Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
ثم غزوة تبوك
وجب الشكر علينا ما دعا للَّه داع
وقد وهم بعض الرواة - كما قدمته- وقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة،
وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة
إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام - كما قدمت ذلك -.
(وجب الشكر علينا ما دعا للَّه داع)
وبعدهما فیما یروى:
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
(وقد وهم بعض الرواة،) وهو عبيد الله بن محمد، المعروف بابن عائشة، (كما قدمته) في
الهجرة، (وقال: إنما كان هذا) الشعر (عند مقدمه المدينة)، لما هاجر من مكة، بمعنى أنه روى ذلك
في الهجرة، كما مر عن رواية البيهقي وغيره، لا أنه حصر، كما أفهمه، (وهو وهم ظاهر، لأن
ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلاَّ إذا
توجه إلى الشام، كما قدمت ذلك) في الهجرة، وقدم ثمة أن الولي العراقي، قال: يحتمل أن
الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع، وقدمت أن هذا يؤيده جمع
الثنيات إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة
عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا يحكم بغلط ابن عائشة، لأنه ثقة، وتقدم جمع آخر،
وفي البخاري وغيره عن السائب بن يزيد: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي عَّه إلى
ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك، ووقع هنا في فتح الباري ما لفظه.
أنكر الداودي هذا، وتبعه ابن القيم، وقال: ثنية الوداع من جهة مكة، لا من جهة تبوك، بل
هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال: إلاّ أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، والثنية
ما ارتفع من الأرض، وقيل الطريق في الجبل، قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون
خروج المسافر من جهتها، وهذا واضح، كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى،
وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخلعيات قول النسوة، لما قدم
النبي عليه المدينة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك انتهى. فليتأمل، فإن هذا عكس النقل عن ابن القيم
السابق في المصنف الذي بنى عليه هنا، وقد، قال في الفتح نفسه في الهجرة ما لفظه أخرج
أبو سعد في شرف المصطفى، ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعًا،

١٠٢
ثم غزوة تبوك
وفي البخاري: لما رجع عٍَّ من غزوة تبوك فدنا من المدينة، قال: إن
بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر وهذا
يؤيد معنى ما ورد: نية المؤمن خير من عمله، فإن نية هؤلاء خير،
لما وصل النبي عَّ المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا، البيتين، وهو سند معضل، ولعل
ذلك في قدومه من غزوة تبوك انتهى.
(وفي البخاري) هنا وقبله في الجهاد عن أنس (لما رجع عَُّلّ من غزوة تبوك، فدنا)
قرب (من المدينة،) عطف على رجع وجواب، لما، (قال: ((إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا،)
مصدر ميمي، بمعنى السير، أي الذهاب، (ولا قطعتم واديًا،) قال البيضاوي: هو كل منفرج ينفرج
فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال، فشاع بمعنى الأرض (إلاّ كانوا معكم) بالقلوب والنيات،
وللإسماعيلي إلاَّ وهم معكم فيه بالنية، ولأحمد وأبي داود، لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من
مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلاّ وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف
يكونون معنا وهم بالمدينة، قال: ((حبسهم العذر))، ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر إلاّ
شركوكم في الأجر، بدل قوله: إلاّ كانوا معكم، وأسقط من البخاري، قالوا: يا رسول اللَّه وهم
بالمدينة، قال: ((وهم بالمدينة (حبسهم العذر) عن الغزو معكم)).
قال الحافظ: هو الوصف الطارىء على المكلف المناسب للتسهيل عليه، والمراد به ما
هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، وفي مسلم عن جابر بلفظ حبسهم المرض،
وكأنه محمول على الأغلب اهـ
قولهم: وهم بالمدينة استفهام تعجبي لرواية كيف، أي أيكونون معنا ثوابًا، وكان المصنف
أسقطها، لأن الفائدة، وهي التحريض على النيات الصالحة حاصل بدونها.
قال المهلب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير
أولى الضرر﴾ [النساء: ٩٥]، فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين، ثم استثنى أولى الضرر
من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين.
(وهذا) الحديث الصحيح (يؤيد معنى ما روى) عند الطبراني، عن سهل بن سعد والعسكري
عن النواس بن سمعان، والديلمي عن أبي موسى، كلهم مرفوعًا بلفظ (نية المؤمن خير من عمله).
ورواه البيهقي وغيره عن أنس بلفظ ابلغ وكلها ضعيفة، ولذا مرضه لكن بمجموعها يتقوى
الحديث، كما أفاده شيخ السخاوي، ويأتي بسطه إن شاء اللّه تعالى في المقصد الثالث، حيث
ذكره المصنف ثمة في الكلام الموجز لم يسبق إليه وبين وجه التأييد بقوله: (فإن نية هؤلاء خير

١٠٣
ثم غزوة تبوك
من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في
بيوتهم. والمسابقة إلى الله تعالى وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد
الأعمال.
ولما أشرف مَِّ على المدينة قال: هذه طابة وهذا أحد، جبل يحبنا
ونحبه.
من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في بيوتهم،)
فشاركوهم في الثواب، وزادوا راحة الأبدان والمعية والصحبة الحقيقية، إنما هي بالسير بالروح،
لا بمجرد البدن، وقصد المصنف بهذا دفع ما عساه، يقال: غاية ما أفاده الحديث المشاركة، أما
الزيادة المستفادة من أفعل التفضيل، فلائم لضعفه جعله مؤيدًا اسم مفعول بحديث الصحيح،
لا مؤيدًا اسم فاعل، فلم يقل هذا يؤيده (والمسابقة إلى الله تعالى،) وفسر معناها، فقال: (وإلى
الدرجات العلا بالنيات والهمم، لا بمجرد الأعمال).
قال شيخنا: استئناف بياني في جواب سؤال تقديره، وكيف نالوا ذلك مع راحة أبدانهم،
وعدم المجاهدة، وكان الظاهر أن، يقال: إن عذرهم أسقط مؤاخذتهم بالتخلف، وكيف يحصل
الثواب على شىء ما فعلوه، والجواب ظاهر مما ذكره انتهى.
(ولما أشرف عَّ) كما رواه الشيخان وغيرهما، عن أبي حميد الساعدي، قال: اقبلنا مع
النبي عَّه من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا (على المدينة، قال: ((هذه طابة) بألف بعد الطاء، وفتح
الموحدة سماها اللَّه به، كما رواه مسلم مرفوعًا مشتق من الطيب، كطيبة لطيب هوائها وترابها،
وساکنها وطيب العيش بها.
قال ابن بطال: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، لا توجد في غيرها.
زاد ابن أبي شيبة أسكننيها ربي تنفي خبث أهلها، كما ينفي الكير خبث الحديد، بفتح
المعجمة، والموحدة، فمثلثة وسخه الذي يخرجه، والمراد أنها، لا تترك فيها من في قلبه دغل،
بل تخرجه، كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسب للكير؛ لكونه السبب الأكبر في
إشعال النار التي يقع بها، ذلك.
وروى خبث، بضم فسكون، ورجح الأول لمناسبة الكير، وقيل غير ذلك، وقد بلغت
أسماؤها خمسًا وتسعين، وكثرة الأسماء آية شرف المسمى، (وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه)))
حقيقة على الصحيح، ولا مانع منه بأن يخلق له المحبة في بعض الجمادات، كتسبيح الحصا
وحنين الجذع، وقيل: هو مجاز، والمراد أهله نحو: ﴿واسألة القرية﴾ [يوسف/٨٢] وقال الشاعر:

١٠٤
ثم غزوة تبوك
ولما دخل قال العباس يا رسول الله، ائدن لي أمتدحك قال: قل لا يف الله
فاك، فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرًا.
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار!
ومر له مزيد في غزوة أحد، (ولما دخل) المدينة في رمضان عند ابن سعد، وتبعه
مغلطاي، وقال بعضهم في شعبان: وبدا بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، كما في
حديث كعب بن لملك في الصحيح.
(قال العباس:) بن عبد المطلب، كما رواه الطبراني وغيره: (يا رسول اللَّه) إني أريد أن
امتدحك، (أتأذن لي) في أن (أُمتدحك، قال: ((قل لا يف اللّه فاك))،) لا للدعاء، فالفعل مجزوم
حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، أو نافية خبر بمعنى الدعاء، فهو مرفوع، والمراد الدعاء له بصيانة
فيه عن كل خلل، لا عن نثر الأسنان فقط، (فقال من قبلها:) أي الأرض، أو الدنيا أو الولادة
(طبت) كنت طيبًا، (في الظلال،) أي، لا ظلال الجنة في صلب ءادم (وفي مستودع) بفتح
الدال، الموضع الذي كان ءادم وحواء به في الجنة، أو صلب عادم، أو الرحم وليس بشىء، لأنه
لم ينتقل للرحم حتى حملت بجده شيث بعد هبوطها بمدة مديدة، (حيث يخصف،) يلزق
(الورق،) فبنى للمفعول للعلم به، وطفقا يخصفان، (ثم هبطت) نزلت في صلب ءادم (البلاد) الأرض
سماها بلادًا باعتبار الأول إذ لم يكن حينئذ بلاد، ولا قرى، (لا بشر أنت ولا مضغة) قطعة
لحم قدر المضغ، (ولا علق) دم جامد لو صب عليه الماء الحار لم يذب، والمراد نفي جنس العلق
على نحو قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ٢]، فلا يرد أن أصل الآدمي علقة واحدة، أو
أطلق على كل جزء من الدم الذي هو أصل الإنسان علقة مجازًا، فجمع، أو هو مرخم علقة، وإن
كان في غير النداء قليلاً، لا للتعظيم، كما زعم، لأنه منفي، (بل نطفة) مستقرة في صلب سام بن
نوح بعد انتقالها من نوح فمن ولده إلى عادم، ولذا صح إطلاقها عليه وإلاَّ فلم تكن تكونت حينئذ.
وفي رواية: بل حجة، وفيه ما فيه من التعظيم والهروب من لفظ نطفة (تركب السفين)
اسم جنس لسفينة، أي سفينة نوح، وجمع لضرورة الشعر، أو هو مفرد مرخم، (وقد ألجم نسرًا)
أحد الأصنام التي عبدها قوم نوح.
ذكر ابن جرير الطبري أن نسرا وودا ويعوق ويغوث كانوا أبناء سواع بن شيث بن ءادم،
فلما هلك صورت صورته لدينه وما عهدوه في دعائه من الإجابة، فلما مات أولاده صورت

١٠٥
ثم غزوة تبوك
وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق
في صلبه أنت كيف يحترق
وردت نار الخليل مكتتما
حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ نور وسبل الرشاد نخترق
صورهم كذلك لتذكير أفعالهم الصالحة فلم يزالوا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء
آباؤنا إلاَّ، لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة وعبدوها، نقله في الروض: فما وقع في بعض
العبارات أنها أسماء خمسة بنين لآدم، أي بواسطة، لا لصلبه، (وأهله) عباده سماهم لذلك أهله
(الغرق) الذي عم الكفار زمن نوح (تنقل من صالب،) أي صلب بضم فتكون وتضم لامه اتباعًا،
كما في المصباح، وهو ظهر الرجل (إلى رحم،) بفتح الراء، وكسر الحاء موضع تكوين الولد
(إذا مضى عالم) أنت فيه بواسطة من كنت في صلبه، (بدا) ظهر (طبق) عالم آخر تكون فيه
بانتقالك من أصل إلى فرع، أو إذا مضى قرن ظهر آخر، سمي القرن طبقًا، لأنهم طبق للأرض،
أي يغطونها، ثم ينقرضون.
قال أبو عبيد، يقال: مضى طبق، وجاء طبق، أي مضى عالم، وجاء عالم (وردت) بلغت
ودخلت (نار الخليل) إِبراهيم عليه الصلاة والسلام، أضافها إليها لكونها أوقدت لأجله، حال
كونك (مكتتمًا،) مخفيًا (في صلبه) ظهره (أنت) توكيد للضمير في وردت (كيف يحترق)
استفهام بمعنى النفي، أي، لا يحترق ببركتك، وأنت في صلبه وعبر بالورود، مع أنه لغة الوصول،
بلا دخول إشارة إلى أنه لم يصبه منها شىء، وإن دخلها فكأنه لم يدخلها (حتى احتوى بيتك
المهيمن،) اسم فاعل من هيمن، أي المحفوظ من كل نقص، (من خندف علياء تحتها النطق)
يأتي شرحه (وأنت لما ولدت).
ويروى لما ظهرت (أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق) بضم الهمزة، والفاء وتسكن
الناحية جمعه آفاق مذكر أنثه على تأويله بالناحية، فراعى معناه، لا لفظه، (فنحن) الآن (في ذلك
الضياء) نهتدي به إلى ما فيه السعادة الأبدية.
(وفي النور وسبل الرشاد نخترق،) هكذا في النسخ الصحيحة، وهي الرواية، وكذا أنشده
المصنف في المولد، ويقع في نسخة:
فنحن في ذلك الضياء وفي مستودع حيث يخصف الورق
وفصاحة العباس تأبى هذا، وإن أمكن توجيهه؛ بأن المراد بمنزلة الكائنين فيها لقوة إيماننا

١٠٦
ثم غزوة تبوك
وقوله: من قبلها طبت الخ: أي ظلال الجنة، أي كنت طيبا في صلب ءادم
حيث كان في الجنة.
وقوله: من قبلها: أي قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر
لبيان المعنى.
وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أي لما أهبط الله عادم إلى الدنيا، كنت
في صلبه غير بالغ هذه الأشياء.
وقوله: وقد ألجم نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح
وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [نوح: ٢٣].
بواسطة ما أفيض علينا، وبأن المراد، ونحن نكون في الجنة يوم القيامة، جزاء لأتباعك، ويقع في
بعض النسخ زيادة أبيات هي:
وعاليًا قدرك الرفيع وفي معناك حسنًا يميله النسق
فذا تثنيك والقوام إذا غصنًا رطيبًا قوامك الرشق
ووجهك البدر أن يضيء ومن شعر لك الليل يحلك الغسق
أضاء منك الوجود نور سنا وفاح مسكًا ونشرك العبق
وكأنها مصنوعة وليس عليها رونق شعره، (وقوله: من قبلها طبت إلى آخره، أي ظلال
الجنة) فأل عوض عن المضاف إليه، أو للعهد الذهني، وظلالها ليست كظلال الدنيا.
قال الزمخشري: هي مثل ما بين طلوع الفجر إلى الشمس وقال غيره: مثل ما بين الأسفار
والطلوع، ولا يلزم على الأول أن تكون مظلمة، لأن التمثيل في عدم التغير فقط، (أي كنت طيبًا
في صلب ءادم حيث كان في الجنة، وقوله: من قبلها، أي من قبل نزولك إلى الأرض،) وأنت
لتأويل النزول بالحالة التي قامت به، والأوضح عود الضمير إلى الأرض بتقدير من قبل نزولك
إليها، (فكنى عنها، ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى،) كقوله: حتى توارت بالحجاب ولأبويه
(وقوله: ثم هبطت البلاد، لا بشر، أي، لما أهبط اللَّه تعالى عادم عليه السلام إلى الدنيا، كنت
في صلبه غير بالغ هذه الأشياء) البشر، والمضغة والعلق، أي لم يك شيئًا منها (وقوله: وقد
ألجم نسرًا، وأهله الغرق يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح، وهو المذكور في قوله تعالى:)
﴿ولا تذرن ودًا، ولا سواعا، (ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [نوح: ٢٣]) قيل: ثم بعد الطوفان
انتقلت تلك الأصنام بأعيانها، وقيل، بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب قصار ود لكلب بدومة
الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان ونسر لحمير، قاله ابن عطية وغيره.

١٠٧
ثم غزوة تبوك
وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن الخ. النطق: جمع نطاق. وهي أعراض
من جبال بعضها فوق بعض أي: نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التي تشد بها
أوساط الناس. ضربه مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة
أوساط الجبال، وأراد ببيته: شرفه، والمهيمن: نعته، أي احتوى شرفه الشاهد إلى
فضلك أعلى مكان من نسب خندف - وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة -
انتھی.
وجاءه عٍَّ من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ
(وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن الخ النطق جمع نطاق، وهي اعراض من جبال)
بجيم فموحدة (بعضها فوق بعض) وفسرها، فقال: (أي نواح وأوساط، منها شبهت بالنطق التي
تشد بها أوساط الناس، ضربه مثلاً في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط
الجبال) بجيم فموحدة جمع جبل، وقراءته بالمهملة تصحيف، (وأراد ببيته شرفه المهيمن
نعته،) فهو اسم فاعل، كقوله تعالى ومهيمنًا عليه في القراءة المتواترة، (أي احتوى شرفك الشاهد
على فضلك أعلى مكان) مفعول مطلق صفة لفضلاً محذوف (من نسب خندف، وهو،) أي
هذا اللفظ (بكسر الخاء المعجمة، و) كسر (الدال المهملة) آخره فاء في الأصل المشي بهرولة،
ثم جعل علمًا على امرأة الياس بن مضر، وهي ليلى القضاعية، لما خرجت تهرول خلف بنيها
الثلاثة عمرو وعامر وعمر حين ندلهم إبل، فطلبوها، فأبطأوا عليها، ثم ضرب مثلاً للنسب العالي
في كل شىء، لأنها كانت ذات نسب (انتهى).
(وجاءه عَِّ من كان تخلف عنه)) قال كعب بن ملك في حديثه الصحيح: وكانوا بضعة
وثمانين رجلاً، وذكر الواقدي: أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب
كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلاً من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه
كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا كثيرًا، (فحلفوا له فعذرهم) قبل عذرهم بأن رفع عنهم اللوم،
(واستغفر لهم).
وفي حديث كعب، فقيل منهم عَّا علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى
اللَّه، وعدد ابن عقبة، لما دنا عَّه من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا، فقال لأصحابه:
(لا تكلموا رجلاً منهم ولا تجالسوه حتى آذن لكم، فأعرض عنهم هو والمؤمنون حتى أن الرجل
ليعرض عن أبيه، وأخيه، وأن المرأة لتعرض عن زوجها، فمكثوا كذلك أيامًا حتى کرب الذين
تخلفوا، وجعلوا يعتذرون بالجهد والأسقام، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم، (وأرجا).

١٠٨
ثم غزوة تبوك
أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي
والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب
فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا
قال الحافظ: مهموز، أي أخر وزنا ومعنى (أمر كعب وصاحبيه،) قال كعب في الصحيح:
فجئته، فلما سلمت عليه تبسم، تبسم المغضب، ثم، قال: ((تعال)) فجلست بين يديه، فقال لي:
(ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك)، فقلت: بلى إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا
لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني واللَّه، لقد علمت لئن حدثتك
حديث كذب ترضى به عني، لوشكن اللَّه أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد
على إني لأرجو فيه عفو اللَّه، لا والله ما كان لي من عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى، ولا أيسر
مني حين تخلفت عنك، فقال عَّهِ: ((أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)). فقمت
وثار رجال من بني سلمة، فقالوا: ما علمناك أذنبت قبل هذا، قد كان كافيك ذنبك استغفار
رسول اللَّه لك، فما زالوا حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسي، فقلت لهم: هل لقي هذا معي
أحد، قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك مرارة بن الربيع العمري
وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرًا لي فيهما إسوة، فمضيت
حين ذكروهما، ونهى عَّةٍ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا
لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فذكر
الحديث بطوله (حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: ﴿لقد تاب اللَّه على النبي﴾) أدام توبته
عليه وهذا أولى من قول من قال: تجاوز عنه إذنه للمنافقين في التخلف وقيل: هو حث
للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض، لأنه إذا وصف بها المستغني عنها معَِّ كان باعثًا
للمؤمنين عليها وإبانة لفضلها (﴿و﴾) تاب على (﴿المهاجرين والأنصار﴾ حقيقة إذ، لا ينفك
الإنسان عن زلة، أو عن وساوس تقع في قلوبهم (﴿الذين اتبعوه﴾) حقيقة بأن خرج أولاً وتبعوه،
. مجازًا عن اتباعهم أمره ونهيه (﴿في ساعة العسرة﴾) أي وقت الشدة والضيق كان الرجلان
يقتسمان تمرة، والعشرة يتعقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث (﴿من بَعدِ مَا كاد
تزيغ﴾) بالتاء والياء تميل (﴿قلوب فريق منهم﴾) عن اتباعه إلى التخلف، لما هم فيه من
الشدة، (﴿ثم تاب عليهم)) بالثبات (﴿انه بهم رؤوف رحيم﴾) حين تاب عليهم (﴿و﴾) تاب
(﴿على الثلاثة الذين خلفوا﴾ ) عن التوبة.
قال كعب: ليس الذي ذكر اللَّه مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا
عمن خلف له واعتذر إليه فقبل منه، وكذا قال قتادة وعكرمة: خلفوا عن التوبة.

١٠٩
ثم غزوة تبوك
حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا
ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ [التوبة:
١١٧ - ١١٨]،
والثلاثة هم: كعب بن لملك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة.
قال ابن جرير: فالمعنى تاب على من أخر توبتهم، ويؤيده قوله: (﴿حتى إذا ضاقت
عليهم الأرض بما رحبت﴾،) أي مع رحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكانًا يطمئنون إليه قلقًا،
وجزمًا تمثيل لحيرتهم في أمرهم (﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾،) قلوبهم للغم والوحشة بتأخير
توبتهم، فلا يسعها سرور، ولا أنس.
وفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف، وفي رواية
وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وهذا يجده الحزين والمهموم في كل
شیء حتى، قد یجده في نفسه.
وعند ابن عائد حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان (﴿وظنوا﴾،) أيقنوا (﴿أن، لا
ملجأ من اللَّه﴾،) أي، لا مفر من عذابه لأحد (﴿إِلاّ إليه))) بالتوبة والاستغفار.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: ما أكل هؤلاء الثلاثة مالاً حرامًا، ولا سفكوا
دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، وأصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت،
فكيف بمن يواقع الفواحش، والكبائر ﴿ثم تاب عليهم﴾ وفقهم للتوبة (﴿ليتوبوا﴾)
ليستقيموا على توبتهم، ويثبتوا، أو ليتوبوا في المستقبل، كلما فرطت منهم زلة لعلمهم
بالنصوص أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة (﴿إن اللَّه هو التواب﴾،) على من تاب ولو
عاد، كما قال عَّله: (ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة)).
رواه أبو داود والترمذي والبزار وضعفاه من حديث أبي بکر وله شاهد من حديث ابن عباس
عند الطبراني (﴿الرحيم)) به، ومن جملتها توفيقه للتوبة، (والثلاثة هم كعب بن ملك،
وهلال بن أمية ومرارة،) بضم الميم، وتخفيف الراءين ومن تظرف، فقال: يجمع أسماءهم مكة
مراده مجرد الحروف، لا الضبط (ابن ربيعة،) كذا في رواية لمسلم. والمشهور ابن الربيع، كما
في البخاري وعند ابن مردويهة مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وعند ابن أبي حاتم: ربيع بن مرارة، وهو
مقلوب، قاله الحافظ، وقد مر، قال ابن بطال: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد
فرض كفاية، لأنه في حق الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا على ذلك، ومصداقه قولهم

١١٠
ثم غزوة تبوك
وعند البيهقي في الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا لبابة بن عبد
المنذر لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه: أنه الذبح وأخبر عنه رسول الله عَ ليه
بذلك فقال له رسول الله عَّ ◌ُله: أحسبت أن الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم
بها إلى حلقك، فلبث حينا ورسول الله عَّ ◌ُله عاتب عليه، ثم غزا تبوكًا فتخلف عنه
أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله عَ لّه منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه
فأعرض عنه رسول الله عَّ ◌ُلّهِ، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة سبعا وقال: لا
يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي. الحديث.
وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرًا، لأنها كالنكث لبيعتهم.
قال السهيلي: ولا أعرف لها وجهًا غيره، وقال الحافظ: وإنما غلظ الأمر على الثلاثة
وهجروا، لأنهم تركوا الواجب بلا عذر، لأن الإمام إذا استنفر الجيش عمومًا، لزمهم النفير ولحق
اللوم بكل فرد، فرد أن لو تخلف، فهذا وجه ثان غير الذي ذكر، ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى:
﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم﴾ [التوبة: ١٢٠]، والشافعية وجه: أن الجهاد كان
فرض عين في زمنه عَّله، فعليه يتوجه العتاب على من تخلف مطلقًا، (وعند البيهقي في
الدلائل) النبوية (من مرسل سعيد بن المسيب) بن حزن، التابعي الجليل، ابن الصحابي، حفيد
الصحابي، (أن أبا لبابة) رفاعة بن عبد المنذر، الأنصاري (لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه)
حين قالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد (أنه الذبح، فأخبر عنه رسول اللَّه عَّ بذلك، فقال
له رسول اللَّه عَّه: ((أحسبت أن اللَّه غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك فلبث حيناً)،)
زمنًا (ورسول اللَّه عَ ◌ّ عاتب عليه، ثم غزا تبوكا) بالصرف إلى إرادة الموضع، (فتخلف عنه أبو
لبابة في) جملة (من تخلف، فلما قفل،) بفتح القاف، والفاء، ولام رجع (رسول اللَّه عَ لَّه، منها
جاءه أبو لبابة، يسلم عليه، فأعرض عنه (رسول اللَّه عَ لِّ ففزع أبو لبابه فارتبط بسارية التوبة)، وهي
العمود المخلق، أي المطلق بالخلوق بوزن رسول، وهو ما يخلق به من الطيب (سبعًا) من
الليالي، وقيل ستًا، وقيل بضع عشرة كما مر، (وقال: لا يزال هذا مكانى حتى أفارق الدنيا)
بالموت، (أو يتوب اللَّه علي الحديث) بقيته فأنزل الله تعالى، ﴿وآخرون﴾، فأرسل علا جه.
إلى أبي لبابة ليطلقه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول اللَّه، فجاء علِّ فأطلقه بيده قال البيهقي،

١١١
ثم غزوة تبوك
وعنده أيضًا من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا
بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً﴾ [التوبة/١٠٢] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن
النبي عَّةٍ في غزوة تبوك، فلما رجع عَّه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد
وكان ممره النبي عَيٍّ إذ رجع في المسجد عليهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا
أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال:
أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني
وتخلفوا عن الغزو. فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ فلما نزلت
وترجم ابن إسحق أن ارتباطه كان في بني قريظة، ورويناه عن ابن عباس وغيره: أنه بتخلفه عن
تبوك انتهى، ويحتمل تكرر ربطه نفسه، (وعنده،) أي البيهقي في الدلائل (أيضًا،) وعند ابن
مردويه وابن جرير وغيرهم (من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وآخرون﴾) مبتدأ (﴿اعترفوا
بذنوبهم﴾) من التخلف نعته والخبر (﴿خلطوا عملاً صالحًا﴾) وهو جهادهم قبل ذلك أو
اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك.
(قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي عَّ في غزوة تبوك، فلما رجع عَّةٍ أوثق
سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد،) وثلاثة لم يوثقوا، وهم كعب، ومرارة وهلال، والذين
أوثقوا أبو لبابة وأوس بن جذام وثعلبة بن وديعة رواه ابن منده وأبو الشيخ عن جابر بإسناد قوي
وجد بن قيس وجذام بن أوس ومرداس رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من مرسل قتادة والسابع
وداعة بن حرام الأنصاري.
رواه المستغفري عن ابن عباس، (وكان ممره عَّ إذا رجع في المسجد عليهم، فقال)
لما رآهم: ((من هؤلاء) الموثقون أنفسهم؟»، (قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك
یا رسول اللَّه).
زاد في رواية عاهدوا اللَّه لا يطلقون أنفسهم (حتى تطلقهم،) زاد في رواية وترضى عنهم،
(وتعذرهم) ترفع اللوم عنهم، زاد في رواية، وقد اعترفوا بذنوبهم (قال) عَ له: ((وأنا (أقسم بالله لا
أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون اللّه هو الذي يطلقهم)).
(رغبوا عني) صانوا نفوسهم عما رضيته لنفسي من الشدائد، (وتخلفوا عن الغزو) مع
المسلمين، وقد استنفرت عموم الجيش فتركوا الواجب.
زاد في رواية: فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه تعالى
هو الذي يطلقنا، (فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾) إلى آخر الآية، (فلما نزلت

١١٢
ثم غزوة تبوك
أرسل إليهم النبي عَّله فأطلقهم وعذرهم. الحديث.
قالوا: ولما قدم عليه الصلاة والسلام من تبوك وجد عويمر العجلاني امرأته
حبلى، فلاعن عليه الصلاة والسلام بينهما.
أرسل إليهم النبي عَّ. فأطلقهم وعذرهم،) إلا أن أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي عَّه بيده،
ففعل كما مر (الحديث) بقيته، فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول اللَّه
هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ((ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل اللَّه
تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها، وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم﴾
[التوبة: ١٠٣]، يقول: رحمة لهم؛ فأخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم، وبقي الثلاثة الذين لم
يوثقوا أنفسهم، لم يذكروا بشىء، وهم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿وآخرون مرجون لأمر اللَّه﴾
[التوبة: ١٠٦]، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون: عسى اللَّه
أن يتوب عليهم حتى نزلت ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨]، ويقع في بعض
الروايات: أنهم أخروا سنة، وهو ضعيف، فالثابت في الصحيح خمسين ليلة والله أعلم.
واعلم أنه من أول قوله، وعند البيهقي إلى هنا سقط في كثير من النسح، وإثباتها أتم فائدة والعزو
صحيح مذكور في دلائل البيهقي وغيره (قالوا: ولما قدم عليه الصلاة والسلام من
تبوك وجد عويمر) بضم المهملة آخره راء مصغر ابن أبيض، وقال الطيراني ابن الحرث بن زيد بن
جابر بن الجد بن العجلان (العجلاني) قال: وأبيض لقب لأحد آبائه، وأيد بأن في الموطأ رواية
القعنبي عويمر بن أشقر، فقيل إنه خطأ، لأن ابن أشقر آخر مازني، وقيل: لا خطأ، فإن أحد آباء
العجلاني يلقب أبيض، فأطلق عليه الراوي أشقر، (امرأته) خولة بنت قيس عن المشهور أو بنت
عاصم بن عدي أو بنت أخيه (حبلى،) وعند ابن مردويه مرسلاً أن عويمراً رماها بشريك ابن
سحماء، وهو ابن عمه، وعند ابن أبي حاتم، فقال لعاصم: يا ابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك
ابن سحماء على بطنها، وأنها لحبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر، وسحماء بفتح السين، وسكون
الحاء المهملتين، والمد اسم أمه، وهي حبشية أو يمانية، واسم أبيه عبدة، ولا مانع من أن يتهم
شريك بكل من امرأتي عويمر وهلال جمعًا بين هذا وبين حديث البخاري الآتي، فلا يحسن قول
ابن الصباغ في شامله أن قول الإمام المزني قذف العجلاني زوجته بشريك سهو في النقل، إنما
هو هلال انتهى، وقد علم سند المزني، وإمكان الجمع فتعين المصير إليه، (فلاعن عليه الصلاة
والسلام بينهما،) وكأن المصنف ساقه بصيغة التبري، لأنه صريح في أن اللعان لنفي الحمل
وصريح الأحاديث أنه لرؤية الزنا.
وقد روى الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال:

١١٣
ثم غزوة تبوك
أسأل رسول اللَّه عَّهِ أرأيت رجلاً وجد مع إمرأته رجلاً، فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟، فسأله
عاصم فعاب عَّةِ المسائل فلقيه عويمر، فقال: ما صنعت، قال: إنك لم تأمرني بخير سألتِ
رسول اللّه، فعاب المسائل، فقال عويمر: فواللَّه لآتين رسول اللَّه، فلأسألنه فأتاه، فقال: يا رسول اللَّه
رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله، فتقتلونه أم كيف يصنع؟، فقال عَ له: ((قد أنزل اللَّه القرءان فيك
وفي صاحبتك)).
فأمرهما، فتلاعنا الحديث، وفيه أن الولد جاء على الصفة التي تصدق عويمرًا، فكان ينسب
إلى أمه.
وروى البخاري عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي عَّ بشريك
ابن سحماء، فقال ◌َّةٍ: ((البينة أو حد في ظهرك))، فقال: يا رسول اللَّه إذا رأى أحدنا مع امرأته
رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل عَّةٍ يقول: ((البنية وإلا حد في ظهرك))، فقال هلال: والذي
بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن اللَّه ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله:
﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] حتى بلغ إن كان من الصادقين الحديث، وفيه أنهما
تلاعنا، وأن الولد جاء على صفة شريك، فقال عَّله: ((لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها
شأن)».
قال الحافظ: اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح نزولها في شأن عويمر،
ومنهم من رجح نزولها في شأن هلال، ومنهم من جمع بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف
مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا، وإليه جنح النووي، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما
اتفق لهما ذلك في وقت واحد، ولا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول.
وروى البزار عن حذيفة قال: قال عَّه لأبي بكر: «لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت
فاعلاً به)).
قال: كنت فاعلاً به شرًّا قال: ((فأنت يا عمر))، قال: كنت أقول لعن اللَّه الأَبْعَد، فنزلت،
ويحتمل أن النزول سبق هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه عَّه
بالحكم، ولذا قال في قصة هلال: فنزل جبريل وفي قصة عويمر: قد أنزل اللَّه فيك، وبهذا أجاب
ابن الصباغ، قال: نزلت في هلال، وأما قوله لعويمر: قد أنزل اللَّه فيك، فمعناه ما أنزل في قصة
هلال، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء
قذفه هلال بن أمية بامرأته، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين قال: وهذه الإحتمالات
وإن بعدت أولى من تغليظ الرواة الحفاظ، انتهى، ولم يذكر المصنف هنا بعثه عَّله أبا سفين بن

١١٤
حج الصديق بالناس
[حج الصديق بالناس]
ثم حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس، سنة تسع في ذي القعدة،
كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد، ووافقه عكرمة بن خالد، فيما
أخرجه الحاكم في الإكليل.
وقال قوم في ذي الحجة، وبه قال الداودي والثعلبي والماوردي والمعتمد ما قاله
حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات بالطائف لما أتاه وفدهم مسلمين، فذهبا في بضعة عشر
رجلاً، فهدموها حتى سوّوها بالأرض، ثم خرب المغيرة أساسها، وأخذوا حليتها وكسوتها
وما فيها من طيب وذهب وفضة، وأقبلوا حتى دخلوا عليه عَ لّه، فحمد الله على نصره واعزاز
دينه، وقسم المال من يومه اكتفاء بأنه أشار إلى ذلك في الوفود والله أعلم.
حج الصديق بالناس
(ثم حجة أبي بكر الصديق) عبد اللَّه بن عثمن (رضي الله عنه))) وعن أبيه (بالناس) أميرًا
عليهم (سنة تسع،) كما جزم به البخاري وابن إسحق قال الحافظ في التفسير: اتفقت عليه
الروايات، وقال هنا، والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج
أبو بكر، فقيل: (في ذي القعدة) على طريقة العرب من عدم تقييده بالحجة، ولا يرد أن اللَّه صان
أفعاله عليه الصلاة والسلام عن الجاهلية، لجواز أن المراد الأوثان والسفاح ونحوهما (كما ذكره
ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد) التابعي، الإمام المشهور، (ووافقه عكرمة بن خالد) بن
العاصي بن هشام المخزومي، التابعي الثقة، (فيما أخرجه الحاكم في الإكليل).
قال الحافظ: ومن عدا هذين، أي عكرمة ومجاهد، إما ساكت، وإما مصرح بأنه في
الحجة، (وقال قوم في ذي الحجة، وبه قال الداودي) أحمد بن نصر شارح البخاري، (و) من
المفسرين (الثعلبي، والماوردي،) والرماني وجماعة، واحتج له بحديث الصحيحين الآتي من
قوله: يوم النحر قال الحافظ: ولا حجة فيه لأن قول مجاهد وعكرمة إن ثبت، فالمراد بيوم النحر
صبيحة يوم الوقوف سواء وقع الوقوف في القعدة أو الحجة، لكن الحجة له حدیث بن مردویه،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانوا يجعلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، يعني
يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين ثم يحجون في شهر آخر غيره، فلا يقع الحج في أيام
الحج إلا في كل خمس وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر، وافق ذلك العام شهر الحج
فسماه اللَّه الحج الأكبر، وهذا يرد القول، بأنه في ذي القعدة ويضعفه، (والمعتمد ما قاله

١١٥
حج الصديق بالناس
مجاهد وبه جزم الأزرقي. ويؤيده أن ابن إسحق صرح بأن النبي عَ لِ أقام بعد ما
رجع من تبوك رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو
ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجة في ذي
الحجة على هذا والله أعلم.
وكان مع أبي بكر ثلاثمائة رجل من المدينة، وعشرون بدنة.
وفي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره
رسول الله عليه.
مجاهد، وبه جزم الأزرقي،) كذا في نسخ تقليداً لسبق قلم وقع في الفتح، وقد كتبوا عليه قديمًا
صوابه المعتمد، خلاف ما قاله مجاهد، وسقط قوله والمعتمد الخ، في كثير من النسخ، وهو
ظاهر حتى يتأتى قوله، (ويؤيده))) أي القول؛ بأنه في ذي الحجة (أن ابن إسحق صرح) في
السيرة، (بأن النبي عَّةٍ أقام بعدما رجع من تبوك) بقية شهر (رمضان،) على أنه قدم فيه أو كله،
على أنه قدم في شعبان (وشوالاً وذي القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج) من سنة تسع
ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم انتهى كلام ابن إسحق.
(فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة) لأن التقدير ثم بعد إقامة
تلك المدة بعث، (فيكون حجه في ذي الحجة على هذا) الظاهر، ولم يجعله صريحًا لاحتمال
إرادة الترتيب الذِكْري، وإن كان بعيدًا (والله أعلم.) ويحتمل أن قوله المعتمد ما قاله مجاهد من
مجاز الحذف، أي خلاف ما قاله، ارتكبه للقرينة الظاهرة تشحيذاً للأذهان إذ لا يتوهم عاقل أنه
يقول يؤيده بما ينافيه، (وكان مع أبي بكر ثلثمائة رجل من المدينة) لفظ ابن سعد والمصنف لا
يعدل عنه غالبًا كاليعمري، ولفظ شيخه الواقدي أنه خرج معه ثلثمائة من الصحابة، واقتصر عليه
الفتح وهي وإن صرحت بأن الكل صحابة، لكنها محتملة، لأن يكون فيهم إناث بخلاف لفظ
تلميذه قال رجل: فلا تغني إحدى العبارتين عن الأخرى، (وعشرون بدنة) بعثها عَ لَّ قلدها
وأشعرها بيده عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات.
ذكره ابن سعد وشيخه، فهذا من المصنف إختصار موهم، ثم استأنف، فذكر حديث
أبي هريرة لما فيه من الفوائد التي ليست فيما قدمه، ومن جملتها أن الحجة كانت في ذي
الحجة على ظاهر قوله يوم النحر، فقال: (وفي البخاري) في الصلاة، والحج، والجزية،
والمغازي، والتفسير (ومسلم) في الحج، وكذا أبو داود والنسائي بطرق كلها (عن أبي هريرة،
أن أبا بكر بعثه،) أي أبا هريرة، وفي رواية التفسير بعثني أبو بكر (في الحجة التي أمره) بشد
الميم، أي جعله (رسول اللَّه عَّه) أميرًا عليها.

١١٦
حج الصديق بالناس
قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر؛ أن لا يحج بعد العام
مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وللطبراني عن ابن عباس بعث عَّ أبا بكر أميرًا على الموسم، وأمره أن يقيم للناس
حجهم، فخرج أبو بكر (قبل حجة الوداع،) أفاد أنها كانت سنة تسع، لأن حجة الوداع كانت
سنة عشر اتفاقًا، قاله ابن القيم (في رهط،) وفي رواية في مؤذنين، أي في جماعة معلمين،
وسمى منهم سعد بن أبي وقاص وجابرًا، كلاهما عند الطبري كما في الفتح (يؤذن،) بفتح
الهمزة، وشد المعجمة المكسورة، يعلم الرهط وأبو هريرة على الالتفات، قاله المصنف، أي على
رأي بعضهم لا الجمهور إذا كان مقتضى الظاهر أن يقول أؤذن (في الناس يوم النحر).
زاد في رواية بمعنى وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وأذان من اللَّه ورسوله﴾ كما في
الفتح وفي البخاري، فكان حميد يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة
(أن لا يحج).
قال المصنف في التفسير: بفتح الهمزة، وشد اللام ونصب يحج بأن ولا نافية، وقال
الحافظ: بفتح الهمزة وادغام النون في اللام (بعد العام،) أي الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك
(مشرك) لقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. ووقع
للحافظ في الصلاة أن لا ناهية، فرده العيني وغيره بأن بعده، ولا يطوف، وقال بعضهم: هو
اعتراض سهل، أي لأنها وإن كانت نافية لفظًا، فهي ناهية معنى، فعليه يحمل قوله ناهية، وكون
لا يطوف بعده ليس بمانع، لأنه من عطف الخبر على الانشاء، (ولا يطوف بالبيت عريان)
بنصب يطوف عطف على يحج، قاله الحافظ وغيره ذكر ابن عائذ: أنه كان رجال يطوفون منهم
عراة ليلاً، يعظمون بذلك البيت.
ويقول بعضهم: أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ليس علي شىء من الدنيا، خالطه الظلم،
فكره عٍَّ أن يحج ذلك العام، قال في الفتح قال الطحاوي في كشف الآثار: هذا مشكل لأن
الأخبار في هذه القصة تدل على أنه عَِّ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًا، فأمره أن يؤذن،
فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي، ثم
أجاب مما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة، وكان علي هو المأمور
بالتأذين بذلك، وكأن عليًا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى معين، فأرسل أبو بكر
أبا هريرة وغيره ليساعدوه، ثم ساق من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي
حين بعثه عَُّلّهِ ببراءة أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي، وكان هو ينادي
قبلي حتى يعبأ، فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يلقيه

١١٧
حج الصدیق بالناس
ثم أردف النبي عَّهِ بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة،
إليه علي، مما مر بتبليغه انتھی.
(ثم أردف،) أي أرسل (النبي عَّه) أبا بكر (بعلي بن أبي طالب،) وفي نسخة من
البخاري علي بإسقاط الحرف، وهذا من جملة ما رواه البخاري في الصلاة والتفسير، ولم يروه
في هذا الباب، وهو ما وقف عليه شيخنا، فتجرأ وقال ليس هو من رواية البخاري، وقد علمت
أنه من روايته في موضعين نعم على المؤلف مأخذة لإيهامه أنه من حديث أبي هريرة، والبخاري
ومسلم قالا في سياقه: قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف قال الحافظ: هذا القدر من
الحديث، مرسل لأن حميدًا لم يدرك ذلك، ولا صرح بسماعه له من أبي هريرة، لكن ثبت إرسال
علي من عدة طرق، فروى الطبري من طريق أبي صالح عن علي: بعث عَّ أبا بكر إلى أهل
مكة على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته الحديث، وكذا رواه عن أبي سعيد، وابن عمر
مثله، والترمذي عن ابن عباس مطولاً، والطبراني عن أبي رافع وأحمد والترمذي، وحسنه عن أنس
انتھی بحروفه.
وذكر ابن سعد وهو في حديث جابر أنه أدركه بالعرج، وقال ابن عائذ: بضجنان بفتح
المعجمة، وسكون الجيم ونونين بينهما ألف.
ورواه الطبري عن سعد بعث علّ أبا بكر، فلما إنتهينا إلى ضجنان أتبعه عليًا، (وأمره أن
يؤذن ببراءة).
قال الحافظ: مجرور بالفتحة وهو الثابت في الروايات، ويجوز رفعه منونًا على الحكاية،
وفيه تجوز لأنه أمره أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها ولو كره المشركون، كما رواه الطبري
عن محمد بن كعب وغيره، وعنده عن علي بأربعين آية من أول براءة.
وروى أحمد والترمذي وحسنه عن أنس: أن النبي عَّه بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ
ذا الحليفة قال: ((يبلغها إلاَّ أنا أو رجل من أهل بيتي))، فبعث بها مع علي، وروى أحمد والطبري
عن علي أنه عَّه بعث بها مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: ((ادرك أبا بكر،
فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب))، فأدركته فأخذته منه، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول اللَّه نزل في
شيء. قال: ولا أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، ولكن جبريل قال لي لا يؤدي
عنك إلا أنت أو رجل منك.
قال ابن كثير: ليس المراد أنه رجع من فوره بل لما رجع من حجه قلت، ولا مانع من
حمله على ظاهره لقرب المسافة انتهى من الفتح في التفسير ملخصًا.
وذكر هنا أن ابن إسحق روى بسند مرسل قال: نزلت براءة، وقد بعث النبي عَّه أبا بكر

١١٨
حج الصديق بالناس
فأذن معنا في أهل منى بيراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت
عریان.
على الحج، فقيل: لو بعثت بها إليه فقال: ((لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي))، ثم دعا عليًا
وقال: ((أخرج بصدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى)) انتهى، ولم يتنزل في
المحلين لجمع ولا ترجيح، كأنه لظهور الترجيح، فإن رواية نزولها قبل خروج أبي بكر وبعثه بها
مسندة مع أن إسنادها حسن بخلاف رواية نزولها بعد خروجه، فمرسله، (فأذن معنا).
قال المصنف في الصلاة: بفتح العين وإسكانها وهذا من الموصول، ففي الصحيح قال
أبو هريرة: فأذن معنا علي.
قال الحافظ: وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة عن غير
أبي هريرة وحمل القصة كلها عن أبي هريرة (في أهل منى) أسقط من رواية الصحيح ما لفظه
يوم النحر (ببراءة) بالفتحة نيابة عن الكسرة، كما علمت أنه الرواية والرفع على الحكاية تجويز
وجوز الكرماني الكسر مع التنوين، أي بسورة براءة، وانتقده شيخنا البابلي بأن فيه حذف
المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه وهو قليل قال: ولا يراد أن الإضافة تنافي العلمية، لأنه قصد
تنکیره، ثم أضيف کقوله:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يماني
(وأن لا يحج بعد العام مشرك) قال الكرماني: أي بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله.
لكن قال العيني: ينبغي دخول هذا العام أيضًا نظرًا إلى التقليل، ورد بأن الباقي منه عشرون
يومًا وأعمال الحج كانت انقضت، وهو سهو، لأنه بقي طواف الإفاضة لمن أخرج إلى بقية
العشرين، وطواف الوداع (ولا يطوف بالبيت عريان) إحتج به الأئمة الثلاثة على وجوب ستر
العورة في الطواف خلافًا لأبي حنيفة حيث جوز طواف العريان.
قال الكرماني: فيه إشكال لأن عليًا مأمور أن يؤذن ببراءة فكيف يؤذن بذلك، ثم أجاب
بأنه أذن ببراءة ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى فيها: ﴿إنما
المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. ويحتمل أن
يكون مر بأن يؤذن بيراء، وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضًا، ولأحمد من حديث أبي هريرة، وله
وللترمذي وصححه من حديث علي أنه سئل بأي شيء بعث في الحجة، قال: بأربع لا يدخل
الجنة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، ومن كان بينه وبين
رسول اللَّه عهد فعهده إلى مدته.
زاد الطبري من حديث علي ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدل به على أن قوله

١١٩
حج الصديق بالناس
قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذي
حج فيه رسول الله عَّه حجة الوداع مشرك. فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ
فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا
يقربوا
تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ٢]، خاص بمن لا عهد له مؤقت، أو لا
عهد له أصلاً، وعند الطبري عن ابن عباس أن الأربعة أشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها
أو يزيد عليها، ومن لا عهد له فانقضاؤه سلخ المحرم لقوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فأقتلوا
المشركين﴾ [التوبة: ٥]. ومن طريق معمر عن الزهري كان أول الأربعة أشهر شوال عند
نزول براءة، وآخرها آخر المحرم، وبه يجمع بين ذكر الأربعة وبين قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر﴾
:[ التوبة: ٥].
لكن استبعده الطبري من حيث أن بلوغهم الخبر إنما هو عند وقوع النداء به يوم النحر،
فكيف يقال: سيحوا أربعة أشهر ولم يبق منها إلاّ دون شهرين، ثم اسند عن السدي وغير واحد
التصريح بأن تمام الأربعة أشهر في ربيع الآخر.
قال العلماء: والحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض
العهد إلاّ من عقده، أو من هو من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، وقيل لأن براءة
تضمنت مدح أبي بكر، فأراد أن يسمعوه من غيره، وهذا غفلة من قائله حمله عليها ظنه أن
المراد تبليغها كلها، وليس كذلك إنما أمر بتبليغ أوائلها فقط كما مر. انتهى من الفتح، ثم انتهت
رواية البخاري هنا في التفسير والصلاة، وزاد في الجزية قوله، (فنبذ) قال الحافظ وغيره: أي طرح
(أبو بكر إلى الناس) عقدهم (في ذلك العام، فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه
رسول اللَّه عَظِّ حجة الوداع مشرك ... ،) قال الحافظ: وقوله: فنبذ الخ.
هو أيضًا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك قال
المهلب: خشي عَدٍ غدر المشركين، فلذا بعث من ينادي بذلك، وقد قال تعالى: ﴿وإما تخافن
من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]. أي اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل
إليهم من یعلمهم بأن العهد انقضی.
قال ابن عباس: أي على مثل، وقيل على عدل، وقيل أعلمهم أنك قد جازيتهم حتى
يصيروا مثلك في العلم بذلك، وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قومًا فخشيت منهم النقض،
فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتی تعلمهم انتھی.
(فأنزل اللَّه تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين) عقدهم (﴿يا أيها
الذين آمنوا إنما المشركون نجس [التوبة: ٢٨]، قذر لخبث باطنهم، (﴿فلا يقربوا

١٢٠
حج الصديق بالناس
المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ الآية [التوبة/٢٨].
وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما في الصحيح «المؤمن
لا ينجس)) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، وذهب
بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا ضعيف، لأن أعيانهم لو كانت نجسة
كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولاستوى في النهي عن دخول المشركين
المسجد الحرام وغيره من المساجد.
المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨])، أي لا يدخلوا الحرم كله، لأن المسجد الحرام حيث
أطلق في القرءان، فالمراد به الحرم كله، كما قاله ابن عباس، وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم.
رواه ابن أبي حاتم (﴿بعد عامهم هذا﴾)، وهو صريح في منعهم دخوله ولو
لم يقصدوا، الحج لكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم، صرح لهم في الحديث بالمنع
منه، فقال: أن لا يحج بعد العام مشرك، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، كما في الفتح (الآية).
روى ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهما: لما نزلت ﴿إنما المشركون
نجس﴾، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا
بالطعام وبالمتاع فنزل: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ [التوبة: ٢٨]، (وقد
دلت هذه الآية الكريمة) بالمنطوق (على نجاسة المشرك، كما) دل مفهوم قوله عَّ له (في)
الحديث (الصحيح) الذي خرجه الشيخان وأصحاب السنن (المؤمن لا ينجس) في حد ذاته حيًا
ولا ميتًا عند الأكثر، ولذا يغسل إذا مات نعم يتنجس من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار،
وقد علمت أن التشبيه في مطلق الدلالة وإن اختلفت، والمراد نجاسة اعتقادهم عند الجمهور،
(وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات) عطف تفسير، بل طاهر
وحجتهم أن اللّه تعالى أباح الكتابيات، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك
فلم يجب عليه من غسل الكتابية الأمثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على الطهارة إذ
لا فرق بين النساء والرجال، (وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم) تمسكًا بمظاهر الآية
والحديث، حتى أفرط بعضهم فقال: ينجس الماء بملاقاتهم، ويجب الوضوء على كل من
صافحهم، (وهذا ضعيف لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير) عند من قال
بنجاستهما (لما طهرهم الإسلام) وهو خلاف الإجماع (ولاستوى في النهي عن دخول
المشركين المسجد الحرام) بالرفع فاعل (استوى وغيره من المساجد،) مع أن في ذلك خلافًا
بين الأئمة، فاستدل الشافعي بظاهر الآية على أنهم لا يمنعون من دخول سائر المساجد إن أذن