Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
متظاهرة، رواه البيهقي.
وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي عَّ كانت أطول من الوسطى. قال
الحافظ بن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه. انتهى.
وقال شيخنا - في المقاصد الحسنة -: وسلف جمهورهم الكمال الدميري.
وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: ((كذا رواه ابن لهرون عن
عبد الله بن مقسم عن سارة ابنة مقسم أنها سمعت ميمونة ابنة كردم تخبر أنها رأت
أصابع رسول الله عَّ كذلك)). فضم ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون
الوسطى من كل أطول من
متظاهرة،) أي: زائدة في الطول على الظاهر، ويحتمل في الغلظ، على ما يليها من الأصابع،
فتكون مرتفعة عنها بارزة، (رواه البيهقي).
وفي سنده سلمة بن حفص السعدي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل
الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل، لا أصل له، ورسول اللّه عَ لّه كان معتدل
الخلق، (وقد اشتهر على الألسنة؛ أن سبابة النبي،) أي سبابة اليد منه (عَّةٍ، كانت أطول من
الوسطى،) وذكره القرطبي وغيره، (قال الحافظ بن حجر،) لما سئل عنه، (وهو غلط ممن قاله،
وإنما ذلك في أصابع رجليه ا هـ).
فإطلاق السبابة على الأصبع التي تلي إبهام الرجل مجاز، علاقته المجاورة لإِبهام الرجل،
لأنها لغة الإصبع، التالية لإِبهام اليد، لأنه يشار بها عند السب، (وقال شيخنا) السخاوي (في
المقاصد الحسنة:) حديث سبابة النبي عَّه، وأنها كانت أطول من الوسطى، اشتهر هذا على
الألسنة كثيرًا، (وسلف جمهورهم،) أي القائلين بطول سبابة يده (الكمال الدميري، وهو خطا نشأ
عن اعتماد رواية مطلقة، وعبارته،) أي: الدميري.
(كذا رواه) يزيد (بن هرون) السلمي، مولاهم، البصري، الواسطي، ثقة، متقن، عابد، روى
له الستة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين (عن عبد اللَّه) بن يزيد (بن مقسم)، فنسب
إلى جده، بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح المهملة، ابن ضبة، الثقفي، مولاهم البصري أصله
من الطائف، صدوق ثقة.
روى له أبو داود حديثًا واحدًا، قال في الإصابة: ومنهم من أسقط عبد اللّه، وقال عن
يزيد بن مقسم، (عن) عمته (سارة ابنة مقسم) الثقفية، لا تعرف من الرابعة، كما في التقريب
(إنها سمعت ميمونة ابنة كردم، تخبر أنها رأت أصابع رسول اللّه عَ لّ. كذلك،) أي السبابة أطول
من الوسطى، (فضم ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون الوسطى من كل أطول من

٤٨٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
السبابة، وعين اليد منه عَُّ ◌ّ لذلك بناء على أن القصد ذكر وصف اختص به عَ ا﴾.
عن غيره.
ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن لهرون المذكور
مقيد بالرجل، ولفظه - كما قدمته - فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر
أصابعه.
وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل من طريق يزيد ولفظها: رأيت
رسول الله عَّه بمكة وهو على ناقته وأنا مع أبي، فدنا منه أبي فأخذ بقدمه فأقر له
رسول الله عَّه قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
السبابة، وعين اليد منه عَ لّه لذلك،) فأنتج له كونه أطول من الوسطى على فهمه، (بناءً على أن
القصد ذكر وصف اختص به عَِّ عن غيره،) مع أنه ليس بمراد، إنما المراد، صفة أصابعه مطلقًا،
قال شيخنا: وعلى هذا، فما حكمة تخصيصها طول سبابة رجله بالذكر؟، فإن كان المراد
مساواتها لغيرها من الأصابع، فلا فائدة في ذكرها، وإن كان المراد أنها تزيد طولاً على سبابة
غيره، كان ذكر طولها من الوصف المختص به عَّليه، (ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد،
من حديث يزيد بن هزون المذكور،) بسنده (مقيد بالرجل، ولفظه كما قدمته قريبًا، فما نسيت
طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه،) فيحمل المطلق على المقيد.
(وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل النبوية، من طريق يزيد) ابن هرون المذكور سنده عن
ميمونة، (ولفظها رأيت رسول اللّه عَّه بمكة) في حجة الوداع، (وهو على ناقته، وأنا مع أبي،)
وبيد رسول اللّه عَ ◌ّله درة، كدرة الكتاب، (فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقر،) أي أثبت (له) قدمه
(رسول اللَّه عَ ◌ّ) في مكانها حتى يتمكن من رؤيتها، (قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة
على سائر أصابعه) إلى هنا ما نقله من المقاصد، وقال عقبة: ولا يمنع ذكرها لذلك مشاركة غيره
من الناس له عٍَّ، في ذلك إذ لا مانع أن يقال: رأيت فلانًا أبيض، أو أسمر، مع العلم بمشاركة
غيره له، ويجوز أن يكون التفاوت، بكونه زائد الظهور، إذ الناس فيه متفاوتون، وكذا لا يمنع منه
كون السبابة في اليد خاصة، لأن تسميتها فيها حقيقة، وفي القدم لاشتراكها معها، في التوسط
بين الإِبهام والوسطى اهـ
هذا وقد اشتهر في المدائح قديمًا وحديثًا، أن النبي عَّ، كان إذا مشى على الصخر
غاصت قدماه فيه وأثرت، وأنكره السيوطي، وقال: لم أقف له على أصل، ولا سند، ولا رأيت من
خرجه في شيء من كتب الحديث، وكذا أنكره غيره، لكن المصنف ذكر في الخصائص، في

٤٨٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن أبي هريرة أنه عٍَّ كان إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها ليس له
أخمص. رواه البيهقي.
وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي عَ لَِّ لا أخمص له يطأ على قدمه
كلها. رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
بعض نسخه تقويته بما حاصله، أنه ما خص نبي بمعجزة، أو كرامة، إلاَّ ولنبينا مثلها، وأثر قدمي
إبراهيم بالمقام، بمكة متواتر، وفيه يقول أبو طالب:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير فاعل
وفي البخاري، حديث تأثير ضرب موسى في الحجر، ستًّا، أو سبعًا، إذ فر بثوبه حين
اغتسل اهـ، إلاَّ أن مثل هذا لا يدفع إنكار وروده، والمثلية التي لنبينا، أما من جنسها، أو بغيرها،
أعلى، أو مساوٍ، كما نصوا عليه، (وعن أبي هريرة، أنه عَّةٍ: كان إذا وطىء بقدمه، وطىء
بكلها،ليس له أخمص،) بزنة أحمر، أي انخفاض باطن قدم بل كانت قدمه مستوية، فالأخمص
من باطن القدم ما لم يصب الأرض عند المشي، كما يأتي (رواه البيهقي،) والبزار،
وعبد الرزاق، (وعن أبي أمامة الباهلي، قال: كان النبي عٍَّ لا أخمص له،) ولذلك (يطأ على
قدمه كلها، رواه ابن عساكر، وقال ابن أبي هالة: خمصان،) بضم الخاء المعجمة، وفتحها،
وسكون الميم، كما قاله الصغاني، وغيره، لا بفتح الميم، كما يوهمه القاموس، والاقتصار على
ضم الخاء قصور (الأخمصين،) تثنية أخمص، سمي به لضموره، ودخوله في الرجل، قال
الزمخشري: يريد أنهما مرتفعان عن الأرض، ليس بالأرح الذي يمسها أخمصاه اهـ
وهذا كما، قال البرهان الحلبي في شرح الشفاء، منافٍ لقوله: (مسيح،) بفتح الميم،
وكسر المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة (القدمين،) أي أملسهما، ولذا، قال: ينبو عنهما الماء،
ومنابذ لقول أبي هريرة، وأبي أمامة، لا أخمص له، ويمكن الجمع باحتمال أنه في أول أمره كان
له أخمص، لما لم يكن جسده ممتلئاً باللحم، ثم لما امتلأ باللحم استوت قدمه، فلم يضربها
خمص، وقد يؤيد ذلك أن الإثبات رواية ابن أبي هالة: وهو ربيبه وتربيته، فقد يكون أخباره عن
أول أمره، والنفي رواية أبي هريرة، وهو متأخر، لأنه إنما جاء سنة سبع من الهجرة، عام خيبر،
وكذا أبو أمامة، من الأنصار أسلم، بالمدينة؛ وكان المصطفى، قد أسن، فهو أخبار عن آخر أمره،
وقد جمع أيضًا، بأن مرادًا لنا في سلب نفي الاعتدال فيمن أثبته، أراد أن في قدميه خمصًا
يسيرًا، ومن نفاه نفي شدته، وهذا، قد يؤيده جمع هند بين أخمص، ومسيح، فأتي به عقبه، ليبين

٤٨٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال ابن الأثير: الأخمص من القدم الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها
عند الوطء. والخمصان: البالغ منه، أي إن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد
التجافي عن الأرض.
وسئل ابن الأعرابي عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع
جدًا، ولم يستو أسفل القدم جدًا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدًا
فهو ذم، فيكون المعنى أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول.
ووقع في حديث أبي هريرة إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها ليس له أخمص.
وقوله: مسيح القدمين أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، ....
أن الخمصة فيه قليلة جدًا.
(قال ابن الأثير: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء)،)
أي المشي، يقال منه خمص القدم خمصًا، من باب تعب، فالرجل أخمص، والمرأة خمصاء،
والجمع خمص؛ مثل أحمر وحمراء وحمر، لأنه صفة، (والخمصان البالغ منه، أي أن ذلك
الموضع من أسفل قدميه، شديد التجافي عن الأرض،) فجعله كليل أليل، واعترض بأن ذلك
لا يناسب قوله بعده مسيح القدمين، فالأحسن أنه لم يرد المبالغة في ارتفاعه، بل أتى به لبيان أنه
مرتفع فقط، وهذا معنى قوله: (وسئل ابن الأعرابي،) الإِمام، الحافظ، الزاهد، أبو سعيد أحمد بن
محمد بن زياد البصري، صاحب التصانيف: سمع أبا داود، وخلقا عمل لهم معجمًا، وعنه ابن
منده، وغيره، وكان ثقة، ثبتًا، عارفًا، ربانيًا، مات سنة أربع وثلاثمائة (عنه)) أي عن معناه، (فقال:
إذا كان خمص،) بكسر الميم، (الأخمص،) أي مرتفعة (بقدر لم يرتفع جدًا، ولم يستوِ أسفل
القدم جدًا، فهو أحسن ما يكون) لاعتداله، (وإذا استوى) جدًا، (أو ارتفع جدًّا، فهو ذم، فيكون
المعنى أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول،) فلا يكون معتدلاً، فلا يحمل عليه الحديث،
لما ورد في صفته عَّله، أنه معتدل الخلق، (ووقع في حديث أبي هريرة: إذا وطىء) مشى
(بقدمه وطىء بكلها، ليس له أخمص،) وذلك منافٍ لحديث هند، إلاّ أن يحمل على نفي
الاعتدال، فيجتمعان، أو على وقتين، كما مر.
(وقوله: مسيح القدمين، أي) هما (ملساوان لينتان، ليس فيهما تكسر،) أي انخفاض
لبعض الأجزاء، وارتفاع لبعضها مأخوذ من قولهم، كما في الصحاح أرض ذات كسور، أي
صعود وهبوط، (ولا شقاق،) بضم المعجمة، كغراب، وهو لغة داء يصيب أرساغ الدواب، وما

٤٨٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فإذا أصابهما الماء نبا عنهما كما قاله ابن أبي هالة: ينبو عنهما الماء، وهو معنى
حديث أبي هريرة.
وعن عبد الله بن بريدة قال: كان عَّه أحسن البشر قدمًا. رواه ابن سعد.
وأما طوله عَِّ فقال علي: كان عَِّ لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول
أقرب. رواه البيهقي. وعنه: كان رسول الله عَّه ليس بالذاهب طولاً، وفوق الربعة
إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله عَ له ربعة
بين الحافر وطرف الساق، فأطلق مجازًا على تشقق القدم، (فإذا أصابهما الماء نبا عنهما،)
انحدر سريعًا، ولا يقف لملاستهما، (كما قاله: ابن أبي هالة:) عقب مسيح القدمين، (ينبو عنهما
الماء،) أي يرتفع، والمراد به مفارقة الماء، وانصبابه مجازًا، (وهو معنى حديث أبي هريرة)
المذكور، لأن المراد من وطئه بكلها استواء أجزائها، بلا ارتفاع، ولا انخفاض، (وعن عبد الله بن
بريدة) بن الحصيب، الأسلمي المروزي، قاضيها، تابعي، ثقة، روى له الستة، مات سنة خمس
ومائة عشرة، وله مائة سنة، (كان عَّ أحسن البشر قدماً، رواه ابن سعد) في طبقاته، وهو يؤيد
تفسير ابن الأعرابي، الأخمص بالمعتدل، والله أعلم.
(وأما طوله عَّة، فقال علي:) في بيانه، فهو الجواب، لأنه دال على نفس المراد،
فلا حاجة هنا لجعله محذوفًا، أي فكان معتدلاً لقول علي: (كان ◌َّةِ، لا) هو (قصير، ولا) هو
(طويل)، فهو خبر مبتدأ محذوف، كقوله تعالى: ﴿لا فارض، ولا بكر﴾ [البقرة: ٦٨]، (وهو
إلى الطول أقرب) نفي به، توهم أنه بينهما على السواء، أو إلى القصر أقرب، (رواه البيهقي،)
ورواه الترمذي في الشمائل عن علي بلفظ، لم يكن بالطويل، ولا بالقصير، وهو عنده أيضًا عن
أنس، (وعنه،) أي علي: (كان رسول اللّه عَّه ليس بالذاهب،) أي المفرط (طولاً، وفوق الربعة
إذا جامع القوم غمرهم،) بفتح المعجمة، والميم، أي زاد عليهم في الطول، فكان فوق كل من
معه من غمر الماء، إذا علا، وهل بأحداث اللّه له طولاً حقيقة حينئذٍ، ولا مانع منه، أو أن ذلك
يرى في أعين الناظرين فقط، وجسده باقٍ على أصل خلقته، على حد قوله تعالى: ﴿وإذ
يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم﴾ [الأنفال/٤٤]، وهذا هو
الظاهر، فهو مثل تطور الولي، وذلك كي، لا يتطاول عليه أحد صورة، كما لا يتطاول معنى،
فمثل ارتفاعه المعنوي في عين الناظر، فرآه رفعة حسية، وهذا من معجزاته، (رواه عبد اللّه بن
الإِمام أحمد) بن حنبل الحافظ، ابن الحافظ.
(وعن أبي هريرة كان رسول اللّه عَّةٍ- ربعة)) بفتح فسكون، وقد تحرك والجمع ربعات،

٤٨٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وهو إلى الطول أقرب رواه البزار.
وقوله: ربعة، أي مربوعًا، والتأنيث باعتبار النفس. وقد فسر في الحديث
الآتي بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، والمراد بالطويل البائن: المفرط في
الطول مع اضطراب القامة.
وقال ابن أبي هالة: أطول من المربوع وأقصر من المشذب - وهو بمعجمتين
مفتوحتين ثانيتهما مشددة، أي البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر
بالسكون، وتحريكه شاذ، كما في القاموس، لأن فعلة إذا كان صفة، لا يحرك في الجمع، وإنما
يحرك إذا كان اسمًا، ولم يكن موضع العين واوًا، وياء، كجوزة، وبيضة، فيقال في الجمع
جوازات، وبيضات، وربما سمع التحريك هنا، وهو لغة هذيل، (وهو إلى الطول أقرب رواه
البزار) وكذا وصفه أنس، وعلي؛ بأنه كان ربعة، رواه الترمذي وغيره، (وقوله ربعة أي مربوعًا،)
كما عبر به البراء بن عازب، فقال: كان رجلاً مربوعًا رواه الترمذي، والبخاري، ومسلم،
والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، فالمربوع يرادف الربعة، كالربع على مفاد القاموس، وغيره، فليس
مراد المصنف أنه في الأصل بمعنى المصدر، ثم استعمل بمعنى المفعول، بل مجرد الإيضاح،
(والتأنيث باعتبار النفس،) يقال: رجل ربعة، وامرأة ربعة، كما في الفتح، أي، وإلاَّ، فالأصل
تجرده من الهاء، قال بعض: ويمكن جعل التاء مما بنيت عليه الكلمة، فلا حاجة إلى تقدير نفس،
أو نسمة، إذ ليست للتأنيث، (وقد فسر في الحديث الآتي) قريبًا عن عائشة، (بأنه ليس
بالطويل البائن،) بالهمز اسم فاعل من بان، فهو بائن بقلب الياء همزة، لوقوعها بعد ألف زائدة،
ولذا، قال شراح الشمائل وغيرهم: جعله بالياء، وهم لوجوب اعتلال اسم فاعل اعتل فعله،
(ولا بالقصير،) أي البائن، كما في رواية، ( والمراد بالطويل البائن: المفرط في الطول، مع
اضطراب القامة،) أي مع رخاوة لها.
(وقال ابن أبي هالة: أطول من المربوع،) عند إمعان النظر، وتحقيق التأمل، فهذا بحسب
الواقع، والمراد بكونه ربعة فيما مركونه كذلك في مبادىء النظر، فهو بحسب الظاهر، ولا ريب
أن القرب من الطول في القامة أحسن، وألطف، (وأقصر من المشذب، وهو بمعجمتين مفتوحتين،
ثانيتهما مشددة،) اسم مفعول، ثم موحدة، (أي البائن الطول في نحافة،) كذا في النهاية، وفي
القاموس المشذب، كمعظم الطويل، الحسن الخلق، كالشوذب، وهذا أبلغ من قوله: لم يكن،
بالطويل البائن، لأنه ينفي الطول، ويفيد حسن الخلق، وقراءة المشذب، اسم فاعل، لا تساعده
اللغة، (وهو مثل قوله،) أي: علي بن أبي طالب (في الحديث الآخر،) عند الترمذي، قال: كان

٤٨٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
لم يكن بالطويل الممغط - وهو بتشديد الميم الثانية - المتناهي في الطول. وأمغط
النهار إذا امتد، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله منمغط والنون للمطاوعة فقلبت
ميمًا وأدغمت في الميم، ويقال بالعين المهملة بمعناه.
وعن عائشة قالت: لم يكن رسول الله علّه بالطويل البائن ولا بالقصير
المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد
من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله عَّةٍ ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان
فيطولهما، فإذا فارقاه نسب
علي إذا وصف رسول اللّه عَُّّه، قال: (لم يكن بالطويل الممغط،) ولا بالقصير المتردد، وكان
ربعة من القوم، (وهو، بتشديد الميم الثانية،) وكسر الغين المعجمة، وطاء مهملة، اسم فاعل
(المتناهي في الطول، وأمغط النهار، إذا امتد، ومغطت الحبل إذا مددته،) وكل ما يمتد بالمد
يطول، ويرق، فالمراد نفي الطول البائن، وقلة اللحم، (وأصله منمغط،) بنون ساكنة، فميم
مفتوحة، (والنون للمطاوعة، فقلبت ميماً، وأدغمت في الميم،) فصار الموجود لفظًا ميمًا
مشددًا، وهذا لفظ النهاية، لكن يرد عليه أن النون الساكنة إذا اجتمعت مع ميم في كلمة
لا يجوز إدغامها، كقولهم ناقة زنماء، بالزاي، بلا إدغام، أي: قطع بعض أذنها، وترك معلقًا، إشارة
إلى أنها كريمة، (ويقال بالعين المهملة، بمعناه،) وعليهما هو اسم فاعل من انمغط، وفي جامع
الأصول المحدثون يشددون الغين، فعليه هو اسم مفعول من التمغيط، ولا يقدح فيه اشتهار اسم
الفاعل، فقد يكون الاشتهار طارئًا.
(وعن عائشة، قالت: لم يكن رسول اللّه عَلَ﴾، بالطويل البائن،) بالموحدة قال في فتح
الباري: اسم فاعل من بان، أي: ظهر على غيره أو فارق من سواه، وقال في النهاية: أي: المفرط
طولاً الذي بعد عن قدر الرجال، وقد تقدم ذلك، وهو إشارة إلى احتمال أنه من بان إذا ظهر، أو
بان إذا بعد، وفارق، وسمي فاحش الطول بائنًا، لأن من رآه تصور أن كلاً من أعضائه بائن عن
الآخر، أو ظاهر على غيره، أو مفارقه طولاً وقامة، (ولا بالقصير المتردد:) المتناهي في القصر،
كأنه تردد بعض خلقه على بعض، وتداخلت أجزاؤه، كما في النهاية، (وكان ينسب إلى الربعة)
بأن يوصف بها، فيقال: هو ربعة لقربه منها، (إذا مشى وحده،) فهو من نسبة الجزئي إلى كلية،
واستأنفت جواباً لسؤال نشأ من مفهوم وحده قولها: (ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس،
ينسب إلى الطول إلاَّ طاله)، أي زاد عليه في الطول (عَّةُ، ولربما اكتفه الرجلان الطويلان،
فيطولهما) يزيد عليهما، طولاً إكرامًا من الله حتى، لا يزيد أحد عليه صورة، (فإذا فارقاه نسب

٤٨٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رسول الله عَِّ إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقي.
وزاد ابن سبع في الخصائص: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من
جميع الجالسين.
ووصفه ابن أبي هالة بأنه بادن متماسك، أي معتدل الخلق، كأن أعضاءه
يمسك بعضها بعضًا.
رسول اللّه عَّلِ إلى الربعة، رواه: ابن عساكر، والبيهقي،) وابن أبي خيثمة، كما مرّ، (وزاد ابن
سبع في الخصائص،) ورزين: (أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين،)
وحكمته ما رأيت، ودليله قول علي: إذا جامع القوم غمرهم إذ هو شامل للمشي والجلوس،
فقصر من توقف فيه، بأنه لم يره، إلاّ في كلام رزين وكلام الناقلين عنه.
(ووصفه ابن أبي هالة؛ بأنه) معتدل الخلق، (بادن:) ضخم البدن، لا مطلقًا، بل بالنسبة،
لما سبق من كونه شئن الكفين والقدمين، جليل المشاش والكتد، ولما كانت البدانة، قد تكون
من الأعضاء، وقد تكون من كثرة اللحم، والسمن المفرط، الموجب الرخاوة البدن، وهو مذموم،
أردفه بما ينفي ذلك، فقال: (متماسك) صريح، تصرف المصنف أنهما، بالرفع، وهو في الشمائل،
بلا ألف، فقال بعض شراحها ما قبله منصوب، ومن بادن إلى آخر الحديث، بالرفع خبر مبتدأ
محذوف، أي هو، والجملة مستأنفة، أو في محل نصب خبر لكان بعد خبر، إذ أول الحديث
كان فخمًا مفخمًا، لكن الظاهر من حيث العربية النصب، بل قال: بعض لا حجة في رسمه في
الشمائل، بلا ألف على الرفع، بل هو منصوب، على طريقة جمع من أصحاب الحديث، يكتبون
المنصوب بصورة المرفوع، اكتفاءً بالحركة، ويقرؤنه بالنصب، وقد نقله ابن الأثير في الجامع
عن الشمائل بادنًا متماسكًا، بنصبهما اهـ
وكذا أخرجه عياض في الشفاء من طريق الترمذي، وكذا نقله عن الشمائل السيوطي في
جامعه، بنصبهما، (أي: معتدل الخلق، كأن أعضاؤه يمسك بعضها بعضًا) من غير ترجرج، وقيل
معناه ليس بمسترخي البدن، واستشكل كونه بادنًا بما في رواية البيهقي، ضرب اللحم، قال
البغوي: يريد أنه ليس بنا حل ومنتفخ، وفي المقتفي شحم بين شحمين، لا ناحل، ولا مطهم،
والبادن الجسيم، أو كثير اللحم، وأجيب بأنه لم يرد بضرب القلة، بل الخفة لتماسكه، وبأن
القلة، والكثرة، والخفة، والتوسط، من الأمور النسبية المتفاوتة، فحيث، قيل بادن أريد عدم
النحول والهزال، وحيث، قيل قليل، أو خفيف، أو متوسط، أريد عدم السمن التام، فهو المنفي،
والمثبت عدم النحول، وبأنه كان نحيفًا، فلما أسن بدن، لما في مسلم عن عائشة: فلما أسن،

٤٨٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وأما شعره الشريف عليٍّ، فعن قتادة قال: سألت أنسًا، عن شعر
رسول الله عَ ◌ّه فقال: شعر بين شعرين، لا رَجُل ولا سبط ولا جعد قطط كان بين
أذنيه وعاتقه.
وفي رواية للشيخين كان رجلاً ليس بالسبط ولا الجعد
وكثر لحمه سابقته، فسبقته، قال بعض المحققين: والحق أنه لم يكن سمينًا قط، ولا نحيفًا قط،
غير أنه في الآخرة كان أكثر لحمًا، فغايته أن يراد بالبدانة قدر آخر كان أزيد بالخفة ما دون
ذلك، (وأما شعره،) بسكون العين: جمعه شعور، كفلس وفلوس، وبفتحها جمعه أشعار، كسبب،
وأسباب، وجمع تشبيهًا الاسم الجنس بالمفرد، وهو مذكور واحدته شعره (الشريف عَّه) أي
صفته في الرأس وغيره، وأما صفة الرأس، فهو أول ما بدأ به المصنف من شمائله، فلا نسود وجه
الطرس بنقله عن غيره.
(فعن قتادة) بن دعامة، بكسر الدال الأكمه، المفسر، السدوسي، التابعي، الشهير، (قال:
سألت أنسًا عن شعر رسول اللّه عَظُلٍَّ، فقال: شعر بين شعرين،) أي: بين نوعين من الشعر هما:
الجعد والسبط، أي بين الجعودة، والسبوطة، كما يأتي (لا رجل،) بفتح الراء، وکسر الجيم،
وفتحها، وسكونها، كما في المفهم، وزاد غيره: وضمها، (ولا سبط،) بفتح، فكسر، وسكون، أو
فتحتين، أي مسترسل، لا يتكسر منه شيء، كشعر الهنود، (ولا جعد،) بفتح الجيم، وسكون
المهملة، أي منقبض يتجعد، ويتكسر، كشعر الحبش والزنج، (قطط،) بفتحتين، كجسد على
الأشهر، ويجوز كسر ثانيه، والجعد يرد، بمعنى الجواد والكريم، والبخيل، واللئيم، ومقابل السبط،
يوصف بقطط في الكل، فهو لا يعين المراد، فلذا وقع مقابلاً لسبط، والمراد أن شعره ليس نهاية
في الجعودة، وهي تكسره الشديد، ولا في السبوطة، وهي عدم تكسره، وتثنيه بالكلية، بل كان
وسطًا بينهما، وخير الأمور أوساطها.
قال الزمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته، فقد أحسن الله
تعالى برسوله الشمائل، وجمع فيه ما تفرق في الطوائف من الفضائل ا هـ
ثم المراد بقوله: لا رجل نفي شدة استرسال الشعر، بدليل قوله: (كان بين أذنيه،)
بالتثنية، (وعاتقه) بالإِفراد، فلا ينافي إثباته في قوله: (وفي رواية للشيخين،) وغيرهما عن قتادة،
سألت أنس بن لملك عن شعر رسول اللّه عَّةٍ لفظ البخاري، ولفظ مسلم، قلت لأنس بن الملك:
كيف كان شعر رسول اللّه عَ لّه، فقال: (كان) شعر رسول اللّه عَ ◌ّ لفظ خ، ولفظ م، فقال: كان
شعرًا (رجلاً ليس بالسبط،) أي: المنبسط المسترسل، (ولا الجعد،) أي الشديد التكسر، بل فيه
تكسر يسير، فهو بينهما، قال المصنف: فقوله ليس الخ ... ، كالتفسير لسابقه اهـ.

٤٩٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
بين أذنيه وعاتقه.
وفي أخرى: إلى أنصاف أذنيه. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي عَِّ من إناء واحد، وكان له
شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي وأبو داود.
فهو المراد بالإِثبات، فلا ينافي النفي، وكان (بين أذنيه، وعاتقه) بالتثنية في الأول،
والإِفراد في الثاني، أي: فليس فيه شدة ارتفاع، ولا شدة استرسال، وفي رواية للشيخين، عن
قتادة عن أنس: كان يضرب شعره منكبيه، وللبخاري أيضاً كان يضرب رأس النبي عَ ◌ّه منكبيه،
(وفي أخرى) من حديث حميد عن أنس، قال: كان شعر رسول اللّه عَّةِ (إلى أنصاف أذنيه)
جمع نصف، أريد به ما فوق الواحد، أو أراد بالنصف مطلق البعض، وذلك البعض متعدد أكثر
من اثنين، لأنه تارة إلى نصف الأَذُن، وتارة إلى دونه، وأخرى إلى فوقه، (رواه البخاري) في
كتاب اللباس والزينة، (ومسلم) في صفة النبي، (وأبو داود، والنسائي،) والترمذي في الشمائل،
(وعن عائشة، قالت: كنت أغتسل،) أفادت الحكاية الماضية بصيغة المضارع، استحضارًا
للصورة الماضية، وإشارة إلى تكرره، واستمراره، أي اغتسلت متكررًا (أنا والنبي عَلَه) برفع
النبي عطفًا على الضمير المرفوع، ولذا أبرز وجاز، مع أن المضارع المبدوء، بالهمزة لا يرفع
الاسم الطاهر، لأنه تابع، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره، أو غلب المتكلم على الغائب، كما
غلب في قوله تعالى: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [الأعراف/١٩]، المخاطب على
الغائب، لأن عادم أصل زوجه تبع، وهنا لأن النساء محل الشهوة، وحاملات على الغسل، فكأنهن
أصل، أو لأن الأصل أخبار الشخص عن نفسه، أو لاحتمال أن الماء معدًا لغسلها، وشاركها
المصطفى، أو من عطف، الجمل بتقدير عامل، أي ويغتسل معي، كما قيل في أسكن أنت
وزوجك الجنة، وبالنصب على أنه مفعول معه (من إناء واحد،) زاد في رواية من جنابه (وكان له
شعر فوق الجمة،) بضم الجيم، وشد الميم، (ودون الوفرة،) بفتح الواو، وسكون الفاء، (رواه
الترمذي) في جامعه، وشمائله بهذا اللفظ، (وأبو داود) في سننه، وكذا ابن ماجه بلفظ فوق الوفرة
دون الجمة، كما بينه الحافظ العراقي في شرح الترمذي قائلاً: ورايتهما هي الموافقة لكلام أهل
اللغة، إلاَّ أن تؤول رواية الترمذي، وذلك أنه، قد يراد بقوله دون النسبة إلى القلة، والكثرة، وقد
يراد بالنسبة إلى محل وصول الشعر، ورواية الترمذي، محمولة على هذا التأويل، أي إن شعره
كان فوق الجمة، أي: أرفع في المحل، فعلى هذا يكون شعره لمة، وهو ما بين الوفرة، والجمة،
وتكون رواية أبي داود، وابن ماجه: معناها كان شعره فوق الوافرة، أي أكبر من الوفرة، ودون

٤٩١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن.
وقال ابن أبي هالة أيضًا: كان رجل الشعر - وهو بفتح الراء وكسر الجيم،
أي يتكسر قليلاً، بخلاف السبط والجعد - إن انفرقت عقيقته فرقها وإلا فلا،
يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره.
والعقيقة بالقاف، شعر رأسه الشريف،
الجمة، أي في الكثرة، وعلى هذا، فلا تعارض بين الروايتين، فروى كل راوٍ ما فهمه من الفوق
والدون، قال تلميذه الحافظ ابن حجر، وهو جمع جيد، لولا أن مخرج الحديث متحد، وأجاب
المصنف بأن إحدى الروايتين نقل بالمعنى، ولا يضره اتحاد المخرج لاحتمال أنه وقع ممن دونه
اهـ.
ونحو قول بعضهم مال الروايتين على هذا التقدير متحد معنى، والتفاوت بينهما إنما هو في
العبارة، ولا يقدح فيه اتحاد المخرج، وهو عائشة، لأن دونها أدى معنى إحدى العبارتين، هذا،
وقد يستعمل أحد اللفظين المتقاربين مكان الآخر، كما سبق في أفلج الثنيتين، حيث، قالوا الفلج
يستعمل مكان الفرق، فكذا، يقال بمثله هنا. اهـ
وبهذا علمت شدة تسمح المصنف في العزو، (والوفرة الشعر: الواصل إلى شحمة
الأذن،) ويأتي قريبًا تفسيرها بذلك أيضًا، وبيان الجمة، واللمة، (وقال ابن أبي هالة أيضًا: كان
رجل الشعر) لفظ، كان لم يقع في لفظه، وإنما أتى به المصنف، ليبين أن رجل منصوب، لأنه
خبر بعد خبر، إذ أول الحديث كان رسول اللّه عَ طِّ فخمًا مفخمًا إلى أن، قال رجل الشعر، (وهو
بفتح الراء، وكسر الجيم،) لعله الأشهر، أو الرواية، وإلاّ فقد، قال القرطبي: في المفهم، وفتحها
وسكونها، ثلاث لغات، زاد بعض وضمها، كما مر، ومقتضاه إنها بمعنى واحد، وفي المصباح
رجل الشعر رجلاً، من باب تعب تعبًا، فهو رجل، بالكسر، والسكون، ومفاده إن المصدر
بفتحتين، والوصف على فعل، بكسر، فسكون تخفيف، (أي يتكسر قليلاً بخلاف السبط،)
الذي، لا يتكسر شيء منه، (والجعد) المتكسر (إن انفرقت عقيقته) من جملة قول هند: فصله
بضبط رجل، ومعناه (فرقها) بالتخفيف، أي جعل شعره نصفين، نصفًا عن اليمين، ونصفًا عن
اليسار، قيل بالمشط، وقيل بذاته، (وإلاَّ) تنفرق، بل كانت مختلطة متلاصقة، لا تقبل الفرق،
بلا ترجيل، (فلا) يفرقها، بل يتركها على حالها، معقوصة، أي وفرة واحدة، وحينئذٍ، فقد (يجاوز
شعره شحمة أذنه، إذا هو وفره،) أي: جعله وفرة، أي: مجموعاً، وفي نسخ وفر بلا هاء.
قال المزي: والمعروف رواية، بالهاء، (والعقيقة، بالقاف، شعر رأسه الشريف) من العق،
وهو في الأصل، القطع والشق، ولذا سميت الذبيحة للمولود، يوم سابعه عقيقة، لشق حلقها،

٤٩٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
يعني إن انفرقت بنفسها فرقها وإلا فتركها معقوصة، ويروى: إن انفرقت عقيصته
- بالصاد المهملة - وهي الشعر المعقوص.
وعن ابن عباس أن رسول الله عَ لّه كان يسدل شعره، وكان المشركون
يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل
الكتاب فیما لم يؤمر فیه بشىء،
والشعر الخارج على رأس المولود من بطن أمه عقيقة، لأنه يحلق، ثم قيل للشعر النابت بعد ذلك
عقيقة، لأنه منها، ونباته من أصولها، فهو مجاز مرسل، أو لأنه شبيه بها، فاستعارة، (يعني إن
انفرقت بنفسها فرقها وإلاَّ، فتركها معقوصة)) قاله القاضي عياض، ونحوه قول ابن الأثير، وإلاّ
تركها على حالها، ولم يفرقها، وهو بناءً على أن، وإلاّ، فلا كلام تام، وكذلك ما بعده، وإنه
متعلق بمقدر، كما أشرنا إليه، ومنهم من جعله كله كلامًا واحدًا، وفسره تارة بأنه لا يجاوز شحمة
أذنه إذا ترك الفرق؛ فقوله إذا هو وفره بيان لقوله، وإلاَّ وأخرى، بأنه إن انفرق، لا يجاوز في وقت
توفير الشعر، قال: وبه يجمع بين مختلف الروايات في أن شعره وفرة، أو جمة، فيقال: ذلك
باختلاف أزمنة عدم الفرق، والفرق، (ويروى إن انفرقت عقيصته، بالصاد المهملة، وهو الشعر
المعقوص،) وهو نحو من المضفور، وأصل العقص اللي، وإدخال أطراف في أصوله والمشهور
عقيقته، أي: بالقافين، لأنه لم يعقص شعره، قاله في النهاية، وبه رد قول بعضهم رواية الصاد
أولى، وقيل العقيقة: الشعر الذي مع المولود، فإن نبت بعد حلقه لم يسم عقيقة، واستبعده
الزمخشري باقتضائه إن شعر المصطفى كان شعر الولادة، وتركه، وعدم خلقه يوم السابع، وعدم
ذبح شاة، وإطعامها عيب عند العرب، وشح، وأجيب بأنه من إرهاصاته حيث لم يمكن اللّه قومه،
أن يذبحوا له باسم اللات والعزى، ويؤيده قول النووي في التهذيب، أنه عَّه عق عن نفسه بعد
النبؤَّة اهـ
(وعن ابن عباس أن رسول اللّه عَّ}. كان يسدل،) بفتح أوله، وسكون السين، وكسر الدال،
المهملتين، ويجوز ضم الدال، قاله الحافظ، وغيره، وبالضم ضبطه الدمياطي في حاشية الصحيح،
والمنذري في حاشية السنن، فاستفدنا أن الرواية بالوجهين، (شعره،) أي: يترك شعر ناصيته على
جبهته، لما في رواية للشيخين، سدل النبي عَةٍ ناصيته، وإلاّ فالسدل لغة لا يخص الناصية، بل
هو إرخاء الشعر حول الرأس، (وكان المشركون،) أي كفار مكة (يفرقون،) بضم الراء، وكسرها،
روي مخففًا، وهو الأشهر ومشددًا، (رؤوسهم،) أي شعر رؤوسهم، (وكان أهل الكتاب يسدلون
رؤوسهم،) وفي رواية أشعارهم، (وكان يحب موافقة أهل الكتاب) اليهود، حين كان عباد الأوثان
كثيرًا، (فيما لم يؤمر فيه بشيء،) أي فيما لم يخالفه شرعه إيجابًا، أو ندبًا، وقصره على

٤٩٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ثم فرق عَّةِ رأسه. رواه الترمذي في الشمائل. وفي صحيح مسلم نحوه.
وسدل الشعر إرساله، والمراد هنا إرساله على الجبين واتخاذه كالقُّصة.
وأما الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض.
قال العلماء: والفرق سنة، لأنه الذي رجع إليه عَّ ◌ُلِّ، والصحيح جواز الفرق
والسدل، لكن الفرق أفضل.
الوجوب تقصيرًا، أو لم ينزل عليه فيه وحي، أو فيما لم يطلب منه وجوبًا، أو ندبًا، (ثم فرق،)
بفتح الفاء، والراء، روي مخففًا، ومثقلاً (عَّ رأسه،) أي: ألقي شعره إلى جانبي رأسه، فلم ينزل
منه شيئًا على جبهته، وإنما أحب موافقتهم لتمسكهم في زمانه ببقايا شرائع الرسل، والمشركون
وثنيون، لا مستند لهم إلاّ ما وجدوا عليه آباءهم، قال الحافظ: فكانت موافقتهم أحب إليه من
موافقة عباد الأوثان، فلما أسلم غالبهم، أحب حينئذٍ مخالفة أهل الكتاب انتهى.
قال النووي وغيره: أو كان لاستئلافهم، كما تألفهم باستقبال قبلتهم، وتوقف فيه بأن
المشركين أولى بالتأليف، ورد بأنه، قد حرص أولاً على تألفهم، ولم يأل جهدًا في ذلك، وكلما
زاد زادوا نفورًا، فأحب تأليف أهل الكتاب، ليجعلهم عونًا على قتال الآبين من عبدة الأوثان،
وقال القرطبي: حبه لموافقتهم كان أوّلاً في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم ليتألفهم، حتى
يصغوا إلى ما جاء به، فلما غلبت عليهم الشقوة، ولم ينفع فيهم، ذلك أمر بمخالفتهم في أمور
كثيرة، كقوله: إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم اهـ.
(رواه الترمذي في الشمائل، وفي صحيح مسلم نحوه،) والبخاري في الصفة النبوية،
واللباس بنحوه، ورواه في الهجرة، بلفظ الشمائل، خلافًا لإِيهام، المصنف، وكذا، رواه أبو داود
والنسائي، وابن ماجه، (وسدل،) بفتح، فسكون، مصدر سدل، كقتل (الشعر إرساله،) ولا يقال
أسدل بالألف، (والمراد هنا إرساله على الجبين، واتخاذه، كالقصة،) بضم القاف، وصاد
مهملة، وهي شعر الناصية، يقص حول الجبهة، والمراد أنه كان يتركه على حاله، يشبه الشعر
المقصوص، (وأما الفرق، فهو فرق الشعر بعضه من بعض،) ولأبي داود، عن عائشة، قالت: أنا
فرقت لرسول اللّه عَّله رأسه، أي: شعر رأسه عن يافوخه.
(قال العلماء: والفرق ستّة، لأنه الذي رجع إليه عَّه، والصحيح، جواز الفرق والسدل)
معًا، (ولكن الفرق أفضل) فقط، لأنه الذي رجع إليه، فكأنه ظهر الشرع به، لكن لا وجوبًا، لأن
من الصحب من سدل بعد ذلك، فلو كان الفرق واجبًا ما سدلوا، وزعم نسخه يحتاج لبيان
ناسخه، وتأخره عن المنسوخ على أنه لو نسخ ما صار إليه كثير من الصحابة، ولذا، قال

٤٩٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن عائشة: كان له عَّه شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي.
وفي حديث أنس كان إلى أذنيه، وفي حديث البراء: يضرب منكبيه. وفي
حديث أبي رمثة: يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه.
وفي رواية: ما رأيت من ذي لمة أحسن منه.
والجمة: هي الشعر الذي نزل إلى المنكبين. والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين،
القرطبي: توهم النسخ لا يلتفت إليه أصلاً لإمكان الجمع، قال: وهذا على تسليم أن حبه
موافقتهم، ومخالفتهم حكم شرعي، فإنه يحتمل كونه مصلحة، وحديث هند: إن انفرقت عقيقته
فرقها، وإلاّ تركها، يدل على أنه غالب أحواله، لأنه ذكر مع أوصافه الدائمة، وحليته التي كان
موصوفًا بها، فالصواب أن الفرق مستحب، لا واجب اهـ
وقال الحافظ: حديث هند محمول على ما كان أولاً، لما بينه حديث ابن عباس اهـ.
قيل: ويحتمل أن رجوعه للفرق باجتهاد، وحكمته أنه أنظف، وأبعد عن السرف في غسله،
وعن مشابهة النساء، (وعن عائشة: كان له عَّرِ شعر فوق الجمة، ودون الوفرة، رواه الترمذي،)
وقد مر قريبًا تامًا، وكأنه أعاد المقصود هنا لمغايرته، لما بعده، وذكر الجمع بينهما، لكنه لو
اقتصر على هذا كفاه عن السابق، واندفع عنه اعتراض عزوه لأبي داود، مع أنه ليس لفظه، كما
مر، (وفي حديث أنس) عند البخاري، ومسلم، وغيرهما؛ (كان إلى) أنصاف (أذنيه، وفي
حديث البراء) عند الشيخين وغيرهما، (يضرب منكبيه)،) أي يصل إليهما، كني بالضرب عن
الوصول، وكذا في حديث أنس في الصحيحين (في حديث أبي رمثة،) بكسر الراء، وسكون
الميم، ومثلثة البلوى، ويقال: التيمي من تيم الرباب، بفتح الراء، كما في الفتح، وكسرها، كما
في الصحاح، ويقال: التميمي، ويقال: هما إثنان، واسمه رفاعة بن يثربي، وبه جزم الترمذي،
وهما، بمهملتين بينهما، فاء، وألف، ويقال: يثربي بن رفاعة، وبه جزم الطبراني، ويقال عمارة بن
يثربي، ويقال عكسه، وقيل: يثربي بن عوف، وجزم غير واحد؛ بأن اسمه حيان بمثناة تحتية،
وقیل حبیب بن حیان، وقیل جندب، وقیل خشخاش، صحابي شهیر.
قال ابن سعد: مات بإفريقية، (يبلغ إلى كتفيه، أو منكبيه،) بالشك، (وفي رواية) عن
البراء بن عازب عند الترمذي، وغيره، (ما رأيت من ذي لمة) بزيادة من التأكيد النفي، والنص
على استغراق جميع الأفراد، أو هي بيانية، أي: أحدًا من صاحب لمة، بكسر اللام وشد الميم
(أحسن منه،) ولا مساوٍ له على مفاد النفي عرفًا، (والجمة،) بضم الجيم، وشد الميم، (هي
الشعر الذي نزل إلى المنكبين، والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين،) سمي بذلك، لأنه وقع

٤٩٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
واللمة: التي لمت بين المنكبين.
قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات: أن ما يلي الأذن هو الذي
يبلغ شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقال: قيل: بل ذلك
لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى
أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك.
وعن أم هانىء بنت أبي طالب قالت: قدم رسول الله عَّم علينا مكة قدمة
على الأذن، أي ثم عليها واجتمع.
(واللمة التي لمت،) أي نزلت (بين المنكبين،) وأنث باعتبار أنها حملة من الشعر،
وجمعها لمام، ولمم سميت بذلك لإلمامها بهما، إذ هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن مع
الوصول إلى المنكب، أو المتجاوز مطلقًا، أو المتجاوز، بلا وصول إلى المنكب، فإذا وصله
صار جمة، أقوال، لكن، قال الحافظ العراقي ورد في شعره عَ له ثلاثة أوصاف، جمة، ووفرة،
ولمة، فالوفرة ما بلغ شحمة الأذن، واللمة ما نزل عن شحمة الأذن، والجمة ما نزل عن ذلك إلى
المنكبين، هذا قول جمهور أهل اللغة، وهو الذي ذكره صاحب المحكم، والنهاية، والمشارق،
وغيرهم، واختلف فيه كلام الجوهري، فذكره على الصواب، في مادة لمم، فقال: واللمة،
بالكسر: الشعر المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين، فهي جمة، وخالف ذلك في مادة
وفر، فقال: والوفرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة التي ألمت بالمنكبين، وما قاله في
باب الميم هو الصواب، الموافق لقول غيره من أهل اللغة.
(قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة
أذنيه، وما خلفه هو، الذي يضرب) يبلغ (منكبيه،) فلا تنافي بين روايتي شحمة أذنيه، ومنكبيه،
(وقال) عياض أيضًا: (قيل) في الجمع (بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها
بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول، وتقصر، بحسب ذلك)
ورد الجمع الأول بأن من وصف شعره إنما أراد مجموعه، أو معظمه، لا كل قطعة قطعة منه،
لكن لا ضير فيه لحصول الجمع به، وقد مشي على نحوه الداودي، وتبعه ابن التين، فقال:
المراد أن معظم شعره كان عند شحمة أذنه، وما استرسل منه متصل إلى المنكب، قال الحافظ:
قول هند بن أبي هالة إذا هو وفره، أي: جعله وفرة، فهذا القيد يؤيد هذا الجمع.
(وعن أم هانىء،) بكسر النون، وهمز آخره، وتسهل فاختة، أو عاتكة، أو هند (بنت أبي
طالب) شقيقة علي، وعاشت بعده، (قالت: قدم رسول اللّه عَّ. علينا مكة قدمة،) بفتح القاف،

٤٩٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وله أربع غدائر. رواه الترمذي في الشمائل. والغدائر : - بالغين المعجمة والدال
المهملة - هي الذوائب، واحدتها غديرة.
وفي مسلم عن أنس، كان في لحيته عليه الصلاة والسلام شعرات بيض.
وفي رواية له عنده:
وسكون الدال، المرة الواحدة، من القدوم، أي مرة من قدومه، وبعض الروايات يدل على أنه في
فتح مكة، لأنه اغتسل، وصلى الضحى في بيتها وكانت له قدمات أربع بمكة بعد الهجرة، قدمة
عمرة القضاء والفتح، وعمرة الجعرانة، وحجة الوداع، (وله أربع غدائر،) ليخرج الأذن اليمنى من
بين غديرتين يكتنفانها، ويخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها، تخرج الأذنان ببياضهما
من بين تلك الغدائر، كأنهما توقد الكواكب الدرية، بين سواد شعره، قاله ابن أبي خيثمة: (رواه
الترمذي في الشمائل، والغدائر، بالغين المعجمة، والدال المهملة: هي الذوائب) بذال معجمة،
(واحدتها غديرة) وروى الترمذي أيضًا: عن أم هانىء: رأيت رسول اللّه عَ لّهذا ضفائر أربع، جمع
ضفيرة، وهي العقيصة، قاله الجوهري، فالغدائر أعم، كما قاله السيوطي وغيره، فيحتمل أن تكون
رأته في وقت آخر، أو حين قدم عليها مكة، تكون أرادت بالضفائر المعنى الذي أرادته بالغدائر،
وإن اختلفا لغة، ويؤيده اتحاد طريقي الحديثين إليها، إذ كلاهما من رواية ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عنها، وكلاهما يدل للجمع، ولذا، قال بعض شراح المصابيح، لم يحلق عَّة رأسه في
سني الهجرة، إلا عام الحديبية، ثم عام القضاء، ثم في حجة الوداع، فليعتبر الطول والقصر منه
بالمسافات الواقعة منه في تلك الأزمنة، وأقصرها ما كان في حجة الوداع، فليعتبر الطول والقصر
منه بالمسافات، الواقعة منه في تلك الأزمنة، وأقصرها ما كان في حجة الوداع، فإنه توفي بعدها
بثلاثة أشهر، ثم ذكر المصنف شيبه عَّله، ولم يترجم له، لأنه من جملة الشعر الذي الكلام فيه،
فقال: (وفي مسلم عن أنس) من حديث ابن سيرين: سألت أنس بن لملك هل كان
رسول اللّه عَّ يخضب؟، فقال: لم يبلغ الخضاب.
(كان في لحيته عليه الصلاة والسلام شعرات بيض،) مقتضاه أنها عشرة فقط، أو أقل،
إذ شعرات جمع قلة من جموع السلامة، وهي لا تزيد على عشرة، فيشكل بما يأتي عنه كان في
رأسه، ولحيته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، وكون العشرة في خصوص اللحية يحتاج لدليل،
فيمكن أنه استعمل جمع القلة فيما فوقها مجازًا، لكن لا دليل على ما فوقها؛ إذ الآتي في الرأس
واللحية معًا، والذي يظهر لي حمل ما أفاده شعرات على ظاهره، من أنها عشرة، أو أقل، ويؤيده
ما عند أبي نعيم، عن عائشة: كان أكثر شيب رسول اللّه عَّةٍ في الرأس، (وفي رواية له)
لمسلم، وفي نسخة (عنده)، أي مسلم من وجه آخر عن ابن سيرين، سألت أنسًا أخضب عَّه،

٤٩٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
لم ير من الشيب إلا قليلاً، وفي أخرى له أيضًا: لو شئت أن أعد شمطات كن
في رأسه ولم يخضب. وعنده أيضًا: لم يخضب عليه الصلاة والسلام إنما كان
البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ - بضم النون وفتح الباء الموحدة،
وبفتح النون وإسكان الموحدة - أي شعرات متفرقة.
وفي رواية أخرى: ما شانه الله ببيضاء.
قال: إنه (لم يرَ من الشيب إلاَّ قليلاً، وفي أخرى له أيضًا،) عن ثابت، قال: سئل أنس عن
خضاب النبي عَّه، فقال: (لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه،) فعلت هكذا ثبت في
مسلم جواب لو، وهو قوله فعلت، فحذفه المصنف اختصارًا، أو سقط من قلمه، أو نساخه ولم
يره من، قال جوابها محذوف، لظهوره، أي: لعددتها لقلتها، (ولم يخضب،) قاله بحسب علمه،
لما يأتي، (وعنده،) أي مسلم (أيضًا) عن قتادة عن أنس، (لم يخضب عليه الصلاة والسلام إنما
كان البياض في عنفقته،) بفتح العين، ما بين الشفة السفلى، والذقن، سواء كان عليها شعر أم
لا، فيقدر مضاف، أي: شعر، وقيل هي الشعر النابت تحت الشفة السفلى، فلا تقدير، (وفي
الصدغين،) بضم الصاد، وإسكان الدال المهملتين، ومعجمة، ما بين الأذن، والعين، ويقال ذلك
للشعر المتدلى من الرأس في ذلك المكان، كما في الفتح وغيره، قال المصنف: على الشمائل،
والثاني، وهو المراد هنا، إذ هو من إطلاق المحل وإرادة الحال.
(وفي الرأس نبذ، بضم النون، وفتح الباء الموحدة،) وذال معجمة، نبذة، كغرف، وغرفة،
(وبفتح النون، وإسكان الموحدة،) جمع نبذة، بفتح فسكون، كتمر وتمرة، (أي شعرات متفرقة،)
وبرواية مسلم هذه جمع الحافظ بين رواية البخاري، عن عبد الله بن يسر كان في عنفقته شعرات
بيض، وروايته عن قتادة: سألت أنسًا هل خضب النبي عَّه؟، قال: لا إنما كان شيء في صدغيه،
قال: وعرف من مجموع ذلك أن الذي شاب من عنفقته، أكثر مما شاب من غيرها، قال
المصنف في شرح الشمائل: ولم يظهر لي وجه الجمع بما ذكر، وَروى أبو نعيم عن عائشة: كان
أكثر شيب رسول اللّه عَّه في الرأس في فودي رأسه، وكان أكثر شيبه في لحيته حول الذقن،
وكان شيبه، كأنه خيوط الفضة، يتلألأ بين سواد الشعر، فإذا مسه بصفرة، وكان كثيرًا ما يفعل
ذلك صار، كأنه خيوط الذهب.
(وفي رواية أخرى) عند مسلم أيضًا، من رواية أبي أياس عن أنس، أنه سئل عن شيب
النبي عَّةٍ، قال: (ما شانه الله ببيضاء)،) قال الحافظ: هذا محمول على أن تلك الشعرات
البيض، لم يتغير بها شيء من حسنه عَّله، وقد أنكر أحمد إنكار أنس أنه خضب، وذكر حديث
ابن عمر أنه رآه يخضب، بالصفرة، وهو في الصحيح، ووافق لملك أنسًا على إنكار الخضاب،

٤٩٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال الشيخ عبد الجليل في شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهاني: إنما
كان كذلك لأن النساء يكرهن الشيب غالبًا، ومن كره من النبي عَّه شيئًا كفر.
وقال في النهاية: قد تكرر في الحديث جعل الشيب لههنا عيبًا وليس بعيب،
فإنه قد جاء في الحديث: أنه وقار وأنه نور،
وتأول ما ورد في ذلك اهـ.
(قال الشيخ عبد الجليل) القصري (في شعب الإيمان، فيما حكاه عنه) عمر بن علي بن
سالم، بن صدقة اللخمي، الشهير بتاج الدين (الفاكهاني،) أبو حفص الإِسكندري، الفقيه،
الملكي، المتفنن في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، والأدب، والدين المتين، والصلاح
الوافر، والتصانيف العظيمة، وحج مرارًا، ولد بالإِسكندرية سنة أربع، أو ست وخمسين وستمائة،
وبها مات سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، (إنما كان) المصطفى (كذلك،) أي: قليل الشيب، (لأن
النساء يكرهن الشيب غالبًا،) كما قيل:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر
وقال:
فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له من ودهن نصيب
وقال:
لو رأى اللّه أن في الشيب خيرًا جاورته الأبرار في الخلد شيبا
(ومن كره من النبي عَّ شيئًا كفر،) وهو كان كثير النساء، فرحمهن اللّه تعالى بغدم
شيبه، ولأن فيه إزالة لبهجة الشباب ورونقه، وإلحاقه بالشيوخ الذين يكون الشيب فيهم عيبًا،
لدلالته على الضعف، ومفارقة قوَّة الشباب، والنشاط، (وقال في النهاية: قد تكرر في الحديث
جعل الشيب ههنا عيبًا) في نحو قوله: ما شانه، (وليس بعيب) في نفس الأمر، (فإنه قد جاء في
الحديث أنه وقار، وأنه نور) أخرج أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا، لا تنتفوا الشيب، لأنه نور
الإِسلام، ما من مسلم يشيب شيبة في الإِسلام، إلاّ كانت له نورًا يوم القيامة، وروى الترمذي،
والنسائي، عن كعب ابن مرة، مرفوعًا من شاب شيبة في الإِسلام، كانت له نورًا يوم القيامة، زاد
الحاكم في كتاب الكنى، عن أم سليم ما لم يغيرها، وأخرج البيهقي، عن ابن عمر مرفوعًا:
الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإِسلام إلاَّ كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها
درجة، وروى ابن عساكر عن أنس مرفوعًا: الشيب نور من خلع الشيب، فقد خلع نور الإِسلام،
وللديلمي عن أنس رفعه: أيما رجل نتف شعرة بيضاء متعمدًا، صارت رمحًا يوم القيامة يطعن به،

٤٩٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والشيب ممدوح، وذلك عجيب منه لاسيما في حق النبي علـ
ويمكن أن يجمع بينهما: ووجه الجمع أنه عٍَّ لما رأى أبا قحافة ورأسه
كالثغامة، أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: غيروا الشيب، فلما علم أنس ذلك
من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء بناء على هذا القول وحملاً له على هذا الرأي.
ولم يسمع الحديث الآخر، ولعل أحدهما ناسخ للآخر انتهى.
وفي رواية أبي جحيفة عنده، قال رأيت رسول الله عَّلهم. وهذه منه بيضاء.
ووضع الراوي بعض أصابعه على عنفقته.
وعند ابن سعد أن حجامًا أخذ من شاربه عَّة، فرأى شيبة في لحيته، فأهوى إليها، فأمسك
علـ
بيده، وقال: من شاب شيبة في الإِسلام كانت له نورًا يوم القيامة.
(والشيب ممدوح) لهذه الأحاديث، وغيرها، (وذلك) أي: جعله عيبًا (عجيب منه،) أي:
من أنس رضي الله عنه، (لا سيما في حق النبي عَّه، ويمكن أن يجمع بينهما، ووجه الجمع أنه
بّ لما رأى أبا قحافة،) بضم القاف ومهملة وفاء عثمن والد الصديق، (ورأسه كالثغامة،) بمثلثة،
ومعجمة، مفرد ثغام، كسحاب نبت يكون بالجبال غالبًا، إذا يبس، يشبه به الشيب، (أمرهم
بتغييره، وكرهه، ولذلك قال: ((غيروا الشيب))، فلما علم أنس ذلك من عادته، قال: ما شانه اللّه
بيضاء بناءً على هذا القول، وحملاً له على هذا الرأي،) وهو كراهة الشيب، وطلب تغييره،
وتقدم عن الحافظ حمله على أنه لم يغير شيئًا من حسنه، وهو أحسن من هذا، (ولم يسمع
الحديث الآخر،) أي جنسه المادح للشيب، وفي هذا النفي نظر، لأن أنسا، قد روى بعد
أحاديث مدحه، كما رأيت، (ولعل أحدهما ناسخ للآخر أهـ).
كلام النهاية، وفي ترجيه شيء، إذ لا يثبت النسخ إلاّ بمعرفة التاريخ، (وفي رواية أبي
جحيفة،) بجيم، فحاء مهملة، ففاء مصغر، وهب بن عبد اللّه السوائي، بضم المهملة، وخفة الواو،
والمد، والهمز، من بني سواء بن عامر بن صعصعة، الكوفي، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا،
صحابي مشهور، بكنيته، وصحب عليًا، وكان يحبه، ويسميه وهب الخير، وجعله على بيت
المال، وفي الفتح كان، يقال له أيضًا وهب اللَّه، ووهب الخير، مات سنة أربع وسبعين، (عنده،)
أي عند مسلم من طريق أبي خيثمة، وهو زهير بن حرب، عن أبي إسحق عن أبي جحيفة، (قال:
رأيت رسول اللّه عَّ، وهذه منه بيضاء، ووضع الراوي،) لفظ مسلم، ووضع زهير (بعض أصابعه
على عنفقته،) وفي رواية الإِسمعيلي، عنه: رأيت النبي عَ لَه شابت عنفقته، وفي البخاري عنه:
رأيت النبي، ورأيت بياضًا تحت شفته السفلى، العنفقة.

٥٠٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وفي حديث أنس عند البيهقي: ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه
ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة شعرة بيضاء.
وعن أبي جحيفة كان أبيض قد شمط. رواه البخاري.
وفي الصحيحين: عن ابن عمر أنه رأى النبي عَّه يصبغ بالصفرة.
(وفي حديث أنس عند البيهقي: ما شانه اللّه،) أي عابه (بالشيب،) والشين ضد الزين،
وبابه باع، كما في المختار: (ما كان في رأسه ولحيته،) أراد بها ما قابل الرأس، فيشمل العنفقة،
والصدغين، فلا ينافي ما مر عنه عند مسلم، (إلاَّ سبع عشرة، أو ثمانٍ عشرة شعرة بيضاء))) وعن
أنس أيضًا: ما عددت في رأس رسول اللّه عَ لَّه ولحيته إلاَّ أربع عشرة شعره بيضاء، رواه الترمذي،
وغيره، وجمع بينهما؛ بأن أخباره اختلف باختلاف الأزمان، وبأن هذا أخبار عن عده، وذاك أخبار
عن الواقع، فهو لم يعد، إلاّ أربع عشرة، وهو في الواقع سبعة عشر، أو ثمانية عشر، ورد بأن ما
في الواقع، يتوقف على العد، فلا يصح الجمع، نعم لو وقع الظن، والتخمين موضع الواقع، لكان
له وقع، وحصل به الجمع، ويجاب؛ بأن كونه الواقع من حيث ثبوته عند أنس من غير، لا بعده
هو، فالجمع صحيح، وروى ابن أبي خيثمة، عن أبي بكر بن عياش، قلت لربيعة: جالست أنسًا؟،
قال: نعم، وسمعته يقول شاب عليه عشرين شعرة لههنا، يعني العنفقة، والجمع بينهما ما مر عن
الحافظ أن ما شاب من عنفقة، أكثر مما شاب في غيرها، كما دل عليه مجموع الروايات، قال:
وقول أنس لما سأله قتادة: هل خضب إنما كان شيء في صدغيه، أراد أنه لم يكن في شعره ما
يحتاج إلى الخضاب، كما صرح به في روايات مسلم السابقة.
(وعن أبي جحيفة: كان أبيض، قد شمط،) بفتح المعجمة، وكسر الميم، أي خالط
البياض سواد شعره، فالرجل أشمط، والمرأة شمطاء، والاسم الشمط، بفتحتين، وفي اختصاصه
بالرأس، وعمومه فيه، وفي اللحية قولان في اللغة، قال الحافظ: وقد بين في الرواية التي تلي
هذه، أي: في البخاري عن أبي جحيفة: رأيت النبي عَّله، ورأيت بياضًا من تحت شفته السفلى
العنفقة، إن موضع الشمط كان في العنفقة، ويؤيده حديث عبد الله بن بسر المذكور بعده،
ولمسلم عن أبي جحيفة: رأيت رسول اللّه عَ ليه، وهذه منه بيضاء، وأشار إلى عنفقته اهـ
(رواه البخاري) في الصفة النبوية، (وفي الصحيحين) البخاري في الوضوء، واللباس،
ومسلم في الحج، (عن ابن عمر) في حديث: (أنه رأى النبي عَّ يصبغ).
قال الحافظ: بضم الموحدة، وحكي فتحها، وكسرها، (بالصفرة) ثيابه لما في أبي داود،
كان يصبغ بالورس، والزعفران حتى عمامته، وقيل شعره، لما في السنن أيضًا، أنه كان يصفر