Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليّ له: استعينوا على الحاجات بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.
رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،
الحياة، وقيل: الصحة. والأوَّل أولى؛ فإنه نعمة مطلقة، وأما الحياة والصحة، فإنهما نعمة دنيوية،
ولا تكون نعمة حقيقية إلاّ إذا صاحبها الإيمان، وحينئذ يغبن فيهما كثير من الناس، أي: يذهب
ربحهم، أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء، الخالدة إلى الراحة، فترك المحافظة
على الحدود، والمواظبة على الطاعة، فقد غين، وكذلك إذا كان فارغًا، فإن المشغول قد يكون
له معذرة، بخلاف الفارغ، فإنه يرتفع عنه المعذرة، وتقوم عليه الحجة، انتهى.
(وقوله) عَّالية: (استعينوا على) قضاء (الحاجات بالكتمان))). بالكسر، أي: إخفائها عن
الغير، مستعينين باللَّه على الظفر بها، فالكتمان وإن كان سببًا عاديًا لقضائها، لكنه في الحقيقة
للَّه، وعلل ذلك بقوله: (فإن كل ذي نعمة محسود،) فإن أظهرتم حوائجكم للناس حسدو کم،
فعارضوكم في أمركم.
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدث بالنعم محمولة على ما بعد وقوعها،
فلا تعارض هذا، نعم إن ترتب على التحدث بها حسد، فالكتمان أولى انتهى.
قال الراغب: وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، ويوصف به ضعفه الرجال والنساء
والصبيان، وسبب صعوبة كتمان السر أن للإنسان قوَّتين: آخذة ومعطية، وكلتاهما متشوَّفة إلى
الفعل المختص به، ولولا أن اللَّه وكل المعطية بإظهار ما عندها، لما أتاك بالأخبار من لم تزوّده،
فصارت هذه القوّة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يمسكها، ولا يطلقها إلا
حيث يجب إطلاقها، (رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،) لكن بلفظ:
استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان، والباقي سواء، كما عزاه السخاوي للمعاجيم الثلاثة،
ومثله للسيوطي، وفي شرحه: أن لفظ الطبراني استعينوا على قضاء حوائجكم، فلعل في الطبراني
روايات، وكذا أخرج الحديث البيهقي في الشعب، وأبو نعيم، وابن أبي الدنيا، والعسكري،
والقضاعي، وابن عدي كلهم عن معاذ، وفيه عند الجميع سعيد بن سلام العطار، كذبه أحمد
وغيره، وقال فيه العجلي: لا بأس به، ولكن أخرجه العسكري أيضًا من غير طريقه، بسند ضعيف
مع انقطاعه بلفظ: استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإن لكل نعمة حسدة، ولو أن أمراً
كان أقوم من قدح، لكان له من الناس غامزًا، ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في الأوسط، عن
ابن عباس، مرفوعًا؛ أن لأهل النعم حسادًا، فاحذروهم في الباب عن جماعة منهم: عمر عند
الخرائطي، وابن عباس عند الخطيب، فلا يسوغ دعوى وضعه، كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم
الحافظ العراقي، بأنه ضعيف فقط، ومنهم: علي، كما أفاده بقوله، (وأخرجه الخلعي). بكسر

٣٤٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وأخرجه الخلعي عن علي مرفوعًا، استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها.
وقوله: المكر والخديعة في النار.
رواه الديلمي عن أبي هريرة، ومعناه: أن ذا المكر والخداع لا يكون تقيًا
ولا خائفًا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق وهذا لا يكون
في تقي، فكل خلة جانبت التقى فهي في النار.
الخاء، وفتح اللام، نسبة إلى بيع الخلع. أبو الحسن بن الحسن بن الحسين، له الخلعيات في
عشرين جزء، (عن علي مرفوعًا: استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها،) فمن كتم سره
ملك أمره، کما قیل، ولیس بحديث.
وقال الشافعي: من كتم سره كانت الخيرة في يده، قال: وروى لنا عن عمرو بن العاصي،
أنه قال: ما أفشيت إلى أحد سرًا، فأفشاه، فلمته، لأني كنت أضيق منه سرًا، وأخذ من الحديث
أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه والاجتهاد في طي سرهم.
قال حكيم: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وكم من إظهار
سر أراق دم صاحبه، ومنع من بلوغ مآربه، ولو كتمه كان من سطواته آمنًا ومن عواقبه سالمًا،
وبنجاح حوائجه فائزًا، وقال بعضهم: سرك من دمك، فإذا تكلمت به، فقد أرقته، وقال أنوشروان:
من حصن سره، فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات.
وفي منثور الحكم: انفرد بسرك، ولا تودعه حازمًا فيزول، ولا جاهلاً فيحول، لكن من
الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق، ومشورة ناصح فيتحري له من يأتمنه عليه، ويستودعه
إياه، فما كل من كان أمينًا على الأموال أمينًا على الأسرار، والعفة عن المال أيسر من العفة عن
السر.
(وقوله) عَّ: ((المكر والخديعة في النار))، رواه الديلمي عن أبي هريرة،) والقضاعي
عن ابن مسعود به زاد الثاني: ومن غشنا فليس منا، وفي الباب غيرهما، ونحوه ليس منا من ضار
مسلمًا، أو ما كره، رواه الترمذي، (ومعناه،) كما قال العسكري: (أن ذا،) صاحب (المكر
والخداع لا يكون تقيًا، ولا خائفًا للَّه، لأنه إذا مكر) أضمر السوء لغيره، (غدر) به، فنقض عهده
ولم يف به، (وإذا غدر خدع) أوصل المكروه للغير من حيث لا يعلم، (وإذا فعلهما أوبق) نفسه،
أي: أهلكها، (وهذا) الفعل (لا يكون في تقي فكل خلة). بالفتح. خصلة (جانبت التقى، فهي
في النار،) أي: صاحبها، ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة، لأنه جعل المكر سبب الغدر، وهو
سبب الخديعة والسبب مغاير للمسبب.

٣٤٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: من غشنا فليس منا. رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة.
وقوله: المستشار مؤتمن.
وفي القاموس: وغيره المكر الخديعة، والجواب أنه جرد المكر عن معناه، كما ذكرنا، فلا
يخالف ترادفهما.
وقال الراغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكل فعل، يقصد فاعله في باطنه
خلاف ما يقتضيه ظاهره، ويكون سيئًا كقصد إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد عليه بهذا
الحديث، ومعناه يؤديان بقاصدهما إلى النار ويكون حسنًا، وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة
بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين قال تعالى:
﴿الذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد﴾ [فاطر: ١٠]، ومكر أولئك هو يبور، ولا
يحيق المكر السيء إلاّ بأهله، ووصف نفسه بالمكر الحسن، فقال: ﴿والله خير الماكرين﴾ [آل
عمران: ٢٥٤، [الأنفال: ٣٠].
(وقوله) عَّةِ: ((من غشنا)))) أي: لم ينصحنا، وزين لنا غير المصلحة ((فليس منا)،) أي:
ليس على طريقنا ومنهاجنا، لأن طريقتنا الزهد في الدنيا، والرغبة عنها، وعدم الرغبة والطمع،
الباعثين على الغش.
قال الطيبي: لم يرد به نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين، أي: ليس
هو على سنتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك، يريد الموافقة
والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وهذا
قاله عَّةٍ لما مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فابتلت أصابعه، فقال: ((ما هذا)؟ قال: أصابته
السماء، قال: أفلا جففته فوق الطعام ليراه الناس، ثم ذكر الحديث.
(رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة) بزيادة: ومن حمل علينا السلاح فليس
منا، وفي رواية له أيضًا: من غشّ فليس مني، وأخرجه العسكري بلفظ الترجمة، وزاد: قيل:
يا رسول الله ما معنى ليس منا، فقال: ليس مثلنا.
وعند أبي نعيم والطبراني في الكبير والصغير برجال ثقات عن ابن مسعود رفعه: من غشنا
فليس منا، والمكر والخداع في النار، أي: صاحبهما يستحق دخولها إن لم يعف اللَّه، لأن
الداعي إلى ذلك الحرص والشح والرغبة في الدنيا، وذلك يجر إلى النار، وأخذ الذهبي أن الثلاثة
من الكبائر، فعدها منها، وللدارقطني بسند ضعيف عن أنس: من غش أمتي فعليه لعنة اللَّه.
(وقوله) عَلِ: ((المستشار مؤتمن)))) أي: أمين على ما استشير فيه، ولذا احتاج كالناصح
إلى كونه أمينًا، مجربًا، حازمًا، ناصحًا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلون في رأيه،

٣٤٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه أحمد وغيره. ومعناه: أن من أفضى إليك بسره وآمنك على ذات نفسه
فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلا بما تراه صوابًا، .....
ولا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة، ولذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير،
فيحتاج أوّلاً إلى علم الشريعة، وهو العام المتضمن لأحوال الناس، وعلم الزمان والمكان، وعلم
الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزمان يفسد الحال، أو المكان، وهكذا،
فينظر إلى الترجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده، مثاله أن يضيق الزمن عن فعل أمرين اقتضاهما
الحال، فيشير بأهمها، وإذا عرف من حال إنسان المخالفة، وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضده، أشار
عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة،
الشاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير والناصح إلى علم، وعقل، وفكر صحيح، وروية
حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة وتأن، فإن لم يجمع هذه الخصال، فخطؤه أسرع من إصابته، فلا
يشير، ولا ينصح، قالوا وما في مكارم الأخلاق أدق، ولا أُخفى، ولا أعظم من النصيحة.
قال الراغب: والاستشارة استنباط الرأي من غيره، فيما يعرض من المشكلات، ويكون في
الأمور الجزئية التي يتردد فيها بين فعل وترك ونعمت العدة هي.
قال علي: المشاورة حصن من الندامة، وأمن من الملامة، ويقال الأحمق من قطعه العجب
عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، (رواه أحمد) من حديث ابن مسعود بزيادة: وهو
بالخيار إن شاء تكلم، وإن شاء سكت، فإن تكلم، فليجتهد رأيه، (وغيره) كأصحاب السنن
الأربعة عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، والطبراني عن سمرة بزيادة: إن شاء أشار، وإن شاء
لم يشر، والقضاعي عنه بلفظ المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار، وإن شاء سكت، فإن أشار فليشر،
بما لو نزل به لفعله، والطبراني عن علي، وزاد: فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه، وللعسكري
عن عائشة: المستشير معان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه،
وفي الباب جابر بن سمرة، وأبو الهيثم، وابن عباس، وآخرون.
قال السيوطي: وهو متواتر، (ومعناه،) كما قال العسكري: (أن من أفضى إليك بسره،
وآمنك على ذات نفسه،) إضافة بيانية إن أريد بالذات النفس، ومن إضافة المحل للحال حقيقة،
أو اعتبارًا على أن النفس الروح، أو جوهر مجرد خارج عن البدن، متعلق به تعلق التدبير، (فقد
جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلاَّ بما تراه صوابًا،) وهذا صادق بالترك مع
العلم بالصواب، إذ المعنى إذا أشرت فلا تشر إلا بالصواب، وهو مدلول سين الطلب في
المستشار، وأصرح منه قوله: وهو بالخيار .. الخ، فإنه صريح في أنه لا يجب، لأنه لم يتعين عليه
ما لم يتحقق بالترك ضرر المحترم من نفس، أو مال، أو عرض، وإلاَّ تعين نصحه، بل لو علمه

٣٤٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلا الثقة في نفسه، والسر الذي
ربما كان في إذاعته تلف النفس أولى بأن لا يجعل إلا عند الموثوق به.
وقوله تعَّه: الندم توبة. رواه الطبراني في الكبير.
وجب، وإن لم يستشره، كما تفيده أدلة أخرى، كالدين النصيحة، ولا ضرر، ولا ضرار، بل وأدلة
خاصة كقوله: فليشر، بلام الأمر، وهو للوجوب.
وقد روى ابن ماجه والخرائطي، وغيرهما عن جابر مرفوعًا: إذا استشار أحدكم أخاه،
فليشر عليه بما هو الأصلح، وإلا فقد خانه، فقوله: وإلاّ صادق بما إذا ترك مع علم الأصلح، وبما
إذا أشار بغيره على أن حديث الخيار يمكن تأويله بأن معناه فعل ما ظهر له؛ أنه الخيار من
السكوت والنصح، لا أنه يخير بينهما، وإن ظهر له الأصلح، (فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن
على إيداع ماله إلاَّ الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته) إنشائه (تلف النفس أولى
بأن لا يجعل إلاَّ عند الموثوق به،) فيجب عليه بذل النصح إن تعين، فيذكر الأخف من عيوب
المستشار فيه إن لم يكتف، وإلاَّ استوعب مراعيًا في بيانها الأخف، فالأخف فإن لم يكتف إلا
بأعظمها ذكره.
(وقوله) مَُّله: (الندم توبة،) أي: الحزن على ما فعله، أو كراهته له بعد فعله من حيث
كونه تاركًا فيه لإجلال اللَّه، ومخالفًا أمره أو نهيه، إما لافتضاح، أو مرض، أو عقاب ونحو ذلك،
فليس توبة، بل قد يكون معصية، لأنه لولا مراقبة الناس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية، ثم
المعنى أنه معظم أركانها، لأنه شيء يتعلق بالقلب والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن
المعاصي، فرجعت برجوعه، وليس المراد أن الندم وحده كاف فيها، فهو نحو الحج عرفة.
قال الغزالي: إنما نص على أنه توبة، ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها، لأن الندم غير
مقدور للعبد، لأنه قد يندم على أمر، وهو يريد أن لا يكون، والتوبة مدورة له، مأمور بها، فعلم أن
في الحديث معنى لا يفهم من ظاهره، وهو أن الندم لتعظيم حقوق الله وخوف عقابه مما يبعث
على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدماتها الثلاث، وهي ذكر غاية قبح الذنب، وذكر شدة عقوبة اللَّه
وأليم غضبه، وذكر ضعف العبد وقلة حيلته، يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى
ندامته بقلبه في المستقبل، فيحمله على الابتهال والتضرع، ويجزم بعدم العود، وبذلك تتم شروط
التوبة الأربعة، فلما كان من أسبابها سماه باسمها، (رواه الطبراني في الكبير،) وأبو نعيم في
الحلية عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: والتائب من الذنب، كمن لا ذنب له، وسنده ضعيف،
وأخرجه ابن ماجه، والطيالسي عن ابن مسعود بلفظ الترجمة فقط، ورجاله ثقات، بل قال الحافظ

٣٤٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: الدال على الخير كفاعله.
رواه العسكري وابن جميع، ومن طريقه المنذري عن ابن عباس في حديث
مرفوع بلفظ: كل معروف صدقة
في الفتح: سنده حسن.
قال السخاوي: يعني لشواهده، إلا فأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود، انتهى، وقد رواه
أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي عن أنس بلفظ الترجمة فقط، وفي الباب
ابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهما.
(وقوله) عَ له: (الدال على الخير،) شامل لجميع أنواع الخصال الحميدة، (كفاعله،) فإن
حصل ذلك الخير، فله مثل ثوابه، وإلاّ فله أجر دلالته، وقد ذهب جمع منهم: عياض، وتبعه
النووي إلى أن المثل بلا تضعيف، لأن الدال لم يفعله.
قال في المفهم: وليس كما قال، بل ظاهر اللفظ المساواة، ووجهه أن أجر الأعمال إنما
هو بفضل اللَّه، يهبه لمن يشاء، على أن فعل شاء وجاء في الشرع في ذلك كثير، وقال الأبي:
ظاهر الحديث المساواة، وقاعدة أن الثواب على قدر المشقة تقتضي خلافة، إذ من أنفق عشرة
دراهم، ليس كمن دل، ويدل عليه أن من دل إنسانًا على قتل آخر يعزر، ولا يقتص منه.
قال شيخنا: وقد يقال: التشبيه في أصل الثواب، ولا يلزم منه التساوي في مقداره، وقد
يقترن به ما يربو بسببه ثواب الدال على الفاعل، كما لو ترتب على دلالته خير لغير من دله،
كأمره عَ ◌ّه بالإيمان والطاعة امتثالاً لقوله: ﴿يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة:
٦٧]، فإن ترتب على تبليغه ما لا يعلم قدره إلاّ اللّه، مع مخالفة كثير من المأمورين فيما أمر
به، (رواه العسكري) والبيهقي في الشعب (وابن جميع، ومن طريقه المنذري عن ابن عباس في
حديث مرفوع بلفظ: كل معروف صدقة،) أي: كل ما يفعل من البر، فثوابه كثواب المتصدق
بالمال، والمعروف لغة ما عرف وشرعًا.
قال ابن عرفة: الطاعة ولما تكرر الأمر في الكتاب والسنة بالصدقة مالت إليها القلوب،
فأخبرهم بأن كل طاعة من قول، أو فعل، أو بذل صدقة، يشترك فيها المتصدقون، حثا منه للكافة
على المبادرة إلى فعل المرء طاقته، وسميت صدقة، لأنها من تصديق الوعد بنفع الطاعة عاجلاً
وثوابها آجلاً.
وقال البيضاوي: المعروف في اصطلاح الشرع ما عرف فيه حسنه، وبإزائه المنكر، وهو
ما أنكره وحرمه.

٣٤٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان. والمعنى: أن من دلك على
خير وأرشدك إليه فنلته بإرشاده فكأنه فعل ذلك الخير.
وقوله: حبك للشىء يعمي ويصم.
رواه أبو داود والعسكري من حديث بقية
وقال الراغب: المعروف اسم لكل ما عرف حسنه في الشرع والعقل معًا، ويطلق على
الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف.
وقال ابن أبي جمرة: يطلق المعروف على ما عرف بأدلة الشرع، أنه من عمل البر، جرت
به العادة أم لا؟ وقال الماوردي: المعروف نوعان قول وعمل، فالقول طيب الكلام وحسن البر
والتودد بجميل القول، والباعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع، لكن لا يسرف فيه، فيكون ملقًا
مذمومًا، وإن توسط واقتصد، فهو بر محمود، والعمل بذل المال والإسعاف بالنفس، والمعونة
بالنائبة، والباعث عليه حب الخير للناس، وإيثارًا لصلاح لهم، وليس في هذه الأمور سرف، ولا
لغايتها حد، بخلاف الأولى، فإنها وإن كثرت أفعال تعود بنفعين، نفع يعود على فاعلها باكتساب
الأجر، وجميل الذكر، ونفع المعان بها في التخفيف والمساعدة، فذلك سماه صدقة، (والدال
على الخير كفاعله، واللَّه يحب إغاثة اللهفان،) المكروب، المتحير في أمره، وأخرج ذا الحديث
بتمامه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، والعسكري، وأحمد، وأبو يعلى عن
بريدة بلفظ الترجمة، وزيادة: والله يحب إغاثة اللهفان، والبزار عن أنس بلفظ الدال على الخير
كفاعله، والدال على الشر كفاعله، أي: لإعانته عليه، فعليه كفل من الإثم، وإن لم يحل
بمباشرته، وعزوه للبزار عن ابن مسعود سهو، إنما هو عن أنس، ورواه مسلم بمعناه عن ابن مسعود
بلفظ: من دل على خير، فله مثل أجر فاعله.
وقال أبو الدرداء: الدال على الخير وفاعله شريكان، أخرجه ابن عبد البر، (والمعنى: أن من
دلَّك على خير وأرشدك إليه فئلته بإشادة، فكأنه فعل ذلك الخير،) فيثاب كثواب الفاعل، أو
أقل، أو أزيد على ما سبق، ومقتضى قوله: فنلته لو لم تنله لمانع، أو عدم إرادة الفعل، لا يكون له
مثل ثواب الفعل، ومقتضى الحديث الإطلاق، ولا مانع منه.
(وقوله) عَّ ◌ُله: (حبك للشيء) بلام، ودونها روايتان (يعمي) عن عيوب المحبوب، (ويصم)
عن سماعها، فلا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى قبيحه حسناً، وتسمع منه
الجفاء قولاً جميلاً، أو المعنى يعمي ويصم عن طريق الآخرة، أو عن طريق الهدى، وفائدته النهي
عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه، (رواه أبو داود والعسكري من حديث بقية،) بموحدة،
فقاف (ابن الوليد) بن صائد بن كعب الكلاعي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة

٣٤٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ابن الوليد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن خالد بن محمد الثقفي عن
بلال بن أبي الدرداء عن أبيه مرفوعًا، ولم ينفرد به بقية بل توبع عليه. وابن أبي
مريم ضعيف. وقد حكم الصغاني عليه بالوضع. وتعقبه العراقي وقال: ابن أبي مريم
لم يتهمه أحد بكذب، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا
شديد الضعف، فهو حسن.
وقال العسكري: أراد النبي عَّ أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد،
ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له
رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل وأعماه عن الرشد فلا، ولذا قال بعض
الشعراء:
سبع وتسعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة، (عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم) الغساني
الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل: اسمه بكير، وقيل: عبد السلام ضعيف، وكان قد سرق بيته
فاختلط، مات سنة ست وخمسين ومائة.
روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، (عن خالد بن محمد الثقفي،) الدمشقي، نزيل
حمص، ثقة، (عن بلال بن أبي الدرداء،) الأنصاري، قاضي دمشق، ثقة مات سنة اثنتين، وقيل:
سنة ثلاث وتسعين، (عن أبيه،) الصحابي، الجليل، المشتهر بكنيته، وفي اسمه خلف (مرفوعًا)
إليه عليه الصلاة والسلام، (ولم ينفرد به بقية، بل توبع عليه،) فتابعه شريح بن يزيد، ومحمد بن
حرب عند العسكري، ويحيى البابلي عند القصاعي، وعصام بن خالد ومحمد بن مصعب عند
أحمد في مسنده، (وابن أبي مريم ضعيف، وقد حكم الصغاني عليه بالوضع، وتعقبه العراقي،
وقال ابن أبي مريم: لم يتهمه أحد بكذب،) إنما سرق له حلى، فأنكر عقله وضعفه غير واحد،
(ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن) على رأي
ابن الصلاح، فيما سكت علیه أبو داود.
(وقال العسكري: أراد النبي ◌َّل أن من الحب ما يعميك) أيها المحب (عن طريق
الرشد، ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه، ولم يكن له رادع:)
مانع (من عقل، أو دين أصمه حبه،) أي: جعله كالأصم (عن العدل،) اللوم لا يسمعه فيه،
(وأعماه عن الرشد، فلا) يبصر فيه عيبًا، بل يرى مساويه، وما يسمعه فيه محاسن، والحب، لذة
يعمي عن رؤية غير المحبوب، ويصم عن سماع العدل فيه، وإذا استولت على القلب سلبته عن
صفاته، (ولذا قال بعض الشعراء:
(وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا)

٣٤٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
أشار إليه شيخنا السخاوي في المقاصد الحسنة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي
والزعيم غارم. رواه الترمذي وأبو داود.
وقوله: سبقك بها عكاشة.
لكن هنا بمعنى الواو لا للاستدراك، إذ لا يتوهم من كون عين الرضا كليلة، أن تكون عين
السخط كذلك حتى يستدرك، وأنشده غيره، كما أن وهو واضح، (أشار إليه شيخنا السخاوي
في المقاصد الحسنة،) وزاد على ما هنا، وعن ثعلب، قال: تعمى العين عن النظر إلى مساويه،
وتصم الأذن عن استماع العذل فيه، وأنشأ يقول:
وكذبت طرفي في فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس يسمع
وقيل: تعمى وتصم عن الآخرة، وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه،
انتھی.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((العارية مؤداة)،) أي: واجبة الرد على مالكها عينًا حال
الوجود، وقيمة عند التلف عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: هي أمانة في يده لا تضمن إلا
بالتعدي، وقال لملك: إن خفي تلفها ضمن، وإلا فلا، (والمنحة) - بالكسر. شاة، أو ناقة يعطيها
صاحبها رجلاً يشرب لبنها، ثم يردها إذا انقطع اللبن (مردودة) إلى مالكها، لأنه لم يعطه عينها،
بل لبنها، فإذا مضت أيامه ردها، (والدين،) بفتح الدال (مقضي) إلى صاحبه، أي: صفته اللازمة
هي القضاء وجوبًا، وعبر فيه بالقضاء، وفيما قبله بالرد، لأن المردود بدل الدين لا نفسه،
(والزعيم،) أي: الكفيل، يعني الضمين، (غارم) لما ضمنه بمطالبه المضمون له، سواء كان عن
ميت ترك وفاء أم لا، عند الشافعي ولملك، خلافًا لأبي حنيفة، لأنه قول عام على تأسيس القواعد،
فحمل على عمومه، فإن كانت الكفالة بالبدن، فلا غرم عند الشافعي مطلقًا، كملك إن أحضره
وإلا غرم، وهل ولو أثبت عدمه تردد، (رواه الترمذي) وابن ماجه في الوصايا، (وأبو داود) في
البيع، وأحمد، كلهم عن أبي أمامة، ورجاله ثقات، وأورده الضياء في المختارة، وضعفه ابن خرم،
فلم يصب، قاله الحافظ في تخريج الرافعي، وهو يرد جزمه في تخريج الهداية بضعفه.
(وقوله) عَ له: ((سبقك بها)))) أي: الفضيلة التي هي دخول الجنة بغير حساب (عكاشة)
- بشد الكاف. في الأشهر.
قال القرطبي: لم يره أهلاً لذلك، فأجابه بهذا الجواب، وقد ضرب المثل به، فيقال لمن

٣٥٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه البخاري.
وقوله: عجب ربك من كذا.
روي من عدة روايات عند البخاري وغيره. ومعناه كما قال ابن الأثير: عظم
ذلك عنده وكبر لديه، أعلم الله أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه
عنده وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.
وقيل معنى عجب ربك أي رضي وأثاب، فسماه عجبًا مجازًا وليس بعجب
في الحقيقة. والأوّل الوجه.
وقوله: قتل صبرًا.
سبق في الأمر سبقك بها عكاشة، (رواه البخاري) ومسلم، كلاهما عن ابن عباس، في السبعين
ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: أنت
منهم، فقام آخر فذكره.
(وقوله: عجب ربك من كذا، روي من عدة روايات عند البخاري وغيره، ومعناه كما قال
ابن الأثير: عظم ذلك عنده وكبر) . بضم الباء. (لديه) عطف تفسير، (أعلم اللَّه) عباده على
لسان رسوله؛ (أنه،) أي الشأن والحال (إنما بتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده)
مصدر ميمي، أي وقوعه، أو اسم مكان، أي محلٍ وقوعه، ومنه موقع الغيث، موضعه الذي يقع
فيه، (وخفي عليه سببه،) وذلك محال على اللَّه، (فأخبرهم بما يعرفون، ليعلموا موقع هذه
الأشياء عنده،) أي مقدارها شرفًا ومكانة، فيسارعوا إليها، (وقيل: معنى عجب ربك، أي رضي
وأثاب، فسماه عجبًا مجازًا،) لأن صفات العباد إذا أطلقت على اللَّه، أريد بها غاياتها، فغاية
التعجب من الشيء الرضى به، واستعظام شأنه، (وليس بعجب في الحقيقة،) لأنه أمر جائز،
وواقع والقدرة صالحة التعلق بأعظم منه، (والأوَّل الوجه،) لأن التعجب من الشيء إنما يستلزم
استعظامه عند المتعجب، ولكنه قد يصرف للمخاطب إذا منع نسبته للمتكلم به مانع، كنسبته
إلى الله تعالى، إذ التعجب انفعال النفس، لزيادة وصف في المتعجب منه، نحو ما أشجعه، ونحو
أسمع بهم وأبصر، إنما هو بالنظر للسامع، نقله المصباح عن بعض النحاة، وقال: التعجب يستعمل
على وجهين: أحدهما ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والأخبار عن رضاه به، والثاني ما
يكرهه، ومعناه الإنكار والذم له، ففي الاستحسان، يقال: أعجبني بالألف، وفي الذم والإنكار
عجبت وزن تعبت.
(وقوله: ((قتل صبرًا))،) هو أن يمسك، ثم يرمى بشيء حتى يموت، وكل من قتل في غير
معركة، ولا حرب، ولا خطا، فإنه مقتول صبرًا، كما في النهاية، (رواه غير واحد،) وروى البزار

٣٥١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه غیر واحد.
وقوله: ليس المسؤول بأعلم من السائل. رواه مسلم وغيره.
وقوله: ولا ترفع عصاك عن أهلك أدبًا.
رواه أحمد، أي لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله تعالى، يقال شق
العصا، أي فارق الجماعة، وليس المراد: الضرب بالعصا، ولكنه جعله مثلاً، وقيل
معناه: لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من الفساد، قاله ابن الأثير.
عن أبي هريرة رفعه: قتل الرجل صبرًا كفارة لما قبله من الذنوب، وعنده أيضًا بسند رجاله ثقات
عن عائشة مرفوعًا: قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه.
(وقوله) عَُّلِّ جواباً لقول جبريل: ما الساعة؟ فقال عَّه: ((ليس المسؤول،) زاد في رواية
عنها (بأعلم من السائل))،) زيدت الباء في أعلم التأكيد، معنى النفي، والمراد نفي علم وقتها،
لأن علم مجيئها مقطوع به، فهو علم مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم؛ إلاّ أن المراد
التساوي في العلم؛ بأن اللَّه استأثر بعلم وقت: مجيئها، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرين،
كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يسئلونك عن الساعة﴾
[الأعراف: ١٨٧]، فلما وقع الجواب كفوا، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى وجبريل
أيضًا، لكن عيسى هو السائل.
روى الحميدي في نوادره عن الشعبي، قال: سأل عيسى بن مريم جبريل عن الساعة،
فانتقض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، (رواه مسلم) من حديث عمر
(وغيره،) كالبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ولم يخرج البخاري حديث عمر لاختلاف
فیه علی بعض رواته.
(وقوله) عَُّلّ: ((لا ترفع عصاك عن أهلك أدبا))، رواه أحمد، أي: لا تدع تأديبهم وجمعهم
على طاعة اللّه تعالى،) بأي وجه كان، فمن يتأدب ويطيع بنحو التقريع، أو مجرد الأمر بذلك
لم يحتج لضربه، وذلك من مشمول الحديث، لأنه (يقال) لغة (شق العصا، أي: فارق الجماعة،
وليس المراد الضرب بالعصا، ولكنه جعله مثلاً، وقيل معناه: لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من
الفساد، قاله ابن الأثير،) ومن تأديبهم تعليق السوط.
روى البخاري في الأدب المفرد، عن ابن عباس رفعه: علق سوطك حيث يراه أهلك،
وروى أبو نعيم عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: علقوا السوط حيث يراه أهل
البيت، فإنه آدب لهم، وعن جابر رفعه: رحمه الله رجلاً علق في بيته سوطًا يؤدب به أهله، وفي

٣٥٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: إنما مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم.
رواه البخاري،
سنده عباد بن كثير وهو ضعيف، ذكره السخاوي.
(وقوله) عَّ: ((إن مما ينبت)))). بضم التحتية. من الإنبات (الربيع) فاعل (ما،) أي
شيئًا، أو إنباتًا (يقتل) قتلاً (حبطًا). بمهملتين. بينهما موحدة مفتوحات نصبه على التمييز، أو
مفعول مطلق، (أو يلم) . بضم التحتية، وكسر اللام، وشد الميم. يقرب من الهلاك، والمعنى
يقتل، أو يقارب القتل وكذا المكثر من جمع الدنيا، لا سيما من غير حلها، ويمنع ذا الحق حقه،
يهلك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس وحسدهم له، وغير ذلك من أنواع الأذى،
(رواه البخاري) ومسلم في الزكاة، والبخاري أيضًا، والنسائي في الرقاق، كلهم عن أبي سعيد
الخدري مطوَّلاً في حديث، ولفظ البخاري في الرقاق: حدثنا إسمعيل، حدثني لملك عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: ((إن أكثر ما أخاف عليكم
ما يخرج اللَّه لكم من بركات الأرض))، قيل: وما بركات الأرض؟ فقال: ((زهرة الدنيا))، فقال له
رجل: هل يأتي الخير بالشر، فصمت النبي عَِّ حتى ظننا أنه لن ينزل عليه، ثم جعل يمسح
جبينه، فقال: ((أين السائل))؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع ذلك، قال: ((لا يأتي
الخير إلاَّ بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع، ويقتل حبطًا، أو يلم إلاَّ
أكلة الخضرة، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاه استقبلت الشمس، وثلطت وبالت، ثم عادت
فأكلت وأن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه وضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه
بغير حقه كان كالذي يأكل، ولا يشبع))، وأخرجه في الزكاة من طريق آخر عن عطاء، عن
أبي سعيد: أن النبي عَّةٍ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: ((إن مما أخاف
عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها))، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر؟
فسكت، فذكر الحديث.
وقال في آخره: وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحبه المسلم ما أعطى منه المسكين،
واليتيم، وابن السبيل، أو كما قال عَّهِ: ((وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع،
ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة))، وقوله: ((هل يأتي الخير بالشر»؟ أي: هل تصير النعمة عقوبة،
لأن زهرة الدنيا نعمة من اللَّه، فقال: ((لا يأتي الخير إلاَّ بالخير))، أي: وإنما يعرض له الشر لعارض
البخل به، عن مستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وخضرة . بفتح الخاء وكسر الضاد
المعجمتين، أي: الحياة بالمال، أو المعيشة به خضرة في المنظر، حلوة في الذوق، أو المراد
التشبيه، أي: الحال، كالبقلة الخضرة الحلوة، أو أنث، باعتبار ما يشتمل عليه المال، من زهرة

٣٥٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وذكره ابن دريد وقال: إنه من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق عَّةٍ إلى معناه.
الدنيا، أو المراد بالمال الدنيا، لأنه من زينتها، كما قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة
الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقوله؛ إلا آكلة الخضرة. بكسر الهمزة، وشدة اللام استثناء، وآكلة
بمد الهمزة، وكسر الكاف، والخضرة بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وفي رواية: الخضرة
بلا هاء، وفي رواية: الخضرة بضم الخاء، وإسكان الضاد، ضرب من الكلا، شبه بها، لأن
المخاطبين ألفوا أحوالها، في سومها ورعيها، وما يعرض لها من بشم وغيره، والاستثناء منقطع
لوقوعه في الكلام المثبت؛ أي: لكن آكلة الخضرة لا يقتلها آكلها، ولا يلم بقتلها، ويجوز اتصاله
بتأويل في المستثنى، والمعنى من جملة ما يثبت الربيع شيء يقتل آكله إلاّ آكلة الخضرة، وفي
رواية: ألا بفتح الهمزة، وخفة اللام استفتاح، كأنه قيل ألاّ انظروا آكلة الخضرة، واعتبروا شأنها
وخاصرتاها بالتثنية جنباها، أي: امتلأت شبعًا، وعظم جبناها، وفي رواية: بالإفراد، فاجترت بجيم
ساكنة، وفتح الفوقية، والراء المشددة استرجعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فمضغته ثانيًا
ليزداد نعومة وسهولة لإخراجه، وثلطت، بمثلثة، ولام، وطاء مهملة مفتوحات، وضبطه ابن التين
بكسر اللام، ألقت ما في بطنها رقيقًا، بخلاف من لم يتمكن من ذلك، فيقتلها الانتفاخ سريعًا،
وإن هذا المال في الرغبة والميل إليه بحرص النفوس عليه، كالفاكهة خضرة في المنظر، حلوة
في الذوق، كالذي يأكل، ولا يشبع، أي: كذي الجوع الكذب بسبب السقم، كلما ازداد أكلاً
ازداد جوعًا.
قال ابن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات البديعة، تشبيه المال ونموه بالنبات
وظهوره، وتشبيه المنهمك في الاكتساب، والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب، وتشبيه
الاستكثار منه، والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه، وتشبيه المال مع عظمه في النفوس،
حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره
شرعًا، وتشبيه التقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبيها، مستقبلة الشمس،
فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها، وتشبيه موت
الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها، وتشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن
ينقلب عدوّ، فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه، وذلك يقتضي منعه من مستحقه، فيكون
سببًا لعقاب مقتنيه، وتشبيه أخذه بغير حق، بالذي يأكل، ولا يشبع، فهي ثمانية انتهى، وهذا،
كما قال ابن الأثير: حديث يحتاج إلى شرح ألفاظه مجتمعة، فإنه إذا فرق لا يكاد يفهم الغرض
منه.
(وذكره ابن دريد، وقال: إنه من الكلام المفرد، الوجيز الذي لم يسبق عَّ إلى معناه،
أي: كل ما أنبت الجدول،) فسره المصنف كغيره بالنهر الصغير.

٣٥٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أي كل ما أنبت الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجاز، والمنبت في الحقيقة هو الله
تعالى، وليست ((من)) للتبعيض، وحبطا: بفتح المهملة والموحدة والطاء المهملة
أيضًا، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى تنتفخ فتموت، ويلم: بضم الياء، أي
يقرب من الهلاك. وهو مثل للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في
وجهها.
قال شيخنا: وليس معنى الربيع إنما هو الزمن المسمى فصل الربيع، وهو أحد الفصول عند
العرب، لأن فيه الخصب والمياه والزرع، ولعله فسر بذلك، لأنه السبب المترتب عليه الإنبات
ظاهرًا، ولأن ترتبه عليه لا يختص بزمن، إذ يسقي به الأرض، فتحيا وتصلح للإنبات، (وإسناد
الإنبات إليه مجاز) على رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني، إذ المسند إليه ملابس الفعل، وليس
فاعلاً حقيقيًا له، (والمنبت في الحقيقة هو اللَّه تعالى،) والسكاكي يرى أن الإسناد ليس
مجازيًّا، وأن المجاز في الربيع، فجعله استعارة بالكنانة على أن المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة،
نسبة الإسناد إليه، (وليست من للتبعيض)، بل للابتداء، أو زائدة في الإثبات، على قلة لرواية
البخاري في الرقاق، وإن كل ما أنبت، والمعنى أنه لا ينبغي الاغترار بشيء من زهرة الدنيا
وزينتها، لأن جميعها مضر، ويجوز جعلها تبعيضية؛ وبه جزم الدماميني على معنى أن بعض النبات
مهلك، أو مقرب منه، وبعضه ليس كذلك، وهو ما سد الرمق، وأعان على العبادة، لأنه سبب
لإقامة هذا العالم، لكن الأوَّل أبلغ في ذم الدنيا، وكأنه نزل الأمر الضروري منزلة العدم، لقلته
بالنسبة لغيره؛ (وحطبًا بفتح) الحاء (المهملة، و) فتح (الموحدة، و) فتح (الطاء المهملة أيضًا)
منوَّنة، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطًا، (وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، حتى تنتفخ فتموت
ويلم - بضم الياء، أي: يقرب من الهلاك،) فالمعنى يقتل أو يقارب القتل، هكذا فسره به شراح
الحديث، ومثله في القاموس.
وجوز شيخنا أن معنى يلم، يورث الجنون، لقول المصباح اللمم بفتحتين، مقارفة الذنب،
وطرف من الجنون، (وهو مثل للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها،)
وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند
مجاوزتها حد الاحتمال؛ فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع
الدنيا من غير حلها، ويمنعها مستحقها، قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا
بأذى الناس وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى، وأما قوله: إلا آكلة الخضرة، فإنه مثل
للمقتصد، وذلك أن الخضرة ليس من جيد البقول التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره، فتحسن
وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي، بعد يبس البقول حيث لا تحبسوها، فلا ترى

٣٥٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: خير المال عين ساهرة لعين نائمة.
ومعناه: عين ماء تجري ليلاً ونهارًا وصاحبها نائم، فجعل دوام جريانها:
سهرًا لها.
وقوله: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة.
رواه الإمام أحمد
الماشية تكثر من أكلها، ولا تستمر بها، فضربها مثلاً للمقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا
يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضرة، ألا تراه،
قال: أكلت حتى الخ ... ذكره في النهاية.
زاد المصنف: وقيل الربيع، قد ينبت أحرار العشب والكلا، فهي كلها خبر في نفسها،
وإنما يأتي الشر من قبل آكل، مستلذ، مفرط، منهمك فيها بحيث تنتفخ أضلاعه منه، وتمتلىء
خاصرتاه، ولا يقلع منه فيهلكه سريعًا، فهذا مثل الكافر؛ ولذا أكد القتل بالحبط، أي: يقتل قتلاً
حبطًا، والكافر هو الذي تحبط أعماله، أو من قبل آكل، كذلك فيقربه إلى الهلاك، وهذا مثال
للمؤمن الظالم لنفسه، المنهمك في المعاصي، أو من آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، ولكنه
يتوخى إزالة ذلك، ويتحيل في دفع مضرته، حتى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد، وآكل غير
مفرط، ولا مسرف، يأكل منها ما يسد جوعه، ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال
الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، لكن ليس هذا صريحًا في الحديث، لكنه ربما يفهم منه
انتھی.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((خير المال عين ساهرة لعين)))) متعلق بساهرة، والأولى أنه
صفة ثانية لعين، أي: مملوكة، أو مستحقة لعين (نائمة،) أي: تاركة للتعب في تحصيلها، فهو
تشبيه بليغ، أو مجاز مرسل، باستعمال النائمة في لازمها من الراحة، وترك السعي في أسباب
التحصيل، من إطلاق الملزوم، وإرادة لازمه، (ومعناه: عين ماء تجري ليلاً ونهاراً وصاحبها نائم،)
فقوله: نائمة مجاز عقلي، أي: نائم صاحبها، (فجعل دوام جريانها سهرًا لها،) فشبه جريان الماء
وعدم انقطاعه بسهر المشغول، بأسباب مقتضية لملازمة السهر، فاستعاره لدوام جريانه، واشتق منه
ساهرة، فهو استعارة تصريحية، تبعية لجريانها في المشتق بعد جريانها في المصدر، ولم يذكر
المصنف مخرج الحديث.
(وقوله) مَّةُ: ((خير مال المرء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة))، رواه الإمام أحمد) برجال
ثقات، (والطبراني) في الكبير، كلاهما من طريق روح بن عبادة، عن أبي نعامة، عن مسلم بن

٣٥٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والطبراني عن سويد بن هبيرة. ومعنى مأمورة: أي كثيرة النتاج، وسكة مأبورة: أي
طريقة مصطفة من النخل، ومنه قيل للأزقة: سكة، والتأبير تلقيح النخل. انتهى.
وقوله عليه الصلاة والسلام: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، رواه مسلم
من حديث أبي هريرة.
بديل، عن إياس بن زهير، (عن سويد بن هبيرة) بن عبد الحرث، الديلي ابن عمر وبطن من
عبد القيس.
وقال أبو أحمد: هو عدوى من عدي بن عبد مناف، وكذا نسبه ابن قانع، وقال أبو عمر:
سكن البصرة، قال سويد: سمعت النبي ◌ُِّلّهِ يقول، فذكره.
قال ابن منده: لم يقل سمعت إلاّ روح بن عبادة، وقد رواه عمرو بن عيسى عن أبي نعامة،
فقال: يرفع الحديث.
قال الحافظ: وأخرجه الطبراني من طريق عبد الوارث عن أبي نعامة كذلك، ورواه معاذ بن
معاذ عن أبي نعامة، فقال فيه: إلى سويد بلغني عن النبي عَّةٍ، ذكره البخاري في تاريخه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: غلط فيه روح، وإنما هو تابعي، وقال ابن حبان في ثقات
التابعین: یروی المراسیل، انتھی.
(ومعنى مأمورة، أي:) الأولى إسقاط، أي: (كثيرة النتاج(،) يقال: أمرهم اللَّه، فأمروا. بكسر
الميم، أي: كثرهم فكثروا، فيه لغتان مأمورة ومؤمرة، كما في النهاية، وهو من باب تعب، كما
في المصباح، فوصفها بمأمورة مع وحدتها إسناد مجازي، أي: مأمور نتاجها، أو باعتبار ما ينشأ
عنها منه، كما قال كثيرة النتاج، (وسكة مأبورة) بموحدة، (أي: طريقة مصطفة من النخل، ومنه
قيل للأزقة سكة) لاصطفافها، زاد النهاية، وقيل: هي سكة الحرث ومأبورة، أي: مصلحة له، أراد
خير المال نتاج أو زرع، (والتأبير تلقيح النخل، انتهى) والمناسب للفظ الحديث والإبر، لأنه
من أبرت النخل من بابي ضرب وقتل، لقحته وأبرته تأبيرًا مبالغة وتكثير، كما في المصباح،
فلعله عبر بالتأبير لشهرته في الاستعمال.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أبطأ) بألف ودونها)) روايتان، وهما بمعنى إلاَّ أن
السخاوي ادعى أن لفظ مسلم بلا ألف، وأن رواية القضاعي أبطأ بألف (به عمله،) أي: أخره
عمله السيء، أو تفريطه في العمل الصالح، بأن لم يأت به على الوجه الأكمل، (لم يسرع به
نسبه))) أي: لا ينفعه في الآخرة شرف النسب، فلا يعجل به إلى منازل السعداء، (رواه مسلم،)
وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والعسكري، والقضاعي، كلهم (من حديث أبي هريرة)
في آخر حديث لفظه: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس اللَّه عنه كربة من كرب

٣٥٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: زر غبًا، تزدد حبًّا.
رواه البزار، والحرث بن أبي أسامة عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي بعض
حاديث الباب، أنه قيل: يا أبا هريرة أين كنت أمس؟ قال: زرت ناسًا من أهلي،
قال: يا أبا هريرة زر غبًا تزدد حبًّا.
وم القيامة، ومن يسر على معسر يسر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان
عبد في عون أخيه؛ ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع
وم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلاَّ نزلت عليهم السكينة،
غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به
سبه انتهى.
(وقوله) عَّهِ: ((زر) أخاك (غبًا) وقتًا بعد وقت، ولا تلازم زيارته بحيث يملك، (تزدد)
بنده (حبًّا،) وبقدر الملازمة تهون عليه))، ونصب غبًا على الظرف، وخبًا على التمييز المحول عن
فاعل، فالمدار على عدم ملازمة الزائر للمزور حتى يسأم منه، وذلك يختلف باختلاف أحوالهما.
قال في الدرر: كأصله الغب من أوراد الإبل أن ترد الماء يومًا وتدعه يومًا، فنقل إلى الزيارة
مد أيام، وإلى عيادة المريض انتهى، وقول القاموس: الغب بالكسر في الزيارة أن تكون كل
سبوع، إما من مجاز اللغة الواقعة فيه، أو جري على عرف اللغة، وذاك على أصلها، وبينهما
.ق، (رواه البزار) والبيهقي وضعفاه، (والحرث بن أبي أسامة،) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية،
عن أبي هريرة مرفوعًا،) رواه عنه ابن عدي في أربعة عشر موضعًا من كامله، وضعفها كلها، لكنه
رد من طرق كثيرة، يتقوى بمجموعها، كما قال السخاوي؛ فروي عن ابن عمر، وابن عمرو،
ابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأبي الدرداء، وأبي ذر، ومطوية بن حيدة وآخرين.
(وفي بعض أحاديث الباب))) أي: باب إغباب الزيارة، جرت عادتهم بتسمية ما أفاده
حديث بابًا، (أنه قيل) لفظ الرواية، قال لي النبي عَّله: ((يا أبا هريرة أين كنت أمس))؟ قال:
رت ناسًا من أهلي، فقال: ((يا أبا هريرة زر غبًا تزدد حبًا))،) وأنشد ابن دريد في معناه:
عليك بإغباب الزيارة إنها إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائمًا ويسئل بالأيدي إذا هو أمسكا
وقال غيره:
قلل زيارتك الصديق تكون كالثوب استجده
وأمل شيء لامرىء أن لا يزال يراك عنده
(وقوله) عَبٍ: (إنكم لن تسعوا). بفتح السين، وفي رواية: لا تسعون بالفتح أيضًا، أي:

٣٥٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.
رواه أبو يعلى والبزار من طرق، أحدها حسن بلفظ: إنكم لن تسعوا الناس
بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق.
وقوله: الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق
السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. رواه الطبراني في الكبير والأوسط
والبيهقي.
لا تطيقون أن تعموا (الناس بأموالكم،) لعزة المال وكثرة الناس، فلا يمكنكم ذلك، (فسعوهم
بأخلاقكم،) بحيث تقبلون على كل منهم بالبشاشة، وإظهار المودة وكأنه جعل المال محلاً
لطالبيه، لاستراحة من حصل له منك مال، فاطمأن به، كما يطمئن من هبىء له منزل يدفع عنه
الضرر، (رواه أبو يعلى والبزار من، طرق أحدها حسن) عن أبي هريرة رفعه (بلفظ: ((إنكم لن
تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق)،) أي: لا تتسع أموالكم
لعطائهم، فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم، والوسع والسعة الجدة والطاقة، وذلك لأن استيعاب عامتهم
بالإحسان بالفعل لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول، كما قال تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾
[البقرة ٨٣].
وروى العسكري عن الصولي: لو وزنت كلمة النبي عَّه بأحسن كلام الناس كلهم،
لرجحت على ذلك، وهي قوله: إنكم .. الخ، قال: وقد كان ابن عباد كريم الوعد، كثير البذل،
سريعًا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه، فما ترى له حامدًا، وقال إبراهيم بن أدهم: إن
الرجل ليدرك بحسن خلقه، ما لا يدركه بماله، لأن المال عليه فيه زكاة، وصلة أرحام وأشياء
أخر، وخلقه ليس عليه فيه شيء، وقال عٍَّ: ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل
الظامي بالهواجر))، رواه الطبراني.
(وقوله) عَّدٍ: ((الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما يذيب الماء الجليد، والخلق
السيء يفسد العمل))،) أي: يفوت المقصود منه، فربما فعل جميلاً يستحق به الثناء العاجل
والثواب الآجل، فيقترن به ما يتولد منه ضرر لمن فعل معه الجميل، فينقلب الثناء ذمًا، ويترتب
عليه استحقاق العقاب، (كما يفسد الخل العسل،) بتفويت الحلاوة واللذة الحاصلة به، فلا
ينافي حصول منافع طيبة بخلطهما، وفيه إشارة إلى أن الإنسان إنما يحوز جميع الخيرات، ويبلغ
أقصى المنازل، وأنهى الغايات بحسن الخلق، وهو بضمتين، وضم، فسكون الطبع والسجية،
(رواه) تاماً، كما ذكرته (الطبراني في الكبير، والأوسط، والبيهقي) في الشعب، كلاهما عن
ابن عباس، وضعفه المنذري وغيره، لأن في إسناده عيسى ابن ميمون المديني، وهو ضعيف، لكن

٣٥٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله،
فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
رواه البزار والحاكم في علومه، والبيهقي في سننه،
له شواهد كثيرة، كقوله: وخالق الناس بخلق حسن، وقوله: الخلق وعاء الدين، وقوله: الخلق
الحسن زمام من رحمة اللَّه في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك والملك، يجره إلى الخير،
والخير يجره إلى الجنة، وأن الخلق السيء زمام من عذاب اللَّه في أنف صاحبه، والزمام بيد
الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار؛ رواه أبو الشيخ.
(وقوله) عٍَّ: ((إن هذا الدين))) أي: دين الإسلام (متين) صلب شديد، أي: كثير النفع
عديم النظير، منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه، (فأوغل،) أي: سر أمر لغير معين، فهو كرواية أحمد
أوغلوا بالجمع (فيه برفق) من غير تكلف، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق فتعجز وتترك العمل،
(ولا تبغض،) بضم الفوقية، وفتح الموحدة، وشد المعجمة، وآخره معجمة ساكنة، وفي نسخة
بزيادة نون ثقيلة، تأكيدًا للنفي، فالضاد مفتوحة، لكن الذي في المقاصد بلا نون، (إلى نفسك
عبادة اللَّه) بأن تأتي بكثير تمله النفس، وتنفر منه، فيحملك على الترك.
قال الغزالي: أراد بهذا الحديث أن يكلف نفسه أعمال الدين بتلطف وتدريج، فلا ينتقل
دفعة واحدة إلى أقصاها إذ الطبع نفور، لا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلاّ شيئًا فشيئًا، فمن لم
يراع التدريج، وتوغل دفعة واحدة، ترقى إلى حالة تشق عليه، فتنعكس أموره، فيصير ما كان
محبوبًا عنده ممقوتًا، وما كان مكروهًا عنده مشربًا هنيًا، لا ينفر عنه، وهذا لا يعرف إلاّ بالتجربة
والذوق، ونظيره في العادات الصبي يحمل على التعلم، ابتداء قهرًا، فيشق عليه الصبر على
اللعب والصبر مع المعلم، حتى إذا انفتحت بصيرته، وأنس بالعلم، أنقلب الأمر، فصار يشق عليه
الصبر عن العلم، وعلل النهي عن ذلك بقوله: (فإن المنبت). بضم الميم، وسكون النون، وفتح
الموحدة، وشد الفوقية. المنقطع في السفر عن رفقته من البت، القطع مطاوع بت، يقال بته وأبته
(لا أرضًا قطع)) أي: لم يقطع الأرض التي قصدها، (ولا ظهرًا أبقى،) أي: ولم يبق ظهره، أي:
دابته تنفعه، فكذا من تكلف من العبادة ما لا يطيق، فيكره التشديد فيها، واستعمل الظهر في
الراحلة مجازًا، لكن في القاموس الظهر خلاف البطن، مذكر والركاب وعليه، فهو حقيقي، إلاّ
أن المراد هنا مطلق المركوب لا الإبل فقط، (رواه البزار والحاكم في علومه،) أي: في كتابه
المسمى علوم الحديث، وهو ما يعبر عنه المتأخرون بمصطلح الحديث.
(والبيهقي في سننه) من طريق شيخه الحاكم، وكذا ابن طاهر من طريقه، وأبو نعيم،
والقضاعي، والعسكري، والخطابي في العزلة، (كلهم من طريق محمد بن سوقة) - بضم السين

٣٦٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كلهم من طريق محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر به مرفوعًا.
وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة في إرساله ووصله، وفي رفعه ووقفه،
ثم في الصحابي، أهو جابر أو عائشة أو عمر. ورجح البخاري في تاريخه من
حديث ابن المنكدر الإرسال،
المهملة. الغنوي . بفتح المعجمة، والنون الخفيفة. أبي بكر الكوفي، العابد، ثقة، مرضي من
الخامسة، روى له الستة، كما في التقريب، (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله التيمي
المدني، التابعي، الثقة من رجال الجميع. مات سنة ثلاثين ومائة، أو بعدهما (عن جابر) بن
عبد الله (به،) أي: اللفظ الذي ذكره (مرفوعًا) بمعنى قال: قال عَّه: وهذا صريح في أن الجميع
رووا جميع اللفظ المذكور، ومثله في المقاصد، ووقع في الجامع عزوه للبزار وحده، مسقطا
قوله: ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فلعلهما روايتان في مسند البزار، وفيه يحيى بن المتوكل،
أبو عقيل، وهو كذاب، وفيه أيضًا اضطراب بينه بقوله: (وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة)
في أمور (في إرساله،) فرواه بعضهم عنه عن ابن المنكدر مرسلاً مرفوعًا، (ووصله،) فروى عنه
عن ابن المنكدر، عن جابر والمرسل ما رفعه التابعي، وتسمح من قال ما سقط منه الصحابي،
لأنه لو تحقق أن الساقط صحابي، لم يتوقف أحد في الاحتجاج بالمرسل، لعدالة الصحابة
كلهم، كما بين ذلك في علوم الحديث، (وفي رفعه،) فروى عنه مرفوعًا مرسلاً، أو موصولاً،
فهو شامل للأمرين قبله، (ووقفه))) فروى عنه موقوفًا على الصحابي، (ثم) اختلف عليه أيضًا، (في
الصحابي أهو جابر،) كما رواه الجماعة المتقدمون، (أو عائشة، أو عمر،) كما عند غيرهما.
قال الدارقطني: ليس فيها حديث ثابت، (ورجح البخاري في تاريخه من حديث
ابن المنكدر الإرسال،) أي: روايته عنه مرسلاً مرفوعًا على روايتي الوصل والوقف.
زاد السخاوي، وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمرو بن العاصي بلفظ: فإن المنبت لا
سفرًا قطع، ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبدًا، واحذر حذر امرىء
يخشى أن يموت غدًا، وسنده ضعيف أيضًا، مع كون صحابيه عند العسكري عمر إلاَّ ولده، لكن
الظاهر أنه من الناسخ، فطريقهما متحد، ورواه ابن المبارك في الزهد عن ابن عمر، موقوفًا بلفظ:
إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة اللَّه، فإن المنبت ... الخ،
وله شاهد عند العسكري، عن علي رفعه: إن دينكم متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا ظهرًا
أبقى، ولا أرضًا قطع.
وعند أحمد عن أنس رفعه: أن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، وهو مع اختصاره أجود
مما قبله، (ومعناه: أنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب). بفتح