخاري،) ففي
هذه الرواية الثانية، بيان البهمين في الأولى، (وذكر المحب الطبري في مختصر السيرة النبوية
له، أنه معَّ ركب حمارًا عربيًا،) بضم العين، وإسكان الراء، أي: ما عليه أكاف، ولا يقال ذلك
في الآدمي، إنما يقال عريان، (إلى قباء) بالضم: موضع بالمدينة، وفيه لغات، جمعها القائل:
حرًّا وقبا ذكر وأنثهما معًا ومد، أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا
(وأبو هريرة معه، قال: ((يا أبا هريرة أأحملك))؟، قال: ما شئت) افعله (يا رسول اللَّه، فقال:
((ركب))، فوثب أبو هريرة ليركب، فلم يقدر، فاستمسك:) تمسك وتعلق (برسول اللَّه عَّه،
فوقعا جميعًا، ثم ركب عَّة، ثم قال: يا أبا هريرة (أأحملك))؟، قال:) افعل (ما شئت يا
رسول اللَّه، فقال: اركب، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلق برسول اللَّه عَّةِ، فوقعا جميعًا،

٤٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
شئت یا
رسول الله، فقال: اركب، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلق برسول الله ـ
فوقعا جميعًا، فقال: يا أبا هريرة أأحملك؟ فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك
ثالثًا.
وذكر المحب الطبري أيضًا: أنه عليه الصلاة والسلام كان في سفر، وأمر
أصحابه باصلاح شاة فقال رجل يا رسول الله علي ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله،
علي سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، علي طبخها، فقال رسول الله عَّه: علي
جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: فقد علمت أنكم تكفوني
ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه.
انتھی.
ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبع، نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف
فقال: ((يا أبا هريرة أأحملك))؟، فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك،) أي: لا أرميك (ثالثًا،)
فاستعمل الماضي موضع المضارع، لأنه قوي عنده؛ أنه إذا ركب وقعا جميعًا أيضًا، (وذكر
المحب الطبري أيضًا) في الكتاب المذكور (أنه عليه الصلاة والسلام في سفر، وأمر
أصحابه،) أي: جنس (بإصلاح شاة،) أي: تهيئتها للأكل، (فقال رجل: يا رسول اللَّه عليّ ذبحها،
وقال آخر: يا رسول اللَّه عليّ سلخھا، وقال آخر: يا رسول اللَّه عليّ طبخها، فقال
رسول اللَّه مَُّ: ((عليّ جمع الحطب) من الوادي))، (فقالوا: يا رسول اللَّه نكفيك العمل، فقال:
((قد علمت أنكم تكفوني))) بحذف إحدى النونين تخفيفًا، والأصل تكفونني، ((ولكن أكره أن
أتميز عليكم، فإن اللَّه يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه،) أي: لا يثنى عليه إذا رآه
متميزًا، والمكروه له تعالى في الحقيقة هو تميز العبد، لا رؤيته تعالى لذلك.
(ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبع،) وقد أنكره شيخه السخاوي، فقال: لا أعرفه، (نعم
رأيت في جزء تمثال،) أي: صورة (النعل الشريف،) وهو نحو كراسة والأولى الشريفة إذ النعل
مؤنثة (لأبي اليمين بن عساكر، بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر، بن ربيعة) العنزي، بسكون
النون، حليف بني عدي، ولد على عهد النبي عَّةٍ، وثقه العجلي، وروى له الستة، ومات سنة
بضع وثمانين (عن أبيه) عامر، بن ربيعة، بن كعب، بن لملك العنزي، حليف الخطاب، صحابي
مشهور؛ أسلم قديمًا، وهاجر وشهد بدرًا، وله أحاديث في الكتب الستة، ومات ليالي قتل عثمن،

٤٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ....
قال: كنت مع النبي عَّ في الطواف فانقطعت شسعه فقلت يا رسول الله ناولني
أصلحه، فقال هذه أثرة ولا أحب الأثرة.
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار
وهو الإنفراد بالشىء. قال وكأنه كره عّ لّه أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز
فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم ويكون له عَ ◌ّ ترفع المخدوم على خادمه،
كره ذلك عَّله لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه.
ويؤيده ما روي أنه عَّ أراد أن يمتهن نفسه في شىء فقالوا: نحن نكفيك
يا رسول الله، قال: قد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره أن أتميز عليكم فإن الله
يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه. انتهى.
ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.
(قال: كنت مع النبي عَّ في الطواف فانقطعت شسعه)،) بكسر المعجمة، وسكون المهملة،
قبال نعله، (فقلت: يا رسول اللّه ناولني) بحذف المفعول الثاني، أي: ناولنيها (أصلحه،) بضم
الهمزة أي: الشسع، (فقال: هذه) الحالة التي تفعلها عني (أثرة، ولا أحب الأثرة والأثرة، بفتح الهمزة،
والثاء الاسم من آثر يؤثر، إذا أعطي) وفي المصباح آثرته بالمد فضلته؛ واستأثر بالشيء
استبد به، والاسم الأثرة، مثال قصبة، (والأثرة والاستئثار، وهو الانفراد بالشيء، قال) أبو اليمن:
(وكأنه كره عَِّ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيجوز) أن يحصل (فضيلة الخدم، فيكون له
بمثابة الخادم، ويكون له عَّ ترفع المخدوم على خادمه؛) واستأنف مجيبًا لم كره هذا، فقال:
(كره ذلك ◌َ ال لتواضعه، وعدم ترفعه على من يصحبه، ويؤيده ما روي أنه عَّهِ أراد أن يمتهن،)
يستعمل (نفسه في شيء) يباشره بنفسه، (فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: ((قد علمت
أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن اللَّه يكره من عبده أن يراه متميزًا بين
◌ُصحابه»، التھی) كلام أبي الیمن.
(ثم رأيت شيخنا) السخاوي في المقاصد الحسنة، (في الأحاديث المشهورة) على
الألسنة، (حكي ذلك،) فقال: حديث إن اللَّه يكره العبد المتميز على أخيه لا أعرفه، ثم رأيت في
جزء تمثال النعل الشريف، لأبي اليمن بن عساكر، في الكلام على الأثرة ما نصه، ويؤيده ما روي
أنه أراد أن يمتهن، فذكره، فلا يعود اسم الإِشارة على جميع ما نقله المصنف، إذ السخاوي إنما

٥٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وعن أبي قتادة: وفد وَفْدُ النجاشي، فقام النبي عَّ يخدمهم، فقال له
أصحابه: نحن نكفيك، قال; إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم،
ذكره في الشفاء.
وفي البخاري: عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي عَّ النخلات حتى افتتح
قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي عَّ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو
بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول:
كلا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها - أو كما قال - والنبي عَّه يقول:
لك كذا، وتقول كلا
نقل آخره، كما رأيت، (وعن أبي قتادة) الأنصاري السلمي، بفتحتين الحرث، ويقال: عمرو أو
النعمان بن ربيع، بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصح
شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل ثمان وثلاثين، والأول أصح، وأشهر، قال: (وفد،)
أي قدم: (وفد،) بسكون الفاء، اسم جمع بمعنى وافدين (النجاشي، فقام النبي عَّلي. يخدمهم)
بنفسه، تواضعًا منه وإرشادًا لغيره، (فقال له أصحابه: نحن نكفيك) خدمتهم، أي: نقوم عنك
بذلك، فأبى، و(قال: ((أنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم))،) أي: أجازيهم على
إكرامهم لأصحابنا، ولا إكرام أعظم من تعاطيه أمورهم بنفسه؛ (ذكره) عياض (في الشفاء»)
وأخرجه ابن إسحق والبيهقي في الدلائل، عن أبي قتادة المذكور.
(وفي البخاري عن أنس: كان الرجل) من الأنصار؛ (يجعل للنبي عَِّ النخلات، حتى
افتتح،) أي: إلى أن افتتح (قريظة والنضير،) وفي رواية الكشميهني حين بدل حتى، والأول
أوجه، قال الحافظ: حاصله أن الأنصار، كانوا واسوا المهاجرين بنخيلهم لينتفعوا بتمرها، فلما
فتح اللّه النضير، ثم قريظة؛ قسم في المهاجرين من غنائمهم، فأكثر، وأمرهم برد ما كان للأنصار
لاستغنائهم عنه، ولأنهم لم يكونوا ملكوهم رقاب ذلك، كما قال: (وإن أهلي أمروني أن آتي
النبي عَّ فاسأله،) بهمزة قطع مفتوحة، منصوب عطفًا على المنصوب السابق النخل، (الذي)
رواية أبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، ولغيرهم الذين (كانوا أعطوه، أو بعضه؛ وكان قد أعطاه
أم أيمن، فجاءت)، فيه حذف يوضحه رواية مسلم، فأتيت النبي عَّ فأعطانيه، فجاءت (أم أيمن)،
(فجعلت الثوب في عنقي، تقول: كلا والذي، لا إله غيره، لا نعطيكم،) أي: لا يمكنكم مما
بيدي، وفي نسخة، لا أعطيكم، (وقد أعطانيها،) الواو للحال، (أو كما قال) أنس: إشارة إلى
شك وقع في اللفظ مع حصول المعنى، قاله المصنف: (والنبي عَّ يقول لك كذا، وتقول كلا،

٥١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
والله، حتى أعطاها - حسبت أنه قال - عشر أمثاله. أو كما قال.
وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة وتمليكًا لأصل
الرقبة، وأراد عَّهِ استطابة قلبها في استرداد ذلك فلاطفها وما زال يزيدها في
العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه عَّه وإكرام لها، لما لها من حق
الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره مێ ..
وجاءته عَّةِ امرأة في عقلها شىء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال:
اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك، وفي رواية سلم: حتى أقضي
حاجتك،
واللَّه حتى أعطاها).
قال سليمان بن طرخان: الراوي عن أنس (حسبت أنه،) أي: أنسا (قال عشر أمثاله، أو كما
قال) أنس: وفي مسلم حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله، قال الحافظ: وعرف
بهذا أن معنى قوله: ولك كذا وكذا، أي: مثل الذي لك مرة، ثم شرع يزيدها مرتين ثلاثًا، إلى أن
بلغ عشرة، (وإنما فعلت هذا أم أيمن، لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة؛ وتمليكًا لأصل الرقبة،)
والواقع إنها هبة للمنفعة فقط، ففيه مشروعية هبة المنفعة، دون الرقبة، فلم يكن لها امتناع،
ولا أخذ بدل، (و) لكن (أراد ◌َّةٍ استطابة قلبها، في استرداد ذلك، فلاطفها، وما زال يزيدها في
العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه عَّةٍ، وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية،)
ففيه منزلة أم أيمن، وهي أم أسامة بن زيد، وابنها أيمن، صحابي أسن من أسامة، استشهد بحنين،
وعاشت أم أيمن بعده عَّ قليلاً، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده، وكثرة حلمه وبره مٍَّ)
(وجاءته عَّةٍ إمرأة،) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وفي بعض الحواشي إنها أم زفر
ماشطة خديجة، ونزع فيه، وتردد البرهان في المقتفى، في أنها هي، أو غيرها؛ وجزم غيره بأنها
هي، لكن نوزع، (كان في عقلها شيء) من الجنون، ولم يصرح به إشارة لخفته، وأنها لم
تستغرق فيه، فإن لفظ شيء يشعر بالقلة، (فقالت: إن لي إليك حاجة،) أي: لي حاجة أريد أن
أنهيها إليك، وأعلمك بها، (فقال: ((اجلسي)،) بصيغة المخاطبة من أمر الحاضر، (في، أي:
سكك) طرق (المدينة شئت أجلس) بالجزم جواب الأمر (إليك،) أي: معك، فإلى بمعنى عند،
وهذا الحديث في الصحيحين، (و) زاد في (في رواية مسلم حتى أقضي حاجتك)، قيل: ولعلها
كانت تقعد بالطريق، لما في عقلها، فعبر عن إجابتها بذلك، أو أظهر كمال الاهتمام والاستعجال
بقضاء حاجتها بهذا البيان، (فخلا معها في بعض الطريق، حتى فرغت من حاجتها،) لأنه كان

٥٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها.
ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه عَـ
وقال عبد الله بن أبي الحمساء - بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة
وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة - بايعت النبي عَ ل﴾. قبل أن يبعث، وبقيت
له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت فذكرته بعد ثلاث فإذا هو في
مكانه فقال: لقد شققت علي، أنا لههنا منذ ثلاث أنتظرك. رواه أبو داود.
وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان عليه الصلاة والسلام لا يأنف أن يمشي مع
الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.
محرمًا لجميع النساء)، قال بعض، وفيه إيماء وإرشاد إلى أنه لا يخلو أجنبي مع أجنبية، بل إذا
عرضت حاجة، يكون معها بموضع لا يتطرق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة لكونه بطريق المارة، وفيه
حل الجلوس في الطريق لحاجة، وموضع النهي من يؤذي، أو يتأذى بقعوده فيها، وأنه ينبغي
للحاكم المبادرة إلى تحصيل غرض أولى الحاجات، ولا يتساهل في ذلك، (ولا ريب أن هذا
كله من كثرة تواضعه عَّله،) لبروزه للناس، وقربه، وصبره على المشاق لأجل غيره خصوصًا،
امرأة في عقلها شيء.
(وقال عبد اللَّه ابن أبي الحمساء، بالحاء المهملة المفتوحة، والميم الساكنة، وبالسين
المهملة في آخره، وهمزة ممدودة،) العامري، سكن البصرة، وقيل أنه ابن أبي الجدعاء، قال:
في الإصابة: والراجح أنه غيره، (بايعت النبي عَّه(،) أي: بعت له شيئًا (قبل أن يبعث، وبقيت
له،» أي: لذلك المبيع (بقية) لم تسلم له، (فوعدته أن آتيه بها في مكانه،) أي: في مكان وقع
فيه البيع؛ (فنسيت) الوعد، (فذكرته بعد ثلاث،) أي: أيام، ولم يقل ثلاثة لحذف المعدود،
فيجوز تذكيره مع المذكور، وتأنيثه مع المؤنث، فجئته (فإذا هو) مستقر (في مكانه) لم يفارقه،
(فقال:) ((يا فتى، (لقد شققت عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك))،) ففيه وفاؤه بعهده، ووعده من
قبل البعثة، (رواه أبو داود) منفردًا به عن الكتب الستة؛ وأخرجه البزار من طريق عبد الكريم بن
عبد الله بن سفين، عن أبيه، عن ابن أبي الحمساء، (وقال عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة،
والفاء، بينهما واو ساكنة، واسمه علقمة، صحابي، ابن صحابي، (كان عليه الصلاة والسلام
لا يأنف،) لا يستكبر، (أن يمشي مع الأرملة:) المرأة التي لا زوج لها؛ (والمسكين،) بكسر الميم،
لغة جميع العرب، إلاَّ بني أسد، فيفتحها من السكون لسكونه، إلى الناس، (فيقضي له الحاجة،
رواه النسائي).

٥٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله عَ له فتنطلق به
حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعنده أيضًا: إن كانت
الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله عَّه، فما ينزع يده من
يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
والمقصود من الآخذ باليد لازمه وهو الانقياد.
وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل،
والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، وبقوله: حيث
شاءت، أي من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت
حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك.
وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبريعدَّةِ.
ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في
(وفي رواية البخاري،) في باب الكبر من كتاب الأدب، عن أنس، قال: (إن،) أي: أنه
(كانت) رواية أبي ذر عن الكشميهني ولغيره، بحذف إن، كما بينه المصنف، (الأمة،) أي: أمة
كانت، وأسقط البخاري من إماء المدينة، (لتأخذ بيد رسول اللَّه عَظّه، فتنطلق به حيث شاءت)
من الأمكنة، ولو كانت حاجتها خارج المدينة، (وفي رواية أحمد) عن أنس، (فتنطلق به في
حاجتها، وعنده،) أي: أحمد أيضًا: (إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة، لتجيء، فتأخذ
بيد رسول اللَّه عَّ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت،) وبقية هذه الرواية،
ويجيب إذا دعي، (والمقصود من الأخذ باليد لازمه، وهو الانقياد، وقد اشتمل) الحديث الذي
رواه البخاري، وأحمد معًا، وقصره على الثاني لا وجه له، إذ لا ريب أن سياق البخاري اشتمل
(على أنواع من المبالغة، في التواضع لذكره، والمرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة،) بقوله
إن كانت الأمة، (وحيث عمم بلفظ الإِماء، أي: أي أمة كانت، وبقوله حيث شاءت، أي: من
الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة،
والتمست مساعدتها في تلك الحالة، لساعدها على ذلك) بالخروج معها، (وهذا من مزيد
تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر عَّه) ومن، ثم أورده البخاري في باب الكبر، إشارة إلى
براءته منه، (ودخل الحسن) السبط، (وهو) عَُّ (يصلي، قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ
في سجوده حتى نزل الحسن، فلما فرغ، قال له بعض أصحابه: يا رسول اللَّه، قد أطلت

٥٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
سجوده حتى نزل الحسن، فلما فرغ قال له بعض أصحابه: يا رسول الله قد أطلت
سجودك. قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله. أي جعلني كالراحلة فركب
على ظهري.
وكان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذي
في الشمائل.
وحج عليه الصلاة والسلام على رحل رث وعليه قطيفة لا يساوي أربعة
دراهم.
سجودك! قال: إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله، أي: جعلني كالراحلة، فركب على
ظهري).
(وكان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى،) الشريف، والوضيع، والحر، والعبد، حتى
عاد غلامًا يهوديًا كان يخدمه، فقعد عند رأسه، فقال له: ((أسلم))، فنظر إلى أبيه، فقال له: أطع
أبا القسم، فأسلم، فخرج عٍَّ، وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار)، رواه البخاري، عن
أنس، وعاد عمه أبا طالب، وهو مشرك، وعرض عليه الإِسلام، وقصته في الصحيحين، وعدت
العيادة تواضعًا مع أن فيها رضا اللَّه، وحيازة الثواب، ففي الترمذي، وحسنه مرفوعًا، من عاد
مريضًا ناداه منادٍ، طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً، ولأبي داود: من توضأ،
فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم، محتسبًا بوعد من جهنم سبعين خريفا إلى غير ذلك، لما
فيها من خروج الإِنسان عن مقتضى جاهه، وتنزهه عن مرتبته إلى ما دون ذلك، (ويشهد
الجنازة(،) أي: يحضرها للصلاة عليها، هبها لشريف، أو وضيع، فيتأكد التأسي به، وآثر قوم
العزلة، ففاتهم خير كثير، (أخرجه الترمذي في الشمائل) من حديث أنس، (وحج عليه الصلاة
والسلام،) كما رواه ابن ماجه، والترمذي في الشمائل، والبيهقي عن أنس، قال: حج
رسول اللَّه عَّ. (على رحل،) بالفتح، أي: راكبًا عليه، وهو للجمل، كالسرج للفرس، (رث،)
بمثلثة، بال خلق، (وعليه،) أي: على الرحل، كما هو أنسب بالسياق، ويؤيده قوله في رواية
أخرى، على رحل وقطيفة، فأفادت أن ضمير عليه ليس للمصطفى، (قطيفة:) كساء خمل،
(لا يساوي،) أي: لا يسع ثمنها (أربعة دراهم،) وفي رواية كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، قال
المصنف: وفيه مسامحة، والتحقيق أنها لا تساويها، كما في هذه الرواية، وزعم تعدد القصة
ممنوع، إذ لم يحج إلاَّ مرة واحدة، انتهى.
وذلك لأنه في أعظم مواطن التواضع، إذ الحج حالة تجرد، وإقلاع، وخروج من المواطن

٥٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فقال: اللَّهم اجعله حجًا لا رياء فيه ولا سمعة.
وكان إذا صلى الغداة جاءه خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء
إلا غمس يده فيه، فربما جاءه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم
والترمذي.
وكان عليه الصلاة والسلام حسن العشرة مع أزواجه، وكان عليه الصلاة
والسلام ينام مع أزواجه.
سفر إلى اللَّه، ألا ترى ما فيه من الإِحرام؟، ومعناه إحرام النفس من الملابس، تشبيهًا بالفارين إلى
اللَّه، والتذكير بالموقف الحقيقي، (فقال: ((اللهم اجعله حجّا))،) بفتح الحاء، وكسرها، (لا رياء
فيه)))) لا عمل لغرض مذموم، كان يعمل ليراه الناس، ((ولا سمعة)،) لا عمل ليسمع الناس،
ويصير مشهورًا به، فيكرم، ويعظم جاهه في قلوبهم، فتضرع عَِّ إلى اللَّه، وسأله عدم الرياء،
والسمعة، مع كمال بعده عنهما، تخشعًا، وتذللاً، وعدًا لنفسه، كواحد من الآحاد من عظيم
تواضعه، إذ لا يتطرق ذلك إلاَّ لمن حج على مراكب نفيسة، وملابس فاخرة، وأغشية محبرة،
وأكوار مفضضة، هذا مع أنه مَّ أهدى في هذه الحجة مائة بدنة، وأهدى أصحابه ما لا يسمح به
أحد، ومنهم عمر، أهدى فيما أهدى بعيرًا، أعطى فيه ثلثمائة دينار، فأبى قبولها، (وكان إذا صلى
الغداة،) أي: الصبح، (جاءه خدم) أهل (المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس
يده فيه،) للتبرك بيده الشريفة، (فربما جاءه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها،) ولا يمتنع لأجل
البرد، من مزيد لطفه، وتواضعه، (رواه مسلم، والترمذي،) وأحمد من حديث أنس، وفيه بروزه
للناس، وقربه منهم ليصل كل ذي حق لحقه، وليعلم الجاهل، ويقتدي بأفعاله، وكذا ينبغي
للأئمة بعده، والحديث رواه أيضًا أبو نعيم في الدلائل، عن أنس كان: عَّهِ أشد الناس لطفًا،
واللَّه ما كان يمتنع في غداة باردة، من عبد، ولا أمة تأتيه بالماء، فيغسل وجهه، وذراعيه، وها
سائل قط إلاَّ أصغي إليه، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد يده قط
إلاَّ ناوله إياها، فلا ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه.
(وكان عليه الصلاة والسلام حسن العشرة مع أزواجه،) جمع زوج، أي: امرأة، لأن اللغة
الفصحى زوج، بلا هاء، وبها جاء القرءان في نحو ﴿وزوجك الجنة﴾ حتى بالغ الأصمعي،
فقال: لا تكاد العرب تقول زوجة بالهاء، وهذا تفصيل، لما قدمه إجمالاً، لأنه إذا كان حسن
العشرة مع غيرهن، فمعهن أولى، (وكان عليه الصلاة والسلام ينام مع أزواجه) في فراش واحد،

٥٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه مع مواظبته علّ له على قيام
الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام فتركها، فيجمع بين وظيفته
وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف.
وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل، لا
سيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله
أعلم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها.
رواه الشيخان.
وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب رواه مسلم.
وإذا تعرقت عرقًا - وهو العظم الذي عليه اللحم - أخذه فوضع فمه على
موضع فمها.
والمراد مع الواحدة منهن، ولو كانت حائضًا، كما في حديث ميمونة عند البخاري، (قال
النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه،) فيه إشعار؛ بأنه قد يعرض له غير هذه الحالة لعذر،
(مع مواظبته عٍَّ على قيام الليل، فينام مع إحداهن) التي هي صاحبة النوبة، (فإذا أراد القيام
لوظيفته، قام، فتركها) راقدة في الفراش، (فيجمع بين وظيفته) من قيام الليل، (وأداء حقها
المندوب، وعشرتها بالمعروف،) إذ هو خير من امتثل: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/ ١٩]
الآية، (وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل) من نوم كل في
فراش، فتركه مكروه، لا حرام إذ القصد الإِنس، لا الجماع ونحوه، (لا سيما إن عرف من حالها،
حرصها على هذا،) فيتأكد الاستحباب، (ولا يلزم من نومه معها الجماع،) فلا يؤخذ منه ندبه
كل ليلة، (والله أعلم).
(وقد كان عليه الصلاة والسلام يسرب) من التسريب، بالمهملة، وهو الإِرسال والتسريح،
أي: يرسل (إلى عائشة بنات الأنصار،) واحدة بعد أخرى، (يلعبن معها،) لأنها كانت صغيرة،
(رواه الشيخان، وإذا شربت) عائشة (من الإِناء، أخذه، فوضع فمه على موضع فمها وشرب،)
إشارة إلى مزيد حبه لها، (رواه مسلم، وإذا تعرقت عرقًا،) بفتح العين المهملة، وإسكان الراء،
(وهو العظم الذي عليه اللحم، أخذه، فوضع فمه على موضع فمها،) قال في النهاية: العرق،
بالفتح، والسكون: العظم إذ أخذ عنه معظم اللحم، وعرقت اللحم، وأعرقته إذا أخذت عنه اللحم
بأسنانك، وفي المصباح عرقت العظم عرقًا من باب قتل، أكلت ما عليه من اللحم، فجعله

٥٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
رواه مسلم أيضًا.
وكان يتكىء في حجرها، ويقبلها وهو صائم. رواه الشيخان.
وكان يريها الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على منكبه رواه
البخاري. ورواه الترمذي بلفظ: قام عَّهِ فإذا حبشة تزفن والصبيان حولها، فقال:
يا عائشة تعالى فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله عَّه فجعلت
أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت أما شبعت فجعلت
أقول: لا، لا. وقال حسن صحيح غريب.
وروي أنه عَِّ سابقها فسبقته، ثم سابقها فسبقها، فقال: هذه
بتلك.
مصدرًا، والمصنف إسمًا، وعليه، فهو مجاز، إذ المصدر، لا يتصور وضع الفم عليه، فيكون
المعنى أخذ المعروق، فالضمير راجع إليه، بمعنى اسم المفعول، لكن في القاموس العرق العظم
بلحمه، فإذا أكل لحمه، فعراق كغراب، وعليه فإطلاق العرق حقيقي، (رواه مسلم أيضًا) من
حديثها: (وكان يتكىء في حجرها، ويقبلها، وهو صائم، رواه الشيخان) عنها، وروى الأئمة الستة
عنها، كان يقبل النساء، وهو صائم، وبه تعلق الظاهرية، فجعلوا القبلة سنّة للصائم، وقربة من
القرب، وكرهها الجمهور، وردوا على أولئك؛ بأنه كان يملك إربه، كما صرحت به عائشة عند
الشيخين بلفظ، وكان أملكهم لإِربه، وأيما كان لا يفطر إلاَّ بإنزال، (وكان يريها الحبشة، وهم
يلعبون) بحرابهم، للتدريب على مواقع الحرب، والاستعداد، ولذا جاز (في المسجد،) لأنه من
منافع الدين، (وهي متكئة على منكبه،) ولعله أراها لعبهم لتضبطه، وتعلمه، فتنقله بعد للناس،
(رواه البخاري) من حديثها.
(ورواه الترمذي بلفظ قام عَّةٍ، فإذا حبشة،) أي: جماعة من الحبشة (تزفن،) بفتح
الفوقية، وسكون الزاي، وكسر الفاء)، وبالنون، ترقص، (والصبيان حولها) ينظرون إليها، (فقال: ((يا
عائشة تعالي، فانظري))، فجئت، فوضعت لحيي على منكب رسول اللَّه عَ لّه، فجعلت أنظر
إليها،) أي: الحبشة: (ما بين المنكب إلى رأسه،) أي: ورأسه، فإلى بمعنى الواو، أي: حالة
كون لحيي موضوعًا عليه، ما بين منكبه ورأسه، (فقال لي: ((أما شبعت أما شبعت))؟) من
رؤيتهم، (فجعلت أقول: لا لا) بالتكرار، (وقال) الترمذي (حسن صحيح غريب،) بمعنى تفرد به
الراوي، وهو ثقة، فيجامع الصحة، والحسن، (وروي أنه عَّ سابقها) في سفر، (فسبقته،) لخفة
جسمها بقلة اللحم، (ثم سابقها) بعد ذلك في سفر آخر، وقد سمنت، (فسبقها، فقال:) مطيبًا

٥٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
رواه أبو داود بلفظ: سبقتها في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم
سابقته فسبقني قال: هذه بتلك السبقة.
وعن أنس بن لملك: أنهم كانوا يومًا عند رسول الله عَّلهم في بيت عائشة
رضي الله عنها، ثم أتي بصحفة من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدي النبي ◌َّة
فقال: ضعوا أيديكم، فوضع نبي الله عَّةٍ يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع
طعامًا عجلته قد رأت الصحفة التي أتي بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به
فوضعته ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله عَّةٍ: كلوا بسم الله،
غارت أمكم، ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقالت: طعام مكان طعام، وإناء مكان
إناء. رواه الطبراني في الصغير.
لخاطرها ((هذه بتلك))،) روى الإمام أحمد عنها: خرجت مع رسول اللَّه عَّه في بعض أسفاره،
وأنا جارية، لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: ((تقدموا))، فتقدموا، ثم قال تعالى: حتى
أسابقك، فسابقته، فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم، وبدنت وسمنت، خرجت معه في
بعض أسفاره، فقال للناس: ((تقدموا))، ثم قال تعالى: أسابقك، فسبقني، فجعل يضحك، ويقول:
(هذه بتلك))، (رواه أبو داود بلفظ سابقته في سفر، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم)
صرت سمينة، كما قالت في الرواية الأخرى: وبدنت، بضم الدال، وفتحها، وسمنت، (سابقته).
في سفر آخر، (فسبقني، قال: ((هذه بتلك السبقة))،) من مزيد لطفه حتى لا تتشوش.
(وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يومًا عند رسول اللَّه عَِّ، في بيت عائشة رضي اللّه
عنها، ثم أتى بصحفة،) إناء، كالقصعة المبسوطة، ونحوها، جمعها صحاف، (من بيت أم
سلمة، فوضعت بين يدي النبي ◌َّهِ، فقال: ضعوا أيديكم) للأكل، (فوضع نبي اللَّه عَّه يده
ووضعنا أيدينا، فأكلنا، وعائشة تصنع طعامًا عجلته،) أسرعت به، والحال أنها (قد رأت الصحفة
التي أتى بها) من بيت أم سلمة، (فلما فرغت من طعامها، جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أم
سلمة، فكسرتها، فقال رسول اللَّه عَّله:) من صحفة عائشة (غارت أمكم،) هي، كأسرة الصحفة
عائشة أم المؤمنين، وأبعد الداودي، فقال: هي سارة زوج الخليل، وأنه أراد، لا تعجبوا مما وقع
من هذه من الغيرة، فقد غارت تلك قبلها، ورد مع بعده؛ بأن المخاطبين ليسوا من أولاد سارة، إذ
ليسوا من بني إسرائيل، (ثم أعطي صحفتها أم سلمة، فقال: طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء.
(رواه الطبراني في الصغير،) وعزاه في الفتح، والمقدمة له في الأوسط.

٥٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وهو عند البخاري بلفظ: كان عَِّ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى
أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها يد الخادم
فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبى عليه فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها
الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي
بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها،
وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت.
وعند أحمد وأبي داود والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا مثل
(وهو،) أي: حديث أنس (عند البخاري) في المظالم، والأطعمة، (بلفظ كان مَُّلِّ عند
بعض نسائه) هي عائشة، كما في الترمذي وغيره، ولا خلاف في ذلك، (فأرسلت إحدى أمهات
المؤمنين) صفية، رواه أبو داود، والنسائي، من حديث عائشة، أو حفصة، رواه الدارقطني من
حديث أنس، وابن ماجه عن عائشة، أو أم سلمة.
رواه الطبراني في الأوسط عن أنس، وإسناده أصح من إسناد الدارقطني، وساقه بسند
صحيح، وهو أصح ما ورد في ذلك، ويحتمل التعدد، وحكي ابن حزم في المحلى أن المرسلة
زينب بنت جحش، ذكره الحافظ، وتبعه المصنف في جزم السيوطي بالأخير، شيء (بصحفة)
لفظ البخاري في الأطعمة، ولفظه في المظالم بقصعة، بفتح القاف (فيها طعام،) أي: حيس،
كما في المحلى لابن حزم، وتأتي رواية يلتقط اللحم، فيحتمل أن اتحدت القصة، أنه كان فوق
الحيس، قال الشاعر:
التمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إلاَّ أنه لم يختلط
مع خادم، (فضربت التي النبي) عَّةٍ (في بيتها،) هي عائشة على جميع الأقوال، (يد
الخادم،) لم يسم، قاله الحافظ، (فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع عَّةٍ فلق الصحفة، ثم جعل
يجمع فيها الطعام، الذي كان في الصحفة، ويقول:) مبديًا لعذرها ((غارت أمكم))) عائشة، (ثم
حبس الخادم))،) منعه من العود إلى سيدته التي أرسلته، (حتى أتى بصحفة من عند التي هو في
بيتها، فدفع الصحفة) التي، لا كسر فيها (إلى) الخادم ليوصلها إلى (التي كسرت صحفتها،
وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت،) عقابًا لها، فإن قيل القصعة متقوّمة، فكيف ضمنها
بالمثل، لا بالقيمة، أجاب البيهقي؛ بأن القصعتين كانتا للنبي عَّ في بيت زوجتيه. فعاقب
الكاسرة، بجعل المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك
تضمین.
(وعند أحمد، وأبي داود، والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا) حسنًا، (مثل

٦٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
صفية، أهدت إلى النبي عَّهِ إناء من طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت
يا رسول الله ما كفارته؟ قال: إناء كإناء وطعام كطعام. وعند غيرهم: فأخذت
القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبي عَّ يلتقط اللحم والطعام
وهو يقول: غارت أمكم، فلم يثرب عليها.
فوسع خلقه الشريف آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها
بحكم الله في التقاص. وهكذا كانت أحواله عليه الصلاة والسلام مع أزواجه، لا
يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس العدل إقامة من غير قلق ولا
غضب، بل رؤوف رحيم، حريض عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم.
قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة
صفية أُهدت إلى النبي عَّه) وهو في بيتي (إناء من طعامٍ، فما ملكت نفسي أن كسرته،) أي:
الإِناء، ثم رجعت إلى نفسي، وندمت، (فقلت: يا رسول اللَّه ما كفارته، قال: ((إناء كإناء، وطعام
كطعام))،) ففي هذه الرواية أن المرسلة صفية، فيخالف رواية الطبراني أنها أم سلمة، إن لم
تحمل على التعدد، (وعند غيرهم، فأخذت القصعة،) يفتح القاف، (من بين يديه، فضربت بها،
وكسرتها، فقام النبي ◌َّ يلتقط اللحم والطعام، وهو يقول: ((غارت أمكم) عائشة، فلا تلوموها))،
(فلم يثرب،) بضم التحتية، وفتح المثلثة، وكسر الراء ثقيلة، أو بفتح، فسكون، فكسر، (عليها،)
أي: لم يلمها، ولم يعبها، (فوسع خلقه الشريف،) وفي نسخة الكريم، (آثار،) أي: شدائد،
(طفحات آثار) حرارة (غيرتها،) بفتح الغين المعجمة، فأطلق الطفح الذي هو امتلاء الإِناء حتى
يفيض على شدة الغيرة مجازًا، (ولم يتأثر) من فعلها ذلك بحضوره، وحضور أصحابه، لمزيد
حلمه، وعلمه بما تؤدي إليه الغيرة، (وقضى عليها بحكم اللَّه في التقاص،) أي: العقاب، بجعلٍ
المكسورة عندها، ودفع الصحيحة لضرتها، فكأنه قاصصها، فأطلق التقاص مجازًا عن ذلك، وإلاّ
فكلاهما له، كما مر عن البيهقي.
(وهكذا كانت أحواله عليه الصلاة والسلام مع أزواجه، لا يأخذ عليهن، ويعذرهن،)
بكسر الذال، يرفع عنهن اللوم، (وإن أقام عليهن قسطاس،) ميزان (العدل) مبالغة، أي: يفعل
ذلك مع العدل بينهن، (إقامة) مصدر مؤكد (من غير قلق، ولا غضب،) كما هو الواقع من غيره
كثيرًا، وهذا أولى من جعل أن شرطًا جوابها إقامة، لما لا يخفى، (بل) هو (رؤوف،) شديد الرحم
(رحيم،) يريد الخير، (حريص عليهن، وعلى غيرهن) أن يهتدوا، (عزيز) شديد (عليه ما
يعتتهم)،، بكسر النون، أي: عنتهم، أي: مشقتهم، ولقاؤهم المكروه، (قيل، وفي هذا الحديث