Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ومعناه: أنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده، لم يقض وطره، وقد أعطب ظهره.
والوغول: الدخول، فکأنه قال: إن هذا الدین - مع کونہ یسیرًا سهلاً - شديد،
فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق
وتكلف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يمل حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون
مثله كمثل الذي يعسف الركاب ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء
الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره
سالمًا ينتفع به بعد ذلك.
وقوله عليه الصلاة والسلام: من شاد هذا الدين غلبه.
الهمزة، وإسكان العين، وفتح الطاء المهملتين، وموحدة. (ظهره)، أي: مركوبة مجازًا، أو حقيقة
على ما في القاموس، كما مر، والإيغال، كما في النهاية السير الشديد، (والوغول: الدخول) في
الشيء، والظاهر، كما قال بعض: إن المراد في الحديث السير لا بقيد الشدَّة، إذ لا يلائم قوله
برفق انتهى، ولذا عدل المصنف عن الإيغال الموافق لقول الحديث: فأوغل، إشارة إلى أنه
مستعمل فيه في غير مدلوله اللغوي، بل بمعنى الدخول الذي هو من وغل بوزن وعد، إذا توارى
بشجرة ونحوها، ووغل في الشيء دخل فيه مطلقًا، (فكأنه قال: إن هذا الدين مع كونه يسيرًا،)
أي: مع كون تكاليفه قليلة (سهلاً) لانتقاء الأصر الذي كان على من قبلنا، (شديد) خبران، أي:
شديد القيام به، فلا ينبغي المبالغة في القيام بحقوقه، خارجًا عن الحد، ولا التهاون في ترك شيء
منه، (فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق،) فإن الرفق لا يكون في شيء إلا
زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، (فإن من بالغ بغير رفق، وتكلف من العبادة فوق طاقته، يوشك
أن يمل) . بفتح الياء والميم. يسأم (حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله) . بفتحتين. صفته
وحاله، (كمثل الذي يعسف). بكسر السين. من باب ضرب يأخذ بقوة (الركاب). بكسر الراء.
المطي الواحد، راحلة من غير لفظها، أو المعنى يظلمها.
ففي القاموس عسف السلطان ظلم، فقوله: (ويحملها من السير،) أي: يغريها (على ما لا
تطيق،) عطف علة على معلول، والمعنى ألجأها إلى ما لا تقدر عليه (رجاء الإسراع فينقطع
ظهره) دابته، (فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا، ينتفع به بعد ذلك؛)
وهذه كلها عبارة شيخه السخاوي، ثم هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا لاضطرابه وضعف راویه،
لكنه تقوى بشواهده التي منها قوله: (وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من شاد هذا الدين))،) أي:
غالبه، فزاد فيه على طاقته، (غلبه) الدين وقهره بحيث ينقطع عن مطلوبه، (رواه العسكري،) كذا

٣٦٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه العسكري عن بريدة، وللبخاري من حديث معن بن محمد عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه،
أورده المصنف: شاد وغلب فعلاً ماضيًا، والذي عزاه السخاوي للعسكري (عن بريدة) بن
الحصيب، من يشاد هذا الدين، يغلبه بالمضارع فيهما، قال: وأوَّله عند العسكري عليكم هديًا
قاصدًا، فإنه من، فذكره، وذكره بهذا اللفظ أيضًا في النهاية، وقال: أي: من يقاومه، ويكلف
نفسه من العبادة فيه فوق طاقته، والمشادة والمشاددة المغالبة، وهو مثل الحديث الآخران هذا
الدين متين، فأوغل فيه برفق اهـ، ورواه القضاعي بدون أوّله، وفي لفظ آخر عند العسكري، فإنه
من يغالب الخ ...
(وللبخاري) في كتاب الإيمان (من حديث) عمر بن عطاء، عن (معن) . بفتح الميم،
وسكون العين المهملة. (ابن محمد) بن معن الغفاري . بكسر الغين المعجمة. الحجازي،
المدني، ثقة، قليل الحديث، (عن سعيد) ابن أبي سعيد كيسان (المقبري) . بضم الموحدة.
نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا بها المدني. مات سنة خمس وعشرين ومائة، (عن
أبي هريرة مرفوعًا،) بمعنى أنه قال عن النبي عَّهِ، قال: (إن الدين،) أي: دين الإسلام (يسر)،)
أي: ذو يسر، لأن التوافق بين المبتدأ والخبر شرط ولا يكون إلاَّ بالتأويل، أو هو الخبر نفسه،
بوضعه موضع اسم المفعول، مبالغة لشهرة اليسر وكثرته، كأنه اليسر نفسه، والتأكيد بأن رد على
منكر يسره، إما لأن المخاطب منكر، أو لتنزيله منزلته، أو على تقدير المنكر غيره، أو لأن القصة
مما يهتم به، (ولن يشاد الدين) بنصبه مفعول فاعله، (أحد) الثابت في رواية ابن السكن، وفي
بعض الروايات عن الأصيلي، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي نعيم،
وابن حبان وغيرهم، وأكثر رواه البخاري بإسقاط لفظ أحد على إضمار الفاعل للعلم به، فالدين
نصب على المفعولية أيضًا، وحكى صاحب المطالع، أن أكثر الروايات برفع الدين على أن
يشاد، مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب.
قال الحافظ: ويجمع بينهما، بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيد النصب
لفظ حديث بريدة عند أحمد، أنه من يشاد هذا الدين يغلبه، ذكره في حديث آخر، يصلح أن
يكون هو سبب حديث الباب، (إلا غلبه) الدين، والمشادة بالتشديد المغالبة، يقال: شاده يشاده
إذا قاواه، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلاَّ عجز وانقطع، فيغلب.
وقال الطيبي: بناء المفاعلة في يشاد ليس للمغالبة، بل للمغالبة نحو طارقت النعل، وهو
من جانب المكلف، ويحتمل أن يكون للمبالغة في سبيل الاستعارة، والمستثنى منه أعم، عام
الأوصاف، أي: لم يحصل، ويستقر ذلك الشاد على وصف من الأوصاف، إلا على وصف

٣٦٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة.
المغلوبیة.
قال ابن المنير في هذا الحديث: علم من أعلام النبوّة فقد رأينا، ورأى الناس قبلنا أن كل
متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة،
بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج
الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله، ويغالب النوم، إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل،
فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس،
فخرج وقت الفريضة، وفي حديث: محجن بن الأدرع عند أحمد: لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة،
وخير دينكم أيسره، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة
في موضع الرخصة تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي استعماله إلى
حصول الضرر، انتهى، (فسددوا) بمهملة، أي: الزموا بالسداد، هو الصواب من غير إفراط
ولا تفريط.
قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل.
قال الطيبي: والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا بينت لكم ما في المشادة من الوهن،
فسددوا (وقاربوا) بموحدة في العبادة، أي: إن لم يستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب من
الطيبي، وهو تأكيد للتسديد من حيث المعنى، (وأبشروا) بقطع الهمزة، وكسر الشين. من
الأبشار، وفي لغة: بضم الشين من البشر، أي: بالثواب على العمل الدائم، وإن قل، أو المراد
تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنعه، لا يستلزم نقص أجره،
وأبهم المبشر به تعظيمًا له وتفخيمًا، (واستعينوا بالغدوة) بالفتح سير أوَّل النهار.
وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداء إلى طلوع الشمس، كذا ضبطه الحافظ، كالكرماني
والزركشي، وتوقف فيه المصنف بأن في النهاية الغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع
الشمس، وتبعه العيني فضبطه، بالضم (والروحة) . بالفتح. السير بعد الزوال، (وشيء،) أي:
واستعينوا بشيء (من الدلجة). بضم أوَّله، وفتحه، وإسكان اللام. سير آخر الليل، وقيل: سير
الليل كله ولهذا عبر فيه بالتبعيض، ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، قال الحافظ: وظاهره
أن الرواية بضم الدال وفتحها معًا، وذكر الكرماني، وتبعه الزركشي أن الرواية بالضم والفتح لغة.
قال الحافظ: أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات النشيطة، أي: كأوّل
النهار، وبعد الزوال، وبالليل قال: فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنه معَِّ خاطب مسافراً
إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع،

٣٦٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
وإذا تحرى السير في هذه الأوقات النشيطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه الاستعارة
أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها
البدن للعبادة انتهى، ونحوه للكرماني قائلاً: فنبه الأمة على اغتنام أوقات فرصتهم، وقال
البيضاوي: الغدوة والروحة والدلجة استعير بها عن الصلاة في هذه الأوقات، لأنها سلوك وانتقال
من العادة إلى العبادة، ومن الطبيعة إلى الشريعة، ومن الغيبة إلى الحضور.
قال الحافظ: وهذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم وصححه، وإن كان من رواية
مدلس بالعنعنة، وهو عمر بن علي المقدمي - بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة،
البصري، لتصريحه بالسماع عند ابن حبان من طريق أحمد بن المقدام، أحد شيوخ البخاري عن
عمر بن علي المذكور قال: سمعت معن بن محمد، فذكره، وهو من إفراد معن، وهو ثقة، قليل
الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق
بمعناه، ولفظه: سددوا وقاربوا، وزاد في آخره: والقصد القصد، تبلغوا، ولم يذكر شقه الأوَّل، ومن
شواهده حديث عروة الفقيمي . بضم الفاء، وفتح القاف. عن النبي عَِّ، قال: ((إن دين اللَّه
يسر))، وحديث بريدة، قال: قال رسول اللَّه عَلَّه: ((عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين
يغلبه))، رواهما أحمد، وإسناد كل منهما ثقات، انتهى.
(وقوله) عَّهُ: ((الكيس))،) أي: العاقل بشد الياء مكسورة مأخوذة، من الكيس بفتح
فسكون.
قال الزمخشري: حسن التأني في الأمور، وقال ابن الأثير: الرفق في الأمور، وقال الراغب:
القدرة على استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير (من دان نفسه،) أي: أذلها واستعبدها، وقيل:
حاسبها، يعني جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربها مجتنبه لنواهيه، فلازم الطاعة، وتجنب
المعصية.
قال أبو عبيد الدين: الدأب، وهو أن يداوم على الطاعة والدين الحساب، (وعمل لما بعد
الموت) قبل نزوله ليصير على نور من ربه، فالموت عاقبة أمور الدنيا، فالعاقل من أبصر العاقبة،
والأحمق من عمي عنها، وحجبته الشهوات والغفلات، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضره
ونفعه جميع الحيوانات بالطبع، وإنما الشأن في العمل للآجل، فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب
مضجعه، ومنكر ونكير جليسه، والدود أنيسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة
موعده، والجنة والنار مورده، أن لا يكون له فكر، إلاَّ في الموت وما بعده، ولا ذكر الإله، ولا
استعداد إلاّ لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا اهتمام إلا به، ولا انتظار إلا له، وحقيق أن يعد نفسه

٣٦٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
رواه الحاكم عن شداد بن أوس، وقال: صحيح على شرط البخاري، وتعقبه
الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم وهو واه. وكذا رواه العسكري والقضاعي والترمذي
وابن ماجه.
من الموتى، ويراها في أهل القبور، فكل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بآت، (والعاجز)
بمهملة، وجيم، وزاي. من العجز، أي: المقصر في الأمور، ورواه العسكري، الفاجر بالفاء والراء
من الفجور، (من أتبع نفسه هواها،) فلم يكفها عن الشهوات، ولم يمنعها عن المحرمات
واللذات.
قال الطيبي: العاجز الذي غلبت عليه نفسه وقهرته، فأعطاها ما تشتهيه، قوبل الكيس
بالعاجز، والمقابل الحقيقي السفيه، إيذانًا بأن الكيس هو القادر، والعاجز هو السفيه، (وتمنى على
اللَّه الأماني). بشد الياء. جمع أمنية، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه،
لا يستعد، ولا يعتذر، ولا يرجع، بل يتمنى على اللَّه العفو والجنة، وسقط في رواية لفظ الأماني:
وأصل الأمنية ما يقدره الإنسان في نفسه من مني إذا قدر، ولذا يطلق على الكذب وعلى
ما يتمنى.
قال الحسن: إن قومًا ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول
أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب لو أحسن الظن أحسن العمل، ذلك ظنكم الذي ظننتم
بربكم، أرداكم فأصبحتم من الخاسرين، وقال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل على
المعصية، ويتمنى على اللَّه المغفرة.
قال العسكري: وفيه رد على المرجئة، وإثبات الوعيد، وفيه ذم التمني، وأما الرجاء
فمحمود، لأن التمني يصاحب الكسل، بخلاف الرجاء، فتعليق القلب بمحبوب يحصل حالاً،
(رواه الحاكم) في المستدرك في كتاب الإيمان، من حديث أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن
ضمرة بن حبيب، (عن شداء بن أوس، وقال) الحاكم: (صحيح على شرط البخاري، وتعقبه
الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم، وهو واه) ضعيف جدًا، فكيف يكون على شرط البخاري، (وكذا
رواه العسكري، والقضاعي، والترمذي، وابن ماجه،) كلاهما في الزهد؛ والإمام أحمد، وفيه عند
الجمیع ابن أبي مريم.
قال ابن طاهر: مدار الحديث عليه، وهو ضعيف جدًا انتهى، لكن له شاهد، أخرجه
البيهقي بإسناد فيه ضعف، عن أنس، رفعه الكيس من عمل، لما بعد الموت، والعاري العاري من
الدين، اللهم لا عيش إلاَّ عيش الآخرة.

٣٦٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: ما حاك في صدرك فدعه.
رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة.
وقوله عَ له: تنكح المرأة لجمالها ومالها ودينها وحسبها
(وقوله) عَُّلِّ: (ما حاك)))) قال في النهاية، أي: أثر ورسخ، يقال: ما يحيك كلامك في
فلان، أي: ما يؤثر فيه، وقال غيره: أي: تردد من حاك يحيك إذا تردد، ((في صدرك)،) أي:
قلبك من المجاز اللغوي استعمل الصدور، أراد القلب والعلاقة، إما المجاورة إن لم يكن القلب
في الصدر، وإما الحالية والمحلية إن كان فيه وهدًا أقرب من قول بعضهم، أي: قلبك الذي في
صدرك، لأن فيه حذف الموصول الإسمي وموصوفه، (فدعه))) أي: أتركه، لأن نفس المؤمن
الكامل ترتاب من الإثم والكذب، فتردده في شيء أمارة كونه حرامًا، فالمتعين أن الذي يعمل بذا
الحديث مثل المخاطب به كراويه، (رواه الطبراني في الكبير) برجال الصحيح، (من حديث
أبي أمامة،) قال: قال رجل: ما الإثم .. فذكره.
وقوله عَّة ((تنكح)))، بضم التاء وفتح الكاف. ((المرأة)))، أي: يقصد عادة نكاحها
((لجمالها))،) أي: حسنها، ويقع على الصور والمعاني، فشمل حسن الصفات أيضًا، والجمال
مطلوب في كل شيء، لا سيما المرأة التي تكون قرينة وضجيعة، وعند الحاكم حديث: خير
النساء من تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، ولا تخالف في نفسها ومالها.
قال الماوردي: لكنهم كرهوا ذات الجمال البارع، لكونها تزهو بجمالها، ((ومالها))،) لأن
ذات المال قد لا تكلفه في النفقة، وغيرها فوق طاقته.
قال المهلب: وفيه أن للزوج الاستمتاع بمال زوجته، فإن طابت نفسها بذلك، حل له وإلاّ
فله من ذلك قدر ما بذل لها من الصداق، وتعقب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم
ينحصر، قصد نكاح ذات المال في الاستمتاع بمالها، بل قد يقصد حصول ولد منها، فيعود إليه
مالها بالإرث، أو لكونها تستغني بمالها عن مطالبته بما تحتاج إليه النساء، واحتج به بعض
المالكية، على أن للرجل الحجر على امرأته في ماله، لأنه إنما تزوجها لمالها، فليس لها تفويته،
وفيه نظر لا يخفى، ((ودينها))،) أي: صيانتها في نفسها ومالها مجرد الإسلام ((وحسبها))،)
بفتحتين وموحدة. شرفها، وهو في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم
كانوا إذا تفاخروا، عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره.
قال أكثم بن صيفي: يا بني تميم لا يغلبنكم جمال النساء على صراحة الحسب، فإن
المناكح الكريمة مدرجة للشرف، وقيل:
وأول خبث المرء خبث ترابه وأول لؤم المرء لؤم المناكح

٣٦٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فعليك بذات الدين تربت يداك. متفق عليه من حديث أبي هريرة.
وقيل: المراد بالحسب الفعال الحسنة، قال: شمر الحسب، الفعل الجميل للشخص
وآبائه، وقيل: المراد به المال، ورد بذكره قبله، وعطفه عليه وللنسائي، وصححه ابن حبان
والحاكم مرفوعًا: إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال، وللترمذي والحاكم مرفوعًا:
الحسب المال، والكرم، والتقوى، وحمل على أن المراد أن المال حسب من لا حسب له.
وروى الحاكم حديث: تخيروا لنطفكم، ((فعليك بذات الدين)،) إنما هذا لفظ جابر عند
مسلم ((تربت يداك))،) لصقتا بالتراب وافتقرتا، إن خالفت ما أمرتك به، وهي كلمة جارية على
ألسنة العرب، لا يريدون بها حقيقتها.
وروى ابن ماجه مرفوعًا: لا تزوَّجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، أي:
يهلكن، ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن يطغيهن، ولكن تزوَّجوهن على الدين، (متفق
عليه من حديث أبي هريرة،) لكن لا بهذا اللفظ، بل بلفظ: تنكح المرأة لأربع: لمالها،
ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك، وذكر اللام، وفي الأربع رواية
مسلم، وأسقطها البخاري من وجمالها فقط، ولفظ: فعليك بذات الدين، ليس مما اتفقا عليه،
ولا هو من حديث أبي هريرة، إنما انفرد به مسلم من حديث جابر، فتسمح المصنف تسمحًا
شديدًا سامحه الله.
قال النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث، أنه عَّ أخبر بما يفعله الناس عادة، وآخرها
عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لأنه أمر بذلك.
وقال البيضاوي: المعنى أن اللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات، أن يكون الدين
مطمح نظرهم في كل شيء، لا سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره، فلذا اختاره عَِّ بآكد وجه
وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار والطلب، الدال على تضمن المطلوب
لنعمة عظيمة وفائدة جليلة.
وقال الطيبي: قوله: فاظفر جزاء مشرط محذوف، أي: إذا تحققت ما فصلته لك تفصيلاً
بينًا، فاظفر أيها المسترشد بذات الدين، فإنها تكسبك منافع الدارين.
قال: واللامات المكررة مؤذنة بأن كلاً منها مستقلة في الغرض، وتربت يداك ليس دعاء
عليه، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا مقدامًا في الحرب أبلى فيه بلاءً حسنًا، يقولون: قاتله اللَّه
ما أشجعه، يريدون به ما يزيد قوَّته وشجاعته، وكذلك هنا، فالرجل إنما يؤثر الثلاثة على ذات الدين
لإعدامها الثلاثة، فينبغي أن يحمل الدعاء على ما يجب عليه من الفقر، أي: عليك بذات الدين
يغنك اللَّه، فيوافق معنى الحديث النص التنزيلي: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من

٣٦٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه وطال ليلة فقامه. رواه
البيهقي وأحمد وأبو نعيم مختصرًا، والعسكري بتمامه، كلهم من حديث دراج عن
أبي الهيثم
عبادكم﴾ [النور: ٣٢]، وإمائكم أن يكونوا فقراء يغنهم اللَّه من فضله، والصالح هو صاحب
الدین، انتھی.
قال النووي: وفي الحديث الحث على مصاحبة أهل الصلاح في كل شيء، لأن من
صاحبهم استفاد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويا من المفسدة من جهتهم، وحكى أن
رجلاً، قال للحسن: إن لي بنتًا أحبها، وقد خطبها غير واحد، فمن ترى أن أزوجها؟ قال: زوجها
رجلاً يتقى اللَّه، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقال الغزالي: ليس أمره عَّله بمراعاة الدين نهيًا عن مراعاة الجمال، ولا أمرًا بالإضراب
عنه، وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين، فإن الجمال في الغالب يرغب الجاهل في
النكاح دون التفات إلى الدين، ولا نظر إليه، فوقع النهي عن هذا، قال: وأمره عَّهِ مريدًا التزوج
بالنظر إلى المخطوبة يدل على مراعاة الجمال، إذ النظر لا يفيد معرفة الدين، وإنما يعرف به
الجمال، أو القبح.
(وقوله) عَّليه: (الشتاء ربيع المؤمن))،) تشبيه بليغ، أي: أنه له لسهولة العبادة فيه، ولذته
بها، والقيام بها بلا مشقة، كفصل الربيع للماشية الذي يكثر فيه الخصب والماء، فترتفع فيه وتنمو.
قال العسكري: إنما قال ذلك، لأن أحد الفصول عند العرب فصل الربيع، فيه الخصب
ووجود المياه والزرع، ولذا كانوا يقولون للرجل الجواد هو ربيع اليتامى، فيقيمونه مقام الخصب
في الخير الكثير، كوجوده في الربيع، (قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه،) وفي رواية: فصام،
فقام بحذف المفعول، لأنه لطوله تأخذ النفس حظها من النوم، ثم تقوم للتهجد والأوراد بنشاط،
فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراكه وظائف العبادات، فيكمل له فيه مصلحة دينه
وراحة بدنه، بخلاف ليل الصيف، لقصره وحره يغلب فيه النوم، فلا يتوفر فيه ذلك، (رواه
البيهقي، وأحمد،) وأبو يعلى، (وأبو نعيم، مختصرًا) بلفظ الشتاء ربيع المؤمن، (والعسكري،)
وكذا أبو يعلى، والبيهقي في السنن أيضًا، والقضاعي (بتمامه) المذكور، (كلهم من حديث دراج)
. بفتح الدال المهملة، وتثقيل الراء، فألف، فجيم، ابن سمعان أبي السمع . بفتح المهملة، وسكون
الميم، ومهملة، قيل: اسمه عبد الرحمن، ودرج لقب السهمي، مولاهم المصري، القاص، روى
له الأربعة والبخاري في التاريخ، ومات سنة ست وعشرين ومائة. (عن أبي الهيثم) سليمان بن
عمرو الليثي، المصري، الثقة.

٣٦٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
عن أبي سعيد، وله شواهد.
وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويشرح في
ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه من الطاعات، فإن
المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة ولا يحصل له جوع ولا
عطش، فإن نهاره قصير بارد فلا يحصل فيه مشقة الصيام.
روى له البخاري في التاريخ، وأصحاب السنن، (عن أبي سعيد) الخدري، قال الحافظ:
النور الهيثمي إسناده حسن، وقال السخاوي: ودراج ممن ضعفه جماعة، وعد هذا الحديث فيما
أنکر علیه، لکن وثقه ابن معین وابن حبان.
وقال ابن شاهين في ثقاته: ما کان من حديثه عن أبي الھیثم، عن أبي سعيد، فلا بأس به،
ومشى عليه شيخنا، يعني الحافظ في تقريبه، فقال: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف
في غيره، وعكسه أبو داود، فقال: أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد،
(و) لكن (له شواهد،) منها ما رواه الطبراني، وابن أبي عاصم، وغيرهما من طريق سعيد بن بشير،
عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، وسعيد ضعيف عند أكثرهم، وقد
رواه همام عن قتادة، عن أنس، عن أبي هريرة موقوفًا، أخرجه البيهقي، وأبو نعيم، وعبد الله بن
أحمد، وهو أصح، ومنها ما رواه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، والطبراني، والقضاعي عن
ابن مسعود، رفعه بلفظ حديث أنس، وللديلمي عن ابن مسعود مرفوعًا: مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه
الرحمة، أما ليله فطويل للقيام، وأما نهاره فقصير للصيام، وفي المجالسة عن قتادة لم ينزل
عذاب قط من السماء على قوم، إلا عند انسلاخ الشتاء، (وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن، لأنه
يرتع فيه في بساتين الطاعات،) أي: يجتهد في أنواعها قراءة، وصلاة، وذكرًا وغيرها، فشبه
اجتهاده برتوع الماشية، أي: رعيها، كيف شاءت لتيسر الخصب وكثرته، وعدم مانع يمنعها من
الرعي، وأطلق عليها بساتين، لأنها باعتبار ما يحصل للنفس الكاملة من اللذات المختلفة بتلك
الأنواع، أشبهت البساتين المشتملة على أنواع الفواكه الكثيرة، (ويشرح في ميادين العبادات)
جمع ميدان، . بفتح الميم وتكسر. محل تسابق الفرسان، أي: يتقلب في محلات العبادات، فهو
مساو لسابقه، فالسروخ هو رعي الماشية بنفسها، (وينزه قلبه في رياض الأعمال) جمع روضة،
وهي الموضع المعجب بالزهور وهو بمعنى ما قبله أيضًا، من حيث المراد (الميسرة فيه من
الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة،) عطف تفسير، (ولا
يحصل له جوع، ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحصل فيه مشقة الصيام،) أي: وليله
طويل لا يحصل فيه مشقة القيام، وتركه اكتفاء.

٣٧٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى.
رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن
أبيه عن جابر، والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى عن أنس.
وفي القناعة أحاديث كثيرة، ولو لم يكن في القناعة إلا التمتع بالعز لكفى
صاحبه، وكان من
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((القناعة))،) الرضا بالمقسوم ((مال)))) أي: كمال بجامع أنها
تغني صاحبها عن الناس، كما يغنيه مال ((لا ينفد))). بفتح الفاء، أي: لا يفنى ((وكنز لا يفنى))،)
أي: مال مدفون، فهو أخص من الأول، وإن ساواه في المعنى، وذلك، لأن ذا المال ينفق منه
متى شاء كيف شاء، والقانع متى تعذر عليه شيء رضى بما دونه، إذ القناعة تنشأ عن غنى القلب
ومزيد الإيقان، ومن قنع أخذ بالبركة ظاهرًا وباطنًا، لأن الإنفاق منها لا ينقطع، إذ صاحبها كلما
تعذر عليه شيء قنع بما دونه، فلا يزال غنيًا عن الناس، ولذا كان ما يقنع به خير الرزق، كما
قال عَدُ: ((خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي))، رواه أحمد والبيهقي وابن حبان،
وقال عَّ: ((خير الرزق ما كان يوما بيوم كفافًا))، رواه ابن عدي والديلمي، أي: ما يقنع به،
ويرضى على الوجه المطلوب شرعًا، ومن قنع بالمقسوم، كانت ثقته باللَّه التي شأنها أن لا تنقطع
كنزًا له لا ينقد إمداده، واشعر تشبيه القناعة بالمال أنها إنما تطلب في أمور الدنيا، ليستغني بها
عن الناس، ولئلا يشتغل بكثرتها عن الآخرة، لكونه مجبولاً على الشح، كما أجاب به بعض
الصوفية قائلاً: أما القناعة من المعرفة بالقليل فمذمومة بنص قوله: ﴿وقل ربي زدني علمًا﴾ [طه:
١١٤]، أي: بك وبأسرار أحكامك لا زيادة التكاليف، فإنه كان يكره السؤال في الأحكام.
(رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر،) القرشي،
التيمي، المدني، لين الحديث، روى له الترمذي والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمانين ومائة،
(عن أبيه، عن جابر) بن عبد اللَّه.
قال الذهبي: وإسناده واه، (والقضاعي بدون وكنز لا يفنى، عن أنس) رفعه، وكذا رواه
بدونها العسكري من الطريق الأولى عن جابر، (وفي القناعة أحاديث كثيرة،) منها حديث عمرو
مرفوعًا: قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا،، وقنعه اللَّه بما آتاه، وعن علي في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه
حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧]، قال: القناعة، وكذا قال: الأسود أنها القناعة والرضا، وعن
سعيد بن جبير، قال: لا يحوجنه إلى أحد، (ولو لم يكن،) كما قال بشر بن الحرث (في القناعة
إلا التمتع بالعز،) أي: شرف النفس وقوّتها بالصبر على ما أعطته، (لكفى صاحبه، وكان من
دعائه عليه الصلاة والسلام: ((اللهم قنعني بما رزقتني))، وأنشد بعضهم) وهو ابن دريد:

٣٧١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
دعائه عليه الصلاة والسلام: اللَّهم قنعني بما رزقتني. وأنشد بعضهم:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرا
وقوله مَّالِ: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار،
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرا)
والعرف من ياته يحمد مغبته ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
قنوع بضم القاف، المراد الرضا، ويروى: ما ذاق روح الغني، قال المجد: القنوع بالضم
السؤال، والتذلل، والرضا بالقسم ضد والفعل كمنع، ومن دعائهم: نسأل اللَّه القناعة، ونعوذ به من
القنوع، وفي المثل: خير الغني القنوع، وشر الفقر الخضوع، ومقتضاه اتحاد الماضي والمضارع
معنى، وفي المصباح: قنع يقنع . بفتحتين. قنوعًا سال، وقنعت به قنعًا من باب تعب، وقناعة
رضيت، وهو قنع وقنوع انتهى، وعلى هذا قول القائل:
الـعـد حـران قـ والـحـر عـبدان قنع
فاقنع ولا تقنع فما شيء يشين سوى الطمع
فقوله: إن قنع. بكسر النون، أي: رضي، وثانيًا بفتحها، أي: سال، وفاقنع فارض، ولا تقنع
ولا تسأل، وقال أبو العتاهية:
تسربلت أخلاقي قنوعًا وعفة فعندي بأخلاقي كنوز من الذهب
فلم أر خصبًا كالقنوع لأهله وإن يحمل الإنسان ما عاش في الطلب
(وقوله ◌َّل: (ما خاب من استخار) اللَّه تعالى))، أي: طلب الخيرة في الأمور منه
تعالى، وحقيقتها تفويض الاختيار إليه تعالى، فإنه الأعلم بخيرها للعبد، والقادر على ما هو خير
لمستخيره، إذا دعاه بخير له، فلا يخيب أمله، والخائب من لم يظفر بمقصوده، وكان عُّ كثيرًا
ما يقول: ((اللهم خر لي واختر لي)).
قال ابن أبي جمرة: هذا الحديث عام أريد به الخصوص، فالواجب والمستحب
لا يستخار في فعلهما، والحرام، والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح،
وفي المستحب إذا تعارض فيه أمران أيهما يبتدىء به، أو يقتصر عليه.
قال الحافظ: ويدخل في الواجب والمستحب المخير، وفيما كان منه موسعًا، وشمل
العموم العظيم والحقير، فرب حقير يترتب عليه أمر عظيم، ((ولا ندم من استشار))) غيره ممن له
تبصر ونصيحة.
قال الحراني: والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خبايا الصدر، كما يشور

٣٧٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ولا عال من اقتصد. رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أنس.
وقوله عليه الصلاة والسلام: الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة،
العسل جانيه، وفي بعض الآثار: نقحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة،
وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك عليه، وإذا أُشكلت عليك الأمور، وتغير لك
الجمهور، فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة الفضلاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا
الاستمداد.
وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النائم، أو الغافل، فإنه يكون جازمًا بشيء، يعتقد
أنه صواب، وهو بخلافه، ولا يشاور لا أمينًا مجربًا، حازمًا، ناصحًا، ثابت الجأش غير معجب
بنفسه، ولا متلون في رأيه، ولا كاذب في مقاله، زاد بعضهم: وليس محبًا لغلبة هوى محبوبه
عليه، ولا امرأة، ولا متجردًا عن الدنيا لعدم معرفته، ولا منهمكا في حبها، لأن استيلائها عليه
یظلم قلبه، فیفسد رأيه، ولا بخيلاً.
قال ابن عباس: لما نزل وشاورهم في الأمر قال عَّله: ((إما أن اللَّه ورسوله لغنيان عنها،
لكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًا))، رواه
البيهقي بإسناد غريب.
وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من النبي عَِّ رواه الشافعي،
ويستحب تقديمها على الاستخارة، كما في المدخل، (ولا عال من اقتصد،) أي: ما افتقر من
توسط في النفقة على عياله، (رواه الطبراني في معجمه الأوسط،) وكذا في الصغير، كما قال
النور الهيثمي (من حديث أنس) بإسناد ضعيف جداً انتهى، فمن عزاه للصغير فقط، كالفتح
والمقاصد، أو للأوسط فقط، كالمصنف والجامع، فقد قصروا وهم، وكذا جزم الحافظ بأن
إسناده واه جدًا، لكن له شواهد كثيرة.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الاقتصاد)))) أي: التوسط ((في النفقة))،) وتجنب الإفراط
والتفريط فيها ((نصف المعيشة))).
قال الطيبي: وذلك لأن كلا طرفي التبذير والتقتير ينغص المعيشة، والتوسط فيه هو
العيش، والعيش نوعان: عيش الدنيا وعيش الآخرة، كما أن العقل نصفان مطبوع ومسموع،
والمسموع صنفان: معاملة مع اللَّه، ومعاملة مع الخلق، وقال غيره: التوسط في النفقة يحصل به
راحة للعبد وحسن حال، وذلك نصف ما به الحياة، فقد قيل: كمال العيش شيئان: مدة الأجل
وحسن الحال، فمدة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه، وحسن الحال وإن كان من اللَّه، لكنه
جعل للعبد مدخلاً فيه، بالسعي في أسبابه المحصلة له عادة، ((والتودد))،) أي: التحبب (إلى

٣٧٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم.
رواه البيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، وابن السني والديلمي من
طريقه والقضاعي كلهم من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا. وضعفه البيهقي،
كن له شاهد عن العسكري من حديث خلاد بن عيسى عن ثابت عن أنس رفعه:
الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين. وكذا أخرجه الطبراني وابن
، ..
لال.
الناس،) بالأخذ في أسباب المحبة، كملاقاتهم بالبشر، وطلاقة الوجه، وحسن الخلق، والرفق
وغير ذلك، ((نصف العقل))،) لأنه يبعث على السلامة من شرهم ومحبتهم، أي: نصف ما يرشد
إليه العقل، ويحصله جعله نصفان مبالغة، حتى كأن ما يرشد إليه من المحاسن هو نفسه، وقال
بعضهم: ما يرشد إليه العقل صنفان: معاملة مع اللَّه، ومعاملة مع الخلق، كما قيل: العقل العبودية
لله، وحسن المعاملة مع خلقه، ((وحسن السؤال نصف العلم))،) فإن السائل الفطن يسأل عما
يهمه وما هو بشأنه، أعني، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول، فإذا ظفر بمبتغاه
وفاز به، كمل علمه، وعليه يحمل قوله: لا أدري نصف العلم، ذكره الطيبي، وقال غيره: إذا
أحسن سؤال شيخه أقبل عليه بقلبه وقالبه، وأوضح له ما أشكل، وأبان له ما أعضل، لكونه وجد
استعدادًا وقابلاً، وإذا لم يحسن السؤال أعرض عنه، وضن بإلقاء النفائس إليه، وقنع من الجواب
يؤزر يسير مما يورده عليه، (رواه البيهقي في الشعب،) والطبراني في مكارم الأخلاق،
(والعسكري في الأمثال، وابن السني) - بضم المهملة، وشد النون. نسبة إلى السنة، ضد البدعة
الحافظ، أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحق بن إبراهيم الدینوري.
روى عن جماعة منهم النسائي، واختصر سننه الكبرى، وسماه المجتبى، وله عمل يوم
وليلة، وغير ذلك، وتوفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، (والديلمي من طريقه، والقضاعي كلهم
من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وضعفه البيهقي، لكن له شاهد عن العسكري من حديث
خلاد بن عيسى) الصفار، أبي مسلم الكوفي لا بأس به، روى له الترمذي، وابن ماجه (عن ثابت)
البناني، (عن أنس رفعه ((الاقتصاد نصف العيش)،) أي: المعيشة ((وحسن الخلق) - بالضم.
(نصف الدين)))) لأنه يكسب صاحبه ملكة تامة، يقتدر بها على تجنب ما يخل بمروءاته ودينه،
فمن حازه توفر عليه نصف الدين، فليتق اللَّه في النصف الثاني، بخلاف سوء الخلق، فيوقع
صاحبه في رقة الديانة، وقلة الأمانة، ويورطه في القبائح كرهًا عليه، فإنه عند ثوران الغضب
لا يدري ما يقول، ولا ما يفعل، (وكذا أخرجه الطبراني،) والخطيب، (وابن لال) أحمد بن علي،
ولال أخرس، (ومن شواهده أيضًا للعسكري عن أنس، رفعه السؤال نصف العلم،) أي: حسنه

٣٧٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: السؤال نصف العلم، والرفق
نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد. وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه:
السؤال نصف العلم والرفق نصف المعيشة.
وفي صحيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر أن النبي عَّم قال له:
يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق. وهذا
بدليل اللفظ السابق (والرفق،) أي: الاقتصاد في النفقة بقدر ذات (نصف المعيشة،) وهي
ما يعاش به من أسباب العيش، (وما عال امرؤ،) أي: افتقر، (في اقتصاد)، وورد الرفق في المعيشة
خير من بعض التجارة، ورواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في الفردوس: خير من
كثير من التجارة، (وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه السؤال،) أي: حسنه، (نصف العلم،
والرفق نصف المعيشة،) وجاء في خبر من فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأول قوله: وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه،
فإن الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل، فينفق نفقة الموسع، ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معنى الآية:
إن ما كان من خلف، فمنه سبحانه، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار، كان خيرًا من معاناة
بعض التجار.
(وفي صحيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر أن النبي عَّهِ، قال له: ((يا أبا ذر
لا عقل))،) أي: لا شيء مما يؤدي إليه العقل من المحاسن، (كالتدبير،) وهو النظر في العواقب
لأمن صاحبه الغوائل والوقوع فيما يضره.
قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع، وقال القيصري: هو خاطر الروح العقلي، وهو
خاطر التدبير لأمر المملكة الإنسانية، والنظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات،
ومنه يؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، (ولا ورع،) أي: لا شيء من أسباب تؤدي إلى الورع، وهو
اجتناب الشبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، (كالكفء) أي: منع النفس عن الحرام والمكروه،
فمن فعله بعد عن الشبهات، والورع في الأصل الكف، ثم استعير للكف عن المحارم، فإن قيل:
يلزم اتحاد المشبه والمشبه به، أجيب بأنه إذا أطلق فهم منه كف الأذى، أو كف اللسان، فكأنه
قيل: لا ورع كالصمت، أو كف الأذى عن الناس، أو عن المحارم، (ولا حسب،) أي: لا شيء
يفتخر به من الصفات الحميدة، (كحسن الخلق) مع الخلق، فالأوّل عام والثاني خاص، (وهذا
اللفظ عند البيهقي في الشعب،) وقد أبعد شيخه السخاوي النجعة في الغزو، فإنه في سنن

٣٧٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
لفظ عند البيهقي في الشعب. وله وأيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: التودد
صف الدين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد، أي: ما افتقر من أنفق قصدًا ولم
جاوزه إلى الإسراف.
وقوله عليه الصلاة والسلام: المؤمن من أمنه الناس. رواه الترمذي.
وقوله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
بن ماجه عن أبي ذر بلفظه، (وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا، التودد نصف الدين،
وما عال امرؤ قط على اقتصاد،) صلة لمحذوف، أي: اشتمل على اقتصاد، وتتمة ذا الحديث:
((واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل رزق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون))، (أي:
ما افتقر من أنفق قصدًا،) توسطًا بقدر ذات اليد، (ولم يجاوزه إلى الإسراف،) وفي التنزيل:
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وللديلمي عن أنس رفعه: أن أحدكم يأتيه
الله عز وجل برزق عشرة أيام في يوم واحد، فإن هو حبس عاش تسعة أيام بخير، وإن هو وسع
وأسرف قتر عليه تسعة أيام.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((المؤمن من أمنه الناس))،) أي: من حقه أن يكون موصوفاً
بذلك، أو المراد المؤمن الكامل، (رواه الترمذي،) وحسنه وابن ماجه، كلاهما من حديث
فضالة بن عبيد بزيادة: من أموالهم وأنفسهم، والمهاجرة من هجر الخطايا والذنوب، وهو عطف
تفسير، أو عام على خاص.
(وقوله) عَّةٍ: (المسلم) الكامل، فأل للكمال نحو زيد الرجل))، أي: الكامل في
الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض، أو المراد علامة المسلم،
الذي يستدل بها على إسلامه، (من سلم المسلمون) والمسلمات وأهل الذمة، فخرج مخرج
الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه أشد تأكيدًا، ولأن الكفار بصدد أن
يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه (من لسانه ويده،) إلاَّ في حد، أو تعزير، أو تأديب،
وخص اللسان بالذكر، لأنه المعبر عما في النفس واليد، لأن أكثر الأفعال بها، واستشكل تقدير
الكامل باستلزامه أن المتصف بهذا فقط يكون كاملاً، وأجيب بأن المراد مع مراعاة باقي
الصفات التي هي أركان الإسلام.
قال الخطابي: أفضل المسلمين من جمع أداء حقوق اللَّه وأداء حقوق المسلمين.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد
مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه، فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على

٣٧٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه، متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعًا، وعن
أبي موسى، ومسلم عن جابر.
وقوله: قلة العيال أحد اليسارين.
الأعلى.
قال: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأن اللسان يمكنه القول في الماضين
والموجودين والجائين بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في
ذلك لعظيم، ونكتة التعبير باللسان دون القول شموله من أخرج لسانه استهزاء، وذكر اليد دون
غيرها من الجوارح، ليدخل اليد المتعدية على حق الغير بلا حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس
الاشتقاق، وهو كثير، (والمهاجر) حقيقة بمعنى الهاجر، وإن اقتضى المفاعل وقوع فعل بين
اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أنه على بابه، إذ من لازم كونه هاجرًا وطنه، مثلاً أنه
مهجور منه، (من هجر ما حرم الله عليه))) هذا لفظ رواية النسائي وأبي داود، ولفظ البخاري: من
هجر ما نهی الله عنه.
قال الحافظ: والهجرة ضربان: ظاهرة، وهي الفرار بالدين من الفتن، وباطنة، وهي ترك
ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك، لئلا يتكلوا على
مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع
الهجرة، فلما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر
ما نهى عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، (متفق عليه، عن
ابن عمرو بن العاصي (به مرفوعًا وعن أبي موسى،) كذا وقع المصنف تبعًا لشيخه في المقاصد
بالحرف، وهو منابذ لقول الحافظ في الفتح، هذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، أخرج
مسلم معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان، والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحًا،
والمؤمن من أمنه الناس وكأنه اختصره هنا لتضمنه لمعناه انتهى، (ومسلم) وحده (عن جابر)
بلفظ: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده دون بقيته، فإيذاء المسلم من نقصان الإيمان،
والإيذاء ضربان: ضرب ظاهر بالجوارح،، كأخذ المال بنحو سرقه، أو نهب، وضرب باطن
كالحسد، والغل، والبغض،، والحقد، والكبر، وسوء الظن، والقسوة ونحو ذلك، فلذلك كله
مضربًا لمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء، وهلك بذلك خلق كثير.
(وقوله) حَله: ((قلة العيال أحد اليسارين))،) لأن الغنى نوعان: غنى بالشيء والمال، وغنى
عن الشيء لعدم الحاجة إليه، وهذا هو الحقيقي، فقلة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن،
وقيل: اليسار خفض العيش، أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الداخل على الخرج، أو وفاء الدخل

٣٧٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه صاحب مسند الفردوس ولفظه: التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف
العقل والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين.
وقوله عليه الصلاة والسلام: أد الأمانة إلى من ائتمنك
بالخرج، فمن كثر عياله، ودخله، وفضل له من دخله، أو وفى دخله بخرجه، أو قل عياله ودخله
وفضل، أو وفى، فهو في يسر،، ومن قل دخله، وكثر عياله في عسر، (رواه صاحب مسند
الفردوس) الديلمي عن أنس، وكذا القضاعي عن علي، (ولفظه: التدبير،) أي: النظر في عواقب
الأمور (نصف المعيشة،) إذ به يحترز عن الإسراف والتقتير، وكمال العيش شيئان: مدة الأجل
وحسن الحال فيها، ولا يعارض هذا قول الصوفية: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك
عنك لا تقم به لنفسك، لأن الحديث في تدبير صحبة تفويض، وكلامهم فيما لم يصحبه،
(والتودد) التحبب إلى الناس (نصف العقل، والهم نصف الهرم،) وهو ضعف ليس وراءه قوَّة، فإن
لم يصل إلى الهرم؛ وزال الهم عادت القوَّة،، فالهم إذا نصف الضعف، (وقلة العيال أحد
اليسارین).
وفي المقاصد: حديث قلة العيال أحد اليسارين، وكثرته أحد الفقرين، القضاعي عن علي،
والديلمي عن غيره بالشطر الأول، مرفوعًا بسندين ضعيفين، وذكره في الإحياء بتمامه.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أد))) . بفتح الهمزة وكسر الدال، وجوبًا في الواجب، وندبًا
فيما تطلب فيه المعاونة من الأداء.
قال الراغب: وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيته، أي: أوصل («الأمانة))،) وهي كل حق لزمك
أداؤه، أو حفظه، ومن قصرها على حق الحق، أو حق الخلق، فقد قصر.
قال القرطبي: الأمانة تشمل أعدادًا كثيرة، لكن أمهاتها الوديعة، واللقطة، والرهن، والعارية،
((إلى من ائتمنك))) عليها، ولا مفهوم له، بل غالبي، فإن حفظها أثر كمال الإيمان، فإذا نقص
نقصت الأمانة في الناس، وإذا زاد زادت، والمراد من جعل لك شرعًا على ما لديه يدًا، فشمل
ما إذا ألقت الريح ثوبًا ببيتك، أو دخل فيه جائع، والمراد بأدائها إيصالها إليه بالتخلية بينه وبينه،
فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، من أنها ما لم يضمنه ذو اليد إذا لم يقصر.
وقال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف اللَّه به عباده، والعهد الذي
أخذه اللَّه عليهم، وهي التي في قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وفي
النهاية: الأمانة تقع على الطاعة، والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان.
وقال الفخر الرازي: قيل هي التكاليف سمى أمانة، لأن من قصر فعليه الغرامة، ومن وفى

٣٧٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ولا تخن من خانك.
رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،
فله الكرامة، وقيل: هي لا إله إلاّ اللَّه، وهو بعيد، فالأكوان ناطقة بأن اللَّه واحد، وقيل: هي
الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقية الأعضاء، وقيل: هي معرفة الله، ولما
كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة، رواغة عنه مضايق الأمانة، وربما تأولت جوازها مع من لم
يلتزمها، أعقبه بقوله: ((ولا تخن من خانك))) أو لأن الأول عام، والثاني في شيء خاص، فلا
يقال يستغنى بالأول عن الثاني، أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك، فتكون مثله،
وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحد حقه إذ لا تعدى فيه، أو المراد إذا خانك
صاحبك، فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنًا، أي: جائزًا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو،
وادفع بالتي هي أحسن.
قال الطيبي: وهذا أحسن، وهذه مسألة خلافية، لا تخن من خانك مطلقًا، وهذا ظاهر
الحديث: خن من خانك، قاله الشافعي، وهو مشهور. ومذهب لملك، وأجابوا عن ذا الحديث:
بأنه لم يثبت أولاً، أتأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل، كما مر، واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]،
وبحديث هند، وهو قوله عَّهِ: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
ثالثها إن كان من ائتمنك عليه، من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك، فخذ حقك
منه، قاله ملك.
رابعها: إن كان من جنس حقك فخذ، وإلا فلا، قاله أبو حنيفة.
قال ابن العربي: والصحيح جواز الإعتداء، بأن تأخذ مثل ملك من جنسه، أو غير جنسه إذا
عدلت، لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اطررت انتهى. وسبب الحديث، كما رواه
إسحق بن راهويه في مسنده أن رجلاً زنى بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من زوجة الزاني، بأن تركها
عنده، وسافر، فاستشار النبي عَّه في الأمر، فقال له، فذكره.
(رواه) البخاري في التاريخ، و(أبو داود، والترمذي) في البيوع، (من رواية شريك) بن
عبد اللَّه النخعي، الكوفي، قاضيها صدوق يخطىء كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء، وكان
عادلاً فاضلاً شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع، أو ثمان وسبعين ومائة، (وقيس بن الربيع،)
الأسدي، الكوفي، ضعيف تغير، لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، مات
سنة بضع وستين ومائة، (كلاهما عن أبي صالح،) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت،

٣٧٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كلاهما عن أبي صالح والحرث من رواية الحسن، كلاهما عن أبي هريرة. وقال
الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في مسنده، والحاكم وقال: إنه
صحيح على شرط مسلم، ولكن أعله ابن حزم وكذا ابن القطان والبيهقي. وقال
أبو حاتم: إنه منكر، وقال الشافعي: إنه لي بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا
حديث باطل لا أعرفه عن النبي معَّهُ من وجه صحيح. قال شيخنا: لكن بانضمامها
یقوی الحدیث. انتهى.
وقوله: الرضاع يغير الطباع،
كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة إحدى ومائة، (و) رواه (الحرث) بن أبي أسامة (من
رواية الحسن) البصري، (كلاهما،) يعني أبا صالح والحسن، (عن أبي هريرة).
(وقال الترمذي حديث حسن غريب، وأخرج الدارمي في مسنده، والحاكم، وقال: إنه
صحيح على شرط مسلم،) لأنه روى لشريك، (ولكن أعله ابن حزم، وكذا ابن القطان
والبيهقي).
(وقال أبو حاتم: إنه منكر،) أي: ضعيف، (وقال الشافعي) الإمام: (إنه ليس بثابت،) أي:
ضعيف (عند أهله،) أي: الحديث.
(وقال أحمد) الإمام: (هذا حديث باطل،) ولعله باعتبار ما وقف عليه، وإلاَّ فليس في
رواته، وضاع، ولا كذاب أو ليس مراده حقيقة البطلان، بل الضعف، بدليل قوله: (لا أعرفه عن
النبي عَِّ من وجه صحيح،) وقال ابن ماجه: له طرق ستة، كلها ضعيفة.
(قال شيخنا،) أي: السخاوي في المقاصد: (لكن بانضمامها يقوي الحديث، انتهى،) لأن
تباين الطرق وكثرتها يفيد قوَّة، وأن للحديث أصلاً، وقد رواه الدارقطني والطبراني في الكبير
والصغير، من حديث أنس ورجاله ثقات، وصححه الضياء في المختارة، ورواه الطبراني في
الكبير، وابن عساكر والبيهقي من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف، والدارقطني عن أبي بن كعب
إسناد ضعيف، والطبراني أيضًا عن رجل من الصحابة، فحديث أبي هريرة: لا يقصر عن درجة
الحسن، وقد صححه ابن السکن.
(وقوله) عَّةٍ: ((الرضاع)))) أي: اللبن الذي يشربه الطفل من غير أمه، وحقيقته مصَّ
الثدي، استعمل في اللبن مجازًا، ((يغير الطباع))،) أي: يغير طبع الصبي عن لحوقه بطبع والديه
إلى طبع مرضعته، لصغره ولطف مزاجه، فمراد الحديث حث الوالدين على توخي مرضعة، ظاهرة
العنصر، زكية الأصل، ذات عقل ودين، وخلق حسن، والطباع ما تركب في الإنسان من جميع

٣٨٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر.
وقوله عليه الصلاة والسلام: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد
الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من خير وشر، كذا في النهاية.
وفي المصباح: الطبع . بالسكون. الجبلة التي خلق الإنسان عليها.
قال الديريني: والعادة جارية بأن من ارتضع امرأة غلب عليه أخلاقها من خير وشر، ومن ثم
لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته، ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرضع ثدي غير أمه
اختطفه منها، ثم نكس رأسه، ومسح بطنه، وأدخل أصبعه في فيه، ولم يزل يفعل كذلك حتى
خرج ذلك اللبن قائلاً: يسهل عليّ موته، ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام
كان إذا حصلت له كبوة في المناظر، يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة، (رواه أبو الشيخ من
حديث ابن عمر) بن الخطاب، والقضاعي، والديلمي، وابن لال عن ابن عباس، وادعى بعضهم أنه
حديث حسن، وتعقب بأن فيه صالح بن عبد الجبار.
قال في الميزان: أتى بخبر متكبر جدًا، وساق هذا الحديث، وفيه أيضًا عبد الملك بن
مسلمة مدني ضعيف.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا إيمان) كامل (لمن لا أمانة له)،) فالأمانة لب الإيمان،
وهي منه بمنزلة القلب من البدن، وهي في العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن،
والفرج، فمتى ضيع جزء منها ضعف إيمانه بقدره، ((ولا دين)))) أي: لا خضوع، ولا انقياد لأوامر
اللَّه ونواهيه وأمانته، والعهد الذي وضعه اللَّه بينه وبين عباده يوم إقرارهم بالربوبية في حمل أعباء
الوفاء في جميع جوارحه، فمن استكمل الدين استوفى الجزاء، ومن أوفى بعهده من اللَّه، ((لمن
لا عهد له))،) لأن اللَّه إنما جعل المؤمن مؤمنًا ليأمن الخلق جوره، واللَّه عدل لا يجور، وإنما عهد
إليه، ليخضع له بذلك العهد فيأتمر بأموره، ذكره الحكيم والترمذي.
قال البيضاوي: هذا وأمثاله وعيد لا يراد به الوقوع، وإنما يقصد به الزجر والردع، ونفي
الفضيلة والكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله.
وقال المظهري: معنى: لا دين لمن لا عهد له، أن من جرى بينه وبين أحد عهد، ثم غدر
بلا غدر شرعي، فدينه، ناقص إما لعذر، كنقض الإمام المعاهدة مع الحربي لمصلحة فجائز.
قال الطيبي: وفي الحديث إشكال، لأن الدين والإيمان والإسلام أسماء مترادفة موضوعة،
لمفهوم واحد في عرف الشرع، فلم فرق بينها، وخص كل واحد منها بمعنى، وجوابه أنهما وإن
اتفقا لفظًا، فقد اختلفا هنا معنى، لأن الأمانة ومراعاتها إما مع اللَّه، فهي ما كلف به من الطاعة،
وتسمى أمانة، لأنه لازم الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء، وأما مع الخلق فظاهر، وأن العهد