Indexed OCR Text

Pages 561-576

٥٦١
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
والتي أمر الله بها رسوله، فمن شئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن
سُئل فوقها فلا يعط:
في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم
النبي عَُّ من حرج فيما فرض الله له، وكله لا يخرج عن معنى التقدير، وبمعنى اللزوم حتى كاد
يغلب عليه، وهو لا يخرج أيضًا عن معنى التقدير، وقد قال الراغب: كل شىء ورد في القرءان
فرض على فلان، فهو بمعنى الإنزال، وكل شىء ورد فرض له، فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أن
معنى أن الذي فرض عليك القرءان، أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور أن
الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنيفية بينهما بإعتبار ما يلقبان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع
في حمل ما ورد في الأحاديث الصحيحة على ذلك، لأن اللفظ السابق لا يحمل على
الاصطلاح الحادث، واستدل به على أن الكافر لا يخاطب بالزكاة، وتعقب بأن المراد كونها لا
تصح منه، لا أنه لا يعاقب عليها، وهو محل النزاع اهـ.
(والتي أمر اللَّه بها رسوله،) أي بتبليغها، كما قال المصنف وغيره: فلا يرد أن الأنبياء لا
زكاة عليهم، كما ذكره ابن عطاء اللَّه بناء على قول الإمام لملك، أن الأنبياء لا يملكون.
قال السيوطي: وعند الشافعي وغيره يملكون، ثم الجلالة ثابتة في مواضع من البخاري، فما
في بعض نسخ المواهب من حذفها تحريف، وأما لفظ بها، فقال الحافظ: كذا في كثير من
نسخ البخاري ووقع في كثير منها بحذف بها، وأنكرها النووي في شرح المهذب، ولأبي داود
التي أمر بلا واو على أنها بدل من الأولى، (فمن سئلها) بضم اليسين (من المسلمين على
وجهها) أي الكيفية المبنية في هذا الحديث، (فليعطها،) وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة
للإمام، (ومن سئل فوقها،) أي زائدًا على ذلك في سن أو عدد، (فلا يعط) الزائد على الواجب،
كما نقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه، وقيل معناه: فليمنع الساعي، وليتول هو اخراجه بنفسه أو
لساع آخر، فإن الساعي طالب الزيادة متعد، وشرطه أن يكون أمينًا، لكن محله إذا طلب الزيادة
بغير تأويل، هكذا في الفتح ونسخته فلا يعطه بالهاء، وكذا في أبي داود المتبادر أنها ضمير عائد
على فوق بمعنى الزائد، ويحتمل أنها للسكت.
وفي متون البخاري، وعليها شرح المصنف بدونها، وهو الموجود في نسخ المواهب
الصحيحة، ويقع في بعضها بزيادة ياء من تحريف النساخ، وإن كانت لغة قليلة لعدم مجيء
الرواية هنا بها، ثم شرع في بيان الفريضة، وأخذها وبدأ بالإبل، لأنها غالب أموالهم، فقال: (في
أربعة وعشرين من الإبل) زكاة، (فما دونها) الفاء، بمعنى أو (من الغنم) متعلق بالمبتدأ المقدر.
قال الحافظ: كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط من، وصوبها بعضهم، وقال

٥٦٢
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
في كل خمس شاة.
فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإن
لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذکر.
فإِذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى.
فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة الجمل.
عياض من أثبتها، فمعناه زكاتها، أي الإبل من الغنم، ومن للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها، فالغنم
مبتدأ، والخبر مضمر في قوله أربعة وعشرين وما بعده، وإنما قدم الخبر، لأن الغرض بيان المقادير
التي تجب فيها الزكاة، وإنما تجب بعد وجود النصاب، فحسن التقديم (في كل خمس شاة)
مبتدأ وخبر، واستدل به على تعين إخراج الغنم، وهو قول لملك وأحمد، فلو أخرج بعيرًا عن
الأربعة والعشرين لم يجزه.
وقال الشافعي والجمهور يجزيه، لأنه يجزي عن خمس وعشرين، فأولى ما دونها، ولأن
الأصل أن تجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل
أجزأه، فإن كانت قيمة البعير دون قيمة أربع شياه، ففيه خلاف، وإلا قيس أنه لا يجزي اهـ، ويرد
ما تمسكوا به لأنه قياس في معرض النص، فهو فاسد الإعتبار على أنه لا دخل له في هذا الباب.
نعم صحح الملكية اجزاء بعير عن شاة تفي قيمته بقيمتها، (فإذا بلغت خمسًا وعشرين)
منتهية (إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض،) بفتح الميم والمعجمة الخفيفة، وآخره معجمة،
أتى عليها حول، ودخلت في الثاني، وحملت أمها، والمخاض الحامل، أي دخل وقت حملها،
وإن لم تحمل (أنثى، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون،) وهو ما دخل في الثالثة، فصارت أمه
لبونا، بوضع الحمل (ذكر) أتى به، وبأنثى للتأكيد أو لينبه رب المال ليطيب نفسًا بزيادة، وقيل
احترز بذلك عن الخنثى وفيه بعد، كما في الفتح، وفي شرح الموطأ للباجي قال ذكر وإن كان
ابن لا يكون إلا ذكرًا زيادة في البيان، لأن من الحيوان ما يطلق على الذكر والأنثى، منه لفظ
ابن کابن عرس وابن آوى، فرفع به هذا الاحتمال.
قال: ويحتمل أن يريد به مجرد التأكيد، كقوله تعالى: وغرابيب سود، (فإذا بلغت ستًا
وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى) إلى للغاية، وهي تقتضي أن ما بعدها يشتمل
عليه الحكم المقصود بيانه بخلاف ما قبلها، فلا يدخل إلا بدليل وقد دخل هنا بدليل، قوله:
(فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة) بكسر المهملة، وشد القاف، والجمع حقاق
بالكسرة والتخفيف (طروقة الجمل) لفتح الطاء، أي مطروقة فعولة، بمعنى مفعولة كحكومة،

٥٦٣
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة.
فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل.
فإذا زادت عن عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين
حقة.
ومن لم يكن إلا أربع من الإبل، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها، فإذا
بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده
حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتین إن استیسرتا له،
بمعنى محكومة، أي بلغت أنها يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين، ودخلت في
الرابعة، (فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة) بفتح الجيم والمعجمة،
وهي التي دخلت في الخامسة، سميت بذلك لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته وهي غاية
أسنان الزكاة، (فإذا بلغت) يعني (سنًّا وسبعين، ففيها بنتا لبون).
قال الحافظ: كذا في الأصل بزيادة يعني، وكان العدد حذف من الأصل اكتفاءً بدلالة
الكلام. عليه فذكره بعض رواته بلفظ يعني لينبه على أنه مزيدًا، وشك أحد رواته فيه، وقد ثبت
بغير لفظ، يعني في رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن شيخ البخاري فيه، فيحتمل أن الشك
فيه من البخاري، وقد وقع في رواية لأبي داود بإثباته أيضًا، (فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى
عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإن زادت عن عشرين ومائة) واحدة، فصاعدًا عند
الجمهور، (ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة،) فواجب مائة وثلاثين بنتًا لبون،
وحقة وواجب مائة وأربعين بنت لبون وحقتان وهكذا، (ومن لم يكن معه إلاَّ أربع من الإبل
فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) أن يتبرع ويتطوع.
وأتى به للإيضاح وبيان الواقع، (فإذا بلغت خمسًا من الإبل، ففيها شاة) زيادة في البيان
والإيضاح إذ هو أول الكلام، (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة) بالإضافة البيانية، ورفع
صدقة فاعل بلغت ومن الإبل متعلق به، فلم تتعين زيادة من داخلة على الفاعل، كما ظن، لأنه
تخريج لكلام سيد الفصحاء على قول ضعيف مع عدم الحاجة إليه.
(و) الحال أنه (ليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها
شاتين) بصفة الشاة المخرجة عن خمس من الإبل يدفعها للمصدق (إن استيسرتا له،) أي

٥٦٤
· في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
أو عشرین درهمًا.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها
تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنه لبون، فإنها تقبل منه
بنت لبون، ويعطي المصدق شاتين أو عشرين درهمًا.
ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده الحقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه
المصدق عشرين درهمًا أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها
تقبل منه بنت المخاض، ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين.
وجدتا في ماله.
قاله المصنف، (أو عشرين درهمًا،) فضة وكل منهما أصل بنفسه لا بدل، لأنه قد خير
فيهما، وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة،
فهو تعويض قدره الشارع كالشاة في المصرأة.
(ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة،) وخبر المبتدأ
قوله: (فإنها تقبل منه،) أي الملك (الجذعة، ويعطيه المصدق،) بضم الميم، وخفة المهملة،
وكسر الدال، وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة إما بشد الصاد، فدافع الصدقة، كما في الفتح
وغيره (عشرين درهمًا) فضة خالصة، (أو شاتين).
(ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلاَّ ابنة لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون،
ويعطي المصدق) بالتشديد الملك (شاتين، أو عشرين درهمًا).
(ومن بلغت صدقته) عن إبله (بنت لبون) بالنصب على المفعولية، كما أعربه المصنف،
لأن لفظ البخاري، كما هنا صدقته بالرفع فاعل بلغت مضافًا لهاء الضمير، (وعنده الحقة، فإنها
تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق) بالتخفيف، أي الساعي (عشرين درهمًا أو شاتين).
(ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون) بالإضافة البيانية، وإن نصب صدقة مفعول بلغت وبنت
بدل منه، وقدر الفاعل إبله جاز.
لكن الذي في البخاري، ومن بلغت صدقته بنت لبون بإضافة صدقة إلى الضمير، ونصب
بنت، (وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت المخاض، ويعطى) الملك (معها
عشرین درهمًا، أو شاتين).

٥٦٥
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل
منه بنت لبون، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت
مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شىء.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ.
فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان.
فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه.
فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاةٌ.
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها
(ومن بلغت صدقته بنت مخاض) بنصب بنت على المفعولية، وفي نسخة بإضافة صدقة
إلى بنت، قاله المصنف، (وليست عنده و) الحال أن الموجود (عنده بنت لبون، فإنها تقبل منه
بنت لبون، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على
وجهها) المفروض، (وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه،) وإن كان أقل قيمة منها، ولا يكلف
تحصيلها، (وليس معه شىء) زيادة عليه، وهذا الحكم متفق عليه، ولو لم يجد واحدًا منهما،
فالأصح عند الشافعية أن له أن يشتري أيهما شاء، وقال لملك وأحمد وغيرهما: يتعين شراء بنت
المخاض.
(وفي صدقة الغنم في سائمتها) بدل من الغنم بإعادة الجار، أي في الغنم السائمة، أي
الراعية (إذا بلغت) رواية الكشميهني، ولغيره إذا كانت (أربعين إلى عشرين ومائة شاة،) بالإضافة
(شاة) بالرفع خبر مبتدأ مضمرًا ومبتدأ، وفي صدقة الغنم خبره، قاله المصنف، (فإذا زادت على
عشرين ومائة) واحدة فصاعدًا (إلى مائتين،) فزكاتها (شاتان) مرفوع على الخبرية والابتدائية،
كما مر، (فإذا زادت على مائتين) ولو واحدة (إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على
ثلاثمائة) مائة أخرى لا دونها، (ففي كل مائة شاة،) ومقتضاه أن لا تجب الرابعة حتى توفي
أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: وفائدة ذكر ثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله
مختلفًا، وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح، ورواية عن أحمد: إذا زادت على الثلاثمائة واحدة
وجب أربع، (فإذا كانت سائمة الرجل، ناقصة عن أربعين شاة) تمييز (شاة) معمول ناقصة (واحدة،)
أعربه الزركشي صفة شاة الذي هو تمييز أربعين، ورده الدماميني بأنه لا فائدة في هذا الوصف مع
كون شاة تمييز، وإنما واحدة منصوب على أنه مفعول ناقصة، أي صفة لمفعوله (فليس فيها،) أي

٥٦٦
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
صدقة إلا أن يشاء ربها.
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من
خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار
ولا تيس إلا أن يشاء المُصَدَّقُ.
الناقصة واحدة، فأولى ما فوقها (صدقة إلا أن يشاء ربها) أن يطوع (ولا يجمع،) بضم أوله وفتح
ثالثه (بين متفرق) بتقديم التاء على الفاء، كما قال الحافظ وغيره، (ولا يفرق،) بضم أوله، وفتح
ثالثه مشددًا (بين مجتمع خشية الصدقة) نصب مفعول لأجله تنازع فيه الفعلان.
قال الدماميني: ويحتمل أن التقدير لا يفعل شىء من ذلك خشية الصدقة، فيحصل المراد
بلا تنازع انتهى.
قال الملك: في الموطأ معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة، لكل واحد منهم أربعون
شاة، وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون
للخليطين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقوها حتى لا يكون على كل
واحد إلاَّ شاة واحدة.
وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، والساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم
أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة،
فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة، فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله
خشية الصدقة، أي خشية أن تكثر الصدقة أو أن تقل الصدقة، فلما كان محتملاً للأمرين لم يكن
الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معا.
قال الحافظ: لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، (وما كان من خليطين، فإنهما
يتراجعان بينهما بالسوية)، يأتي بيانه في المصنف، (ولا يؤخذ في الصدقة هرمة).
قال الحافظ: بفتح الهاء وكسر الراء، كبيرة سقطت أسنانها، (ولا ذات عوار)، بفتح العين
المهملة وبضمها، وقيل بالفتح، أي معيبة، وبالضم العور، واختلف في ضبطها، فالأكثر على أنه
ما ثبت به الرد في البيع، وقيل ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض،
والصغير سناً بالنسبة إلى سن أكبر منه، (ولا تيس إلاّ أن يشاء المصدق).
قال الحافظ: اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك، وهذا اختيار
أبي عبيد، وتقديره لا يؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلاً، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم، إلا
برضا المالك لاحتياجه إليه، ففي أخذه بغير رضاه إضرار به، فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم
من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو الساعي، وكأنه أشير إلى التفويض إليه، لأنه كالوكيل، فلا

٥٦٧
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن
یشاء ربها.
قوله وفي الرقة: الدراهم المضروبة، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة من
الورق. قاله ابن الأثير في الجامع. وقال في فتح الباري: هي بكسر الراء وتخفيف
القاف: الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة.
ومنها کتاب الذي کان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
يتصرف بغير مصلحة.
وهذا قول الشافعي في كتاب البويطي، وهو أشبه بقاعدته في تناول الاستثناء جميع ما
قبله.
وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية
أخرى عندهم كالأول انتهى، (وفي) مائتي درهم من (الرقة ربع العشر) خمسة دراهم، وما زاد
على المائتين، فبحسابه فيجب ربع عشره، وقال أبو حنيفة لا شىء على ما زاد عليها حتى يبلغ
أربعين درهمًا فضة، ففيه درهم واحد، وكذا في كل أربعين، (فإن لم تكن) الرقة (إلا تسعين
ومائة، فليس فيها صدقة) لعدم النصاب، وهذا يوهم أنها إذا زادت ولم تبلغ مائتين أن فيها
صدقة وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين، لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد
كان تركيبه بالعقود، كالعشرات والمئين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما
نقص عن المائتين، ويدل عليه قوله تعَّه ليس فيما دون خمس أواق صدقة.
رواه الشيخان، ذكره الحافظ وغيره (إلاَّ أن يشاء ربها) أن يتطوع متبرعًا (قوله، وفي الرقة)
هي (الدراهم المضروبة، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة في الورق) نحو العدة والوعد.
(قاله ابن الأثير في الجامع) للأصول، فقيدها بالمضروبة، وهو أحد القولين في اللغة، لكنه
ليس مراد الحديث، (و) لذا، (قال في فتح الباري: وهي بكسر الراء، وتخفيف القاف الفضة
الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة،) كما هو أحد القولين لغة، وهو المراد هنا، وبقية
كلام الفتح، قيل أصلها الورق فحذفت الواو، وعوضت الهاء، وقيل تطلق على الفضة بخلاف
الورق، فعلى هذا قيل الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا
درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهو ربع العشر.
وهذا قول الزهري، وخالفه الجمهور انتهى، والله أعلم، (ومنها كتابه الذي كان عند
عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه) صريح في أنه غير الذي كتبه أبو بكر لأنس، وهو مقتضى تغاير

٥٦٨
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
في نُصُب الزكاة وغيرها، كما رواه أبو داود والترمذي عن سالم عن أبيه
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كتب عَّه كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى
عمله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى
قبض وكان فيه:
في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان وفي خمس عشر ثلاث شياه،
وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس
٠
ألفاظهما أيضًا، ولا يرد أن الصديق عمل به حتى قبض، لأنه لا يقتضي اتحادًا مع الأول (في
نصب) بضمتين جمع نصاب، أي القدر المعتبر لوجوب (الزكاة وغيرها،) وأل للجنس لا
الاستغراق إذ لم يستوعب فيه جميع أنواع الزكاة، (كما رواه أبو داود والترمذي،) وأحمد
والحاكم، وغيرهم من طريق سفين بن حسين، عن الزهري (عن سالم) بن عبد اللَّه بن عمر
القرشي العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة أشبه إخوته بأبيه، كان من أفضل أهل زمانه أواسط
التابعين (عن أبيه عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال) ابن عمر وتسمح من قال: سالم لا
يخفى، (كتب عَّله كتاب الصدقة) فيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة خلافًا لمن منع ذلك من
الحنفية، وقد قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وتعسف من أجاب
عنهم باحتمال أن الزكاة لا تسمى صدقة حقيقة بل مجازًا، فإن الأصل الحقيقة، (ولم يخرجه
إلى عمله) لئلا يستغنوا بأخذ الأحكام منه عن مشافهته عَّ له، وأخذها من لفظه الذي هو أرقى
من الكتاب، وأما بعده، فالرجوع إلى ما في الكتاب أولى من سؤال بعضهم لبعض، (وقرنه
بسیفه،) أي وضعه في مرض موته في قراب سيفه.
قاله ابن رسلان وحكمة ذلك الإشارة إلى أنها تؤخذ كرهًا وإن بقتال، ومن ثم أبو بكر،
واللَّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه عَّه لقاتلهم على منعها.
قال عمر: فما هو إلاَّ أن رأيت أن اللَّه شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق، كما في
الصحيح، واستمر مقرونًا بالسيف (حتى قبض،) فأخذه الصديق بعده هذا هو المتبادر، ويحتمل
كما قال ابن رسلان أن يراد حتى شارف أن يقبض، وقارب وفاته، كما في قوله تعالى: ﴿فبلغن
أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي أشرفن على انقضاء العدة، وقربن منها، (فعمل به أبو بكر حتى
قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض،) ففي عملهما به أنه شرع باق لم ينسخ منه شىء إذ العمل بما
نسخ حرام، (وكان فيه في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس) بفتح السين
(عشرة) بالفتح أيضًا، لأن الاسمين يتركبان تركيب بناء، قاله ابن رسلان فنسخة، وفي خمسة
عشر تصحيف (ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه) إلى أربع وعشرين بدليل قوله، (وفي خمس

٥٦٩
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
وعشرين بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون، إلى
خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها
جذعة، إلى خمس وسبعين فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن
زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي
كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون.
وفي الغنم في كل أربعين شاةٍ شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإن زادت واحدة
وعشرين بنت مخاض،) وإلى هذا ذهب الجمهور، وجاء عن علي أن في خمس وعشرين شاة،
فإذا صارت ستًا وعشرين كان فيها بنت مخاض.
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا، وإسناد مرفوع ضعيف (إلى خمس وثلاثين،)
فيه أنه لا يجب فيما بين العددين شىء غير بنت مخاض، خلافًا لمن قال: كالحنفية تستأنف
الفريضة، فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت المخاض، (فإن زادت واحدة)
بالرفع، قاله ابن رسلان، أي على العدد المذكور، فإن كان الرواية تعين، وإلا فيجوز نصبه على
معنى زادت الإبل واحدة، (ففيها بنت لبون،) وفي نسخة ابنه، وهي أفصح من بنت، لأنها مؤنث
الابن، كما في المصباح (إلى خمس وأربعين) الغاية فيه، وفي نظائره داخلة في المغيا، فلا يتغير
الواجب إلا بما زاد عليها بدليل قوله، (فإن زادت واحدة) بالرفع، كما ضبطه ابن رسلان.
أما رواية، أو جريًا على أن زاد لازم، كما هو أحد الأقوال، وثانيها متعد لواحد، وثالثها
لاثنين، فإيمانًا في قوله تعالى: ﴿زادتهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]، حال على الثاني، ومفعول ثان
على الثالث، (ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن
زادت واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة، ففيها حقتان إلى عشرين ومائة،
فإن كانت الإبل أكثر من ذلك) بواحدة، فصاعدًا عند الجمهور، (ففي كل خمسين حقة، وفي
كل أربعين ابنة لبون،) وقال الاصطخري من الشافعية: إن زادت بعض واحدة على العشرين ومائة،
فثلاث بنات لبون، وتتصور المسألة في الشركة.
قال الحافظ: ويرده ما في أبي داود وغيره في كتاب عمر المذكور، فإذا كانت الإبل
إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، مقتضاه أن ما زاد
على ذلك، فزكاته بالإبل، خاصة وعن أبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة
الغنم، فتكون في خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة، (وفي الغنم) لم يقيدها في هذا
الحديث بالسائمة، ففيه إشارة إلى أنه جرى في الحديث السابق على الغالب، فلم يعتبر مفهومه،
ولأنه مفهوم صفة (في كل أربعين شاة،) تمييز (شاة،) خبر (إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة،

٥٧٠
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
فشاتان، إلى مائتين فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإن
كانت الغنم أكثر من ذلك ففيها كل مائةٍ شاةٍ شأةٌ، ثم ليس فيها شىء حتى تبلغ
المائة.
ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من
خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات
عيب.
قال الزهري: وإذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثًا، ثلث خيار، ..
فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين، ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم
أكثر من ذلك) بمائة رابعة، (ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شىء حتى تبلغ المائة،) ففي
الخمسمائة خمس، وهكذا وفيه أن ما بين النصب عفو لا زكاة فيه، وإليه ذهب الجمهور، وقال
الشافعي في البويطي: الأربع شياه مثلاً المأخوذة في أربع وعشرين من الإبل، مأخوذة عن
الجميع، وإن كانت الأربع الزائدة وقصًا، قال في الفتح: ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلاً تسع
من الإبل، فتلف منها أربعة بعد الحول، وقبل التمكن، فإن قلنا إنه شرط في الوجوب وجبت عليه
شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا إنه شرط في الضمان، وإن قلنا يتعلق به الفرض، وجبت خمسة
اتساع شاة، والأول قول الجمهور، كما نقله ابن المنذر، وعن لملك رواية، كقول الشافعي، (ولا
يفرق) بضم أوله، وفتح ثالثه المثقل (بين مجتمع،) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية، (ولا
يجمع بين متفرق،) بتقديم التاء، وشد الراء، وفي رواية مفترق بتأخير التاء، وخفة الراء، كما في
الفتح وغيره، (مخافة) بالنصب مفعول لأجله، بمعنى الرواية السابقة خشية (الصدقة،) أي كثرتها،
أو تقليلها، أو سقوطها، وإن قدر تغيير شمل الجميع، (وما كان من الخليطين) تثنية خليط،
بمعنى مخالط، كنديم وجليس، بمعنى منادم وجالس، (فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ
في الصدقة هرمة) بفتح فكسر، وهي التي أضر بها الكبر، (ولا ذات عيب) عام على خاص، ومر
بيانه.
(قال الزهري) محمد بن شهاب من عند نفسه بعد روايته: الحديث بيانًا لمجمله في
النهي عما يؤخذ، فليس فصله للاختلاف في رفعه، كما ظن تشبئًا بقوله الآتي: ورواه يونس، لأن
الآتي عائد لأصل الحديث، هل هو موصول أو مرسل، وهو مرفوع على كل حال، بخلاف قول
الزهري: (وإذا جاء المصدق قسم الشاه أثلاثًا) منها (ثلث خيار) صفة، لثلث أو خبر عنه بتقدير

٥٧١
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
وثلث أوساط، وثلث شرار، وأخذ من الوسط. رواه أبو داود والترمذي وقال:
حديث حسن، قال: ورواه يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم ولم يرفعه،
انتھی.
قال ابن الأثير في النهاية: والخليط: المخالط، يريد به الشريك الذي يخلط
ماله بمال شريكه، والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلاً أربعون بقرة وللآخر
ثلاثون بقرة ومالهما مختلط، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعًا،
فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على
شريكه، لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع وكأن المال ملك واحد،
انتھی.
ثلث منها، (وثلث أوساط، وثلث شرار،) وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود ثلثا شرار أو ثلثا
خيار، أو ثلثا أوساطًا، (وأخذ من الوسط) رفقًا بالفريقين لقوله في حديث آخر، وإياك وكرائم
أموالهم.
(رواه أبو داود، والترمذي) أعاد عزوه لزيادته قوله، (وقال: حديث حسن، قال) الترمذي:
(ورواه يونس) بن يزيد الأيلي أحد الحفاظ، (وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، ولم يرفعه،)
وإنما رفعه سفين بن حسين (انتهى) كلام الترمذي، ومراده بالرفع الوصل.
قال في الفتح: وسفين بن حسين ضعيف في الزهري، وقد خالفه من هو أحفظ منه في
الزهري، فأرسله، أخرجه الحاكم من طريق يونس بن يزيد عن الزهري، وقال: إن فيه تقوية لرواية
سفين بن حسين، لأنه قال عن الزهري: أقرأنيها سالم بن عبد اللَّه، فوعيتها على وجهها، فذكر
الحديث، ولم يقل إن ابن عمر حدثه به، ولهذه العلة لم يجزم به البخاري، بل قال: ويذكر عن
سالم عن ابن عمر عن النبي عَّ انتهى، فتحسين الترمذي له بإعتبار شاهده، وهو حديث أنس
عن أبي بكر الذي قبله، فإنه بمعناه، (قال ابن الأثير في النهاية، والخليط المخالط،) فعيل
بمعنى اسم الفاعل، كنديم وجليس بمعنى منادم ومجالس (يريد به الشريك الذي يخلط ماله بمال
شریکه،) فهي شركة مجاورة لا شيوع.
(والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلاً أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة، وما لهما
مختلط، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة، وعن الثلاثين تبيعًا، فيرجع باذل المسنة بثلاثة
أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه، لأن كل واحد من السنين واجب
على الشيوع، كأن المال ملك واحد، انتهى) كلام ابن الأثير وسبقه إلى نحوه الخطابي، فقال:

٥٧٢
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
وقال في فتح الباري: اختلف في المراد بالخليط، فعند أبي حنيفة أنه
الشريك، واعترض عليه بأن الشريك لا يعرف عين ماله. وقد قال: إنهما يتراجعان
بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: ﴿وإن
كثيرًا من الخلطاء﴾ وقد بينه قبل ذلك بقوله: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون
نعجة ولي نعجة واحدة﴾ [ص/ ٢٣].
واعتذر بعضهم عن الحنفية: بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن
الأصل قوله: ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة، وحكم الخلطة يغاير هذا الأصل،
فلم يقولوا به، وقال أبو حنيفة: لا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي
يجب عليه لو لم يكن خلطة.
قوله يتراجعان معناه أن يكون بينهما أربعون شاة مثلاً، لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل
منهما عين ماله، فيأخذ الساعي من أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة
نصف شاة، وهذه تسمى خلطة الجوار انتهى، لكنه بنى مثاله على قول من لم يشترط أن يكون
لكل نصاب.
(وقال في فتح الباري: اختلف في المراد بالخليط، فعند أبي حنيفة أنه الشريك،
واعترض عليه بأن الشريك لا يعرف عين ماله،) لعدم تميزه عن مال شريكه حتى يرجع بحصة ما
أخذ منه، (وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسوية،) فلو كان كما، قال لم يكن لتراجعهما
بالسوية معنى، اللهم إلاَّ أن يجيب بأن التراجع بحسب الحساب، (ومما يدل على أن الخليط
لا يستلزم أن يكون شريكاً، قوله تعالى: ﴿وإن كثيرًا من الخلطاء﴾، وقد بينه قبل ذلك بقوله:
﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة﴾،) فأفاد أن المراد بالخلطة مطلق
الاجتماع لا الشركة، (واعتذر بعضهم عن الحنفية، بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث) الذي هو
قوله، وما كان من الخليطين الخ، (أو) بلغهم، ولكن (رأوا أن الأصل) في الزكاة (قوله) عَّ في
الموطأ والصحيحين من طريقه (ليس فيما دون خمس ذود صدقة،) بفتح المعجمة، وسكون
الواو بعدها مهملة، تقع على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد، فلذا أضاف إليه خمس، (وحكم
الخلطة يغاير هذا الأصل، فلم يقولوا به) تقديمًا للأصل عليه.
(وقال أبو حنيفة: لا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي يجب عليه لو لم
يكن خلط،) وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث.

٥٧٣
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
وقال سفين الثوري: لا يجب حتى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة.
وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا،
والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة
أخص منها.
ومنها كتابه عليه الصلاة والسلام إلى أهل اليمن، وهو كتاب جليل، فيه من
أنواع الفقه في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق، وأحكام
الصلاة في الثوب الواحد والاحتباء فيه، ومس المصحف وغير ذلك. واحتج
الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، رواه النسائي وقال: قد روى هذا الحديث
يونس عن الزهري مرسلاً، وأبو حاتم في صحيحه وغيرهما متصلاً عن
(وقال سفين الثوري،) كما نقله عند عبد الرزاق والبخاري (لا تجب حتى يتم لهذا
أربعون شاة، ولهذا أربعون شاة).
قال الحافظ: وبهذا قال لملك انتهى، فظاهره أن الشرط عند سفين إنما هو أن يكون لكل
نصاب، ثم يزكي على ما اقتضته الخلطة من تخفيف وتثقيل ومساواة، كما هو قول ملك.
وأما المصنف فقال: فيجب على كل شاة، وهذا مذهب أبي حنيفة.
(وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيًّا،) وإن لم
يكن لكل نصاب عملاً بظاهر هذا الحديث، لكن قول لملك أرجح، لأن فيه الجمع بينه (و) بين
حديثه ليس فيما دون خمس ذود صدقة، كما لا يخفى (الخلطة عندهم أن يجتمعا في
المسرح والمبيت والحوض والفحل والشركة أخص منها،) أي الخلطة، لأنها الاشتراك في
المال على وجه الشيوع والخلطة شاملة لذلك وللمجاورة، (ومنها كتابه عليه الصلاة والسلام
إلى أهل اليمن، وهو كتاب جليل، فيه من أنواع الفقه،) أنواع كثيرة منها (في الزكاة والديات
والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق) بفتح العين مصدر عتق، كما في المصباح.
(وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه ومس المصحف، وغير ذلك، واحتج
الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات،) وهي التي ساقها المصنف من الكتاب للاختصار.
(رواه النسائي) متصلاً، (وقال) بعده (قد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلاً، و)
رواه (أبو حاتم) بن حبان تلميذ النسائي فهو عطف على النسائي لا من مقولة (في صحيحه)
المسمى بالأنواع والتقاسيم، (و) رواه (غيرهما،) أي النسائي وأبي حاتم (متصلاً) يتنازع فيه الثلاثة

٥٧٤
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
أبي بكربن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله عَّه كتب إلى
أهل اليمن، وكان في كتابه:
أن من اعتبط مؤمنًا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول،
وفيه: أن الرجل يقتل بالمرأة، وفيه: في النفس الدية مائة من الإبل وعلى أهل
الذهب ألف دينار، وفي الأنف إذا أوعب جدعة الدية مائة من الإبل، وفي اللسان
الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب
الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث
الدية، وفي الجائفة
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري النجاري بنون وجيم المدني القاضي اسمه
وكنيته واحد، وقيل يكنى أبا محمد ثقة روى له الجميع عابد مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل
غير ذلك (عن أبيه) محمد بن عمرو بن حزم، أبي عبد الملك المدني، له رؤية وليس له سماع
إلا من الصحابة، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين (عن جده) عمرو بن حزم بن زيد بن لوزان
الأنصاري الصحابي الشهير، شهد الخندق فما بعدها، وكان عامل النبي عَِّ على نجران، مات
بعد الخمسين، وقيل في خلافة عمر، وغلط قائله (أن رسول اللَّه عَظُل كتب إلى أهل اليمن)
بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به على أهل اليمن،
وهذه نسخته بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحرث بن
عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رعين ومعافير وهمدان، أما بعد فذكر الحديث بطوله
(وكان في كتابه أن من اعتبط) بعين مهملة، أي ذبح (مؤمنًا) بلا جنابة (قتلا) مفعول مطلق، لأنه
نوع منه (عن بينة، فإنه قود) جواب الشرط، وكان الظاهر أن يقال يقتص منه، لأنه سبب، فأقيم
السبب وهو القود، أي الانقياد مقام المسبب، أي القصاص، كما قال الطيبي قال: والاستثناء في
الحقيقة من المسبب، أي في قوله (إلا أن يرضى أولياء المقتول،) وفي النهاية، أي قتله بلا
جناية منه، ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل من مات بلا علة، فقد اعتبط
ومات فلان عبطة، أي شاباً صحيحًا، (وفيه أن الرجل يقتل بالمرأة،) إذ هي نفس بنفس بشرط
المساواة في الإسلام والحرية، (وفيه في) قتل (النفس) خطأ (الدية مائة من الإبل) على أهل
الإبل، (وعلى أهل الذهب،) كمصر (ألف دينار، وفي الأنف إذا أوعب،) أي استوعب (جدعه)
بدال مهملة، أي استؤصل بحيث لم يبق منه شىء (الدية مائة من الإبل) على أهلها، (وفي
اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية،
وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة

٥٧٥
في امرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد
والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل.
وفي رواية لملك: وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل
خمسون، وفي الموضحة خمس من الإبل.
ومنها كتابه إلى بني زهير.
ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد، أو الرجل
عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل،) وتفاصيل هذا كله معلومة، وفي بعضها اختلاف
بين الأئمة بحسب الفهم، كاللسان، ولولا أخرس أولاً لأخرس، فقوله أولاً احتج الفقهاء كلهم بما
فيه، أي في الجملة، (وفي رواية لملك، وفي العين خمسون) من الإبل، وظاهره ولو لأعور،
(وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون،) يعني من الإبل في الثلاثة، (وفي الموضحة خمس
من الإبل،) وإنما ذكر المصنف هذه القطعة من الحديث تبركًا، وللاتفاق على الأحكام التي فيه
في الجملة، والله أعلم، (ومنها كتابه إلى بني زهير) بيض له المصنف، وقد روى أحمد
وأبو داود والنسائي من طريق الجريري عن أبي العلاء، وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال:
كنت في سوق الإبل، فجاء أعرابي أشعث الرأس معه قطعة أديم أحمر، أو جراب، فقال: أفيكم
من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذته، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى بني
زهير بن أقيش حي من عكل أنهم إن شهدوا أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وفارقوا
المشركين، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقروا بالخمس من غنائمهم وسهم النبي عَ له وصفيه،
فإنهم آمنون بأمان اللَّه ورسوله، فقلنا من كتب لك هذا الكتاب، قال: رسول اللَّه عَّهِ، فقال له
بعض القوم هل سمعت منه شيئاً تحدثناه؟ قال: سمعته يقول من سره أن يذهب عنه كثير من
وحر الصدر فليصم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، فقال له القوم، أو بعضهم: أنت سمعت
هذا منه عَّه، فقال: لا أراكم تتهموني أني أكذب على رسول اللَّه عَ ◌ّه لأحدثنكم سائر اليوم،
ثم انصرف.
وأخرجه ابن قانع والطبراني، وفيه فسألنا عنه، فقيل هذا النمر بن تولب، قال المرزباني:
كان شاعرًا فصيحًا، وفد على النبي عَّدٍ، وكتب له كتابًا، ونزل البصرة، وكان جوادًا، وعمر
طويلاً حتى أنكر عقله، فيقال أنه عاش مائتي سنة، وأقيش بضم الهمزة، وفتح القاف، وسكون
التحتية، وشين معجمة قبيلة من عكل، وهم أولاد عوف بن عبد مناف بن أد العكلي، حضنتهم
أمهم، فنسبوا إليها وحر الصدر غشه ووساوسه، وقيل الحقد والغيظ والعداوة، وقيل أشد الغضب.

الفهرس
٣٠٠
............
حرق ذي الكفين
٣٦٣
....
خديجة أم المؤمنين
غزوة الطائف
٤٠
١٨٠٠
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
٣٨١
...
حفصة أم المؤمنين
٢٨٠
بعث قیس إلى صداء
٣٩٣
.........
البعث إلى بني تميم ..
بعث الوليد إلى بني المصطفى
٣٧
سرية ابن عوسجة ..
سرية قطبة إلى خثعم ..
٤٠
....
سرية الضحاك إلى القرطاء
سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة
٤٨
هدم صنم طيء
ثم غزوة تبوك
حج الصديق بالناس
١١٤
هلاك رأس المنافقين
١٢٤
البعث إلى اليمن
بعث خالد إلى نجران
١٣٧
بعث علي إلى اليمن
١٣٨
حجة الوداع
١٤١
إخر البحوث النبوية
١٤٧
الفصل الأولى في ذكر أسمائه الشريفة
١٥٧
المنبئة على كمال صفاته المنيفة .......
الفصل الثاني في ذكر أولاده الكرام
٣١٣
عليه وعليهم الصلاة والسلام
الفصل الثالث في ذكر أزواجه الطاهرات
٤٥٦
......................
وسراريه المطهرات ..
سودة أم المؤمنين
٣٧٧
عائشة أم المؤمنين
٣٩٦
أم سلمة أم المؤمنين
٢٩
أم حبيبة أم المؤمنين
٤٠٣
زينب بنت جحش أم المؤمنين
٤٠٩
زينب أم المساكين والمؤمنين
٤١٦
ميمونة أم المؤمنين
٤١٨
جويرية أم المؤمنين
٤٢
٤٢٤
صفية أم المؤمنين
٤٢٨
ذكر سراريه صَ اله
٤٥٨
الفصل الرابع في أعمامه وعماته
وإخوته من الرضاعة
٤٦٣
ذكر بعض مناقب حمزة
277
ذكر بعض مناقب العباس
٤٧٢
الفصل الخامس في خدمه وحرسه ومواليه،
ومن كان على نفقاته، وخاتمه ونعله
وسواکه، ومن يأذن علیه، ومن كان
یضرب الأعناق بین یدیه
٥٠٦
الفصل السادس في أمرائه ورسله وكتابه
وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع
والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم
من الأنام
٥٣٣
٥٧٦
٣٩
٤١
٦٥
١٣٢