Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ حجة الوداع ثم قفل فوافى النبي عَّهِ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر. [حجة الوداع] ثم حج ◌ّ حجة الوداع، رسول اللَّه عَ لَّه بإسلامهم، فلما قرأ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقال: السلام على همدان، وكان البعث بعد رجوعهم من الطائف، وقسمه الغنائم بالجعرانة انتهى. فهو صريح في أن البعث الأول كان في أواخر سنة ثمان، وأنه إلى همدان، والثاني كان في رمضان سنة عشر إلى مذحج، كما ذكر ابن سعد وغيره، وأنها أول خيل أغارت عليهم لاختلاف الجهة، وأن جمع الكل اسم اليمن، ويؤيده أن في رواية البيهقي عن البراء: فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا، ثم بعث عليًا مكان خالد، فذكر الحديث قالوا: ثم أقام علي فيهم يقرئهم القرءان، ويعلمهم الشرائع، وكتب إلى رسول اللَّه عَّه كتابًا يخبره مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، فأتاه فأمره عَّهِ أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد اللَّه، فأخبر عليًا بذلك، (ثم قفل) علي، (فوافى النبي عَّه بمكة قد قدمها للحج سنة عشر،) وتعجل وخلف على أصحابه، والخمس أبا رافع، وكان في الخمس من ثياب اليمن أحمال معكومة، ونعم وشاء مما غنموا، ومن صدقات أموالهم، فسأل أصحاب علي أبا رافع أن يكسوهم ثيابًا يحرمون فيها، فكساهم ثوبين ثوبين، فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي ليتلقاهم ليقدم بهم، فرأى الثياب على أصحابه، فنزعها فشكوه للنبي عَّةٍ، فقال: ((ما لأصحابك يشكونك))؟ قال قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس، حتى يقدم عليك فترى فيه رأيك، فسكت عَّه والله أعلم. حجة الوداع (ثم حج ◌َّ حجة) قال الحافظ: بكسر المهملة، وفتحها. (الوداع) بكسر الواو وفتحها قال المصنف: سميت بذلك لأنه عَّه ودع الناس فيها وبعدها انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي عَّه بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع الحديث. قال الحافظ: كأنه شيء ذكره عَّهِ، فتحدثوا به وما فهموا أن المراد به وداعه، حتى توفي بعدها بقليل، فعرفوا المراد وأنه ودع الناس بالوصية التي أوصاهم بها أن لا يرجعوا بعده كفارًا، وأكد التوديع بإشهاد اللّه عليهم بأنهم شهدوا أنه قد بلغ ما أرسل إليهم به، فعرفوا حينئذٍ المراد بقولهم حجة الوداع. وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فودع الناس، وروى البيهقي: أن سورة إذا ﴿جاء نصر الله والفتح﴾ نزلت في وسط أيام التشريق، فعرف عدّ له أنه الوداع، فركب واجتمع الناس، ١٤٢ حجة الوداع وتسمى حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وكره ابن عباس أن يقال: حجة الوداع. وكان عَّله قد أقام بالمدينة يضحي كل عام ويغزو المغازي، فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج إلى الحج فتجهز وأمر الناس بالجهاز له. قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى. فذكر الخطبة، (وتسمى حجة الإسلام،) لأنه لم يحج من المدينة بعد فرض الحج غيرها، كما في حديث جابر أنه عَّه مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أنه حاج، فقدم المدينة بشر كثير كل يلتمس أن يأتم به. أخرجه مسلم وغيره (وحجة البلاغ،) لأنه بلغ الناس الشرع في الحج قولاً وفعلاً. قال المصنف: وتسمى أيضًا حجة التمام والكمال انتهى. أي بمجموعهما، لا بكل واحد لنزول قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ الآية، ورسول اللَّه عَّه واقف بعرفة، كما في الصحيح عن عمر جوابًا لمن قال له من اليهود: لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وفي الترمذي عن ابن عباس أن يهوديًا سأله عن ذلك، فقال: فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة، (وكره ابن عباس أن يقال حجة الوداع) لإشعاره بكراهة المودع وأسفه على من ودعه، وذلك لا يليق به عَّه، ولم يكرهه غيره، بل أطلقوا ذلك عليها فقالت عائشة: خرجنا في حجة الوداع، وقال ابن عمر: أمر عَّةِ أزواجه عام حجة الوداع، وقال سعد بن أبي وقاص: عادني مَّله في حجة الوداع وقال أبو أيوب: أنه عَّه في حجة الوداع صلى المغرب والعشاء جميعًا، وقال جرير: أنه معَّ قال له: في حجة الوداع، استنصت الناس وكلها في الصحيح، بل فيه أيضًا عن ابن عباس نفسه: أن امرأة استفتت رسول اللَّه عَلِ في حجة الوداع، فكأنه رجع عن الكراهة، لأنه لا يلزم من الوصية بتلك الوصايا، والحث عليها المشعر بأنهم لا يجدون من يذكرهم بها بعده أسفه على مفارقتهم. (وكان عَّ. قد أقام بالمدينة يضحي كل عام) من السنة الثانية من الهجرة قال اليعمري: وفيها ضحى بكبشين أحدهما عن أمته، والآخر عن محمد وآله. (ويغزو المغازي) من حين أذن في القتال، وأراد بها ما يشمل البعوث والسرايا أيضًا، (فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج إلى الحج، فتجهز وأمر الناس بالجهاز له). قال ابن إسحق: (قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه اللَّه تعالى،) كذا أطلق النفي وليس كما قال، ففي فتح الباري حج قبل أن يهاجر مرارًا، بل الذي لا ارتياب فيه أنه ١٤٣ حجة الوداع وفي البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي عَّهِ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، حجة الوداع. قال: قال أبو إسحق: وبمكة أخرى، وقيل: حج بمكة حجتين. لم يترك الحج، وهو بمكة قط، (وفي البخاري) حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحق، (عن زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري، الخزرجي، الصحابي المشهور: (أن النبي عَّ غزا تسع عشرة غزوة) مراده التي خرج فيها بنفسه، وتقدم أن جابرًا قال: أنها إحدى وعشرون، فخفي على زيد لصغره اثنتان، وعند أصحابه المغازي أنها سبع وعشرون، وجمع بأن من عدها دون ذلك نظر إلى شدة قرب بعض الغزوات لبعض، فيضم واحدة لأخرى، كما تقدم بسط ذلك في أول المغازي. والمقصود من الحديث هنا قوله: (وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها). قال الحافظ: يعني ولا حج قبلها، يعني بقيد الظرف إلا أن يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة، فلا لأنه اعتمر قبلها قطعًا (حجة الوداع). قال المصنف: بنصب حجة بدل من الأولى، ويجوز الرفع بتقدير هي. (قال) زهير بن مطوية، (قال أبو إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي: بفتح المهملة وكثر الموحدة مكثر ثقة عابد، مات سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الستة قال الحافظ: هو موصول بالإسناد المذكور انتهى. فما وقع في نسخ المواهب ابن إسحق خطأ، لأن البخاري لم يرو لصاحب السيرة محمد (وبمكة أخرى،) قال الحافظ: غرض أبي إسحق أن لقوله بعدما هاجر مفهومًا، وأنه قبله حج، لكن قوله أخرى يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك، بل حج قبلها مرارًا، بل الذي لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط، لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف. وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن به عَّه أنه يتركه، وقد ثبت حديث جبير بن مطعم: أنه: رآه عليه السلام في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأنه من توفيق اللَّه له. وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية، كما بينته في الهجرة انتهى. فلا يقبل نفي ابن سعد أنه لم يحج بعد النوبة إلا حجة الوداع، لأن المثبت مقدم على النافي، خصوصًا وقد صحبه دليل إثبات، ولم يصحب النافي دليل نفيه. (وقيل: حج بمكة حجتين) قبل الهجرة، وحجة بعدها. أخرجه الترمذي عن جابر وقال ابن عباس: من حج عَّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج، ١٤٤ حجة الوداع فهذا بعد النبوة وقبلها لا يعلمه إلا الله. فخرج عَّةِ من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس. وفيه نظر. لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا، لما ثبت وتواتر وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر كان يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل هو ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة. لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: صلينا مع رسول الله عَ لّهِ الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة. أخرجه ابن ماجه والحاكم. قال الحافظ: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فأنهم قدموا أوّلاً فتواعدوا، ثم ثانيًا فبايعوا البيعة الأولى، ثم ثالثًا فبايعوا الثانية، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، (فهذا بعد النبوّة وقبلها لا يعلمه،) أي عدد حجه (إلاَّ اللَّه.) وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري أن النبي عَّهِ حج قبل أن يهاجر حججًا. وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعرف عددها، وقال ابن الأثير في النهاية: كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر انتهى. كلام الفتح، ولخص ذلك كله المصنف في قوله المروي أنه لم يترك وهو بمكة الحج قط انتهى. فقول الشارح أنه مخالف لكلام الفتح فيه نظر ظاهر، فأين المخالفة، وأما قوله وقد نقل قول الفتح حج قبل أن يهاجر مرارًا ليس فيه تصريح برواية عن حاله بعد الهجرة، فعجيب من مثله إذ ليس بعده إلاَّ حجة الإسلام باتفاق، (فخرج عَِّ من المدينة يوم السبت). قال ابن هشام: واستعمل عليها أبا دجانة الساعدي، ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري (لخمس ليال بقين من ذي القعدة،) كما أخرجه البخاري عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة، (وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت، وتواتر أن وقوفه) عَّهِ (بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر كان يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر) الصحيح عن ابن عباس وعائشة: (أن يكون يوم الجمعة،) لقولهما لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فيبقى من ليلة السبت حتى ليلة الأربعاء خمس ليال، (لكن) يدفع هذا الظاهر؛ أنه (ثبت في الصحيحين عن أنس صلينا مع النبي عَّيِ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فدل) قوله الظهر بالمدينة أربعًا (على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة،) فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم ١٤٥ حجة الوداع ويحمل قول من قال: لخمس بقين، أي إن كان الشهر ثلاثين فاتفق أن جاء تسعا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبها تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير بين الروايات، وقوى هذا الجمع بقول جابر: إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع. وصرح الواقدي بأن خروجه عَّه كان يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة. وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر. وكان دخوله مكة صبح رابعة، كما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها وذلك يوم الأحد. وذلك يؤيد أن خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مکث في الطريق ثمان ليال، السبت، (و) لا يشكل قولهما أن الباقي خمس ليال بأن الباقي أربع، لأنه (يحمل قول من قال: لخمس بقين، أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبها) أي بهذه المقالة، وفي الفتح وبهذا، أي المذكور من الحمل (تتفق الأخبار. (هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير بين الروايات، وقوى) ابن كثير (هذا الجمع بقول جابر:) وهو أحسن الصحابة سياقًا لحديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروجه على من المدينة إلى آخرها، فهو أحفظ لها من غيره (أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع) فتردده فيما بقي يؤيد ذلك الجمع. (وصرح الواقدي بأن خروجه عليه الصلاة والسلام كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة،) وهو مما يقوى الجمع أيضًا، (وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر،) فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر. وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن كلهن تلك الليلة، ثم اغتسل غسلاً ثانيًا لاحرامه غير غسل الجماع الأول. ذكره المصنف في الحجة، (وكان دخوله مكة صبح رابعة) من ذي الحجة، (كما ثبت في حديث عائشة رضي اللَّه عنها، وذلك يوم الأحد، وذلك يؤيد أن خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مكث في الطريق ثمان ليال، ١٤٦ حجة الوداع وهي المسافة الوسطى. وخرج معه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفًا، ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقي. ويأتي الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث في مقصد العبادات إن شاء الله تعالى تكميل. وهي المسافة الوسطى) المتوسطة بين السير الحثيث والسير البطيء، إلى هنا جلبه المصنف من الفتح من أول قوله: فخرج عَّةٍ من المدينة يوم السبت، (وخرج معه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقي،) وهذا كما ترى في عدة من خرج معه، وأما الذين حجوا فأكثر كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي وأبي موسى. وفي حديث أن اللَّه وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة أف إنسان، فإن نقصوا كملهم الله بالملائكة. قال الحافظ في تسديد القوس: هذا الحديث ذكره الغزالي، ولم يخرجه شيخنا العراقي، (ويأتي الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث،) بحسب ما أراد (في مقصد العبادات إن شاء الله تعالى،) وهو السابع إنما ذكر هنا تاريخها ضرورة التزامه الترتيب على السنين، واستطرد لعدم حجه قبلها وعده من حج معه والله أعلم. تكميل ذكر ابن سعد في الوفود أن بني سعد وفدوا وهم تسعة، فبعثهم سرية لعير قريش. وذكر ابن الأثير أن فيهم ميسرة بن مسروق، وأنه لقيه عَّه في حجة الوداع، ولعل المراد لحفظ عير قريش، لأنها إن كانت في ذا التاريخ فقد أسلموا، فلا يبعث لأخذ عيرهم، وعند أحمد عن رعية السحيمي، بكسر الراء، وسكون المهملة وتحتية: أنه مَِّ بعث إليه كتابًا، فرقع به دلوه، فبعث سرية، فلم يدعوا له سارحة، ولا رائحة، ولا أهلاً، ولا مالاً إلا أخذوه وانفلت عريانًا على فرس له، ثم قدم عليه عَِّ مسلمًا وقال: يا رسول اللَّه أهلي ومالي، قال: ((أما مالك فقد قسم وأما أهلك فمن قدرت عليه منهم فخذه). وأهمل المصنف أيضًا كاليعمري سرية جرير بن عبد اللَّه البجلي قبل وفاته عَّه بنحو شهرين إلى ذي الخلصة، بفتح المعجمة واللام بعدها مهملة. وحكى ابن دريد فتح أوله، وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام: ضمهما، وقيل بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أشهر والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم البيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، عن جرير رضي الله عنه، ١٤٧ آخر البعوث النبوية [آخر البعوث النبوية] ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبنى بالشراة ناحية قال لي النبي عَّه: ((ألا تريحني من ذي الخلصة))، فقلت: بلى فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي عَّه، فضرب في صدري، وقال: ((اللهم ثبته واجعله هاديًا مهذبًا، فما وقعت عن فرس بعد، وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة، فانطلق إليها فكسرها وحرقها، ثم بعث إلى رسول اللَّه عَ ليه، فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات، رواه الشيخان، وسمي في رواية مسلم رسول جرير حصين بن ربيعة الأحمسي، ولبعض رواته بين بدل الصاد، وهو تصحيف، وعند الطبراني عن جرير بعثني النبي عَّه إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا لا إله إلاَّ اللَّه، والذي يظهر كما قال الحافظ: أنه غير بعثه إلى هدم الصنم، ويحتمل أنه بعثه إلى الجهتين على الترتيب، ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث جرير أنه عَّه قال له: ((يا جرير أنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة، فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدًا، وقد شهد جرير حجة الوداع، فكأن إرساله كان بعدها فهدمها ثم توجه إلى اليمن ولما رجع بلغته وفاة النبي عَ ليه وحكى المبرد: أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم. ووهم من قال في بلاد فارس وأن تعجب فعجب إيراد الشامي هنا سرية عمرو بن مرة الجهني إلى أبي سفين بن الحرث بن عبد المطلب في مزينة وجهينة، فساروا إلى أبي سفين، فهزم وكثر القتل في أصحابه. رواه ابن عساكر، فإن هذا إن صح، فكانت قبل فتح مكة قطعًا، لأنه أسلم في الفتح، كما مر، فكيف يورد في سنة إحدى عشرة، ولا أعلم كيف خفي عليه ذلك واللَّه أعلم. آخر البعوث النبوية (ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة) الكلبي (رضي الله عنه) وعن أبيه وجده، وثبت في الصحيحين أنه عَّةٍ كان يأخذ أسامة والحسن، فيقول: ((اللهم أحبهما فإني أحبهما))، وفي حديث المخزومية فلم يجسر أحد أن يكلمه عَةٍ فكلمه أسامة. سكن المزة من أعمال دمشق، ومات بالمدينة أو بوادي القرى سنة خمس أو أربع وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة (إلى أهل أبنى،) بضم الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح النون، فألف مقصورة، ويقال بميم بدل الموحدة (بالشراة) بفتح المعجمة، والراء (ناحية،) أي ١٤٨ آخر البعوث النبوية بالبلقاء، وكانت يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة. وهي آخر سرية جهزها النبي صَّه وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد. فلما كان يوم الأربعاء بدىء برسول الله عَّهِ وجعه، فحمّ وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودًا فدفعه إلى بريدة الأسلمي، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب. جبل (بالبلقاء) بفتح الموحدة، وسكون اللام بالقاف والمد ويقصر، (وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة) من الهجرة، أي ابتداء الأمر بها. ففي العيون قالوا: لما كان يوم الإثنين لأربع بقين من صفر سنة إحدى عشرة، أمر عَ لّ الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة، فقال: ((سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحًا على أهل أبني، وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك اللّه، فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك)) ونحوه في الفتح، وزاد (وهي آخر سرية جهزها النبي عَّه، وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق رضي الله عنه))) بمعنى أنفذ تجهيزه، لأنه لما بويع بعد الوفاة النبوية كلم في جيش أسامة، فأبى إلاّ إنفاذه (لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد) أول الأمراء بسرية مؤتة، وهي بالهمز، وتركه من عمل البلقاء بالشام، كما مر فلا تخالف، (فلما كان يوم الأربعاء،) كما عند أهل السير، وبه جزم الحاكم أبو أحمد. وقال الخطابي: يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت (بدىء) بالبناء للمفعول مهموز الآخر، أي ابتدأ (برسول اللَّه عَّ وجعه) نائب الفاعل. قال الحافظ: ابتداؤه في بيت ميمونة على المعتمد، وعند أبي معشر في بيت زينب بنت جحش، وعند التيمي في بيت ريحانة، (فحم) بشد الميم، والبناء للمفعول، (وصدع) بضم الصاد، وكسر الدال المشددة، وبالعين المهملات، أي حصل له صداع، أي وجع في رأسه، وأما المخفف من صدع، فليس مرادًا هنا كأصدع بما تؤمر، (فلما أصبح يوم الخميس) يجوز نصبه ظرفًا رفعه فاعل أصبح كما في الشامي (عقد لأسامة لواء بيده) الشريفة ثم قال: ((أغز بسم اللَّه وفي سبيل اللَّه فقاتل من كفر باللَّه))، (فخرج) أسامة (بلوائه معقودًا فدفعه إلى بريدة) بن الحصيب، بمهملتين مصغر (الأسلمي) الصحابي المسلم قبل بدر المتوفي سنة ثلاث وستين، (وعسكر بالجرف) بضمتين وبضم فسكون، (فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلاَّ ١٤٩ آخر البعوث النبوية فيهم أبو بكر وعمر. فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ فخرج عَّه وقد عصب رأسه وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، انتدب،) أي قام بسرعة، والمراد سرعة الخروج (فيهم أبو بكر، وعمر،) وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان، كما ذكره الواقدي وأخرجه ابن عساكر من طريقه وابن سعد، وأنكر ابن تيمية كون الصديق في السرية واستبعده بأنه استخلف أبا بكر على الصلاة، فكيف يأمره الخروج مع السرية ولا بعد فيه، فإنه أمره قبل مرضه، فلما اشتد مرضه استثناه واستخلفه على الصلاة، ثم الإنكار مكابرة فقد أتته أئمة المغازي وهم المرجوع إليهم في هذا. ومن ثم جزم به الحفاظ كاليعمري ومغلطاي والحافظ في المناقب، وقال هنا وقد ذكر إنكار ابن تيمية مستند من ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي، وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد. وذكره ابن إسحق في آخر السيرة المشهورة ولفظه: فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، فمنهم أبو بكر وعمر ذكر ذلك كله ابن الجوزي في المنتظم جازمًا به انتهى. (فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين) الأولين، وعند ابن إسحق من مرسل عروة وغيره أمر غلامًا حدثًا على جلة المهاجرين والأنصار. قال الحافظ: والذي باشر القول ممن نسب إليهم الطعن في إمارته عياش بن أبي ربيعة المخزومي فكثرت المقالة في ذلك، فسمع عمر بعض ذلك فرده على من تكلم وجاء إلى النبي عَّ له، فأخبره فغضب غضبًا شديدًا، (فخرج عَّة. وقد عصب) بالتشديد، كما اقتصر عليه البرهان وتبعه الشامي، فإن كان رواية وإلاَّ فيخفف أيضًا (رأسه وعليه قطيفة،) كساء له خمل. (فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه) بما هو أهله، (ثم قال: ((أما بعد أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة). وفي رواية في الصحيح قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وأنه أحب الناس إلي، أي الذين طعنوا فيه أو من أحب للرواية الأخرى (ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله). قال الطيبي: هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل السببية والتوبيخ، أي طعنكم الآن فيه سبب، لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجيراهم، ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل نحو قوله: أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. وقال التوربشتي: إنما طعن من طعن في إمارتهما ١٥٠ آخر البعوث النبوية وأيم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم. ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون لأنهما من الموالي والعرب لا ترى تأميرهم وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف. فلما جاء اللّه بالإسلام ورفع قدر من لم يكن عندهم له قدر بالسابقة والهجرة والعلم والتقى عرف حقهم أهل الدين، فأما المرتهنون بالعادة، والممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يختلج في صدورهم شيء من ذلك، لا سيما أهل النفاق، فكانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير، وكان عَّاللّه قد بعث زيدًا على عدة سرايا ومؤتة أعظمها وتحت رايته نجباء الصحابة، (وأيم الله) بهمزة وصل (إن كان) زيد (للإمارة لخليقًا) بخاء معجمة مفتوحة وقاف، أي أهلاً وحقيقًا، فاللام في للإمارة على بابها، لكن الرواية عن أهل المغازي لخليقًا للإمارة بتأخيرها، كما في العيون، وهو الذي في الصحيح لسوابقه وفضله وقربه منه عَّ له. وقد روى النسائي عن عائشة: ما بعث عَِّ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، (وأن ابنه من بعده لخليق) جدير وحقيق، وضمنه معنى أهل، فعداه باللام في (للإمارة) فلا يرد أن خليق يتعدى بالباء، ولذا أمره في مرضه على مشيخة الصحابة وفضلائهم، وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسم أنه من النجابة، أي يمهد الأرض، ويوطئه لمن يلي الأمر بعده لئلا ينزع أحد يدًا من طاعته، وليعلم كل أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها وخفيت معالمها. قاله التوربشتي (وإن) مخففة من الثقيلة (كان) زيد (لمن أحب الناس إلي). زاد في رواية الصحيح وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده فكان حذفها هنا من تصرف الرواة. وفي العيون وأنهما لمخيلان لكل خير، بفتح الميم، وكسر المعجمة وسكون التحتية، أي لمظنة، وهذه القطعة مما أورده أهل المغازي صحيحة. روى الإمام لملك ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: أنه عَّلٌ بعث بعثًا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقام عَّله، فقال: ((أن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم اللَّه إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده (فاستوصوا به خيرًا فإنه من خياركم))،) فيه منقبة ظاهرة لأسامة وأبيه حيث أذاع فضائلهما على المنبر مع تلبسه بالمرض وكونه عاصبًا رأسه وأمره بالوصية لأسامة ونصه لى أنه من الخيار. (ثم نزل عن المنبر، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون ١٥١ آخر البعوث النبوية رسول الله عَّةٍ، ويخرجون إلى العسكر بالجرف. فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله عَّله وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي عَّله مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله، والنبي عَِّ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة. قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى معسكره. ثم دخل يوم رسول اللَّه عَّه، ويخرجون إلى العسكر،) وهو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة من قريش، كما عند الواقدي. وعنده أيضًا عن أبي هريرة كانت عدة الجيش سبعمائة ولا تنافي، فلعله اقتصر على القرشيين (بالجرف) موضع على فرسخ من المدينة، كما عند ابن إسحق. (فلما كان يوم الأحد اشتد برسول اللَّه ◌َ﴾. وجعه). قال أهل المغازي فجعل يقول: «انقذوا بعث أسامة، (فدخل أسامة من معسكره والنبي عَّ مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه) بدال مهملة قال الحافظ: أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وعند الطبراني عن العباس: أنهم أذابوا القسط، أي العود الهندي بزيت فلدوه به، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فلما أفاق قال: كنتم ترون أن اللَّه يسلط علي ذات الجنب ما كان اللَّه ليجعل لها علي سلطانًا واللَّه لا يبقى أحد في البيت إلا لد، فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة. أخرجه ابن سعد عن عائشة وعبد الرزاق بسند صحيح عن أسماء بنت عميس نحوه وفيه ضعف ما رواه أبو يعلى بسند فيه ابن لهيعة عن عائشة رضي الله عنها: أنه معَّه مات من ذات الجنب لكن يمكن الجمع بأنها تطلق على ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن وهو المنفي هنا. وفي المستدرك ذات الجنب من الشيطان وعلى ريح بين الأضلاع، وهو المثبت ولا محذور فيه وإنما لدهم تأديبًا لئلا يعودوا لا قصاصًا ولا انتقامًا. وأنكر التداوي مع أنه كان يتداوى، لأنه غير ملائم له إذ هو ملائم لذات الجنب وليست به انتهى, ملخصًا، وفي الصحيح عن عائشة لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ((ألم أنهكم أن تلدوني))، قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: ((لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا)، انظر إلاّ العباس لم يشهدكم، (فطأطأ) بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى، وهمزة مفتوحة بعد الثانية (أسامة فقبله والنبي عٍَّ لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة إلى معسكره، ثم دخل) أسامة (يوم ١٥٢ آخر البعوث النبوية الإثنين وأصبح عَّ لِ مفيقا، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل. فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله عَ ليه يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة. فتوفي عليه الصلاة والسلام حين زاغت الشمس. لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. واستشكله السهيلي ومن تبعه، وذلك: أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة: توامّ أو نواقص، أو بعضها، لم یصح. قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر لمن تأمله. الاثنين وأصبح عَِّ مفيقًا،) فقال لأسامة: ((اغد على بركة اللَّه))، (فودعه أسامة، وخرج إلى معسكره،) وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، (فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن). قال البرهان: لا أعرف اسمه (قد جاءه يقول إن رسول اللَّه عَّ يموت، فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة،) فانتهوا إليه وهو يموت، (فتوفي عليه الصلاة والسلام حين زاغت) مالت (الشمس) وذلك عند الزوال. وفي الصحيح: وتوفي في آخر ذلك اليوم. قال الحافظ وهو يخدش في جزم ابن إسحق: بأنه مات حين اشتد الضحى، ويجمع بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس. وقد جزم ابن عقبة، عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحق والجمهور وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحق والجمهور أنه مات (لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول،) وعند ابن عقبة والليث والخوارزمي وابن زير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه في الروض (واستشكله،) أي قوله: لاثنتي عشرة ليلة (السهيلي ومن تبعه. و) قال في بيان (ذلك) ما حاصله: (أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوّله يوم الخميس) للإجماع أن وقفة عرفة كانت الجمعة، (فمهما فرضت الشهور الثلاثة) الحجة ومحرم وصفر، (توأم أو نواقص) كلها، (أو) فرضت (بعضها) تامًا وبعضها ناقصًا (لم يصح) أن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين. (قال الحافظ ابن حجر: وهو) إشكال (ظاهر لمن تأمله.) ولفظ السهيلي فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت فإن كان الجمعة فكان صفر إما السبت، وإما الأحد، فإن كان السبت ١٥٣ آخر البعوث النبوية وأجاب البارزي ثم ابن كثير: باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها. وكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الإثنين وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشرة يوم الإثنين. قال: وهذا الجواب بعيد، من حيث أنه يلزم منه توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليلمن التيمي أحد الثقات: بأن ابتداء مرضه عَّه كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. فعلى هذا يكون صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين. فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية. فأول ربيع الأحد أو الاثنين. وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن ثاني عشر ربيع يوم الاثنين بوجه ولم أر أحدًا تفطن له. (وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل فكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلاَّ ليلة الجمعة فحصلت.) وفي نسخة فجعلت (الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها) المدينة، (فكان أول ذي الحجة، الجمعة) على رؤية المدينة، (وآخره السبت وأوّل المحرم الأحد، وآخره الاثنين وأوّل صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء وأوَّل ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين). (قال) الحافظ: (وهذا الجواب بعيد من حيث) وفي نسخة من جهة (أنه يلزم منه توالي أربعة أشهر) بعد ذي القعدة أوَّلها (كوامل،) وهو ممتنع عند جماعة من علماء الميقات، وصوب آخرون أن الممتنع توالي خمسة، (وقد جزم سليمن التيمي أحد الثقات بأن ابتداء مرضه عليه. كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا يكون صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أوَّل صفر السبت إلا أن يكون ذو الحجة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية) وهي غاية ما يتوالى. قال الحافظ عقب هذا: وأما من قال مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصان، وواحد كاملاً، ولذا رجحه السهيلي، وفي مغازي أبي معشر عن محمد بن قيس: اشتكى عَّه يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهو موافق لقول سليمن التيمي المتقدم بأن أول ١٥٤ آخر البعوث النبوية قال: والمعتمد ما قاله أبو مخنف: أنه توفي في ثاني ربيع الأول. وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار: ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضًا من غير تأمل. انتهى. ثم إن وفاته عليه الصلاة والسلام يوم الإثنين من ربيع الأول بلا خلاف. بل كاد يكون إجماعاً لكن في حديث ابن مسعود: في حادي عشر رمضان رواه البزار. والمعتمد ما تقدم، والله أعلم. انتهى. وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير. صفر كان السبت. وما عند ابن سعد من طريق عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: اشتكى عَّ له يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، فيرد عليه الإشكال المتقدم، وكيف يصح أن أول صفر الأربعاء، ليكون تاسع عشريه الأربعاء والفرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فرض هو والمحرم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء. (قال) الحافظ تلو هذا، (والمعتمد ما قاله أبو مخنف) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح النون، ثم فاء لوط بن يحيى الإخباري الشيعي، قال في الميزان وغيره: كذاب تالف متروك، وفي القاموس وكمنبر أبو مخنف، وسقطت أداة الكنية من الشيخ، فتوقف في أنه المراد، وظنهما رجلين ولا كذلك، وقد وافقه ابن الكلبي على (أنه توفي في ثاني ربيع الأول، وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك) للناقل عمن غيرها (يتبع بعضهم بعضًا من غير تأمل.) وأجاب البدر بن جماعة بحمل قول الجمهور لإثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في الثالث عشر، وتفرض الشهور كوامل، فيصح ويعكر عليه ما عكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة، أهل اللسان في الاثنتي عشرة، فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي، ويكون ما أرخ بذلك واقعًا في اليوم الثاني عشر (انتهى) كلام الفتح. وقال قبله (ثم إن وفاته عليه الصلاة والسلام في يوم الاثنين،) كما ثبت في الصحيح عن أنس، ورواه ابن سعد بأسانيده عن عائشة، وعلي وسعد وعروة وابن المسيب وابن شهاب وغيرهم، (من ربيع الأول بلا خلاف) كما قال ابن عبد البر، (بل كاد يكون إجماعًا، لكن في حديث ابن مسعود في حادي عشر رمضان رواه البزار والمعتمد ما تقدم) أنه في ربيع الأول (والله أعلم انتهى.) ودفن ليلة الأربعاء على المشهور عند الجمهور، وقيل يوم الثلاثاء، وهو غريب، قاله ابن كثير، (وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء اللَّه تعالى في المقصد الأخير،) ١٥٥ آخر البعوث النبوية ولما توفي عَّ دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة معقودًا حتى أتى به باب رسول الله عَّله فغرزه عند بابه. فلما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول، وخرج أسامة هلال ربيع الآخر سنة إحدى عشرة إلى أهل أبنى، فشن عليهم الغارة، فقتل من أشرف له، وسبى من قدر عليه، وحرق منازلهم ونخلهم، وقتل قاتل أبيه في الغارة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يصب أحد من المسلمين. وإنما ذكر هنا تاريخه، (ولما توفي عَّ دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة معقودًا حتى أتى به باب رسول اللَّه عَّرِ فغرزه عند بابه، فلما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول،) وأمر أبو بكر مناديًا لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول اللّه عَّه، فإني لن أوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلاَّ ألحقته به ماشيًا، فلم يتخلف عنه أحد. ومشى أبو بكر إلى بيت أسامة، فكلمه أن يأذن لعمر في التخلف ففعل. (وخرج أسامة هلال ربيع الآخر سنة إحدى عشرة) في جيشه ثلاثة آلاف، كما مر وفيهم ألف فارس. وخرج أبو بكر يشيعه، فركب من الجرف، وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة، وقال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول اللّه عَّ. يوصيك فانفذ لأمره، فأسرع (إلى أهل ابني)، فقدم عينًا له من عذرة يدعى حريثًا فانتهى إلى أبنى ثم عاد، فلقي أسامة على ليلتين منها، فأخبره أنهم غارون، ولا جموع لهم، وحثه على سرعة السير قبل اجتماعهم، فسار إلى أبنى وعبى أصحابه، (فشن عليهم الغارة فقتل من أشرف له، وسبي من قدر عليه وحرق منازلهم ونخلهم). زاد اليعمري وحرثهم وأجال الخيل في عرصاتهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبية ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة، أي بفتح المهملة وسكون الموحدة، (وقتل قاتل أبيه) ظاهر السياق بناؤه للفاعل، لكن قرأه البرهان بالمفعول، فقال: لا أعرف اسم قاتله، وكأنه لقوله (في الغارة،) وأيضًا لو قرىء بالفاعل لا يعين أن قاتله أسامة لما علم أن الإسناد إلى الأمير مجاز. زاد اليعمري وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهمًا وأخذ لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، (ثم) أسرع السير فورد وادي القرى في تسع ليال فبعث بشيرًا إلى المدينة بسلامتهم، ثم قصد في السير فسار ستًا حتى (رجع إلى المدينة. ولم يصب أحد من المسلمین). ١٥٦ آخر البعوث النبوية وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورًا. والله أعلم. فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه نحو سبع وعشرين. المقصد الثاني: في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة. وذكر أولاده الكرام الطاهرين. وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين. وأعمامه وعماته وإخوته من الرضاعة وجداته. وخدمه ومواليه وحرسه. وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام بالشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام. ومؤذنیه (وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورًا) بسلامتهم. زاد اليعمري: ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة حتى انتهى إلى باب المسجد، فدخل فصلى ركعتين، ثم انصرف إلى بيته، وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة، فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم يزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر، (والله أعلم. فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون). وفي الفتح: أن السرايا، أي وأراد بها ما يشمل البعوث تقرب من سبعين، وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال: انتهى. والله أعلم. (المقصد الثاني في ذكر أسمائه الشريفة،) وشرح بعضها (المنبئة) المخبرة (عن كمال صفاته المنيفة) الزائدة في الكمال على غيرها من انافت الدراهم على مائة زادت، (وذكر أولاده الكرام الطاهرين) صفتان كاشفتان وأولاد شامل للإناث، فالطاهرين تغليب، وهذان فصلان، (و) الثالث في (أزواجه الطاهرات) صفة لازمة (أمهات المؤمنين،) ويأتي فيه: هل يقال لهن أمهات المؤمنات في نفس المتن وفيه ذكر سراريه، (و) الرابع في (أعمامه وعماته وإخوته) فيه تغليب كقوله تعالى: وإن كان له أخوة، إذ المراد ما يشمل الإناث (من الرضاعة) قيد به، لأنه لا أخوة له من النسب. وقد صرح العلماء بأن أبويه لم يلدا غيره، (وجداته) من قبل أبويه. (و) الخامس في (خدمه) جمع خادم غلامًا كان أو جارية، وبالهاء فيها لغة قليلة (ومواليه وحرسه. و) السادس في (كتابه) جمع كاتب، (وكتبه) جمع كتاب (إلى أهل الإسلام) في الشرائع والأحكام، (ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام)، وفيه ذكر أمرائه ورسله. (و) السابع في (مؤذنيه) ١٥٧ في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة وخطبائه وحداته وشعرائه. وآلات حروبه. ودوابه. والوافدين إليه عليه. وفيه عشرة فصول. الفصل الأول في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة إعلم أن الأسماء جمع اسم، وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمى، متى أطلقت فهم منها ذلك المسمى، فعلى هذا لا بد من مراعاة أربعة أشياء: الإسم والمسمى - بفتح الميم والمسمي - بكسرها - وخطبائه وحداته) جمع حاد (وشعرائه. و) الثامن في (آلات حروبه، و) التاسع في (دوابه. و) العاشر في ذكر (الوافدين عليه عَّةٍ وفيه عشرة فصول). (الفصل الأول في ذكر أسمائه الشريفة،) أي التي وقف عليها، وهي أكثر من أربعمائة، فلا يرد عليه أن الجمع المضاف يفيد العموم، وقد نقل ابن العربي: أنها ألف، لأن مراده عمومًا مقيد بما رآه بقرينة كلامه بعد (المنبئة) صفة لازمة إذ هي كلها دالة (على كمال صفاته المنيفة) الزائدة شرفًا على غيرها، فليس المراد أنه يذكر ما دل على الكمال دون غيره، وإنما دلت على ذلك لأن مفاهيمها كملها تدل على معان شريفة، ولذا قال ابن القيم: أن محمد علم وصفة في حقه عٍَّ وإن كان علمًا محضًا في حق غيره. وهذا شأن أسمائه كأسماء اللَّه اعلام دالة على معان هي أوصاف مدح، فلا تضاد فيها العلمية الوصفية، ولما كانت الأسماء قوالب المعاني ودالة عليها اقتضت المحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثير في أسمائها في الحسن، والقبح، والثقل، واللطافة والكثافة كما قيل: وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه (إعلم أن الأسماء جمع اسم، وهو) لغة (كلمة وضعتها العرب بإزاء) مقابل (مسمى متى أُطلقت فهم منها ذلك المسمى) فشمل الأفعال لفهم معانيها إذا أطلقت وإن كانت الأسماء الشريفة كلها اصطلاحية وفيه مسامحة، لأن أسماء اللَّه تعالى هو الواضع لها اتفاقًا كأسماء الأجناس على الراجح، وقيل العرب. وأسماء الأشخاص من وضعها عربيًا كان أو غيره فهو قاصر على أسماء الأجناس مع المشي على الضعيف، (فعلى هذا لا بد في تحقق الأسم ووجوده (من مراعاة أربعة أشياء الإسم والمسمى، بفتح الميم، والمسمي بكسرها) مخففة ومثقلة فيهما من ١٥٨ في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة والتسمية، فالإسم: هو اللفظ الموضوع على الذات لتعريفها أو تخصيصها عن غیرها کلفظ: زید. والمسمَّى: هو الذات المقصود تمییزها بالاسم، کشخص زید. والمسمِّي: هو الواضع لذلك اللفظ. والتسمية: هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات. والواضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق أو أُحِسَّ فهم منه ذلك المعنى. واختلفوا هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ وهي مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديمًا وحديثًا. فذهب قوم إلى أن الاسم عين المسمَّى. اسميته وسميته وهما بمعنى كما في القاموس. (والتسمية فالاسم هو اللفظ الموضوع على الذات) أراد بها ما دل عليه اللفظ فلا ينافي ما فوقه في تعريف الاسم (لتعريفها) كأسمائه سبحانه، فإن مدلولها وهو الذات لا يلتبس بغيره حتى يراد تمييزه، فالمراد منها تعريف عباده به تعالى (أو تخصيصها) أي تمييزها (عن غيرها كلفظ زيد) وغيره من أسماء المخلوقات، فإن المقصود تمييزها عن مشاركها في الوجود قال شيخنا: ويحتمل أنه أراد بالتعريف الاشارة إلى الاعلام الشخصية فإنها تشخص مسمياتها وبالتخصيص الاشارة إلى النكرات، فيكون قوله كلفظ زيد مثالاً للأول لا الثاني، (والمسمى هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد) أراد بالذات المسمى جوهرًا كمسمى زيد أو عرضا كمسمى البياض وفي القاموس: الاسم اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض للتمييز (والمسمي هو الواضع لذلك اللفظ،) فالواضع الأسماء اللَّه وأسماء الأجناس هو اللَّه تعالى ولإعلام الأشخاص البشر كما مر، (والتسمية هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات) مصدر اختصصته بكذا إذا خصصته به، فهي عبارة عن جعل الواضع الاسم دالاً على المسمى، (والواضع تخصيص لفظ، بمعنى إذا أطلق) كالألفاظ الموضوعة (أو أحس) كالنقوش الدالة عليها، فإذا تصورت انتقل منها إلى الألفاظ ثم منها إلى معانيها (فهم منه ذلك المعنى) للعالم، بالوضع فلا يرد أنه غير جامع لأن كثيرًا ما تطلق الألفاظ، ولا يفهم الواقف عليها معناها، لأنه لعدم علمه بالوضع فهو شرط للفهم لا للدلالة لأنها دالة في نفسها، (واختلفوا) في جواب قول السائل: (هل الاسم عين المسمى أو غيره، وهي مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديمًا وحديثًا، فذهب قوم إلى أن الاسم عين المسمى). ١٥٩ في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى/ ١]، والتسبيح إنما هو للرب جل وعلا، فدل على أن اسمه هو هو. وأجيب، بأنه أشرب معنى سبح (اذكر)) فكأنه قال: اذكر اسم ربك الأعلى، كقوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً﴾ [الإنسان/ ٢٥]، وقد أشرب معنى اذكر ((سبح))، عكس الأول. قال تعالى: ﴿واذكر ربك﴾ [آل عمران/ ٤١]، أي سبح ربك، والإشراب جار في لغتهم، يشربون معنى فعل فعلاً. واستشکل قال القرطبي وهو قول أبي عبيدة وسيبويه وعزاه الباقلاني لأهل الحق وارتضاه ابن فورك، فإِذا قيل: اللَّه عالم، فالله علم على الذات الموصوفة بالعلم، فالاسم بكونه عالما هو المسمى بعينه انتهى. وقد ترجم البخاري في كتاب التوحيد باب السؤال بأسماء اللَّه والاستعاذة بها. وروي فيه حديث: ((إذا جاء أحدكم إلى فراشه، فلينفضه ثلاث مرات، وليقل باسم ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه إن أمسكت نفسي، فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)). قال ابن بطال مقصود البخاري بهذه الترجمة تصحيح الدليل بأن الاسم هو المسمى، ولذلك صحت الاستعاذة والاستعانة، يظهر ذلك في قوله ((باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه)) فأضاف الوضع إلى الاسم والرفع إلى الذات، فدل على أن الاسم هو الذات وقد استعان وضعًا ورفعًا لا باللفظ انتهى. (واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿سبح باسم ربك الأعلى﴾) [الأعلى: ١] الآية، (والتسبيح إنما هو للرب جل وعلا، فدل على أن اسمه هو،) أي الاسم (هو) أي المسمى، أي على أن الاسم هو الذات (وأجيب بأنه اشرب) بالبناء للمجهول (معنى سبح اذكر،) أي استعمل بمعناه كما يفهمه قوله، (فكأنه قال اذكر اسم ربك الأعلى كقوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا﴾ [الإنسان: ٢٥]، والمشهور في مثله ،له تضمين، وهو أن يؤخذ اسم فاعل من معنى اللفظ الذي أريد، ويجعل حالا من فاعل الفعل المذكور فيقدر هنا مثلا سبح ذاكراً اسم ربك، (وقد أُشرب معنى اذكر سبح عكس الأول،) كما (قال تعالى: ﴿واذكر ربك﴾) [آل عمران: ٤١]، (أي سبح ربك) فهو مثال لاستعمال اذكر بمعنى سبح فالأوضح أن يقول كقوله تعالى، يعني أنهما تقارضا فاستعمل كل منهما موضع الآخر. (والاشراب جار في لغتهم يشربون معنى فعل فعلا،) ومنه الآية ويرد بأنه مجاز بلا قرينة، والاستدلال إنما هو على الحقيقة التي هي الأصل ولا يعدل عنها بلا قرينة (واستشكل) ضمن معنى أورد، لأنه يتعدى بعلى فعداه ١٦٠ في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة على معنى كونه هو المسمى إضافته إليه، فإنه يلزم منه إضافة الشىء إلى نفسه. وأجيب: بأن الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسمية غير الاسم، لأن التسمية هي اللفظ بالاسم، والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا. واحتج من قال أن الاسم عين المسمى أيضًا بقوله تعالى: ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ [مريم/ ٧]، ثم قال: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ [مريم/ ١٢]، فنادى الاسم فدل على أنه المسمى. وجوابه أن المعنى: يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى، ولو كان الاسم عين المسمى لكان من قال: النار احترق لسانه، ومن قال: العسل ذاق حلاوته. بها في قوله (على معنى كونه،) أي الاسم (هو المسمى) أي عينه ونائب الفاعل (إضافته إليه، فإنه يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه) في سبح اسم ربك أولا تضمين فمعناه عد ملتبسًا إذ الإشكال الإلتباس، كما في القاموس فكأنه قال عدت إضافة الاسم إلى المسمى مشكلة بناء على أنه عين المسمى وفيه تعسف، (وأجيب بأن الاسم هنا بمعنى التسمية والتسمية غير الاسم، لأن التسمية هي اللفظ) أي التلفظ بدليل قوله (بالاسم والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا.) قال شيخنا فيه: أن التسمية بهذا المعنى مصدر، فهي عبارة عن النطق بالاسم والنطق لا يتعلق به الذكر فالأولى في الجواب أن يراد بالتسمية نفسه اللفظ، فيكون معنى سبح اسم ربك اذكر المعنى الذي هو الذات باللفظ، الدال عليه، والإضافة بيانية انتهى. وقد أجيب أيضًا كما في شرح المقاصد بأن معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يسمى به الغير، أو عن أن يفسر بما لا يليق أو يذكر على غير وجه التعظيم، أو هو كناية عن تسبيح الذات، كقوله سلام على المجلس الشريف والجانب المنيف، وفيه من التعظيم ما لا يخفى أو لفظ اسم مقحم كقوله إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما (واحتج من قال: ان الاسم عين المسمى أيضًا بقوله تعالى: ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ ثم قال: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ فنادى الاسم فدل على أنه المسمى)، لأن النداء هو طلب الإقبال من المنادى والإقبال لا يكون من اللفظ، وانما يكون من مسماه، (وجوابه أن المعنى يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى و) ذهب المتأخرون إلى أن الاسم مغاير للمسمى وبعضهم صححه، واحتجوا بأن (لو كان الاسم عين المسمى لكان من قال النار احترق لسانه، ومن قال العسل ذاق حلاوته) والواقع خلافه. ورد بأن الاسم هنا اللفظ، ولا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يطلق، ويراد به غيره، فلا يلزم ما ذكر قال بعض المحققين: ليس مراد القائل أن الاسم عين المسمى أن اللفظ الذي هو