Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه
لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا
صاعًا من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة
ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنًا. قال:
تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلاً كأن وجهه قطعة القمر ليلة البدر، أنا
ضامنة لثمن جملكم. وفي رواية ابن إسحق قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت
وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، إذ أقبل
رجل فقال: أنا رسول رسول الله عَّ إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا
ظعينة، لنا) امرأة في هودج سميت بذلك، ولو كانت في بيتها، لأنها تصير مظعونة، أي: يظعن
بها زوجها، (ومعناجمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا
صاعًا من تمر، فأخذ بخطام). بكسر الخاء مفردة خطم، مثل كتاب وكتب، أي: ما يقاد به
(الجمل، فانطلق) به، (فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا: ما صنعنا،) استفهام توبيخ
لأنفسهم على تسليمهم الجمل لمن لا يعرفونه من غير قبض ثمنه، ويدل عليه قول الظعينة، فلا
تلاوموا، لأن ضابط التوبيخي أن يكون ما بعد أداته واقعًا وفاعله ملوم، أي: فعلنا ما لا ينبغي فعله،
(والله ما بعنا جملنا ممن نعرف، ولا أخذنا له ثمنًا،) فعرضناه للضياع، (قال) طارق: (تقول
المرأة التي معنا) حين قلنا ذلك، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، (والله لقد رأيت رجلاً
كأن وجهه قطعة القمر،) وفي لفظ: شقة، فكان أحدهما بالمعنى، وهي بكسر الشين القطعة (ليلة
البدر) زائدة في البهاء ليلة أربعة عشر، وهو أحسن ما يكون القمر، وشبه به دون الشمس، لأن نوره
أنفع من نورها، ولعل التقييد بالقطعة، مع أن البلغاء يشبهون الوجه بالقمر، بلا تقييد أنه کان حينئذ
متلثمًا، أو احترازًا عن السواد الذي في القمر، ويأتي بسط ذلك إن شاء اللَّه تعالى في الصفة النبوية،
وحسن الوجه دليل على الخير، فضلاً عن الأذى، كما قال عّلّ: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه،
ولذا قالت: (أنا ضامنة لثمن جملكم،) أن يأتيكم من هذا الحسن الوجه الذي اشتراه.
(وفي رواية ابن إسحق) عن طارق السيرة، رواية يونس عن ابن إسحق، (قالت الظعينة: فلا
تلاوموا،) أي: لا يلم بعضكم بعضًا، (لقد رأيت وجه رجل لا يغدر). بكسر الدال. (بكم، ما رأيت
شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه،) ومن هذه صفته، لا يغدر (إذ أقبل) رجل جواب
المحذوف، أي: فبينا نحن نتكلم إذ أقبل (رجل،) وفي رواية الحاكم: فما كان العشي أتانا
رجل، (فقال: أنا رسول رسول اللَّه عَّ إليكم، هذا تمركم) الذي بعتم به جملكم، وفيه تسمح،
فمقتضى السياق أنه أكثر مما جعلوه ثمنًا، فالمراد هذا تمر بعث به إليكم لتستوفوا منه، (فكلوا
واشبعوا،) لا مجرد أكل، (واكتالوا واستوفواء) فلا تتساهلوا في نظير أكلكم، (فأكلنا حتى شبعنا،

٢٠٢
الوفد الثامن عشر: وفد تجيب
واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا
المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول:
تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى.
الوفد الثامن عشر:
وقدم عليه مێ وفد تجيب،
واكتلنا واستوفينا،) كما أمرهم، (ثم دخلنا المدينة) من الغد، كما في رواية الحاكم، (فلما
دخلنا المسجد، إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس،) يحتمل أن ذلك وافق يوم جمعة، وأنه
عرض له أمر اقتضى الوعظ، فصعد المنبر للوعظ عليه، (فأدركنا من) أي: بعض (خطبته، وهو
يقول:) جملة حالية، أي: والحال أنه يقول فيما أدركناه فيه (تصدقوا، فإن الصدقة خير لكم،)
لأنها بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، ولأن فيها
المواساة والسماجة، ومخالفة النفس المطبوعة على حب المال، وقال عَّه: ((أفضل الصدقة أن
تصدق، وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر)).
وفي التنزيل: وآتى المال على حبه، أي: المال، أو اللَّه، (اليد العليا،) وهي المنفقة، (خير
من اليد السفلى) الآخذة، وقيل: العليا هي المنفقة، وقيل: السائلة، لكن ورد في رواية اليد
العليا المنفقة من النفقة في رواية الأكثرين.
قال القرطبي: فهذا نص يرفع الخلاف في التفسير، قال: ورواه بعضهم: المتعففة بعين وفاءین،
وقيل: إنه تصحيف.
قال الحافظ: ومحصل ما في الآثار؛ أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم
الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة، وبقية الحديث عند مخرجه، وابدأ بمن تعول
أمك وأباك، وأختك وأخاك، وادنَّاك أدناك، وثم رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو
ثعلبة بن يربوع، قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذلنا بثأرنا، فرفع عَّ له يده حتى رأيت بياض إبطيه، فقال:
لا تجني أم على ولد، أخرجه الحاكم بطوله، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه النسائي، وابن ماجه
مختصرًا عن طارق؛ أن رجلاً، قال: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو ثعلبة، الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية،
فخذلنا بثأرنا، فرفع يده حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: لا تجني أم على ولد مرتين.
(الوفد الثامن عشر:)
(وقدم عليه عَّ وفد تجيب) . بضم الفوقية وفتحها، وكسر الجيم، وتحتية ساكنة،
وموحدة.
قال في التبصير: اختلف في أوَّله، فقيل: بالفتح، وقيل: بالضم، فسوَّى بينهما، تبعًا لابن
السيد، لكن القاموس قدم الضم، فقال: وتجيب بالضم، وتفتح بطن من كندة.

٢٠٣
الوفد الثامن عشر: وفد تجيب
وهم من السكون، ثلاثة عشر رجلاً، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض
الله عليهم، فسر عليه الصلاة والسلام بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالاً أن يحسن
ضيافتهم، ثم جاؤوا رسول الله عَّ يودعونه فأمر بلالاً فأجازهم بأرفع مما كان
يجيز به الوفود. قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو
أحدثنا سنًا، قال: أرسلوه إلينا، فلما أقبل الغلام على رسول الله عَ لَّه فقال:
يا رسول الله، إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام،
والله ما أخرجني من بلادي لا إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل
قال في النور: وعليه المحدثون، وكثير من الأدباء اهـ، ينسبون إلى جدتهم العليا تجيب،
ابنة ثوبان بن سليم من مذحج، وهي أم أبذى بن عدي، قاله الواقدي، وأبدى . بفتح الألف
والمعجمة، بينهما موحدة ساكنة مقصور، (وهم من السكون). بفتح المهملة، وضم الكاف،
وسكون الواو، ونون. بطن من كندة باليمن، (ثلاثة عشر رجلاً،) لا أعرف أسماءهم، قاله في
النور، (قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسر) . بضم السين. (عليه
الصلاة والسلام بهم، وأكرم منزلهم،) وقالوا: يا رسول اللَّه سقنا إليك حق اللَّه في أموالنا،
فقال عَّهِ: ((ردوها فاقسموها على فقرائكم)، قالوا: ما قدمنا عليك إلاَّ بما فضل من فقرائنا، فقال
أبو بكر: يا رسول اللَّه ما قدم علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحي من نجيب،
فقال عَّهِ: ((إن الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد به خيرًا شرح صدره للإيمان))، وسألوا
رسول اللَّه عَِّ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرءان والسنن، فازداد فيهم رغبة،
(وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم،) فأقاموا أيامًا، ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا:
نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول اللَّه عَّةِ، وكلامنا إياه وما رد علينا، (ثم جاؤوا
رسول اللَّه عَ لَّ يودعونه، فأمر بلالاً، فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود، قال:) استئناف
والذي في العيون، فقال: (هل بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا، وهو أحدثنا سنًّا،
قال: أرسلوه إلينا،) فلما رجعوا إلى رحالهم، قالوا للغلام: انطلق إلى رسول اللَّه، فاقض حاجتك
منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه، وودعناه، (فلما أقبل الغلام على رسول اللَّه عَ لَّهِ)) قال: أنا غلام
من بني أبذى، أنا من الرهط الذين أتوك، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي يا رسول اللَّه، قال:
((وما حاجتك))؟ (فقال:) جواب لما دخلته الفاء من تصرف المصنف في الرواية، (يا رسول اللَّه
إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام،) وساقوا ما ساقوا من
صدقاتهم، (واللَّه ما أخرجني) لفظه ما أعملني، أي: ما حثني وساقني، فأتى المصنف بمعناه،
(إلاَّ أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي) . بالقصر. يساري (في قلبي،) فإن

٢٠٤
الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم
غناي في قلبي، فقال عليه الصلاة والسلام: اللَّهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في
قلبه، ثم أمر له بما أمر لرجل من أصحابه. ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله عَّه بمنى سنة عشر، فقال: ما فعل الغلام؟ قالوا:
يا رسول الله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس
اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
الوفد التاسع عشر:
قدوم وفد بني سعد هذيم من قضاعة:
من قنع بالكفاف إستراح من طلب الزيادة، مع أنه ليس له إلاَّ ما قدر له، وشهوات النفس لا تنقطع
أبدًا، فهي دائمًا فقيرة لتراكم الشهوات عليها، فهي مفتونة بذلك، وتصل فتنتها إلى القلب،
فيفتتن، فيصم، ويعمى عن الحق.
وفي الحديث: حبك الشيء يعمي ويصم، (فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر له،
وارحمه، واجعل غناه في قلبه،) وهذا عبد أراد الله به الخير، فوافقه لسؤال ذلك من المصطفى،
فقد قال عَّهِ: (إذا أراد الله بعبد خيرًا، جعل غناه في نفسه، وتقاه في قلبه، وإذا أراد اللَّه بعبد
شرًا، جعل فقره بين عينيه)).
رواه الديلمي وغيره، (ثم أمر له بما)، أي: بمثل الذي (أمر) به (لرجل من أصحابه، ثم
انطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول اللّه عَ ل بمنى سنة عشر،) فقالوا: نحن بنو أبذى،
(فقال) عَِّ: ((ما فعل الغلام) الذي أتاني منكم)؟ (قالوا: يا رسول اللَّه،) واللّه (ما رأينا مثله قط،
ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه اللَّه لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها،)
فاستجاب الله دعاء نبيه، وبقية القصة، فقال عَّ: ((الحمد لله، إني لأرجو أن يموت جميعًا))،
فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجال جميعًا؟ قال عَظُلّه: تتشعب أهواؤه وهمومه في أودية
الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي اللَّه عز وجل في أيها هلك))، قالوا:
فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق، فلما توفي
رسول اللَّه عَّه، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه، فذكرهم الله
والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل الصديق يذكره، ويسأل عنه، حتى بلغه حاله، وما قام به،
فكتب إلى زياد بن الوليد يوصيه به خيرًا، ذكره اليعمري اهـ.
(الوفد التاسع عشر:)
(قدوم وفد بني سعد هذيم). بضم الهاء، وفتح الذال المعجمة، فتحتية، فميم، وهو
سعد بن زيد، لكن حضنه عبد أسود اسمه هذيم، فأضيف إليه، وهو أبو قبيلة (من قضاعة) شعب

٢٠٥
الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم
روى الواقدي عن ابن النعمان عن أبيه من سعد هذيم قال: قدمت على
رسول الله عٍَّ وافدًا في نفر من قومي، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم
المسجد الحرام، فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى
رسول الله عَّه ونبايعه، ثم بايعنا عَّم على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا.
وقد كنا خلفنا أصغرنا، فبعث عليه السلام في طلبنا فأتي بنا إليه، فتقدم
صاحبنا ....
من معد، وقيل: من اليمن.
(روى الواقدي) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، المدني، الحافظ، المتروك، مع سعة
علمه، (عن ابن النعمان، عن أبيه) قال في النور: لا أعرفهما، اهـ، والنعمان صحابي، عجبت من
صاحب الإصابة كيف لم يترجم له، مع أن شأنه الاستيعاب لكل ما ورد، وإن ضعف إسناده، أو
كان لا إسناد له، (من سعد هذيم، قال: قدمت على رسول اللَّه عَّ وافدًا في نفر من قومي،)
وقد أوطأ رسول اللَّه البلاد غلبة وأذاخ العرب والناس صنفان، إما داخل في الإسلام راغب فيه،
وإما خائف من السيف، هذا أسقطه من رواية الواقد قبل قوله: (فنزلنا ناحية من المدينة) وأذاخ
بذال وخاء معجمتين. استولى، (ثم خرجنا نؤم،) نقصد (المسجد الحرام،) يعني النبوي مسجد
المدينة، لأنه يطلق عليه الحرام أيضًا، وقد قال عَّله: ((وإني حرمت المدينة))، أي: جعلتها حرمًا،
والقرينة صارفة عن إرادة حرم مكة، لكن لم يقع في رواية الواقدي عند اليعمري لفظ الحرام،
فالأولى إسقاطه، (فقمنا ناحية) تصرف في رواية الواقدي بالحفظ، ولفظه: نؤم المسجد حتى
انتهينا إلى بابه، فنجد رسول اللَّه عَةٍ يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، (ولم
ندخل مع الناس في صلاتهم) على الجنازة، وقلنا: (حتى نلقي رسول اللَّه عَُّ ونبايعه،) ثم
انصرف عَّه فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: ((ممن أنتم)؟ فقلنا: من بني سعد هذيم، فقال: ((أمسلمون
أنتم))؟ قلنا: نعم، قال: فهلا صليتم على أخيكم؟ قلنا: يا رسول اللّه ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى
نبايعك، قال عَّ له: أينما أسلمتم، فأنتم مسلمون))، قالوا: فأسلمنا وبايعنا هذا، أسقطه من خبر
الواقدي، لأنه لم يتعلق غرضه به، واختصره بقوله: (ثم بايعنا عَّه على الإسلام،) قال في النور:
ما حاصله.
والظاهر أنه سهيل بن بيضًا، فلا أعلم أحدًا صلى عليه في مسجد غيره، وما في مسلم: أنه
صلى على سهيل وأخيه في المسجد، ففيه أنه إن كان المراد به سهلاً بالتكبير، فلا يصح، لأنه
مات بعد النبي عَِّ، قاله الواقدي، وإن كان صفوان، فكذلك، لأنه قتل ببدر اهـ، (ثم انصرفنا
إلى رحالنا، وقد كنا خلفنا أصغرنا) . بشد اللام، ولم يعرف البرهان اسم أصغرهم، (فبعث عليه

٢٠٦
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا وخادمنا، فقال: أصغر القوم
خادمهم، بارك الله عليك، قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا بدعاء رسول الله عَ ليه، ثم
أمَّره علينا، فكان يؤمنا فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
الوفد العشرون:
وفد بني فزارة: قال أبو الربيع بن سليلمن في كتاب الاكتفاء: ولما
رجع رسول الله عَ ◌ّه من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلاً منهم
خارجة بن حصن،
السلام في طلبنا، فأتى) بالبناء للمجهول (بنا إليه،) وكأنه بعث يطلبهم، لأجل مبايعة أصغرهم
له، وشرفه برؤيته، (فتقدم صاحبنا، فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول اللَّه إنه أصغرنا وخادمنا،
فقال: ((أصغر القوم خادمهم بارك اللَّه عليك))،) وفي اليعمري وغيره عليه، وهي الموافقة لكون
الخطاب معهم لا معه، ويحتمل أنه قصد خطابه، لأنه تقدم له وبايعه، فلا التفات فيه.
(قال) النعمان راوي الحديث: (فكان واللَّه خيرنا، وأقرأنا بدعاء رسول اللَّه عَ لِّ، ثم أمره
علينا). بشد الميم من التأمير، (فكان يؤمنا،) قال: ولما أردنا الإنصراف أمر بلالاً، فأجازنا بأواقي
من فضة لكل رجل منا، (فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم اللّه الإسلام،) كذا في نسخة، فرجعنا بالفاء،
وهي التي في الرواية، وفي نسخة مرجعنا بالميم، أي: يؤمنا زمن رجوعنا.
(الوفد العشرون:)
(وفد بني فزارة) بفتح الفاء والزاي، فألف، فراء، فتاء تأنيث. قبيلة من قيس عيلان، ويحتمل
أنه أراد بالوفد، القدوم من إضافة المصدر إلى فاعله، وأنه بمعنى الجماعة المختارة، للتقدم في لقاء
العظماء، فتكون من إضافة الأعم إلى الأخص، وهذا أوفق بقوله بعد قدم عليه الخ ...
(قال) الإمام الحافظ، البارع، العالم، محدث الأندلس وبليغها، (أبو الربيع) سليمان بن
موسى، (ابن سليمان،) ابن حسان الحميري، الكلاعي، البلنسي، المعتني بالحديث أتم عناية،
فكان إمامًا في صناعته، بصيرًا به، عارفًا بالجرح والتعديل، ذاكرًا للمواليد والوفيات، مقدم أهل
زمانه في ذلك، وفي حفظ أسماء الرجال، مع التبحر في الأدب، والاشتهار بالبلاغة، فردًا في
الإنشاء، شجاعًا، بطلاً، يباشر الحروب بنفسه، ويبلى فيها بلاءً حسنًا. ولد في مستهل رمضان
سنة خمس وستين وخمسمائة، واستشهد ببلد العدوّ في العشرين من ذي الحجة، سنة أربع
وثلاثين وستمائة (في كتاب الاكتفاء). بالمد. في مغازي رسول اللَّه والثلاثة الخلفاء، أحد
تصانيفه العديدة، (ولما رجع رسول اللَّه عَّ من تبوك) في رمضان سنع تسع، (قدم عليه وفد
بني فزارة بضعة عشر رجلاً، منهم خارجة). بمعجمة فراء فجيم. (ابن حصن) . بكسر المهملة

٢٠٧
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
والحربن قيس، ابن أخي عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، مقرين بالإسلام، وهم
مسنتون، على ركاب عجاف، فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم فقال
أحدهم؛ يا رسول الله، أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا،
الأولى، وإسكان الثانية. ابن حذيفة بن بدر، أخو عيينة بن حصن، وهو والد أسماء بن خارجة،
الذي كان بالكوفة.
ذكر الواقدي: أنه ارتد بعد المصطفى، ومنع الصدقة، ثم تاب، وقدم على أبي بكر
(والحر) بضم المهملة، وشد الراء (بن قيس،) ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، (ابن أخي
عيينة بن حصن،) نرفع ابن صفة للحر المرفوع بالعطف، ذكره ابن السكن في الصحابة، وفي
البخاري عن ابن عباس: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر
الذین یدنیهم عمر الحدیث.
وفي الصحيحين: تمارى ابن عباس، والحربن قيس في صاحب موسى، فمر بهما أبي بن
كعب .. الحديث، وقال لملك في العتبية: قدم عيينة بن حصن، فنزل عن ابن أخ له أعمى، فبات
يصلي، فلما أصبح غدًا إلى المسجد، فقال عيينة: ما رأيت قومًا أوجه لما وجهوهم له من قريش،
كان ابن أخي عندي أربعين سنة لا يطيعني، ذكره في الإصابة، (وهو أصغرهم،) فنزلوا في دار رملة
بنت الحرث، وجاؤوا المصطفى، (مقرين بالإسلام وهم مسنتون،). بضم الميم، وإسكان
المهملة، وكسر النون، أي: مجدبون، ويروى مشتون، بشين معجمة، فتاء، أي: داخلون في
الشتاء (على ركاب) إبل يسار عليها (عجاف،) بكسر المهملة، وخفة الجيم بالغين. في الهزال
النهاية، جمع أعجب على غير قياس، حملاً على نظيره، وهو ضعاف أو علی ضده، وهو سمان،
والقياس عجف، كأحمر وحمر، (فسألهم عليه الصلاة والسلام، عن بلادهم،) عن أحوالها، (فقال
أحدهم:) قال في النور: لا أعرفه.
وفي الفتح الظاهر أنه خارجة، لكونه كبير الوفد اهـ، ولا يلزم من كونه كبيرهم، أن يكون
هو القائل (يا رسول اللَّه أسنتت،) بهمزة مفتوحة، ومهملة ساكنة، وفوقية، أي: أجدبت (بلادنا،)
أصابتها السنة، وهي الجدب، (وهلكت مواشينا) من عدم ما تأكله، (وأجدب) . بدال مهملة
(جنابنا) . بفتح الجيم وخفة النون، فألف فموحدة. الفناء، وما قرب من محلة القوم، فعطفه بلا تاء
على أسنت من عطف الجزء على الكل، أن أريد بجنابنا ما حول بيوتنا، ومباين أن أريد به
ما يقرب من بلادهم، وعلى كل، فالغرض الزيادة في إظهار سبب هلاك المواشي، سيما على
الوجه الثاني، وقراءته جناننا بنونين، جمع جنة تصحي، فارض العرب لم يكن بها جنان (وغرث)
بفتح المعجمة، وكسر الراء، ومثلثة. جاع (عيالنا) لقلة ما يأكلون، وفي نسخة: غرثت بزيادة تاء،

٢٠٨
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك.
فقال عَّ: سبحان الله !! ويلك، هذا إنما شفعت عند ربي عز وجل: فمن ذا
الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض،
فهي تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرجل الجديد.
وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل ليضحك
وتركها أظهر، لأن عيال الرجل من يعول، ولو ذكورًا، فهو مذكر، (فادع لنا ربك يغيثا) . بفتح
أوله. من الغيث، أي: يمطرنا، وبضم أوله من الإغاثة، وهي الإجابة، (واشفع لنا إلى ربك،) أي:
توسل لنا إليه بما بينك وبينه من السر، يقال: شفعت في الأمرِ شفعًا، وشفاعة طالبته بوسيلة أو
ذمام، (وليشفع لنا ربك إليك، فقال عَّل) متعجبًا: ((سبحان اللَّه، ويلك) كلمة عذاب خاطبه بها
زجرًا وتنفيرًا عن العود لمثلها، وإن عذر لقرب عهده بالإسلام، (هذا إنما شفعت))) . بفتح الفاء.
من باب منع، كما في القاموس وغيره.
قال في النور: وهو بديهي كالشمس، إلاَّ أني أخبرت أن بعض الأروام كسرها، وفي نسخة
أنا شفعت، وكذلك في العيون وغيرها، وهي أولى، لأن إنما للحصر، وإنما تستعمل للرد على
معتقد الشركة أو القلب، وهؤلاء ليسوا كذلك (عند ربي عز وجل، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه،
لا إله إلاَّ هو العلي،) فوق خلقه بالقهر (العظيم) الكبير، (وسع كرسيه السموات والأرض،) قيل:
أحاط علمه بهما، وقيل: ملكهِ، وقيل: الكرسي بعينه يشتمل عليهما لعظمته لحديث:
ما السموات السبع في الكرسي إلاَّ كدراهم ألقيت في ترس، ذكره السيوطي.
وفي النور الصواب: أن الكرسي غير العلم، خلافًا لزاعمه ولزاعم أنه القدرة، وأنه موضع
قدميه، وإنما هو المحيط بالسموات والأرض، وهو دون العرش، كما جاءت به الآثار، (فهي تئط)
. بفتح الفوقية، وكسرها الهمزة، وشد الطاء المهملة، تصوَّت (من عظمته وجلاله، كما يئط
الرجل) . بالمهملة. (الجديد) . بالجيم.
قال المصنف في المقصد التاسع: الأطيط صوت الأقتاب، يعني أن الكرسي ليعجز عن
حمله وعظمته، إذ كان معلومًا أن أطيط الرحل بالراكب، إنما يكون لقوّة ما فوقه وعجزه عن
احتماله، وهذا مثل لعظمة الله وجلاله، وإن لم يكن أطيط، وإنما هو كلام تقريبي أريد به تقرير
عظمته عز وجل اهـ
(وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله عز وجل ليضحك،) يدر رحمته، ویجزل مثوبته،
فالمراد لازمه، أو الضحك فيه، وما أشبهه التجلي والظهور، حتى يرى بعين البصيرة في الدنيا
والآخرة بعين البصر، يقال: ضحك الشيب إذا ظهر قال:

٢٠٩
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
من شففكم وقرب غیاتكم.
فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟ فقال: نعم.
قال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرًا.
فضحك رسول الله عَّم من قوله وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤي بياض
ابطیه،
لا تعجبي يا هند من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
(من شففكم). بفتح الشين المعجمة والفاء. اسم من الإشفاف، والمراد به أقصى
ما وجدوه من الضيق، كما في الشامي، ومقتضاه أنه بفاءين، ويفيده كلام القاموس والصحاح،
كذا قال شيخنا هنا، وضبطه في المقصد التاسع بالفاء والقاف، فقال، أي خوفكم، يقال: أشفقت
من كذا حذرت، وفي الصحاح: أشفقت عليه، فأنا مشفق، وشفيق، وإذا قلت شفقة منه، فإنما
تعني حذرته، وأصلهما واحد، ومثله في القاموس اهـ.
وقد زاد في العيون: وأزلكم . بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، أي: ضيقكم، وهو يؤيد الثانية
قاف لا فاء، لأن الأصل تباين العطف، (وقرب غياثكم) . بضم القاف، وسكون الراء مخفوض
عطفًا على شفقكم، والمعنى أن اللَّه يضحك من حصول الفرج لكم متصلاً بشدة الضيق، وهذا
قاله عَِّ قبل صعود المنبر، والدعاء، فيكون علمه بالوحي، فبشرهم به، (فقال الأعرابي:
يا رسول اللَّه ويضحك ربنا عز وجل؟ فقال: ((نعم))، قال الأعرابي: لن نعدمك). بفتح النون،
وسكون العين، وفتح الدال، كما في الصحاح، والقاموس، والمختار، والمصباح: أنه من باب
طرب، وبه ضبط الكرماني وغيره، وقوله تعَّه: لا نعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه، أو
تجد ريحه، فضبط الشامي بكسر الدال، لا يعوَّل عليه على أنه كتب بهامش نسخته بخطه يحرر،
فأفاد أنه كتبه على عجل، ليراجعه بعد (من رب يضحك خيرًا،) أي: لا ننفي عنك خيرًا من رب
يضحك، لما جرت له العادة إن العظيم إذا سئل شيئًا فضحك، أو نظر السائل نظرة جلوة حصل
له ما يؤمله منه، (فضحك رسول اللَّه عَ ◌ّ من قوله وصعد) بكسر العين مضارعة بفتحها.
(المنبر).
زاد في الرواية: وتكلم بكلمات، (فرفع يديه حتى رىء). براء مكسورة، فهمزة مفتوحة،
ممدود، أو بضم الراء، وكسر الهمزة. (بياض إبطيه،) وهو من خصائصه دون غيره.
قال أبو نعيم: بياض إبطيه من علامات نبوّته وقد وقع في هذه الرواية، وكان لا يرفع يديه
في شيء من الدعاء إلا رفع الاستسقاء، ومثله في الصحيحين من حديث أنس.

٢١٠
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
وكان مما حفظ دعائه: اللَّهم اسق بلدك الميت، اللَّهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا طبقًا
واسعًا عاجلاً غير آجل، نافعًا غير ضار، اللَّهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم
ولا غرق ولا محق. اللَّهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء، الحديث رواه ابن
سعد والبيهقي، ويأتي تمامه
قال الحافظ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث
الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وتقدم أنها كثيرة، وأفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات،
وساق فيه عدة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي
رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس، لأجل الجمع
بحمله على نفي الرفع البالغ إلاّ في الاستسقاء، يدل عليه قوله: حتى رىء الخ، ويؤيده أن غالب
الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء، المراد به مد اليدين، وبسطهما عند الدعاء، وكأنه
عند الاستسقاء زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، أو على
صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس؛ أنه عَِّ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء،
ولأبي داود عن أنس كان يستسقى هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت
بياض إبطيه.
قال النووي: قال العلماء السنة في كل دعاء لرفع بلاء؛ أن يرفع يديه جاعلاً طهور كفيه
إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء اهـ، وتعقب الحمل
الثاني بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، وإن كان استسقاؤه للطلب، كما هنا، مع أنه نفسه ذكر أن
ما كان لطلب شيء، كان ببطون الكفين إلى السماء، والظاهر أن مستند هذا استقراء حاله ـ
في دعاء الاستسقاء وغيره، (وكان مما حفظ) بالبناء للمفعول من (دعائه: اللهم اسق) . بوصل
الهمزة، وقطعها ثلاثي ورباعي، وكذا ما بعده (بلدك،) أي: أهل بلدك (الميت، اللهم اسقنا غيثنا)
مطرًا (مغيثًا) من هذه الشدة (مربعًا). بضم الميم، وإسكان الراء، وكسر الموحدة، وعين مهملة،
أو بفوقية بدل الموحدة. من رتعت الدابة إذا أكلت ما شاءت، أو بفتح الميم، وکسر الراء،
وسكون التحتية، ومهملة من المراعة، وهي الخصب (طبقًا). بفتح المهملة والموحدة وقاف،
أي: مستوعبًا للأرض منطبقًا عليها (واسعًا) كالتأكيد طبقًا، (عاجلاً غير آجل، نافعًا غير ضار)
بزرع، ولا مسكن، ولا حيوان آدمي، أو بهيمة، (اللهم سقيًا رحمة، لا سقيًا عذاب، ولا هدم،
ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء، الحديث).
(رواه ابن سعد والبيهقي) في الدلائل، (ويأتي تمامه)، وهو فقام أبو لبابة بن عبد المنذر،
فقال: يا رسول اللَّه إن التمر في المربد ثلاث مرات، فقال عليه السلام: ((اللهم اسقنا حتى يقوم

٢١١
الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد
إن شاء الله تعالى في الاستسقاء في مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام.
الوفد الحادي والعشرون:
وقدم عليه عَِّ وفد بني أسد، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد،
وطلیحة بن خويلد،
أبو لبابة عريانًا يسد ثعلب مربده بإزار))، قال: فلا واللَّه ما في السماء من قزعة، ولا سحاب)) وما
بين المسجد وسلع من بناء، ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت
السماء انتشرت وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتًا، وقام أبو لبابة عريانا بسد
ثُعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه، فقال الرجل، يعني الذي سأله أن يستسقى لهم:
يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد المنبر، فدعا، ورفع يديه حتى رأی بیاض
إبطيه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر،
فانجابت السحابة على المدينة، كانجياب الثوب هذا آخر الآتي، (إن شاء اللّه تعالى في
الاستسقاء من مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام،) وهو التاسع، وفيه ثم فوائد جليلة، واللَّه أعلم.
(الوفد الحادي والعشرون:)
(وقدم عليه عَّةٍ وفد بني أسد). بفتح الهمزة والسين. ابن خزيمة في سنة تسع (عشرة،
رهط فيهم وابصة بن معبد) بن عتبة بن الحرث بن لملك بن الحرث بن ملك بن قيس بن
كعب بن سعد بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي.
وقال أبو حاتم: هو وابصة بن عبيدة ومعبد لقب أبو سالم، ويقال: أبو الشعثاء، ويقال:
أبو سعد، وفد سنة تسع، وروى عن النبي عَّه وابن مسعود وأم قيس وغيرهم، وعنه ابناه سالم
وعمرو، وغيرهما: نزل الجزيرة، فروى أبو علي الحراني عن أبي عبد اللَّه الرقي، وكان من أعوان
عمر بن عبد العزيز، أنه بعث معه بمال، وكتب إلى وابصة أن يبعث معه من یکف الناس عنه،
وقال لي: لا تفرقه إلاَّ على نهر جار، فإني أخاف أن يعطشوا، قال أبو علي: وما أظن هذا إلاّ
وهمّا، لأن وابصة ما عاش إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كما ظن، ولعله كان في الأصل
إلى ابن وابصة، قاله في الإصابة، وفي تقريبه وابصة . بكسر الموحدة، ثم مهملة. ابن عتبة
الأسدي، صحابي نزل الجزيرة، وعاش إلى قرب سنة تسعين.
روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، (وطليحة بن خويلد). بتصغيرها . ابن نوفل بن
نضلة الأسدي وفد وأسلم، ثم ارتد بعد النبي عُّ وادعى النبوّة، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد،
وأمره أن يصير في ضاحية مضر، فيقاتل من ارتد، ثم يسير إلى اليمامة، فسار فقاتل طليحة،

٢١٢
الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد
ورسول الله عَّ جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أن الله
وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثًا.
فأنزل الله تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل
الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ [الحجرات/١٧].
فهزمه وهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه بعد إسلامه، وأحرم بالحج،
فرآه عمر، فقال: لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وكانا
طليعتين لخالد، فلقيهما طليحة فقتلهما، فقال طليحة: هما رجلان أكرمهما اللَّه بيدي، ولم
يهني بأيديهما يا أمير المؤمنين، فمعاشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون مع البغضاء، وشهد القادسية
ونهاوند مع المسلمين، وذكروا له مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استشهد بنهاوند سنة
إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي، أن عمر قتل طليحة وعيينة، وراجعت في ذلك جلال
الدين البلقيني، فاستغربه جدًا، ولعله قبل . بالباء الموحدة، أي: قبل منهما الإسلام، قاله في
الإصابة ملخصًا، واقتصر المصنف على تسمية هذين الاثنين من العشرة، تبعًا لما في بعض
الروايات، وزاد ابن سعد ضرار بن الأزور، وحضرمي ابن عامر، وقتادة بن القائف، وسلمة بن
حبيش، ومعاذ بن عبد الله بن خلف، فجملة من سمى سبعة، ولم يسم الثلاثة الباقية، فقصر
البرهان تقصيرًا شديدًا في قوله ما عرفت منهم إلاّ وابصة وطليحة، وفي الإصابة أبو مكعت
بضم، فسكون، فمهملة مكسورة، ثم مثناة فوقية. الأسدي اسمه عرفطة ابن نضلة، وقيل:
الحرث بن ثعلبة وفد في قومه بني أسد، فلما وقف بين يدي النبي عَّة. قال:
يقول أبو مكعت صادقًا عليك السلام أبا القسم
سلام الإله وريحانه وروح المصلين والصائم
فقال عليه السلام: ((يا أبا مكعت عليك السلام تحية الموتى))، اهـ باختصار، فهذا ثامن،
(ورسول اللَّه عَِّ جالس) في المسجد، كما في الرواية، فكأنه أسقطه للعلم به (مع أصحابه،
فقال:) لفظ ابن سعد، فسلموا، وقال (متكلمهم،) قال في النور: لا أعرفه (يا رسول اللَّه، إنا
شهدنا أن اللَّه وحده) حال وخبر أن (لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك) لفظ الرواية.
وقال حضرمي ابن عامر: أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، أي: نجعل الليل
الشديد الظلمة درعًا لنا في سنة جدباء، لا مطر فيها من الشبهة البياض، (ولم تبعث إلينا بعثًا).
زاد ابن سعد: ونحن لمن وراءنا سلم، (فأنزل اللَّه تعالى ﴿يمنون عليك أن﴾،) أي: بأن
(﴿أسلموا﴾) من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال، ﴿(قل لا تمنوا على
إسلامكم﴾، منصوب بنزع الخافض، وهو الباء، ﴿«بل اللَّه يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم

٢١٣
الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء
الوفد الثاني والعشرون:
وقدم عليه صلوات الله وسلامه عليه وفد بهراء من اليمن، وكانوا ثلاثة
عشر رجلاً، فلما انتهوا إلى باب المقداد رحب بهم، وقدم لهم جفنة من حیس،
صادقين﴾) في قولكم آمنا، وهذا أسنده ابن سعد من مرسل محمد بن كعب الكرظي، وله
شواهد، وسألوه عَّلِ عن العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله العيافة . بعين
مهملة مكسورة، فتحتية ففاء. الطير والتفاؤل بأسمائها، وأصواتها وممرها، والكهانة تعاطى خبر
الكائنات في المستقبل، فقالوا: بقيت خصلة هي الخط، قال عَ : ((الخط علمه نبي من
الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم)).
قال ابن قرقول: الخط خط الرمل، ومعرفة ما يدل عليه.
قال البرهان: هذا النبي لا أعرف اسمه، والشامي في حفظي أنه إدريس، ولا أعلم من
ذكره اهـ، وفي مسلم فمن وافق خطه فداك، ومعناه على الصحيح من وافق خطه، فهو مباح له،
ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، فالقصد أنه حرام، لأنه لا يباح إلاّ بتيقن
الموافقة، ولا سبيل إليها، وإنما قال فذاك، ولم يقل هو حرام بلا تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم
دخول ذلك النبي في النهي.
وقال عياض المختار: إن معناه من وافق خطه، فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا
أنه يباح لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا، فحصل من مجموع كلام العلماء الإتفاق
على النهي عنه الآن، كذا في النور، وفي الشامية ضرب الرمل حرام صرح به غير واحد من
الشافعية والحنابلة وغيرهم اهـ، وكذا ابن رشد من المالكية، ومقتضى كلام المازري؛ أنه إذا اعتقد
أن الله أجرى عادته بدلالته على ما يدل عليه، من غير أن يكون للخط تأثير في ذلك، فلا يكون
حرامًا، والله أعلم.
(الوفد الثاني والعشرون:)
(وقدم عليه صلوات الله وسلامه عليه وفد بهراء). بفتح الموحدة، وإسكان الهاء وبالراء
ممدود. قبيلة من قضاعة، والنسبة إليها بهراني على غير قياس، وقياسه بهراوي بالواو، وذكر
الواقدي عن كريمة بنت المقداد، قال: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم
وفد بهراء (من اليمن، وكانوا ثلاثة عشر رجلاً،) فأقبلوا يقودون رواحلهم، (فلما انتهوا إلى باب
المقداد) بن الأسود، ونحن في منازلنا ببني حديلة . بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتحتية.
بطن من الأنصار، خرج إليهم المقداد فـ (رحب بهم، وقدم لهم جفنة). بفتح الجيم. قصعة (من
حيس) . بفتح المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة تمر يعجن وبسمن وأقط قال:

٢١٤
الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء
فأكلوا منها حتى نهلوا. وردت القصعة وفيها شىء، فجمع في قصعة صغيرة فأرسل
بها إلى رسول الله عَّله في بيت أم سلمة، فأصاب منها هو ومن معه في البيت
حتى نهلوا، ثم أكل منها الضيف ما أقاموا، يرددون ذلك عليهم وما تغيض، حتى
جعلوا يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على
مثل هذا إلا في الحين، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله عَّهِ أنه أكل منها
وردها، فإن هذه بركة أصابعه عليه الصلاة والسلام، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه
رسول الله، وازدادوا يقينًا، وتعلموا الفرائض، وأقاموا أيامًا، ثم ودعوا رسول الله
في اللّه
فأمر لهم بجوائز وانصرفوا إلى أهليهم.
والتمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إلاَّ أنه لم يختلط
قالت ضباعة: كنا قد هيأناها قبل أن يحلوا، لنجلس عليها، فحملها أبو معبد المقداد،
وكان كريمًا على الطعام، (فأكلوا منها حتى نهلوا). بفتح النون وكسر الهاء، وأصله الشرب الأول
أطلق على الأكل، مجازًا علاقته أن الشرب لازم للأكل غالبًا، (وردت) البناء للمفعول (القصعة)
. بالفتح، ولا تكسر، (وفيها شيء، فجمع في قصعة صغيرة، فأرسل بها) لفظ الرواية عن ضباعة،
فجمعنا ذلك في قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها مع سدرة مولاتي (إلى رسول اللَّه عَِّ)) فوجدته
(في بيت أم سلمة،) فقال عَّ: ((ضباعة أرسلت بهذا)؟ قالت سدرة: نعم يا رسول اللّه، قال:
((ضعي))، ثم قال: ((ما فعل ضيف أبي معبد))؟ قلت: عندنا، (فأصاب منها هو ومن معه في البيت
حتى نهلوا،) وأكلت معهم سدرة، (ثم) قال: ((اذهبي بما بقي إلى ضيفكم))، فرجعت بها،
فـ (أكل منها الضيف ما أقاموا) مدة إقامتهم، وجمع مع أن الضيف مفردًا للفظ، لأن المراد هنا
الثلاثة عشر (يرددون ذلك عليهم وما تغيض). بفتح الفوقية، وكسر المعجمة، ثم تحتية،
فمعجمة، أي: تنقص، (حتى جعلوا يقولون يا أبا معبد إنك لتنهلنا) . بضم أوله، وكسر الهاء.
لتشبعنا حتى نحتاج إلى النهل الشرب الأول، (من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا
إلاَّ في الحين،) أي: نادر من الزمن، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق، أو
نحوه، ونحن عندك في الشبع، (فأخبرهم أبو معبد،) كنية المداد بن الأسود من السابقين، شهد
بدرًا، ولم يثبت أنه شهدها فارس غيره (بخبر رسول اللَّه عَّل، أنه أكل منها وردها، فإن هذه بركة
أصابعه عليه الصلاة والسلام، فجعل القوم يقولون نشهد أنه رسول اللَّه، وازدادوا يقينًا،) وذلك
الذي أراد عَّ ◌ُله، فأتوه فأسلموا، أي: أظهروه عنده بالنطق بالشهادتين، (وتعلموا الفرائض، وأقاموا

٢١٥
الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة
الوفد الثالث والعشرون
وقدم عليه عٍَّ وفد عذرة، في صفر سنة تسع، وكانوا اثني عشر رجلاً،
منهم جمرة بن النعمان، فرحب بهم عَّهِ، فأسلموا وبشرهم بفتح الشام وهرب
هرقل إلى ممتنع من بلاده،
أيامًا) لم يبين عدتها، (ثم ودعوا رسول اللَّه عَّ، فأمر لهم بجوائز) لم يبين أيضًا قدرها،
(وانصرفوا إلى أهليهم) باليمن.
(الوفد الثالث والعشرون:)
( (وقدم عليه عَ ل وفد عذرة). بمهملة مضمومة، ومعجمة ساكنة، فراء مفتوحة، فتاء تأنيث . قبيلة
باليمن من قضاعة.
روى الواقدي: أنهم وفدوا (في صفر، سنة تسع، وكانوا اثني عشر رجلاً، منهم جمرة بن
النعمان،) وسعد وسليم ابنا لملك، هكذا نقله في الإصابة عن الواقدي، فقصر البرهان في قوله
لا أعرف منهم إلاَّ جمرة بن النعمان بن هوذة بن لملك بن سمعان العذري.
قال الكلبي: هو أول من قدم بصدقة قومه إلى النبي عَّه، وقال الطبري: هو سيد بني
عذرة، ووفد على النبي عَ له بصدقة قومه، فأقطعه علم حصر قوسه ورمية سوطه من وادي القرى،
فنزلها إلى أن مات، ذكره ابن شاهين، لكنه أخرجه في الحاء المهملة، وكذا ابن بشكوال، فوهما
فيه، فقد ضبطه الدارقطني بالجيم والراء.
وقال الواقدي: حدثنا شعيب بن ميمون، عن أبي مرانة البلوي: سمع جمرة بن النعمان
العذري، وكانت له صحبة يقول: أمر رسول اللَّه عَّه بدفن الشعر والدم، أخرجه الدارقطني من
طريقه انتهى، (فرحب بهم عليه الصلاة والسلام،) أي: قال لهم: ((مرحبًا بكم وأهلاً)، أي: لقيتم
رحبًا وسعة، فاستأنسوا، ولفظ الرواية، فقال عَّهِ: ((من القوم))؟ فقال متكلمهم: من لا تنكر نحن
بنو عذرة إخوة قصي لأمه، نحن الذين عضدوا قصيًا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر،
ولنا قرابات وأرحام.
قال عَّله: ((مرحبًا بكم وأهلاً، ما أعرفني بكم، فما يمنعكم من تحية الإسلام))، قالوا: كنا
على ما كان عليه آباؤنا، وجئنا مرتادين لأنفسنا ولقومنا، فإلام تدعو؟ قال: ((إلى عبادة اللَّه، وحده
لا شريك له، وأن تشهدوا أني رسول اللَّه إلى الناس كافة)، فقال متكلمهم: فما وراء ذلك من
الفرائض، فأخبرهم بجميعها، فقالوا: اللَّه أكبر نشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأنك رسول اللَّه، قد أجبناك
إلى ما دعوت إليك، ونحن أعوانك وأنصارك يا رسول الله، إن متجرنا الشام، وبه هرقل، فهل
أوحى إليك في أمره بشيء؟ قال: أبشروا، فإن الشام ستفتح عليكم، ويهرب هرقل إلى ممتنع

٢١٦
الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي
ثم انصرفوا وقد أجيزوا.
الوفد الرابع والعشرون:
وقدم عليه عَّه وفد بلي، فأسلموا، فقال عَّ: الحمد لله الذي هداكم
للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار. ثم ودعوا رسول الله عَ ليه
بعد أن أجازهم.
بلاده، واختصر المصنف هذا، فقال: (فأسلموا، وبشرهم بفتح الشام وهرب) بالجر، أي:
وبشرهم بهرب (هرقل إلى ممتنع بلاده،) ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا
يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلاَّ الأضحية، فأقاموا أيامًا بدار رملة، أي: بنت الحرث
النجارية، كانت دارها تنزل فيها الوفد، (ثم انصرفوا، وقد أجيزوا،) أعطاهم الجائزة، وهي العطية،
والتحفة، واللطف، كما في القاموس.
(الوفد الرابع والعشرون:)
(وقدم عليه عَّةٍ وفد بلي). بفتح الموحدة، وكسر اللام، وشد الياء، والنسبة إليها بلوى
بفتحتين نسبة إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ذكر الواقدي عن رويفع بن ثابت البلوي،
قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم عليَّ وقدمت بهم على
رسول اللَّه عَّه، فقلت: هؤلاء قومي، فقال: ((مرحبًا بك وبقومك))، (فأسلموا، فقال) لهم (عَّ:
«الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام، فهو في النار))،) وبقية
حديث رويفع عند الواقدي
وقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا رسول اللَّه إن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك
أجر؟ قال: ((نعم، وكل معروف صنعته إلى غني، أو فقير، فهو صدقة))، قال: يا رسول الله ما وقت
الضيافة؟ قال: ((ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيخرجك)).
قال: يا رسول الله أرأيت الضالة من الغنم أجدها، في الفلاة من الأرض؟ قال: ((لك
ولأخيك، أو للذئب))، قال: فالبعير؟ قال: ((ما لك وله، دعه حتى يجده صاحبه))، قال رويفع: ثم
قاموا، فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول اللَّه عَ لّه يأتي منزلي يحمل تمرًا، فقال: ((استعن بهذا التمر))،
فكانوا يأكلون منه، ومن غيره فأقاموا ثلاثًا، (ثم ودعوا رسول اللَّه عَّ بعد أن أجازهم،) ورجعوا
إلى بلادهم وأبو الضبيب . بمعجمة مضمومة. بلفظ تصغير ضب، ويقال فيه أيضًا أبو الضبيس
. بسين مهملة آخره بدل الموحدة.
ذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن دخل مصر من الصحابة، كما في الإصابة ذاكرًا
بعض حديث رويفع عازيًا للواقدي وبالسين، ذكره الذهبي، فقال في التجريد: أبو ضبيس البلوى

٢١٧
الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة
الوفد الخامس والعشرون:
وقدم عليه عَّ وفد بني مرة وكانوا ثلاثة عشر رجلاً، ورئيسهم الحرث بن
عوف، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: كيف البلاد؟ فقالوا: والله إنا لمسنتون،
فادع الله لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: اللَّهم اسقهم الغيث. ثم أقاموا أيامًا
ورجعوا بالجائزة فوجدوا بلادهم قد أمطرت في ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه
رسول الله صَّه
له صحبة، فقصر البرهان في قوله: لم أقع لأبي الضبيس على ترجمة، ولا رأيت أحدًا ذكره في
الصحابة، إلا ما هنا فليتبع انتهى. وعذره أنه إنما رآه بسين آخره في تجريد الصحابة، وهنا رآه
بموحدة، فظنه غيره، مع أنه هو، كما أفاده في الإصابة، ويحرجك من الحرج، أي: يضيق
صدرك، وقيل: يؤثمك، أي: يعرضك للإثم، حتى تتكلم فيه بما لا يجوز، فتأثم.
(الوفد الخامس والعشرون:)
(وقدم عليه عَّ وفد بني مرة) . بضم الميم، وشد الراء، فتاء تأنيث ابن کعب بن لؤي.
قال الواقدي: حدثني عبد الرحيم بن إبراهيم المدني، عن أشياخه، قالوا: قدم وفد بني مرة،
منصرف رسول اللَّه عَّ من تبوك سنة تسع، (وكانوا ثلاثة عشر رجلاً،) فنزلوا في دار بنت
الحرث، ثم جاؤوا إلى النبي عليه السلام، (ورئيسهم الحرث بن عوف،) أي: بمهملة، فواو، ففاء
المري بالراء من فرسان الجاهلية، المشهور أسلم، وعليه شيء من دمائها، فأهدره النبي عَّهِ،
وعند الواقدي، فقال، أي الحرث: يا رسول اللَّه إنا قومك وعشيرتك إنا من لؤي بن غالب، فتبسم
رسول اللَّه عَّه، وقال له: ((أين تركت أهلك))؟ قال: بسلاح. بكسر المهملة، ولام، وألف،
ومهملة، وما والاها، (فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((كيف البلاد)؟) أي: كيف أهلها، أو
حالها، والأول أنسب بقوله، (فقالوا: واللَّه إنا لمسنتون))) أي: مجدبون، فأسنده لأهل البلاد، وإلا
لقال إنها مسنته، زاد في الرواية: وما في المال مخ، أي: المواشي كنا بالمخ عن شدة هزالها،
(فادع اللَّه لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم اسقهم الغيث) المطر))، (ثم أقاموا أيامًا،)
فأرادوا الانصراف إلى بلادهم، فأتوا النبي ◌َّ مودعين له، فأمر بلالاً، فأجاز كل واحد بعشرة
أواق فضة، وفضل الحرث، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، (ورجعوا بالجائزة، فوجدوا بلادهم، قد
أمطرت،) بالبناء للمفعول، أي: أمطرها اللَّه (في ذلك اليوم، الذي دعا لهم فيه
رسول اللّه عَ لِّ)) وأخصبت بعد ذلك بلادهم، وقدم على المصطفى، وهو يتجهز لحجة الوداع
قادم منهم، فقال: يا رسول اللَّه رجعنا إلى بلادنا، فوجدناها مصبوبة مطرًا في ذلك اليوم الذي

٢١٨
الوفد السادس والعشرون: وفد خولان
الوفد السادس والعشرون:
وقدم عليه - زاده الله شرفًا وكرمًا لديه - وفد خولان، في شعبان سنة عشر،
وكانوا عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله، وقد ضربنا
إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين
لك. فقال عليه الصلاة والسلام: أما ما ذكرتم من مسيركم إلي فإن لكم بكل
خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة
كان في جواري يوم القيامة. ثم قال عَّه: ما فعل صنم .
دعوت لنا فيه، ووصف كثرة الخصب، فقال ◌َّ: ((الحمد لله الذي هو صنع ذلك)).
وذكر الزبير بن بكار: وابن عساكر: أن الحرث بن عوف أتى النبي عَّةِ، فقال: ابعث
معي من يدعو إلى دينك، وأنا له جار، فبعث معه رجلاً أنصاريًا، فغدا به عشيرة الحرث، فقتلوه،
فقال حسان:
يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدر
وأماته المري حيث لقيته مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر منكم عادة والغدر ينبت في أصول السحبر
فاعتذر وودي الأنصاري، وقال: يا محمد إني عائد بك من لسان حسان، لو أن هذا مزج
بماء البحر لمزجه.
(الوفد السادس والعشرون:)
(وقدم عليه زاده اللَّه شرفًا وكرمًا لديه وفد خولان،) - بفتح المعجمة، وسكون الواو .
وابن عمر أبو قبيلة باليمن (في شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة،) قال في النور: لا أعرف منهم
أحدًا، (فقالوا: يا رسول الله، نحن) على من وراءنا من قومنا، ونحن (مؤمنون بالله، مصدقون
برسوله،) أي: برسالته، والمراد يكونهم على من وراءهم؛ أنهم أمناء على المؤمنين بطلب العهد
له، وكافلون بطلب إيمان من لم يكن آمن، (وقد ضربنا إليك آباط الإبل،) جمع إبط، أي:
تحملنا مشقة السير مع طول المسافة، (وركبنا حزون الأرض) . بضم المهملة والزاي. جمع حزن
- بفتح فسكون. ما غلظ من الأرض، (وسهولها،) جمع سهل، ما لان منها، (والمنة لله ولرسوله،
وقدمنا زائرين لك، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما ما ذكرتم من مسيركم إليَّ، فإن لكم بكل
خطوة،) . بفتح الخاء مرة واحدة. (خطاها بعير أحدكم حسنة). وبضم الخاء. ما بين القدمين))،
والأنسب الأول، إذ الثواب إنما هو على الفعل، وسير بعيرهم منسوب لهم، فأثيبوا عليه، (وأما
قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة) . بضم الجيم وكسرها.

٢١٩
الوفد السابع والعشرون: وفد محارب
خولان الذي كانوا يعبدونه؟ قالوا: بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزًا وشيخًا
كبيرًا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى.
ثم علمهم عليه الصلاة والسلام فرائض الدين، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء
الأمانة، وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدًا، ثم أجازهم ورجعوا إلى قومهم،
وهدموا الصنم.
الوفد السابع والعشرون:
زمامي وعهدي وتأميني، فأجابوه رضي الله عنهم، فقالوا: يا رسول اللَّه هذا السفر الذي لا توى
عليه . بفتح الفوقية والواو والقصر، أي: لا هلاك، (ثم قال عَّ: ((ما فعل) عم أنس، وهو (صنم
خولان الذي كانوا يعبدونه)،) أي: ما أصابه، أهو باق على حاله؟ أم لا؟ فنسبة الفعل إليه تجوز،
ويدل عليهم جوابهم، حيث (قالوا:) بشر (بدلنا اللَّه به ما جئت به، إلاَّ أن عجوزًا وشيخًا كبيرًا،
يتمسكان به،) ظاهره أنهما واحد وواحدة، وليس بمراد، فلفظ الرواية، كما في العيون، وقد بقيت
منا بعد بقايا من شيخ كبير، وعجوز كبيرة متمسكون به، فالمراد الجنس الصادق بالمتعدد،
فكأنه قال بقيت شيوخ وعجائز متمسكون به، (وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء اللَّه تعالى،) فقد
كنا منه في غرور وفتنة، فقال عَّهِ: ((وما أعظم ما رأيتم من فتنته))، قالوا: لقد اسنثنا حتى أكلنا
الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه واتبعنا مائة ثور، ونحرناها له قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تردها
السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجل،
فيقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس، وذكروا له ما كانوا يقسمون لصنمهم من أنعامهم وحروثهم،
وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له، وجزء للَّه بزعمهم، فكانوا يزرعون الزرع، فيجعلون له
وسطه، ويسمى زرعًا آخر حجره للَّه، فإذا مالت الريح بالذي له، جعلناه للصنم، وبالذي له لم
نجعله للَّه، فقال ◌َّ: ((إن اللَّه، قد أنزل عليّ في ذلك ﴿وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث
والأنعام نصيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية))، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم، فقال عَ ◌ّه: «تلك
الشياطين تكلمكم))، (ثم علمهم عليه الصلاة والسلام فرائض الدين،) لما سألوه عنها، أي:
المسائل العامة الحصول، كالصلاة والزكاة والصوم، وما يحتاجون إليه، مما يكثر وقوعه، فهو
مغاير لقوله: (وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار) . بكسر الجيم فقط، أي:
الملازمة، كما في النور، أي: التزام الوفاء بالعهد وحفظه.
ففي القاموس: الجوار بالكسر أن تعطي الرجل ذمة يكون بها جارك، (وأن لا يظلموا
أحدًا،) قال: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، (ثم) ودعوه بعد أيام، و (أجازهم) باثنتي عشرة أوقية
ونش، (ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم،) قبل أن يفعلوا شيئًا، ثم حرموا ما حرم عليهم

٢٢٠
الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء
وقدم عليه عليِّ وفد محارب عام حجة الوداع، وكانوا أغلظ العرب وأفظهم
عليه أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه عليه الصلاة والسلام منهم
عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
الوفد الثامن والعشرون:
وقدم عليه عليه الصلاة والسلام وفد صداء في سنة ثمان، وذلك أنه لما
انصرف من الجعرانة بعث قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية
من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم
المصطفى، وأحلوا ما أحل لهم، أي أظهروا ذلك فيما بينهم وعملوا به.
(الوفد السابع والعشرون:)
(وقدم عليه عَّةٍ وفد محارب) . بضم الميم ومهملة، وراء مكسورة، وموحدة. ابن
سعد بن قيس عيلان . بمهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة. (عام حجة الوداع،) سنة عشر، (وكانوا
أغلظ،) أسوأ (العرب) خلقًا، (وأفظهم،) أشدهم جفاء (عليه،). بمعجمة. فيهما (أيام عرضه على
القبائل، يدعوهم إلى اللَّه) قبل الهجرة، (فجاءه عليه الصلاة والسلام منهم عشرة،) لم يسمعهم
نائبين عن قومهم، (فأسلموا،) وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، إلى أن جلسوا معه عَّه يومًا من
الظهر إلى العصر، فعرف رجلاً، فأمده النظر، فقال المحاربي: كأنك يا رسول اللَّه توهمني، قال:
(لقد رأيتك))، فقال: أي والله لقد رأيتني، وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام، وأقبح الرد بعكاظ،
وأنت تطوف على الناس، فقال عَّهِ: ((نعم)، فقال: يا رسول اللَّه ما كان في أصحابي أشد عليك
يومئذ، ولا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد اللَّه الذي أبقاني حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك
النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال عَّ: ((إن هذه القلوب بيد اللَّه عز وجل))، فقال:
يا رسول اللَّه استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال عَّه: (إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر))،
(ثم انصرفوا إلى أهليهم).
(الوفد الثامن والعشرون:)
(وقدم عليه عليه الصلاة والسلام وفد صداء) . بضم الصاد والدال المهملتين. حي من
اليمن، قاله البخاري وغيره، يقال: إن أبا هذا الحي صداء بن حرب بن علة، (في سنة ثمان،
وذلك،) أي: سبب قدومهم، وهذا أولى من تقدير بيان، لأن مجيء الوفد لأجل البعث، (أنه لما
انصرف من الجعرانة،) لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، (بعث،) كما قال ابن سعد بعوثًا
إلى اليمن، فبعث المهاجر بن أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، وهيأ بعثًا، استعمل
عليهم (قيس بن سعد بن عبادة) الخزرجي، الصحابي، ابن الصحابي رضي اللَّه عنهما، وعقد له