Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
عصفت بنا ريح، ونحن في لجج بحر الهند، فأرسينا في جزيرة، فرأينا فيها وردًا
أحمر ذكي الرائحة طيب الشم وفيه مكتوب بالأبيض، لا إله إلا الله محمد
رسول الله، وورد أبيض مكتوبًا عليه بالأصفر: براءة من الرحمن الرحيم إلى جنات
نعیم، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وفي تاريخ ابن العديم عن علي بن عبد الله الهاشمي الرقي: أنه وجد ببعض
قرى الهند وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء، عليها مكتوب بخط أبيض: لا إله إلا
الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق. قال فشككت في ذلك
وقلت: إنه معمول، فعمدت إلى وردة لم تفتح فكان فيها مثل ذلك، وفي البلد منه
شىء كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة، لا يعرفون الله تعالى.
وقال أبو عبد الله بن لملك: دخلت بلاد الهند، فسرت .
(عصفت) بفتحات، أي اشتدت (بنا ريح ونحن في لجج) جمع لجة معظم ماء (بحر الهند،
فأرسينا في جزيرة، فرأينا فيها ورداً أحمر، ذكي الرائحة، طيب الشم، وفيه مكتوب بالأبيض،
لا إله إلاَّ اللَّه، محمد رسول اللَّه، وورد أبيض مكتوباً عليه بالأصفر براءة من الرحمن الرحيم)
توصل (إلى جنات النعيم،) فهو صلة محذوف، (لا إله إلاَّ اللَّه، محمد رسول اللَّه).
(و) روى (في تاريخ) الكمال (ابن العديم) لحلب، وهو عمر بن أحمد الصاحب كمال الدين
الحلبي، وبها ولد وبرع وساد وصار أوحد عصره فضلاً ونيلاً ورياسة، وألف في فقه الحنفية،
والحديث، والأدب، وتاريخ حلب، ومات بمصر، وكذا رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كلاهما
(عن) أبي الحسين (علي بن عبد اللّه) .
(الهاشمي الرفي)، بفتح الراء وشد القاف نسبة إلى الرقة مدينة على الفرات (انه وجد)
بالبناء للفاعل (ببعض قرى الهند وردة كبيرة،) فلفظه في التاريخين دخلت بلاد الهند، فرأيت في
بعض قراها شجرة ورد أسود تنفتح عن وردة كبيرة (طيبة الرائحة سوداء عليها مكتوب بخط
أبيض، لا إله إلاَّ اللَّه محمد رسول اللَّه أبو بكر الصديق عمر الفاروق، قال فشككت في ذلك
وقلت إنه معمول، فعمدت) قصدت (إلى وردة ولم تفتح، فكان فيها مثل ذلك وفي البلد منه
شىء كثير، وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة، لا يعرفون الله تعالى).
قاله تعجبًا منهم حیث جعل الله بعض حجته عليهم في شجرهم، ﴿ولا يذكرون﴾ ومن يضلل
اللَّه فما له من هاد﴾، (وقال أبو عبد الله بن ملك دخلت بلاد الهند، فسرت) حتى وصلت

٢٤٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
إلى مدينة يقال لها: نميلة - أو ثميلة - فرأيت شجرة كبيرة تحمل ثمرًا كاللوز، له
قشر، فإذا كسرت ثمرته خرج منها ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها بالحمرة: لا
إله إلا الله محمد رسول الله، وأهل الهند يتبركون بها ويستسقون بها إذا منعوا
الغيث. حكاه القاضي أبو البقاء بن الضياء في منسكه.
وفي كتاب روض الرياحين، لليافعي عن بعضهم أنه وجد ببلاد الهند شجرة
تحمل ثمرًا كاللوز، له قشر إذا كسر خرجت منه ورقة خضراء طرية مكتوب فيها
بالحمرة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. كتابة جلية وهم يتبركون بها. قال:
فحدثت بذلك أبو يعقوب الصياد، فقال: ما أستعظم هذا، كنت أصطاد على نهر
الأبلة فاصطدت سمكة، على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله، وعلى جنبها الأيسر:
محمد رسول الله،
(إلى مدينة، يقال لها ميلة) بنون أوله، (أو ثميلة) بمثلثة، كذا بهامش، (فرأيت شجرة كبيرة
تحمل ثمراً كاللوز له قشر، فإذا كسرت ثمرته خرج منها ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها
بالحمرة، لا إله إلاَّ اللَّه، محمد رسول اللَّه، وأهل الهند يتبركون بها، ويستسقون بها إذا منعوا
الغيث) المطر.
(حكاه القاضي أبو البقاء بن الضياء في منسكه، و) نحوه مع زيادة (في كتاب روض
الرياحين) مؤلف حسن، قال فيه: بلغنا أن المؤمنين، لا يعذبون في قبورهم ليلة الجمعة ويومها
رحمة من اللَّه وشرفاً للوقت.
(اليافعي) بكسر الفاء ومهملة، نسبة إلى يافع بطن من حمير الإمام القدوة عبد الله بن
أسعد عفيف الدين اليمني، ثم المكي ولد بعدن قبيل السبعمائة، ونشأ بها تاركاً للعب الأطفال،
ثم اشتغل بالعلم حتى برع، ثم حج وحببت له الخلوة، والسياحة، ومات بمكة سنة ثمان وستين
وسبعمائة.
(عن بعضهم انه وجد ببلاد الهند شجرة تحمل ثمراً كاللوز له قشر إذا كسر يخرج منه
ورقة خضراء طرية مكتوب فيها بالحمرة، لا إله إلاَّ اللَّه، محمد رسول اللَّه كتابة جلية وهم
یتبر کون بها) ويستسقون.
(قال فحدثت بذلك أبا يعقوب الصياد، فقال: ما استعظم هذا،) لا أعده عظيمًا، لأني
شاهدت أعظم منه، وهو أني (كنت أصطاد على نهر الأبلة) بضم الهمزة، والموحدة، وشد اللام،
بلد قرب البصرة، (فاصطدت سمكة) فرأيت مكتوباً (على جنبها الأيمن، لا إله إلاَّ اللَّه، وعلى
جنبها الأيسر محمد رسول اللَّه،) ووجه كون هذا أعظم أن الورق يكتب عليه عادة بخلاف

٢٤٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فلما رأيتها قذفتها في الماء احترامًا لها.
وعن بعضهم - مما ذكره ابن مرزوق في شرح بردة الأبوصيري - أنه أتي
بسمكة فرأى في إحدى شحمتي أذنيها لا إله إلا الله، وفي الأخرى: محمد
رسول الله.
وعن جماعة: أنهم وجدوا بطيخة صفراء فيها خطوط شتى بالأبيض خلقة،
ومن جملة الخطوط بالعربي في أحد جنبيها: الله، وفي الآخر: عز أحمد، بخط
بين لا يشك فيه عالم بالخط.
وأنه وجد في سنة تسع أو قال: سنة سبع - بالموحدة - وثمانمائة حبة عنب
مكتوب فيها بخط بارع بلون أسود: محمد.
وفي كتاب ((النطق المفهوم)) لابن طغربك السياف، عن بعضهم أنه رأى في
جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة، مكتوب فيه بالحمرة والبياض
في الخضرة كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعها الله بقدرته،
السمك الذي في الماء، (فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراماً لها).
وفي تاريخ الخطيب عن عبد الرحمن بن لهرون المغربي، قال: ركبت بحر المغرب،
فوصلنا إلى موضع، يقال له البرطون ومعنا غلام، فصاد بصنارة سمكة قدر شبر، فإذا مكتوب على
أذنها الواحد، لا إله إلاَّ اللَّه، وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى محمد رسول اللَّه، وكان أبين من
نقش على حجر، والسمكة بيضاء، والكتابة سوداء كأنها كتبت بحبر فقذفناها في البحر، (وعن
بعضهم مما ذكره ابن مرزوق في شرح بردة الأبوصيري) تقدم أن صوابه البوصيري، لأنه
منسوب إلى بوصير (انه أتى بسمكة، فرأى في إحدى شحمتى أذنيها، لا إله إلاّ اللَّه، وفى
الأخرى محمد رسول اللَّه، وعن جماعة أنهم وجدوا بطيخة صفراء فيها خطوط شتى بالأبيض
خلقة، ومن جملة الخطوط بالعربي في أحد جنبيها اللَّه، وفي الآخر عز) غلب (أحمد بخط
بين، لا يشك فيه عالم بالخط، وأنه وجد في سنة تسع) بفوقية فسين، (أو، قال سبع
بالموحدة) بعد السين، (وثمانمائة حبة عنب مكتوب فيها بخط بارع) زائد في الحسن (بلون
اسود محمد).
(وفي كتاب ((النطق المفهوم)) لابن طغربك السياف عن بعضهم انه رأى في جزيرة شجرة
عظيمة لها ورق كثير طيب الرائحة مكتوب فيه بالحمرة والبياض في الخضرة) خضرة
الورق، (كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعها اللّه تعالى بقدرته،) دفع لتوهم أن أحداً نقشها بنحو

٢٤٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
في الورقة ثلاثة أسطر، الأول: لا إله إلا الله، والثاني: محمد رسول الله، والثالث:
إِنَّ الدين عند الله الإسلام.
قال ابن قتيبة: ومن أعلام نبوته عَّ أنه لم يسم أحد قبله باسمه ((محمد)،
صيانة من الله تعالى لهذا الاسم، كما فعل بيحيى عليه السلام، إذ لم يجعل له من
قبل سميا، وذلك أنه تعالى سماه به في الكتب المتقدمة، وبشر به الأنبياء، فلو
جعل اسمه مشتركًا فيه لوقعت الشبهة، إلا أنه لما قرب زمنه وبشر أهل الكتاب
بقربه سمى قوم أولادهم بذلك رجاء أن يكون هو هو، والله أعلم حيث يجعل
رسالته:
ما كل من زار الحمى سمع الندا من أهله أهلا بذاك الزائر
عود (في الورقة ثلاثة أسطر الأول، لا إله إلاَّ اللَّه، والثاني محمد رسول اللَّه، والثالث إنَّ الدين
عند اللَّه الإِسلام).
(قال) عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدينوري، البغدادي صاحب التصانيف، (ومن أعلام
نبوته عَّ انه لم يسم أحد قبله باسمه محمد صيانة من اللَّه تعالى لهذا الاسم، كما فعل
بيحيى عليه السلام إذ لم يجعل له من قبل سمياً) مسمى باسمه وعد من أعلام النبوة، لأنه بعد
الاعلام باسمه مع أنها أعلام منقولة، فلا يرد أن كثيراً من الأعلام للأنبياء وغيرهم لم يسبق تسمية
غيرهم بها كآدم وشيث ونوح، (و) سر (ذلك انه تعالى سماه به في الكتب المتقدمة، وبشر به
الأنبياء) أممهم، (فلو جعل اسمه مشتركًا فيه لوقعت الشبهة).
وهكذا جزم عياض بأن أحمد لم يتسم به غيره قبله انتهى، وهو قول الأكثر، والصواب،
والقول بأن الخضر اسمه أحمد مردود واهٍ، كما، قال ابن دحية وأحمد بن غجيان بضم
المعجمة وسكون الجيم، لا أصل له، وقيل سمي قبل الإسلام بزمان طويل أحمد بن ثمامة
الطائي، وأحمد بن دومان، وأحمد بن زيد، ومن القبائل بنو أحمد في همدان وطيء وكليل،
ولكن لم يكن قريباً من عهده من سمي به صيانة له، (إلاَّ أنه، لما قرب زمنه، وبشر أهل الكتاب
بقربه سمى قوم أولادهم بذلك) بمحمد (رجاء أن يكون هو) المسمى به، (هو) أي النبي المبشر
به، فهو الأولى اسم يكون، والثانية خبرها، (والله أعلم حيث يجعل رسالته) اقتباس لبيان أنه لم
يفدهم ذلك، إذ ليس كل محمد رسول، ولا كل فاطمة بتول وأنشد لغيره:
(ما كل من زار الحمى سمع الندا من أهله أهلا بذاك الزائر)
(أي، ما كل من زار مكانا محمياً تلقاه أهله بالقبول، وقالوا له أهلاً، فأهلاً مفعول سمع

٢٤٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وذكر عددهم القاضي عياض: ستة، ثم قال: لا سابع لهم.
وذكر أبو عبد الله بن خاويه في كتاب ((ليس))، والسهيلي في ((الروض)»: أنه
لم يعرف في العرب من تسمى محمدًا قبل النبي عَّ إلا ثلاثة.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله: وهو حصر مردود، والعجب أن
السهيلي متأخر الطبقة عن عياض، ولعله لم يقف على كلامه.
قال: ولقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو
العشرين، لكن مع تكرر في بعضهم، ووهم في بعض، فيتلخص منهم خمسة عشر
نفسًا:
وأشهرهم: محمد بن
ومن أهله متعلق بالندا، قال عياض: ثم حمى اللَّه كل من تسمى به أن يدعي النبوة، أو يدعيها
أحد له، أو يظهر عليه سبب يشك أحداً في أمره حتى تحققت السمتان له عَّةِ (ذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء) اقتباس ثان مؤكد للأول، فإنها موهبة من فضله تعالى ليس إلاّ، (وذكر عددهم)
القاضي عياض) في الشفاء (ستة) محمد بن أحيحة، وابن مسلمة الأنصاري، وابنُ البراء، وابن
مجاشعٍ، وابن حمران، وابن خزاعي، (ثم، قال لا سابع لهم) بناء على ما وقف عليه. (وذكر أبو
عبد الله) الحسين بن أحمد (بن خاويه) الإمام المشهور أحد أفراد الدهر، صاحب التصانيف،
المتوفى سنة سبعين وثلثمائة (في كتاب ((ليس)، وهو ثلاث مجلدات موضوعه ليس في كذا إلاّ
كذا وتعقب عليه الحافظ مغلطاي بعضه في مجلد سماه الميس على كتاب ليس، كما في
المزهر (و) بعده (السهيلي في ((الروض)) انه لم يعرف في العرب من تسمى محمداً قبل
النبي عَّهِ إلاّ ثلاثة) ابن مجاشع، وابن أحيحة، وابن حمران.
(قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه اللَّه) في فتح الباري، (وهو حصر مردود) من
عياض في ستة، ومن السهيلي ومتبوعه في ثلاثة، (والعجب أن السهيلي متأخر الطبقة عن عياض)
لوفاته سنة أربع وأربعين وخمسمائة، والسهيلي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، (ولعله لم يقف
على كلامه) لفظ الفتح، وعجب من السهيلي كيف لم يقف على ما ذكره عياض مع كونه
قبله، (قال: ولقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين، لكن مع
تكرر في بعضهم ووهم في بعض، فيتلخص منهم خمسة عشر نفساً وأشهرهم محمد بن

٢٤٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
عدي بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي.
ومنهم: محمد بن أحيحة - بضم الهمزة وفتح المهملة - ابن الجلاح - بضم
الجيم وتخفيف اللام آخره مهملة - الأوسي.
ومحمد بن أسامة بن لملك بن حبيب بن العنبر.
ومحمد بن البراء - ويقال: البر-
عدي) بالدال (ابن ربيعة بن سواءة،) بمهملة كحذافة (ابن جشم) بضم الجيم، وفتح المعجمة
(ابن سعد بن زيد مناة،) وفي نسخة عبد مناة، وهي تصحيف، فالذي في الفتح زيد مناة (بن
تميم) التميمي (السعدي) نسبة إلى جده سعد المذكور.
قال الحافظ: روى حديثه البغوي، وابن سعد، وابن شاهين، وابن السكن، وغيرهم عن
خليفة بن عبدة النصري، قال: سألت محمد بن عدي كيف سماك أبوك في الجاهلية محمداً،
قال: سألت أبي عما سألتني، فقال: خرجت رابع أربعة من تميم أنا أحدهم وسفين بن مجاشع
ويزيد بن عمرو وأسامة بن لملك نريد الشام فنزلنا على غدير عند دير، فاشرف علينا الديراني، فقال
لنا انه يبعث منكم وشيكا نبي، فسارعوا إليه، فقلنا ما اسمه، قال محمد، فلما انصرفنا ولد لكل
منا ولد فسماه محمداً لذلك، (ومنهم محمد بن أحيحة بضم الهمزة وفتح المهملة،) أي
جنسها فشمل الحاءين بينهما تحتية ساكنة (ابن الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام آخره) حاء
(مهملة الأوسي.) ذكره عبدان المروزي في الصحابة، وقال: بلغني أنه أول من سمي محمداً في
الجاهلية، ووهمه في الإصابة وعده فيمن ذكر في الصحابة غلطًا، وقال في الفتح وكأنه أي
عبدان تلقى ذلك في قصة تبع، لما حاصر المدينة، وخرج إليه أحيحة المذكور هو، والحبر
الذي كان عندهم، فاخبره أن هذا بلد نبي يبعث يسمى محمداً، فسمى ابنه محمداً.
قال: وذكر البلاذري محمد بن عقبة بن أحيحة، فلا أدري أهما واحد ينسب مرة إلى جده
أم هما اثنان، زاد في الإصابة، ثم رأيت في رجال الموطأ لأبي عبد اللَّه محمد بن يحيى الحذاء
لأحيحة ابن يسمى عقبة، ولعقبة إبن يسمى محمدًا، ولمحمد بنت هي أم فضالة بن عبيد
الصحابي المشهور، وابن يسمى المنذر، استشهد يوم بئر معونة، فالظاهر أن محمد بن عقبة مات
قبل الإسلام انتھی.
(ومحمد بن أسامة بن ملك بن حبيب بن العنبر) بن تميم العنبري، التميمي، قال في
الإصابة: لا صحبة له لأنه مات قبل البعثة بدهر، وغلط أبو نعيم فعده صحابياً، (ومحمد بن
البزاء) بفتح الموحدة، والراء تليها مدة، قال في المقتفى، كذا رأيته مصححاً، (ويقال البر) بشدة

٢٤٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ابن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة البكري
العتواري.
ومحمد بن الحرث بن حدیج بن حویص.
ومحمد بن حرماز بن ملك اليعمري.
ومحمد بن حمران بن أبي حمران، ربيعة بن أبي ربيعة لملك الجعفي
المعروف بالشويعر.
ومحمد بن خزاعي
الراء ليس بعدها ألف، كما ضبطه البلاذري (ابن طريف) بمهملتين بوزن رغيف (ابن عتوارة) بضم
المهملة وكسرها ففوقية ساكنة، فواو مفتوحة، فألف، فراء، فهاء. (ابن عامر بن ليث بن بكر بن
عبد مناة بن كنانة البکری،) نسبة إلى جده بکر المذكور.
(العتواري) نسبة إلى جده المذكور أيضاً، وغفل ابن دحية، فعد فيهم محمد بن عتوارة،
وهو نسب لجده الأعلى، كما في الفتح وعده في الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطاً، وان
أبا موسى المديني ذكره في الذيل، أي فغلط، (ومحمد بن الحرث بن حديج) بمهملتين، فتحتية
فجیم مصغر.
(ابن حويص) ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين، وقال انه أحد من سمي
محمداً في الجاهلية وله قصة مع عمر، ذكره في الإصابة في القسم الثالث فيمن أدرك النبي ولم
يره، فلا صحبة له (ومحمد بن حرماز) بكسر المهملة وسكون الراء وآخره زاي، كما رأيته بخط
مغلطاي في الزهر، والحافظ ابن حجر، والعيني في شرحيهما على البخاري خلافًا، لما في بعض
نسخ سقيمة من الإشارة، وتبعها الحلبي في حاشية الشفاء من انه ابن خرمان، ذكره الشامي،
قال: واسم الحرماز الحرث (بن ملك) بن عمرو بن تميم (اليعمري) ذكره أبو موسى في الذيل،
وأنه أحد من سمي محمداً في الجاهلية، ورده في الإصابة بأنه لا يلزم من ذلك إدراكه الإسلام.
قال: وقد استدركه ابن دحية على شيخه السهيلي لكن، قال بدل التميمي اليعمري
(ومحمد بن حمران بن أبي حمران،) واسمه (ربيعة بن أبي ربيعة،) واسمه (ملك الجعفي
المعروف بالشويعر) مصغر شاعر، ذكره المرزباني، فقال هو أحد من سمي محمداً في
الجاهلية، وله قصة مع امرىء القيس، (و) أنه لقبه الشويعر ببيت قال وعده في الإصابة فيمن ذكر
في الصحابة غلطاً (محمد بن خزاعي) بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين، فألف فمهملة فتحتية
اسم بلفظ النسب.

٢٤٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ابن علقمة بن حرابة السلمي، من بني ذكوان.
ومحمد بن خولى الهمداني.
ومحمد بن سفيان بن مجاشع.
ومحمد بن اليحمد الأزدي.
ومحمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة.
ومحمد بن الأسيدي.
ومحمد الفقيمي.
(ابن علقمة بن حرابة السلمي من بني ذكوان) بطن من سليم ذكره ابن سعد عن علي بن
محمد عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحق، قال: سمي محمد بن خزاعة طمعاً في النبوة،
وذكر الطبري أن أبرهة الحبشي توجه وأمره أن يغزو بني كنانة، فقتلوه فكان ذلك من أسباب
قصة الفيل، وذكر ابن سعد لأخيه قيس بن خزاعي أبياتاً فيه يقول فيها:
فذلكم ذو التاج ما محمد ورايته في حومة الموت تخفق
وغلط من عده في الصحابة، كما في الإصابة، (ومحمد بن خولِي) بالخاء المعجمة
وسکون الواو.
(الهمداني) ذكره ابن دريد وليس بصحابي، كما في الإصابة.
(ومحمد بن سفين بن مجاشع) التميمي، قال عياض: يقال إنه أول من سمي محمدًا، قال
في الإصابة: ليس بصحابي لموته قبل البعثة بدهر، لأن من عاصر النبي نَّةٍ من ذريته بينه وبين
عدة آباء منهم الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفين، كما بينه ابن الأثير. (ومحمد بن
اليحمد) بضم التحتية، وسكون المهملة، وكسر الميم، كما ضبطه أبو علي الغساني
وابن ماكولا، وزاد أن أصحاب الحديث يضمون الميم، وحكى القاموس أنه منقول من المضارع،
قال بعضهم: وأل مقارنة لنقله لادلة بعد العلمية، فإنه شاذ قبلها، كقوله بالحكم الترضي حكومته
(الأزدي،) نسبة إلى الأزد من اليمن، قال عياض ونساب اليمن تقول إنه أول من سمي بذلك،
وغلط من عده صحابيًّا، كما في الإصابة، (ومحمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة) التميمي عده
في الإصابة فيمن ذكر غلطًا في الصحابة، (ومحمد بن الأيدي) بضم الهمزة، وفتح السين
المهملة، وكسر التحتية الثقيلة، (ومحمد الفقيمي) بضم الفاء، وفتح القاف، وسكون التحتية،
ذكرهما ابن سعد ولم ينسبهما بأكثر من ذلك، وعدهما في الإصابة فيمن ذكر في الصحابة
غلطًا، وسقط من قلم المصنف الخامس عشر، وهو في الفتح، ولفظه ومحمد بن عمرو بن

٢٤٩
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ولم يدركوا الإسلام إلا الأول ففي سياق خبره ما يشعر بذلك، وإلا الرابع
فھو صحابي جزمًا.
وفيمن ذكره عياض: محمد بن مسلمة الأنصاري. وليس ذكره بجيد، فإنه
ولد بعد النبي عَّ بأزيد من عشرين سنة، لكنه ذكر تلو كلامه المتقدم: محمد بن
اليحمد - الماضي - فصار من عند ستة لا سابع لهم. انتهى.
وأما اسمه عليه الصلاة ((محمود) فاعلم أنه
مغفل، بضم أوله، وسكون المعجمة، وكسر الفاء، ثم لام والد هبيب بموحدتين مصغر، وهو على
شرط المذكورين، فإن لولده صحبة ومات في الجاهلية انتهى، (ولم يدركوا الإسلام إلاَّ الأول)
وهو محمد بن عدي، (ففي سياق خبره) الذي قدمته فيه من سؤاله أباه لم سماه محمدًا (ما
يشعر بذلك) بإدراكه الإسلام، وقد ذكره ابن سعد والبغوي والباوردي وغيرهم في الصحابة،
وأنكره ابن الأثير على ابن منده وتبعه الذهبي، فقال: لا وجه لذكره فيهم، قال في الإصابة: ولا
إنكار عليه، لأن سياقه يقتضي أن له صحبة، (وإلاَّ الرابع) هو، كما ترى محمد بن البراء، وقد
عده في الإصابة فيمن ذكره غلطًا في الصحابة، وأن أبا موسى المديني ذكره في الذيل، أي
فغلط، قال: وذكره محمد بن حبيب فيمن سمي محمدًا قبل الإسلام انتهى، فلا يصح قوله،
(فهو صحابي جزمًا،) ولم أر هذا في الفتح الذي المصنف ناقل عنه، (وفيمن ذكره عياض) من
الستة (محمد بن مسلمة الأنصاري،) الأوسي، الصحابي الشهير، (وليس ذكره بجيد، فإنه ولد
بعد) ميلاد (النبي عَّه بأزيد من عشرين سنة) والكلام فيمن تسمى قبل ولادته، فلا يصح ذكره،
وهكذا تعقبه مغلطاي، لكنه قال بأزيد من خمس عشرة سنة، وهو أنسب بقول الإصابة. ولد قبل
البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سمي محمدًا في الجاهلية انتهى، فتكون
ولادته بعد المولد النبوي بثمان عشرة سنة، فهي أزيد من خمسة عشر، لا عشرون، وأجيب بأن
مراد عياض من ولد في الجاهلية وسمي محمدًا انتهى، وابن مسلمة منهم، وهو جواب لين يأباه
قول عياض إلى أن أشاع قبل ميلاده عَّ له أن نبيًّا سيبعث، فعلى هذا، فالذي خلص للقاضي
خمسة فقط (لكنه ذكر تلو كلامه المتقدم،) أي قوله: لا سابع لهم، ويقال أول من سمي به
محمد بن سفين واليمن تقول: بل (محمد بن اليحمد) الأزدي (الماضي) في كلام المصنف لا
القاضي، (فصار من عنده ستة، لا سابع لهم،) كما قال، وقد انتقد عياض أيضًا بأن هذا زائد على
الستة، فهو سابع فكيف يقول: لا سابع لهم (انتهى) كلام الحافظ ابن حجر باختصار، (وأما
اسمه عليه الصلاة والسلام («محمود» بالرفع بدل من اسمه، (فاعلم أنه)، أي الشأن والحال. وفي

٢٥٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
من أسماء الله تعالى الحميد، ومعناه: المحمود، لأنه تعالى حمد نفسه، وحمده
عباده، وقد سمى الرسول ګ بمحمود، و کذا وقع اسمه في زبور داود.
وأما ((الماحي)) ففسر في الحديث بمحو الكفر، ولم يمح الكفر بأحد من
الخلق ما محي بالنبي عَّه، فإنه بعث والأرض كلهم كفار، ما من عباد أوثان
ویھود
نسخة، بلا ضمير، وليس ثم رابط يربط الخبر بالمبتدأ، فينبغي تقديره (من أسماء اللَّه تعالى
الحميد ومعناه المحمود،) فهو فعيل بمعنى مفعول لاستحقاقه الحمد، (لأنه تعالى حمد نفسه
وحمد عباده) ببناء الفعل للفاعل فيهما وذكر الأول توطئة للثاني، وبيانًا، لأنه المحمود الحقيقي
وحمد غيره له إنما هو باقداره عليه وخلقه، فكأنه في الحالين حمد نفسه، (وقد سمي
الرسول ◌َّ بمحمود،) لأن كلاً منهما اسم مفعول دال على مبالغة في كونه محمودًا، (و) كما
أفاد هذا الاستنباط تسميته بمحمود، (كذا وقع اسمه،) أي تسميته بمحمود (في زبور داود) عليه
السلام، وهذا يقتضي أنه ليس من أسماء اللَّه، وجزم المصنف فيما سبق بأنه من أسمائه منشدًا
قول حسان:
فذو العرش محمود وهذا محمد
ولا يرد هذا على عياض متبوع المصنف هنا، لأنه أورد هذا الكلام دليلاً على ما سماه اللَّه
به من أسمائه الحسنى، ومحمود ليس منها، فاحتاج إلى أخذه من الحميد قائلاً وإلى نحو هذا
أشار حسان، فذكر البيت على أن بيته ليس بقاطع، لاحتمال أن معناه مسمى بمحمود، أو
موصوف بالحمد، (وأما ((الماحي)، ففسر في الحديث) المتقدم أوائل المقصد (بمحو الكفر)،
ولفظه، وأنا الماحي الذي يمحو اللَّه بي الكفر، وعجيب نقله عن غير المصنف، وما بالعهد من قدم.
ومر أن في رواية أخرى، فإن اللَّه محا به سيئات من اتبعه، وأنه لا تعارض لأن محو
أحدهما لا يمنع محو الآخر، وسلف أيضًا دفع استشكاله بأنه ما محى من كل البلاد بأجوبة،
(ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محى بالنبي،) أي محوًا كمحوه به (عَِّ، فإنه) أُنقذ
الناس من الضلال إلى الهدى، لأنه (بعث والأرض،) أي أهلها (كلهم كفار،) لا يرد الخضر والياس
على حياتهما لأنهما، لما لم يخالطا أهل الأرض لم يعدا من أهلها، ولا المتمسكون بما لم يبدل من
الشرائع لقلتهم جدًا، فكأنه، لا وجود لهم ولنسخ جميع الشرائع بالمحمدية، ولا يرد أن نوحًا عليه
السلام محا الكفر بدعوته التي أغرقت الكفار، لأنه بإهلاكهم وهدا بهداهم، وقد كانوا (ما بين عباد
أوثان،) وخرجت بين هنا عن معناها، وهو الوسط إلى الانتهاء مجازًا علاقته المشابهة، إذ
المتوسط بين شيئين ينتهي إلى كل منهما، والمعنى وهم منقسمون إلى هذه الأقسام، (ويهود

٢٥١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ونصارى ضالين وصابئة ودهرية لا يعرفون ربا ولا معادًا، وبين عباد الكواكب وعباد
النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء ولا يقرون بها، فمحاها برسوله، حتى أظهر
دينه على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسير الشمس
في الأقطار، ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه عليه الصلاة
والسلام فيها الماحي.
وأما ((الحاشر)) ففسر أيضًا في الحديث بأنه الذي يحشر الناس على قدمي،
أي يقدمهم وهم خلفه،
ونصارى ضالين) صفة لنصارى فقط، لأن شريعتهم كانت باقية قبل بعثته، لكنهم، لما حرفوا
وبدلوا صاروا ضالين، فكأنهم ليسوا على شريعة، لا صفة لمن قبلها، لأن عباد الأوثان، لا يتوهم
فيهم سوى الضلال حتى ينص عليه، وكذا اليهود لنسخ شريعتهم بعيسى، (وصابئة،) قال في
الكشاف قوم خرجوا من اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة، وقال غيره، طائفة تميل إلى
النصارى واعتقدوا تأثير الأفلاك وقدم العالم والهيئة الشمس، وغير ذلك وأنكروا الرسالة في البشر
عن اللَّه ولم ينكروها في الكواكب.
(ودهرية) بفتح الدال ملحدين، (لا يعرفون ربًا، ولا معادًا) على الوجه الواجب على
الموحد معرفته به الذي منه امتناع الشركة، فلا يزد أن آهل الكتابین والوثنيين يعترفون بالرب،
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.
(وبين عباد الكواكب وعباد النار،) كالمانوية والمجوس (وفلاسفة، لا يعرفون شرائع
الأنبياء، ولا يقرون بها، فمحاها) اللَّه (برسوله حتى أظهر دينه على كل دين،) كما، قال
ليظهره على الدين كله بعلوه وغلبته على الأديان، بنسخها وبيات ما غير وبدل منها، وعلو أهله
على من عداهم بتسليطهم عليهم وقهرهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، كما هو مشاهد، (وبلغ دينه
ما بلغ الليل والنهار،) يعني عم جميع الدنيا، كما عماها وذلك مع مزيد الظهور البين، كما أشار
له بقوله (وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار،) فهو مع ما فيه من عذوبة اللفظ بيان، لأن
البلوغ لم يكن مع خفاء، بل مع شدة الظهور الغالب الذي، لا يمكن إمكانه، ولا دفعه، (ولما
كانت البحار هي الماحية للأدران) الأوساخ (كان اسمه عليه الصلاة والسلام فيها الماحي،)
.ويأتي أن اسمه فيها عبد المهيمن، فاستفيد منهما أن له فيها اسمين، (وأما ((الحاشر)) ففسر أيضًا
في الحديث) المتقدم (بأنه الذي يحشر الناس على قدمي) بالإفراد والتثنية روايتان، كما مر،
(أي يقدمهم وهم خلفه)، كما، قاله الخطابي وابن دحية، ثم تجىء كل نفس فتتبعه، ويرجحه

٢٥٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقيل على سابقته، وقيل: قدامه وحوله، أي يجتمعون إليه في القيامة. وقد كان
حشره لأهل الكتاب: إخراجه لهم من حصونهم وبلادهم من دار هجرته إلى حيث
أذاقهم الله من شدة الحشر ما شاء في دار الدنيا إلى ما اتصل لهم بذلك في
برزخهم.
وهو أول من تنشق عنه الأرض فيحشر الناس على أثره، وإليه يلجؤون في
محشرهم، وقيل: علی سببه.
وأما (العاقب)) فهو الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، لأن العاقب هو
الآخر، أي: عقب الأنبياء، وقيل: وهو اسمه في النار، فإذا جاء - لحرمة شفاعته -
رواية يحشر الناس على عقبي، وحديث أنا أول من تنشق عنه الأرض، (وقيل على سابقته) بأن
يتقدمهم، أي أنه يحشر قبل الناس، ويرجحه رواية نافع بن جبير، وأنا حاشر بعثت مع الساعة، قال
في القاموس: يقال له سابقة في هذا الأمر، أي سبق للناس فيه، (وقيل قدامه وحوله، أي
يجتمعون إليه في القيامة،) قاله ابن عبد البر ناقلاً قول الخليل حشرتهم السنة إذا ضمتهم من
البوادي، (وقد كان حشره) في الدنيا (لأهل الكتاب إخراجه لهم من حصونهم وبلادهم. من دار
هجرته إلى حيث أذاقهم اللّه من شدة الحشر ما شاء في دار الدنيا.) واستمر ذلك قائمًا لهم
(إلى ما اتصل لهم بذلك في برزخهم،) قيل فلذا سمي الحاشر.
قال بعضهم، وهو ضعيف دراية ورواية، (وهو أول من تنشق عنه الأرض، فيحشر الناس
على أثره وإليه يلجؤن في محشرهم،) هذا يشبه أنه أورده تقوية للأقوال الثلاثة التي قدمها،
وهي متقاربة في الحقيقة، (وقيل على سببه) أي كونه السبب فيه لتقدمه عليهم، فنسب له
لكونه السبب فيه، ثم يقفون في المحشر حتى يشفع لهم، فهو حاشرهم في ذا الحشر الثاني
إلى مقرهم من جنة، أو نار، ومر لهذا مزيد في شرح الحديث، وذكر السيوطي وغيره أن الله
وصف نفسه بالحشر في قوله ﴿ويوم يحشرهم﴾ وقوله ﴿وحشرناهم﴾، قال فيكون هذا الاسم
مما سماه اللَّه به من أسمائه، (وأما العاقب) في حديث جبير المتقدم في المتن عن الصحيحين،
فلا تبعد النجعة، (فهو الذي جاء عقب الأنبياء فليس بعده نبي، لأن العاقب) لغة (هو الآخر،
أي عقب الأنبياء،) وقد أسلفت أن في بعض روايات الصحيح، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي، وأنه
مدرج من تفسير الزهري، كما بينه الطبراني في روايته، وأيا ما كان فلتفسيره مزية، لأنه أدرى بما روى
مع مزيد إتقانه، وقيل العاقب عند العرب من يخلف سيد القوم، فمعناه خليفة اللَّه، لأنه أحق بخلافته
من جميع الخلق، (وقيل، وهو اسمه في النار) بين أهلها، (فإذا جاء) إلى النار (لحرمة شفاعته)

٢٥٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
خمدت النار وسكنت، كما روي أن قومًا من حملة القرءان يدخلونها فينسيهم الله ذكر
محمد عَّله حتى يذكرهم جبريل عليه السلام، فيذكرونه فتخمد النار وتنزوي عنهم.
وأما ((المقفي)) فكذلك، أي: قفى آثار من سبقه من الرسل، وهي لفظة
مشتقة من (القفو)) يقال: قفاه يقفوه إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس، وقافية البيت،
فالمقفي: أي قفى من قبله من الرسل فكان خاتمهم وآخرهم.
وأما ((الأول)) فلأنه أول الأنبياء خلقًا - كما مر- وكما أنه أول في البدء فهو
أول في العود، فهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وهو أول
شافع وأول مشفع، کما
تعليل قدم على معلوله، وهو (خمدت النار) بفتح الميم (وسكنت،) وكأن وجه المناسبة أنه، لما
سكنت عقب مجيئه انتهى عذاب من شفع فيه وكأنه آخر عذابهم فسمي عاقبًا، والإضافة يكفي
فيها أدنى ملابسة، لكن قال بعضهم هذا غريب ضعيف، (كما روي أن قومًا من حملة القرءان
يدخلونها، فينسيهم اللَّه ذكر محمد عَّ)) لما أراده من تعذيبهم، (حتى يذكرهم جبريل عليه
السلام) إكرامًا لهم، لحملهم القرءان بالمبادرة إلى تخفيف عذابهم، (فيذكرونه) عَ ليه بأي اسم
كان، لا بخصوص العاقب وإن سمي به فيها على ما فيه، وعلى هذا فيجوز أن الضمير في قوله
فإذا جاء راجع على اسمه، لا بقيد العاقب لكنه فيه فقط خلاف الظاهر، لأنه يصير معنى جاء
ذكر، (فيذكرونه فتحمد النار) بضم الميم، (وتنزوي عنهم) تنجمع وتبعد، (وأما ((المقفى))) بكسر
الفاء المشددة (فكذلك،) أي تسميته بالعاقب، أي هو بمعناه، كما قاله شمر، (أي قفي آثار من
سبقه من الرسل) بشد الفاء أيضًا، ثم قفينا على آثارهم، (وهي لفظة مشتقة من القفو) بفتح
القاف، وسكون الفاء، لا بضمهما وشد الواو وإن كانا مصدرين، لأن الاشتقاق إنما هو من
المجرد، لا المزيد، (يقال قفاه يقفوه إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس) لمؤخره، (وقافية البيت)
لآخره، والقافية من كل شىء آخره، (فالمقفى، أي قفي من قبله من الرسل) أعاده وإن علم من
أول كلامه توطئة لقوله (فكان خاتمهم وآخرهم) .
وقال ابن الأعرابي، أي المتبع للأنبياء، لأن معنى قفي تبع انتهى. وفيه من الفضل له عند له.
أنه وقف على أحوالهم وشرائعهم، فاختار اللَّه له من كل شىء أحسنه، وكان في قصصهم له
ولامته عبر وفوائد، (وأما الأول، فلأنه أول الأنبياء خلقًا، كما مر) أول الكتاب، (وكما أنه أول
في البدء، فهو أول في العود، فهو أول من تنشق عنه الأرض) في الخروج من القبور للحشر،
(وأول من يدخل الجنة، وهو أول شافع، وأول مشفع،) أي مأذون له في الشفاعة المقبولة، (كما

٢٥٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
كان في أول البدء في عالم الذر أول مجيب، إذ هو أول من قال: بلى، إِذ أخذ
ربه الميثاق على الذرية الآدمية، فأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم. فهو ◌َّه
الأول في ذلك كله على الإطلاق.
وأما ((الآخر)) فلأنه آخر الأنبياء في البعث كما في الحديث.
وأما (الظاهر)) فلأنه ظهر على جميع الظاهرات ظهوره، وظهر على الأديان
دينه، فهو الظاهر في وجود الظهور كلها.
وأما (الباطن)) فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه الله تعالى
إلیه.
كان في أول البدء في عالم الذر أول مجيب إذ هو أول من، قال: بلى) أنت ربنا (إذ أخذ ربه
الميثاق على الذرية الآدمية،) كما هو نص الآية، لا الملائكة وغيرهم من الحيوانات، لأنهم
ليسوا محلاً للمخالفة، ولا الجن، (فاشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، فهو عَِّ الأول) السابق
(في ذلك كله على الإطلاق) لم يتقدمه أحد في شيء منه، (وأما ((الآخر))، فلأنه آخر الأنبياء في
البعث، كما في الحديث) عند ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة كتب أول الأنبياء خلقًا
وآخرهم بعثًا. وروى ابن سعد من مرسل قتادة كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث،
وهذان الاسمان مما سماه اللَّه به من أسمائه الحسنى، وإن كان معنى الأول في حقه تعالى
السابق للأشياء قبل وجودها بلا بداية، والآخر للأشياء بعد فنائها، بلا نهاية.
قال عياض وتحقيقه أنه ليس له أول، ولا آخر، وقد غفل وجمد من اعترض على عياض
بأنه، لا مناسبة بينهما، فإنهما في حقه تعالى غيرهما في حقه عَّ، فكفاه شرفًا تسميته بأسماء
ربه ومشاركته في اللفظ وإن اختلف المعنى، ومثل هذا لا يخفى حتى يعترض له، (وأما (الظاهر))
فلأنه ظهر) غلب (على جميع الظاهرات ظهوره) فاعل ظهر (وظهر على الأديان دينه، فهو
الظاهر في وجوه الظهور كلها،) والظهور العلو والغلبة، وقيل معناه الجلي الواضح الذي، لا
يخفى على عاقل ظهوره، (وأما الباطن، فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه اللَّه
تعالى إليه،) وقال الشامي كأن معناه في حقه عَّةِ الذي، لا تدرك غاية مقامه وعظم شأنه الذي
خصه الله به لقصور العقول عن ذلك وهما أيضًا مما سماه اللَّه به من أسمائه ومعنى الظاهر في
حقه المجلي الوجود بالآيات والقدرة والباطن المنزه عن الأبصار، فلا تراه، أو المطلع على
بواطن الأمور، فلا يعتريه فيها اشتباه، أو الباطن بذاته الظاهر بآياته، وقيل الذي، لا تدرك كنهه
العقول، ولا تدر که الحواس.

٢٥٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((الفاتح الخاتم)) ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة من طريق الربيع بن
أنس قول الله تعالى له: وجعلتك فاتحًا وخاتماً. وفي حديث أبي هريرة أيضًا في
الإسراء، قوله عَّ ◌ُله: وجلعني فاتحًا وخاتمًا. فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد
أن كان مرتجًا، وفتح أمصار الكفر، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به أعينًا عميًا،
وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، والدنيا
(وأما ((الفاتح الخاتم)) بفتح التاء، وكسرها ذكرهما ابن دحية عن ضبط ثعلب وابن عساكر،
فأما بفتحها فمعناه أحسن الأنبياء خلقًا وخلقًا، لأنه عَِّ جمال الأنبياء كالخاتم الذي يتجمل به،
وأما بالكسر، فهو اسم فاعل من ختمت الشىء أتممته وبلغت آخره، فمعناه آخر الأنبياء، وهو
الذي شرح عليه المصنف واستدل بقوله. (ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة) مرفوعًا (من
طريق الربيع بن أنس) البكري البصري نزيل خراسان صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع مات سنة
أربعين ومائة، أو قبلها روى له أصحاب السنن الأربعة (قول اللَّه تعالى له) فيما خاطبه به ليلة
المعراج (وجعلتك فاتحًا وخاتمًا،) أي أول الأنبياء وآخرهم، (وفي حديث أبي هريرة أيضًا في
الإسراء قوله عَّ) حين أثنى على ربه (وجعلني فاتحًا وخاتمً، فهو الذي فتح الله به باب الهدى
بعد أن كان مرتجًا) بضم الميم، وسكون الراء، وفتح الفوقية، وجيم خفيفة، ولا تشدد عند
الجوهري وغيره، وحكى بعضهم تشديدها، أي مقفلاً، (وفتح أمصار الكفر) مكة وخيبر والمدينة
والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض
أطراف الشام وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان والنجاشي الذي ملك بعد اصحمة، ثم فتح
أيام الصديق بصرى ودمشق بلاد حوران وما والاها، ثم في أيام عمر فتح البلاد الشامية كلها
ومصر، وأكثر إقليم فارس وكسر كسرى، وفر إلى أقصى مملكته. وفر هرقل إلى القسطنطينية، ثم
في زمن عثمن فتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وبلاد المغرب بتمامها ومن المشرق إلى
أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، ثم امتدت الفتوحات بعده إلى الروم وغيرها
ولم تزل الفتوحات تتجدد إلى الآن. (وفتح به أبواب الجنة) مجازًا في الدنيا وحقيقة يوم
القيامة، (وفتح به أعينًا عميًا) الكفر عن طريق الهدى، فلا تراه حتى رأت آيات اللَّه الباهرة،
(وآذانًا صمًا) عن سماع الحق، فلا تسمعه سماع قول فسمعته وانقادت له، (وقلوبًا غلفًا) جمع
. أغلف أي مغشاة بأغطية، فلا تعي الحق حتى استنارت لقبوله ووعته. (وفتح به طرق العلم النافع
و) طرق (العمل الصالح،) فسلكهما المؤمنون بعد أن غلقا، كما، قال علي رضي اللَّه عنه
الفاتح، لما استغلق، (و) فتح به (الدنيا،) فحكمه فيها، وحمل أهلها على المحجة البيضاء،

٢٥٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والإبصار.
وقد يكون المراد: المبدأ المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم، كما قال عليه
الصلاة والسلام: كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث.
وأما ((الرؤوف الرحيم)) ففي القرءان ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
علیه ما عنتم حريص علیکم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة/١٢٨]،
ومنعهم من التعدي والظلم (والآخرة،) فإنه فتح به البعث وباب الجنة والشفاعة والجواز على
الصراط، (والقلوب والأسماع والأبصار) بفتح الهمزة جمع بصر نور العيون، (والإبصار) بكسرها
مفرد بصائر نور القلوب، أي النظر في الأمور بالمعرفة التامة والمقام مقام خطابه، فلا يعاب فيها
الإطناب، أو أراد بفتح الأعين والآذان أولاً ما يمنع المشاهدة، ووصول الصوت، وبفتح القلوب
إزالة الغلاف عنها، وكني بذلك عن زوال الكفر، وأراد بفتح الثلاثة ثانيًا خلق قوة فيها بعد زوال
الكفر بحيث صاروا يشاهدون المعقولات، كأنها صور محسوسة، ثم هذا كله بيان للفاتح، (وقد
يكون المراد) به (المبدأ) بضم الميم، وفتح الموحدة، وشد الدال المهملة، وهمزة، كما ضبطه
البرهان في المقتفى، فيكون (المقدم) تفسیرًا له.
وقال غيره إن كان رواية وإلاَّ فيجوز فتح الميم وسكون الموحدة وخفة الدال بمعنى أول
(في الأنبياء والخاتم لهم، كما، قال عليه الصلاة والسلام،) فيما رواه ابن سعد وغيره (كنت أول
النبيين في الخلق) لخلق نوره قبلهم، (وآخرهم في البعث) باعتبار الزمان، ثم لا يشكل عليه
أنه، لا اختصاص، لما ذكره غير الأخير به، لأن وقوعه منه على أتم وجه، لا يشاركه فيه غيره
على أنه لم يقل، لا بد في أسمائه من اختصاص معانيها به، وذكر عياض أن الفاتح هنا الحاكم،
أو لأبواب الرحمة على أمته، أو لبصائرهم لمعرفة الحق والإيمان، أو المبتدىء بهداية الأمة، أو
المبدأ المقدم في الأنبياء.
قال السيوطي، أو لأنه فتح الرسل، لأنه أولهم خلقًا، أو فاتح الشفعاء بقرينة اقترانه باسم
الخاتم انتهى، وهذه المعاني كلها مجتمعة فيه عَّ ولذا ساق غالبها المصنف بالواو والمشركة،
(وأما (الرؤوف الرحيم، ففي القرءان) العظيم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أي منك. وروى
ابن مردويه عن أنس أنه عَّ قرأها بفتح الفاء، وقال: أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، (عزيز)
شديد (عليه ما عنتم) عنتكم، أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه (حريص عليكم) أن تهتدوا
(بالمؤمنين رؤوف) شديد الرحمة، (رحيم) يريد لهم الخير، (وهو فعول من الرأفة، وهي) لغة (أرق
من الرحمة)، إذ هي رقة القلب والرأفة شدة الرحمة، وأبلغها، (قاله أبو عبيدة) معمر بن المثنى

٢٥٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
والرحيم فعيل من الرحمة، وقيل رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
وأما ((الحق المبين)) فقال الله تعالى: ﴿حتى جاءهم الحق ورسول مبين﴾
[الزخرف / ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ [الحجر/ ٨٩]،
وقال تعالى: ﴿قد جاءكم الحق من ربكم﴾ [يونس/ ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿فقد
كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ [الأنعام/ ٥]، قيل المراد: محمد عليه الصلاة
والسلام، وقيل القرءان، ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره،
الإمام اللغوي.
قال ابن دحية وخاصتها أنها لدفع المكاره والشدائد والرحمة لطلب المحاب، ولهذا
قدمت الرأفة عليها، وقال غيره الفرق بينهما أن الرأفة إحسان مبدأه شفقة المحسن، والرحمة
إحسان مبدأه فاقة المحسن إليه. (والرحيم فعيل من الرحمة،) وهي في كلام العرب العطف
والإشفاق، وهو ◌ٍَّ أرحم الخلق، وأعطفهم، وأشفقهم، وأرقهم قلبًا، (وقيلٍ) في معنى الآية
(رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين،) يستغفر لهم ويتجاوز عن سيئاتهم إلاّ في الحدود ومع
إقامتها عليهم يمنع من أذاهم، ثم هو في قبره تعرض عليه أعمال أمته ويستغفر لهم، ثم هو يوم
القيامة همه كله أمته فيشفع فيهم حتى، لا يبقى منهم أحد في النار، وهذان مما سماه اللّه به من
أسمائه الحسنى، لكنها بهذا المعنى محال عليه فيؤول باللازم، وهو إرادة الخير لأهله وإعطاء ما
لا يستحقه العبد من الثواب ودفع ما يستوجبه من العقاب، (وأما الحق المبين، فقال اللَّه تعالى:
(﴿حتى جاءهم الحق ورسول مبين﴾)، مظهر لهم الأحكام الشرعية، وهو محمد عَ لّه، (وقال
تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير﴾، المحذر من عذاب الله أن ينزل عليكم (﴿المبين)) لكم أمور
دينكم، أو البين الإنذار، (وقال تعالى: ﴿قد جاءکم الحق من ربكم﴾ وقال تعالى: ﴿فقد
كذبوا بالحق، لما جاءهم﴾، من اللَّه.
(قيل المراد) بالحق في الآيات (محمد عليه الصلاة والسلام،) كما، قال تعالى
﴿واعلموا أن الرسول حق﴾، وفي حديث الشفاعة ومحمد حق وتكذيبه بتكذيب رسالته وما
جاءته، (وقيل) المراد به (القرءان) بدليل التكذيب، (ومعناه هنا ضد الباطل) من حق بمعنى ثبت
(والمتحقق) بفتح القاف وكسرها، كما في النسيم، أي الثابت (صدقه، وأمره) شأنه، وما يجب
ثبوته له وما يستحيل عليه مما هو معلوم في صفات النبوة تفسير، لما قبله، أو معنى آخر.
وفي البيضاوي الحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره فعم الأعيان والأفعال الصائبة والأقوال
الصادقة من قولهم حق الأمر إذا ثبت ومنه ثوب محقق محكم النسج.

٢٥٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
والمبين البين أمره ورسالته، أو المبين عن الله ما بعثه به، كما قال تعالى: ﴿لتبين
للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل/ ٤٤].
وأما ((المؤمن)) فقال تعالى: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن،
قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة / ٦١]، أي يصدق، وقال
عليه الصلاة والسلام: أنا أمنة لأصحابي فهذا بمعنى المؤمن.
وأما ((المهيمن))
(والمبين) بكسر الموحدة، وسكون التحتية (البين) الظاهر الذي، لا يخفي (أمره
ورسالته) من بان اللازم والوصف به على هذا مجاز، (أو) هو (المبين) بشد التحتية مكسورة
(عن اللَّه ما بعثه به) للخلق كافة وعداه لتضمينه معنى المبلغ، أو هو حال بتقدير ناقلاً، (كما،
قال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾)، من شرائعه، وأحكامه وهذا على أنه من أبان
المتعدي، وقد أفاد المصنف تبعًا للقاضي بسوق الآيات أنه يطلق عليه المبين بالتخفيف
والتشديد، وهو بالتخفيف كالحق مما سماه الله به من أسمائه، كما، قال عياض وغيره: أي
الموجود المتحقق أمره والهيته، أو الموجد للشىء على حسب مقتضى حكمته، والمبين البين
أمره والهيته، أو المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم، (وأما المؤمن،) وهو من أسمائه تعالى التي
سماه بها، ومعناه في حقه المصدق وعده وقوله ولعباده المؤمنين ورسله، أو الموحد نفسه
شهم اللَّه أنه، لا إله إلاَّ هو، أو المؤمن عباده في الدنيا الظلم والمؤمنين في الآخرة من العذاب،
وفي حقه عَّ المتصف بالإيمان والمصدق وعدًا وقولاً والمؤمن أمته الظلم، (فقال تعالى:
﴿ومنهم﴾، أي المنافقين (﴿الذين يؤذون النبي﴾)، بعيبه ونقل حديثه (﴿ويقولون﴾)، إذا نهو عن
ذلك لئلا يبلغه (﴿هو أذن﴾)، أي يسمع كل، قيل ويقبله، فإذا حلفنا له إنا لم نقل صدقنا ﴿قل
هو اذن﴾ هو) مستمع ((خير لكم﴾)، لا مستمع شر (﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾)، فيما
أخبروه به، لا لغيرهم، (أي يصدق) لعلمه بخلوصهم، والسلام
لتضمينه معنى يذعن، أو مزيدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره، (وقال عليه الصلاة والسلام) في
حديث عند البيهقي (أنا أمنة) بفتح الهمزة وضمها مصدر بمعنى الأمان، أو بزنة المبالغة كرجل
عدل، فيقع على الواحد وغيره (لأصحابي،) أي مؤمن لهم ومحصل لهم الطمأنينة، فإذا ذهبت
أتى أصحابي ما يوعدون، ومر الكلام على هذا الحديث، (فهذا بمعنى المؤمن) أشار إلى أنه
يكفي في صحة إطلاق الأسماء عليه ورود ما يدل عليها، ولو بلفظ الفعل، (وأما المهيمن،) وهو
من الأسماء الحسنى أيضًا، بمعنى المؤمن، أو الشاهد، أو الشهيد، أو الحافظ، أو المتعالي، أو

٢٥٩
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فقال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب
ومهيمنًا عليه﴾ [المائدة/٤٨] قال ابن الجوزي- في زاد المنير - إن ابن أبي نجيح
روى عن مجاهد ومهيمنًا عليه قال: محمد مؤتمن على القرءان، قال: فعلى قوله
في الكلام تقدير محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمنًا عليه، وسماه
العباس بن عبد المطلب في شعره ميهمناً في قوله:
حتى احتوى بيتك المهيمن من خندق علياء تحتها النطق
وروي: ثم اغتدى بيتك المهيمن، قيل أراد: يا أيها المهيمن، قاله القتبي
والإمام أبو القسم القشيري.
الشريف، أو المصدق، أو الوالي، أو القاضي، أو الرقيب فتلك عشرة، (فقال تعالى: ﴿وأنزلنا
إليك الكتاب﴾) القرءان (بالحق) متعلق بأنزلنا (مصدقًا، لما بين يديه) قبله (من الكتاب))
بمعنى الكتب (ومهيمنًا عليه، قال ابن الجوزي:) عبد الرحمن بن علي أبو الفرج الحافظ المشهور
(في زاد المنير) في علم التفسير (إن ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار المكي الثقفي مولاهم
الثقة (روى عن مجاهد،) كما أخرجه ابن جرير في قوله تعالى: (﴿ومهيمنا عليه﴾ قال)،
مجاهد، وقد قرأها بفتح الميم الثانية مبني للمفعول (محمد) عَّه (مؤتمن على القرءان قال)
ابن الجوزي: (فعلى قوله،) أي مجاهد (في الكلام تقدير محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا
محمد مهيمنًا عليه) بناءً على أن المصدر، وهو مصدقًا حال من الكتاب، لا من المجرور
بالحرف في إليك وإلاَّ، لقيل، لما بين يديك وزعم أنه التفات من الخطاب إلى الغيبة بعيد من
نظم القرءان، كما، قال أبو حيان: لكن جوز ابن عطية أن يكون مصدقًا ومهيمنًا حالين من
الكاف، فلا حاجة للتقدير، لأن الحال إذا تعددت لمتعدد عطفت بالواو، بلا تقدير محذوف، ولا
يختص هذا بقراءة مجاهد، كما ادعى ابن الجوزي تبعًا لابن جرير، بل يأتي على قراءة الجمهور
بكسر الميم الثانية، (وسماه) عمه (العباس بن عبد المطلب في شعره) المتقدم في غزوة تبوك
(مهيمنًا في قوله:
(حتى احتوى بيتك المهيمن من خندق علياء تحتها النطق)
وروى ثم اغتدى بيتك المهيمن، قيل أراد) العباس (يا أيها المهيمن) ولولا هذا لم يكن
اسمًا، (قاله) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، البغدادي، الإمام المشهور، (القتبي،) بضم
القاف، وفتح الفوقية، بعدها موحدة نسبة إلى جده قتيبة المذكور، (والإمام أبو القسم)
عبد الكريم بن هوازن (القشيري) نسبة لقشير قبيلة مرضه المصنف، وتبرأ منه فعزاه لقائليه تبعًا

٢٦٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((العزيز)) فمعناه: جلالة القدر، أو الذي لا نظير له، أو المعز لغيره، وقد
استدل القاضي عياض لهذا الاسم بقوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ [المنافقون/
٨] أي فجائز أن يوصف النبي عَّه بالعزيز والمعز، لحصول العز به. ولقائل أن
يقول: هذا الوصف للمؤمنين أيضًا لشمول العطف إياهم، فلا اختصاص للنبي معدّ ل،
والغرض اختصاصه، قال اليمني: وعجيب من القاضي عياض كيف خفي عليه مثل
هذا. ويجاب: باختصاصه عليه الصلاة والسلام برتبة من العز ليست لغيره والله
أعلم.
وأما ((العالم))
لعياض، لأنه تكلف ضعيف، لأن المعرف بال، لا ينادى، وتقدير، أيها مع تقدير حرف النداء، لا
يرتضيه نحوي، ومر للمصنف في تبوك أنه أراد ببيته شرفه، والمهيمن نعته، أي احتوى شرفك
الشاهد على فضلك أعلى مكان انتهى، ولا ثقل في هذا، كما ادعاه من زعم أنه أثقل من جعله
منادى، فقد استعمل الفصحاء البيت بمعنى العز، والشرف كقوله:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز، وأطول
(وأما العزيز،) وهو مما سماه اللَّه به من أسمائه، (فمعناه) في حقه تعالى الممتنع الذي، لا
يدرك، ولا ينال، أو الغالب، وفي حقه وحق عبده ورسوله (جلالة القدر،) كان الظاهر جليل،
لكنه لاحظ أنه مأخوذ من جلالة وحرف الجر يحذف إذا لوحظ ذكره، (أو الذي، لا نظير،) لا
مثل (له) ولا يعادله شىء، (أو المعز لغيره) فعيل بمعنى مفعل، وهو عزيز عربية، ولذا أخره
المصنف، (وقد استدل القاضي عياض) في الشفاء (لهذا الاسم بقوله تعالى: ﴿وللَّه العزة
ولرسوله﴾)، وفسره بقوله، أي الامتناع وجلالة القدر، ومن هنا دخل لفظ جلالة على
المصنف، فجعلها تفسيرًا للعزيز مع أن عياضًا، كما ترى جعلها للعزة، (أي فجائز) بمعنى يجوز
(أن يوصف النبي عَِّ بالعزيز، والمعز لحصول العز به) لغيره ولم يقل وله، لأن هذا هو الذي
يخفي أخذه من الآية، وأما وصفه بالعزيز فظاهر فيه فهذه أظهر من نسخة له (ولقائل أن يقول
هذا الوصف للمؤمنين أيضًا لشمول العطف إياهم) تصريحًا بقوله وللمؤمنين، (فلا اختصاص
للنبي عَّله) بهذا الوصف، (والغرض اختصاصه).
(قال اليمني) محشي الشفاء (وعجيب من القاضي عياض كيف خفي عليه مثل هذا) مع
ظهوره، (ويجاب باختصاصه عليه الصلاة والسلام برتبة من العز ليست لغيره،) وأيضًا فإن
المؤمنين ذكروا بطريق التبع، فعزتهم ليست إلاَّ من عزته، (والله أعلم،) على أنه لم يقل، لا بد
في أسمائه من اختصاص معانيها به، (وأما العالم) اسم فاعل من علم، أي المدرك للحقائق