Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
قال الشامي: ولم أجده في نسختين قلت: سقط من النسختين معًا، والحافظ ثقة لا
يجازف في النقل السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ سعيد بن يربوع أعطاه خمسين، .
سفين بن عبد الأسد المخزومي سهيل بن عمرو أعطاه مائة، أخوه سهل شيبة بن عثمن صخر بن
حرب أبو سفين أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة صفوان بن أمية أعطاه مائة، وفي البخاري
ومسلم عنه: ما زال عَّه يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله تعالى
شيئًا أحب إلي منه، وفي مسلم أعطاه مائة من النعم ثم مائة.
قال الواقدي يقال: إن صفوان طاف معه عَّه يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مملوءًا إبلاً
وغنمًا فأعجبه وجعل ينظر إليه فقال عَّه: (أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب))، قال: نعم، قال:
(هو لك بما فيه) فقال صفوان: أشهد أنك رسول اللَّه عَ لّه ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي
طليق بن سفين العباس بن مرداس أعطاه دون مائة، فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرا فلم أعط شيئًا ولم أمنع
وما كنت دون امرىء منهم ومن تضع اليوم لا يرفع
فأتم له المائة.
رواه مسلم وغيره عبد الرحمن بن يعقوب الثقفي عثلمن بن وهب المخزومي أعطاه
خمسين، عدي بن قيس السهمي أعطاه خمسين، عكرمة بن عامر العبدري عكرمة بن أبي جهل،
قاله ابن التيم علقمة بن علاثة بضم المهملة وخفة اللام ومثلثة عمرو بن الأهتم بفوقية عمرو بن
بعكك بموحدة، فمهملة، فكافين وزن جعفر، وهو أبو السنابل جمع سنبلة.
عمرو بن مرداس أخو عباس عمير بالتصغير ابن ودقة، بفتح الواو والدال المهملة عمير بن
وهب أعطاه خمسين، العلاء بن جارية، بجيم وتحتية الثقفي أعطاه خمسين عند الواقدي، وقال
ابن إسحق: مائة عيينة بن حصن الفزاري، مائة قيس بن عدي السهمي، مائة ذكره ابن إسحق
والواقدي وقال بعضهم: صوابه عدي بن قيس، وقال الحافظ: لا أدري أهما واحد أم اثنان.
قال الشامي: والظاهر اثنان لإتفاق ابن إسحق والواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة كعب بن الأخنس نقله البرهان عن بعض شيوخه، وقال: لا أعرفه أنا، ولا
ذكرته في كتاب التجريد قلت، ولا الإصابة لبيد بن ربيعة العامري لملك بن عوف النصري رئيس
هوازن أعطاه مائة، مخرمة بن نوفل الزهري أعطاه خمسين، مطيع بن الأسود القرشي معوية بز

٢٢
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
فقال ناس من الأنصار يغفر الله لرسول الله عَ لّه يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر
من دمائهم؟!
أبي سفين أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، أبو سفين بن الحرث الهاشمي النضير، بمعجمة
مصغرًا ابن الحرث أعطاه مائة، نوفل بن مطوية الكناني هشام بن عمرو العامري خمسين، هشام بن
الوليد المخزومي يزيد بن أبي سفين الأموي أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية، أبو الجهم بن
حذيفة بن غنم العدوي فهؤلاء سبع وخمسون نفسًا.
قال الحافظ: وفي عد العلاء بن جارية ولملك بن عوف نظر، وقد قيل أنهما أتيا طائعين من
الطائف إلى الجعرانة، (فقال ناس من الأنصار: يغفر اللَّه لرسوله عَّ له)) قالوه توطئة وتمهيدًا لما
بعده من العتاب، كقوله عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم، وفي رواية واللَّه إِن هذا لهو العجب (يعطي
قريشًا، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم،) حال مقررة لجهة الأشكال، أي ودماؤهم تقطر من
سيوفنا فهو من القلب کقوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
هكذا مشاه غير واحد، قال البدر العيني: ويجوز أنه على الأصل والمعنى أن سيوفنا من
كثرة ما أصابها من دمائهم تقطر انتهى.
وفي رواية وغنائمها ترد علينا والله إن هذا لهو العجب إذا كانت شديدة، فنحن ندعى
وتعطي الغنيمة لغيرنا، ووددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإن كان من اللَّه صبرنا، وإن كان من
رأيه عبّ استعتبناه.
وفي حديث أبي سعيد عند أحمد بن إسحق، فقال رجل من الأنصار: لقد كنت أحدثكم
أنه لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم غيركم، فردوا عليه ردًا عنيفًا، وقال حسان يعاتبه في ذلك:
زاد الهموم فماء العين منحدر سحا إذا حفلته عبرة درر
هيفاء لانتن فيها ولا خور
وجدا بشماء إذ شماء بهكنة
نزرًا وشر وصال الواصل النزر
للمؤمنين إذا ما عدد البشر
تأت قدام هم آروا وهم نصروا
دين الهدى وجحيم الحرب تستعر
للنائبات وما خاروا وما ضجروا
إلا السيوف وأطراف القناوزر
دع عنك شماء إذ كانت مودتها
وائت الرسول وقل يا خير مؤتمن
علام تدعى سليم وهي ما برحت
سماهم اللَّه أنصارًا لنصرتهم
وسارعوا في سبيل اللَّه واعترضوا
والناس ألب علينا فيك ليس لنا
نجالد الناس لا تبقي على أحد ولا نضيع ما توحي به السور

٢٣
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
قال أنس: فحدث رسول الله عَّه بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في
قبة من أدم، ثم قال لهم: أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال
ولا تهر جنات الحرب نادينا ونحن حين تلظى نارها سعر
كما وردنا ببدر دون ما طلبوا أهل النفاق ففينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النصف من أحد إذ حزبت بطرًا احزابها مضر
فما ونينا وما خبنا وما خبروا منا عثارًا وكل الناس قد عثروا
أورده ابن إسحق وغيره، (قال أنس: فحدث رسول اللَّه عَّه بمقالتهم).
روى الإمام أحمد وابن إسحق عن أبي سعيد الخدري: أن الذي حدثه سعد بن عبادة،
ولفظه لما أعطى عَّه من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها
شىء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت المقالة، فدخل عليه سعد بن عبادة،
فذكر له ذلك، فقال: ((فأين أنت من ذلك يا سعد))، قال: ما أنا إلاَّ من قومي، قال الحافظ: وهذا
يعكر عليه رواية الصحيح، ففيها اما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا فإن سعدًا من رؤسائهم بلا ريب، إلاَّ
أن يحمل على الأغلب الأكثر، وإن المخاطب سعد، ولم يرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم
يقل ذلك في اللفظ، وإن رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه.
وفي مغازي التيمي أن سبب حزنهم؛ أنهم خافوا أن يكون عَّه يريد الإقامة بمكة، وما في
الصحيح أصح على أنه لا يمنع الجمع وهو أولى، واختلف في أن العطاء من الغنيمة وهو
المعتمد، وظاهر الروايات الماضية، وهو المخصوص بهذه الواقعة، وقد ذكر السبب في رواية
البخاري حيث قال: إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أخبرهم، وأتألفهم أو
من الخمس، ورجحه القرطبي في المفهم، واختاره أبو عبيدة، وجزم به الواقدي، لكنه ليس
بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل إنما تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم
يراجعوا حتى هزم الكفار، فرد اللَّه أمر الغنيمة لنبيه، وهذا معنى القول الأول أنه خاص بهذه
الوقعة، انتهى ملخصًا (فأرسل إلى الأنصار) سعد بن عبادة، ففي حديث أبي سعيد عند
ابن إسحق وأحمد قال عَّ: ((فاجمع لي قومك))، فخرج (فجمعهم في قبة) خيمة (من آدم)،
بفتح الهمزة المقصورة، والدال جلد مدبوغ، قال في رواية البخاري: ولم يدع معهم، غيرهم،
فلما اجتمعوا قام عَّةٍ، فقال: (ما حديث بلغني عنكم))، فقال فقهاء الأنصار، أما فقهاؤنا، فلم
يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسوله، يغطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا
تقطر من دمائهم، فقال النبي عَّهِ: ((فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم))، (ثم قال
لهم:) تلو هذا ((أما) بخفة الميم (ترضون أن يذهب الناس بالأموال،) وفي رواية ألا ترضون أن

٢٤
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟! فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: يا
رسول الله قد رضينا.
يذهب الناس بالشاة والبعير، (وتذهبون بالنبي إلى رحالكم) بالمهملة، أي بيوتكم، وفي رواية أو
لا ترضون أن يذهب الناس بالغنائم إلى بلدانهم، وترجعون برسول اللَّه إلى بيوتكم، (فواللَّه لما)
بفتح لام التأكيد، أي للذي (تنقلبون) ترجعون (به خير مما ينقلبون به)))، فنبههم على ما غفلوا عنه
من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية، ومن ثم
(قالوا: يا رسول اللَّه قد رضينا).
وذكر الواقدي أنه حين دعاهم ليكتب لهم البحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس،
وهي يومئذٍ أفضل ما فتح اللَّه عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا وبقية حديث
الصحيح، فقال لهم عَّه: ((ستجدون إثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا اللَّه ورسوله فإني على
الحوض).
وفي حديث أنس عند الشيخين: أنه مُِّ خطبهم، فقال: ((يا معشر الأنصار ألم أجدكم
ضلالاً، فهداكم اللَّه بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي))، كلما قال
شيئًا قالوا: اللَّه ورسوله أمن، قال: ((ما يمنعكم أن يجيبوا رسول اللّه عَّة. لو شئتم قلتم جئتنا كذا
و كذا)).
وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحق وأحمد من طريقه أما واللَّه لو شئتم لقلتم، فصدقتم
وصدقتم أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلاً فواسيناك.
وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أنس بلفظ آخر، فلا تقولون جئتنا خائفًا فآمناك، وطريدًا
فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، قالوا: بل المن علينا للَّه ورسوله، وإنما قال ذلك عَ لَّه تواضعًا منه
وإنصافًا، وإلا فالحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فلولا هجرته إليهم وسكناه
عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وفي هذا إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند
الحاجة، وتنبيه الكبير الصغير على ما غفل عنه، وإيضاح وجه شبهته ليرجع إلى الحق وحسن
أدب الأنصار، ومناقب عظيمة لهم لثناء الرسول البالغ عليهم، والمعاتبة واستعطاف المعاتب
وإغنائه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار بالاعتراف.
قال ابن القيم ما حاصله: اقتضت حكمة اللَّه أن الغنائم لما حصلت قسمت على من لم
يتمكن الإيمان من قلبه، لما بقي فيه من طبع البشر من حب المال، فقسم فيهم لتجتمع قلوبهم
على محبته، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين
ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم فيهم لقصر عليهم بخلاف قسمه

٢٥
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي عَِّ ومعه الناس مقفله من
حنين، علقت برسول الله عَّهِ الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه،
على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فيكون
سببًا لإسلامهم، ولتقوية قلب من دخل فيه قبل، فتبعهم من دونهم في الدخول، فكان فيه مصلحة
عظيمة، ولذا لم يقسم من أموال مكة عند فتحها شىء مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم
على ما هم فيه انتهى، ووكل أولئك إلى قوَّة إيمانهم، كما قال ◌َِّ لمن قال له: أعطيت عيينة
والأقرع، وتركت جعيل بن سراقة، فقال: ((أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع
الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه)).
أخرجه ابن إسحق رواية يونس، وقد روي البخاري عن سعد مرفوعًا: إني لأعطي الرجل
وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه اللّه في النار على وجهه، وروي أيضًا عن عمرو بن ثعلب
مرفوعًا: إني لأعطي أقوامًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل أقوامًا إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من
الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب، قال عمرو: فما أحب أن لي بها حمر النعم، (و) في
البخاري، أيضًا في الجهاد وفرض الخمس (عن جبير بن مطعم) بن عدي القرشي النوفلي:
(بينما) بالميم (أنا مع النبي عَّ ومعه))) أي والحال أن معه (الناس مقفله).
قال الحافظ: بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الفاء واللام: يعني زمان رجوعه (من
حنين،) وتبعه المصنف، فالهاء للضمير في مقفله عائد على المصطفى، لا تاء تأنيث، كما ظنه
من ضبطه، بضم الميم، وسكون القاف، وكسر الفاء؛ لأنه خلاف الرواية.
وفي رواية الخمس بدل مقفله مقفلاً، بالنصب على الحال، (علقت))) بفتح العين، وكسر
الخفيفة، بعدها قاف لزمت (برسول اللَّه عَ لِّ الأعراب) رواية أبي ذر ولغيره، فعلق الناس
ولأبي ذر عن الكشميهني فطفقت الناس الأعراب يسألونه أن يعطيهم من الغنيمة، وعند
ابن إسحق رواية يونس من حديث ابن عمر يقولون: يا رسول اللَّه اقسم علينا فيأنا (حتى
اضطروه،) ألجأوه (إلى سمرة).
قال الحافظ، بفتح المهملة، وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس، قليلة الظل، صغيرة
الورق والشوك، صلبة الخشب، قاله ابن التين، وقال الداودي: هي العضاه، وقال الخطابي: ورق
السمرة أثبت، وظلها أكنف، ويقال: هي شجر الطلح، (فخطفت) بكسر الطاء الشجرة (رداءه)،
أي علق شوكها به فجبذه، فهو مجاز، أو المراد خطفته الأعراب.
قاله المصنف: وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمرو بن شيبة حتى عدلوا ناحية عن

٢٦
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
فوقف عَّ فقال: أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته
بینکم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا. ورواه مسلم.
الطريق، فمر بسمرات، فانتهشن ظهره، وانتزعن رداءه، (فوقف عَِّ، وقال: ((أعطوني) بهمزة قطع
(ردائي،) أي خلصوه من السمرة، وناولوه لي.
وفي حديث ابن عمر عند ابن إسحق: ((يا أيها الناس ردوا علي ردائي)) (فلو كان لي عدد
هذه العضاه،) بكسر المهملة، وفتح المعجمة الخفيفة آخره هاء وصلاً، ووقفًا قال القزاز: شجر
الشوك كالطلح، والعوسج والسدر، قيل واحده عضة بفتحتين، والأصل عضهة فحذفت الهاء،
وقيل: واحده عضاهة، وفي حديث ابن عمر: فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر
تهامة (نعمًا،) بفتح النون والعين نصب على التمييز، والخبر لي أو على الخبر، والإسم عدد
ولأبي ذر نعم بالرفع اسم كان، ونصب عدد خبر مقدم (لقسمته بينكم).
زاد أبو ذر في نسخة عليكم، (ثم لا تجدوني) بنون واحدة، ولأبي ذر بنونين (بخيلاً، ولا
كذوبًا ولا جبانًا))، أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي
الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي دل عليها الثلاثة، لأن كذوبًا من صيغ المبالغة، وجبانًا
صفة مشبهة، وبخيلاً يحتمل الأمرین.
قال ابن المنير: وفي جمعه عَّه بين هذه الصفات لطيفة، لأنها متلازمة، وكذا أضدادها
الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من
كسب سيفه، فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأن
الخلف إنما ينشأ من البخل. وقوله: ((لو كان لي مثل هذه العضاة)) تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا
سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال ثم هنا بعدما تقدم ذكره
ليس مخالفًا لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم، إنما يكون بعد
العطاء، وليس المراد بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلو رتبة
الوصف؛ كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتعارف أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاءً
بلا کرم، کعطاء البخيل ونحو ذلك انتھی.
(ورواه مسلم) أيضًا وعبد الرزاق، ويقع في نسخ رواه بلا واو، وهي خطأ لإيهامها انفراده
به عن البخاري، مع أنه رواه في محلين كما علمت، وفيه ذم الخصال المذكورة، وأن الإمام لا
يصلح أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان فيه عَّهِ من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود
والصبر على جفاة الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف،
ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون من الفخر المذموم ورضا السائل للحق بالوعد إذا

٢٧
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي عن ابن عباس أنه قال: لما قدم
رسول الله عَّه من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك
لليلتين بقيتا من شوال.
قال ابن سيد الناس وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي عنّ اله.
انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها
ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة
ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة ودخل مكة.
وفي تاريخ الأزرقي عند مجاهد أنه عَّهِ أحرم من وراء الوادي، حيث
الحجارة المنصوبة.
تحقق من الواعد التنجيز، وأن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب، وإن شاء
قبل ذلك.
(وذكر محمد بن سعد) بن منيع، الثقة الحافظ، المشهور بأنه (كاتب الواقدي) محمد بن
عمر بن واقد، المدني الحافظ، المتروك مع سعة علمه، (عن ابن عباس أنه قال: لما قدم
رسول اللَّه عَِّ من الطائف، نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم).
قال أهل المغازي: أمر عَّه زيد بن ثابت بإحضار الناس والغنائم، ثم فضها على الناس،
فكانت سهامهم لكل رجل أربعة من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسًا أخذ اثني عشر من الإبل
ومائة وعشرين شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له، قالوا: ولما جمعت الغنائم
بين يديه عَّله جاءه أبو سفين بن حرب قال: يا رسول اللَّه أصبحت أكثر قريش مالاً، فتبسم عَّ﴾
(ثم اعتمر منها،) أي الجعرانة، (وذلك لليلتين بقيتا من شوّال، قال ابن سيد الناس، وهذا
ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي عَِّ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس
ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج
ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلاً، وأحرم بعمرة ودخل مكة،) فطاف
وسعى، وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته، فكأنه كان بائتابها، (وفي تاريخ) مكة للإمام
(الأزرقي) نسبة إلى جده الأزرق، إذ هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن
عتبة بن الأزرق بن عمرو الغساني، وجده الأدنى أحمد من شيوخ البخاري.
(عن مجاهد) مرسلاً (أنه (عَِّ أحرم من وراء الوادي حيث) ظرف مكان (الحجارة
المنصوبة .

٢٨
بعث قيس إلى صداء
وعند الواقدي: من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى
من الجعرانة. وكان صلاته عليه الصلاة والسلام إذ كان بالجعرانة به.
والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد، كما قاله الفاكهي. وقال الباجي:
ثمانية عشر ميلا، وسمي بامرأة تلقب بالجعرانة، كما ذكره السهيلي.
قالوا: وقدم مَّ له المدينة وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوما.
[بعث قيس إلى صداء]
وبعث عَّ ◌ُلِّ قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن
(وعند الواقدي من المسجد الأقصى) إلا بعد (الذي تحت الوادي العدوة القصوى من
الجعرانة، وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام إذا كان بالجعرانة به) بذلك المسجد.
(والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد كما قاله الفاكهي).
قال عياض: وهي بين مكة والطائف وإلى مكة أقرب، (وقال الباجي: ثمانية عشر ميلاً،)
ووقع في الصحيح أنها بين مكة والمدينة.
قال الداودي وغيره وهو وهم: إنما هي بين مكة والطائف، وكذا جزم به السيوري، (وسمي
الموضع (بامرأة تلقب بالجعرانة،) واسمها ريطة وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثًا (كما
ذكره السهيلي) في الروض، (قالوا: وقدم عَّ المدينة) بعدما استخلف على مكة عتاب بن
أسيد ومعه معاذ بن جبل، زاد الواقدي والحاكم وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرءان والفقه
في الدين.
قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه لما استعمل عَ له عتابًا على مكة رزقه كل يوم
درهمًا، فقام فخطب، فقال: أيها الناس أجاع اللَّه كبد من جاع على درهم، فقد رزقني عَّة.
درهمًا كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد، (وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يومًا،) فقدم
المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة وقال ابن هشام: لست بقين منها، فيما زعمه أبو عمرو المدني
ومر عن الفتح أن مدة الغيبة أكثر من ثمانين يومًا والله أعلم.
بعث قيس إلى صداء
(وبعث ◌َّ قيس بن سعد بن عبادة،) الخزرجي الصحابي، ابن الصحابي، الجواد
ابن الجواد (إلى ناحية اليمن،) لأنه كما قال ابن سعد: لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثًا إلى
اليمن، فبعث المهاجرين أبي أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، وهيأ بعثًا استعمل

٢٩
البعث إلى بني تميم
في أربعمائة فارس، وأمره أن يقاتل قبيلة صداء، حين مروره عليهم في الطريق.
فقدم زياد بن الحرث الصدائي، فسأل عن ذلك البعث فأخبر، فقال: يا
رسول الله أنا" وافدهم، فاردد الجيش، وأنا لك بقومي، فردهم النبي عَّه من قناة.
وقدم الصدائيون بعد خمسة عشر يومًا فأسلموا. وتأتي قصة وفدهم في
الفصل العاشر من المقصد الثاني إن شاء الله تعالى.
[البعث إلى بني تميم]
وبعث عيينة بن حصن
عليهم قيسًا، وعقد له لواء أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وعسكر بناحية قناة (في أربعمائة فارس)
من المسلمين، (وأمره أن يقاتل قبيلة صداء،) بضم الصاد وفتح الدال المهملتين، والمد قال
البخاري وغيره: حي من اليمن قيل أنه صداء بن حرب بن علة (حين مروره عليهم،) وسياق،
المصنف يوهم أن صداء غير مقصود بالبعث، وينافيه رد الجيش من قناة لما تكفل زياد بهم.
وقد ذكر الواقدي وغيره أنه بعثه إلى ناحية من اليمن فيها صداء، فهذا صريح أنهم
المقصودون بالبعث، وأجاب شيخنا: بأن اليمن لما كان متسعًا ولم يعلم المحل الذي فيه
الصدائيون بخصوصه عين لهم الجهة دون المحل، بقوله (في الطريق،) أي في أي محل
وجدتموهم فقاتلوهم، (فقدم زياد بن الحرث،) ويقال ابن حارثة، قال البخاري والحرث أصح
(الصدائي،) قال ابن يونس: صحابي معروف نزل مصر، (فسأل عن ذلك البعث، فأخبر، فقال: يا
رسول الله أنا وافدهم،) يعني قومه وفي رواية جئتك وافدًا على من ورائي، (فأردد الجيش، وأنا)
أتكفل (لك بقومي،) أي بمجيئهم مسلمين.
وفي رواية وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم، فقال لي: ((اذهب فردهم)، فقلت: إن راحلتي
قد كلت فبعث رجلاً (فردهم النبي عَ ليه من قناة،) بفتح القاف والنون واد بالمدينة.
قال الواقدي: ورجع الصدائي إلى قومه، (وقدم الصدائيون،) أي وفدهم وهم، خمسة عشر
رجلاً، كما يأتي في الوفود (بعد خمسة عشر يومًا فأسلموا،) فقال عَّهِ: «إنك مطاع في قومك
يا أخا صداء»، فقال: بل اللَّه هداهم، ورجعوا إلى قومهم، ففشا فيهم الإسلام، ثم وافاه زياد في
حجة الوداع بمائة منهم، كما ذكره الواقدي عن بعض بني المصطلق، (وتأتي قصة وفودهم في
الفصل العاشر من المقصد الثاني إن شاء اللَّه تعالى).
البعث إلى بني تميم
(وبعث عيينة بن حصن) بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوير، بالجيم مصغرًا بن لوذان بن

٣٠
البعث إلى بني تميم
الفزاري إلى بني تميم بالسقيا وهي أرض بني تميم - في المحرم سنة تسع في
خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري.
فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا
ثعلبة بن عدي بن فزارة (الفزاري)) يقال: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة، لشجة أصابته،
فجحظت عيناه، أسلم قبل الفتح وشهدها وحنينًا والطائف، وارتد في عهد أبي بكر، ثم عاد إلى
الإسلام، وكان فيه جفاء الأعراب، وقع للشافعي في الأم في كتاب الركاز، أن عمر قتله على
الردة.
قال في الإصابة ولم أر من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا فلا يذكر في الصحابة،
لكن يحتمل أنه أمر بقتله، فبادر إلى الإسلام، فترك فعاش إلى خلافة عثمن، وقد ذكر ابن عبد البر
أنه دخل على عثمن، فأغلظ له، فقال عثمن: لو كان عمر ما أقدمت عليه انتهى، وقال فيها أيضًا
في ترجمة طليحة بن خويلد: وقع في الأم أن عمر قتل طليحة وعيينة، وراجعت في ذلك جلال
الدين البلقيني، فاستغربه جدًا، ولعله قبل بالباء الموحدة، أي قبل منهما الإسلام انتهى.
(إلى بني تميم،) وفي البخاري عن ابن إسحق إلى بني العنبر من بني تميم، قال ابن هشام:
والعنبر هو عمرو بن تميم (بالسقيا،) بضم السين المهملة وإسكان القاف، فتحتية مقصور قرية
جامعة من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلاً، (وهي أرض بني تميم) فيه
تسمح، فالذي في العيون وغيرها وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، فلعله أطلق عليها
أرضهم لقربها منها.
ذكر الواقدي: أن سبب البعث إليهم أنهم غاروا على ناس من خزاعة لما بعث عَة إليهم
بشر بن أبي سفين العدوي الكلبي يأخذ منهم الصدقات، ونهاه عن كراثم أموالهم، فجمعوا له ما
طلبه، فاستكثره بنو تميم، وقالوا: ما لهذا يأخذ أموالكم منكم بالباطل، فشهروا السيوف، فقال
الخزاعيون: نحن مسلمون وهذا أمر ديننا، فقال التميميون: لا يصل إلى بعير منها أبدًا، فهرب
الرسول ورجع فأخبره عَّهِ الخبر، فوثب خزاعة على التميميين، فأخرجوهم وقالوا: لولا قرابتكم ما
وصلتم إلى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من محمد عدّ له حيث تعرضتم لرسوله تردونه عن
صدقات أموالنا، فخرجوا راجعين إلى بلادهم، فقال عَّه: ((من لهؤلاء القوم، فانتدب أول الناس
عيينة))، قال ابن سعد: كان ذلك (في المحرم سنة تسع) بعثه (في خمسين فارسًا من العرب
ليس فيهم مهاجري، ولا أنصاري) من مزيد حذقه عَّةٍ خافهم عليهم، فلم يبعث منهم أحدًا،
(فكان يسير الليل، ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء،) حال كونهم (فدخلوا) بالقاف،

٣١
البعث إلى بني تميم
وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولّوا فأخذ عيينة منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا
في المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا.
فقدم منهم عشرة من رؤسائهم، منهم: عطارد والزبرقان،
وفتح الحاء وشد اللام، كما ضبطه الشامي بالقلم من الحلول، أي نزلوا بها وإن قريء بالفاء
والخاء المعجمة من الدخول صح، أي دخلوا محل دوابهم (وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا
الجمع ولوا، فأخذ عيينة،) وفي نسخة فأخذوا أي عيينة ومن معه (منهم أحد عشر رجلاً).
قال البرهان: لا أعرفهم (ووجدوا في المحلة،) بفتح الميم، المهملة واللام المشددة
مكان نزولهم (إحدى عشرة امرأة.) كما قال الواقدي وابن سعد وتبعهما مغلطاي وغيره. وفي
العيون إحدى وعشرين امرأة، قال البرهان: لا أعرفهن، (وثلاثين صبيًا) لا أعرف أسماءهم انتهى.
زاد في العيون، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم عَّ ◌ُلّه، فحبسوا في دار رملة بنت الحرث،
(فقدم) في شأن الأسرى (منهم عشرة من رؤسائهم) ليسوا جملة القادمين، كما يوهمه المصنف،
فقد قال ابن إسحق: لما قدم سبيهم عليه معَّله، ركب فيهم وفد من بني تميم حتى قدموا عليه
منهم ربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، ولملك بن عمرو،
وفراس بن حابس، وذكر باقي العشرة الذين عدهم بقوله (منهم عطارد) بن حاجب بن زرارة
التميمي استعمله علَّم على صدقات بني تميم.
روى الطبراني عنه: أنه أهدى إليه عَّ ثوب ديباج، كساه لأبيه كسرى، فدخل أصحابه،
فقالوا: ما نزل عليك من السماء، فقال: وما تعجبون من ذا المناديل سعد بن معاذ في الجنة خير
من هذا.
قال في الإصابة، وارتد عطارد بعده عَّله مع من ارتد من تميم ومع سجاح، ثم أسلم، وهو
القائل فيها:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة اللَّه رب الناس كلهم على سجاح ومن بالكفر أغوانا
(والزبرقان،) بكسر الزاي، وسكون الموحدة، وراء مكسورة ابن بدر التميمي السعدي.
قال في الإصابة: كان اسمه الحصين، ولقب الزبرقان لحسن وجهه، وهو من أسماء القمر
انتهى. قال الشاعر:
تضيء به المنابر حين يرقى عليها مثل ضوء الزبرقان
وقال ابن السكيت وغيره: إنما قيل له ذلك لتصغيره عمامته، يقال: زبرقت الثوب إذا
صغرته.

٣٢
البعث إلى بني تميم
وقیس بن عاصم، والأقرع بن حابس،
قال في الروض: وكان يرفع له بيت من عمائم وثياب، ويضمخ بالزعفران والطيب وتحجه
بنو تميم. قال الشاعر:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا
قال: وله أسماء الزبرقان، والمعمر والحصين، وكني ثلاثة أبو العباس، وأبو سدرة
وأبو عياش! انتهى. أسلم وصحب.
قال ابن عبد البر: ولاه عَّه صدقات قومه، فأداها إلى أبي بكر، فأقره، ثم إلى عمر وعمي،
وعاش إلى خلافة مطوية.
وقيل بعدها وأنه وفد على عبد الملك، وقاد إليه خمسة وعشرين فرسًا، ونسب كل فرس
إلى آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس يمينًا غير التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك:
عجبي من اختلاف أيمانه أشد من عجبي بمعرفته أنساب الخيل.
(وقيس بن عاصم) بن سنان بن منقر التميمي المنقري، بكسر الميم وسكون النون، وفتح
القاف نسبة إلى جده المذكور، كان عاقلاً حليمًا يقتدى به، حرم الخمر في الجاهلية.
روى ابن سعد بسند حسن عنه: أتيت النبي عٍَّ، فلما دنوت منه قال: هذا سيد أهل الوبر
قال عمر للأحنف: ممن تعلمت الحلم، قال: من قيس بن عاصم رأيته أتى برجل مكتوف وآخر
مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى ابن أخيه، فقال: يا ابن أخي بئس ما فعلت،
أثمت بربك، وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار
أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة.
قال ابن حبان: كان له ثلاثة وثلاثون ولدًا، ونزل البصرة، وبها مات، ورثاه عبدة بن الطيب
بقوله:
عليك سلام اللَّه قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
(والأقرع بن حابس) التميمي، المجاشعي الدارمي، قال ابن إسحق: وفد وشهد الفتح
وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة، وقد حسن إسلامه حضر اليمامة، وغيرها وحرب أهل العراق،
وفتح الأنبار مع خالد.
قال ابن دريد: اسمه فراس، وإنما قيل له الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفًا في الجاهلية
والإسلام، استشهد بخراسان في زمن عثمن.
قال الحافظ: وقرأت بخط الرضى الشاطبي؛ أنه قتل باليرموك في عشرة من بنيه والله أعلم.

٣٣
البعث إلى بني تميم
فجاؤوا إلى باب النبي عَّ فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج عَّ. وأقام بلال
الصلاة وتعلقوا برسول الله عَّ يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر. ثم
جلس في صحن المسجد.
فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب فأمر عَ ◌ّ ثابت بن قيس بن شماس
فأجابهم.
وذكر ابن الكلبي أنه كان مجوسيًا قبل إسلامه انتهى، ولا يشكل عليه حضوره في وفد
تميم؛ بأنه أسلم قبل، وحضر مع النبي الغزوات المذكورة لقول ابن إسحق قد كان الأقرع وعيينة
شهدا معه ◌َّ الغزوات الثلاث، فلما قدم وفد تميم كانا معهم، (فجاءوا) لما رآهم النساء
والذراري، وبكوا، فعجلوا (إلى باب النبي عَّه،) ولا يرد عليه قوله من وراء الحجرات لأن
النداء، وقع عند الباب، وسمع من ورائها، (فنادوه: يا محمد اخرج إلينا،) زاد في رواية، تفاخرنا،
ونفاخرك، وتشاعرنا، ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين، فلم يزد عَّهِ على أن قال: ((ذاك اللَّه
إذا مدح زان وإذا ذم شان إني لم أبعث بالشعر ولم أؤمر بالفخر ولكن هاتوا».
وعند ابن إسحق: فآذى ذلك رسول اللّه عٍَّ من صياحهم.
وروى ابن جرير وغيره عن الأقرع: أنه ناداه عَِّ من وراء الحجرات فلم يجبه، فقال: یا
محمد واللَّه إن حمدي ليزين، وإن ذمي ليشين، فقال عَّ: ((ذلك اللَّه)، (فخرج عَّة، وأقام بلال
الصلاة) للظهر، (وتعلقوا برسول اللَّه عَّه يكلمونه) في فداء عيالهم، (فوقف معهم، ثم مضى
فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد).
قال ابن إسحق: فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فائذن لشاعرنا وخطيبنا، فليقل، فقال:
((أذنت لخطيبكم))، (فقدموا عطارد بن حاجب،) فقام، (فتكلم وخطب).
قال ابن إسحق: فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله الذي جعلنا ملوكًا،
ووهب لنا أموالاً عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثر عددًا وعدة، فمن
مثلنا في الناس، ألسنا برؤوس الناس وأفضلهم؟ فمن فاخرنا، فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا
لأكثرنا الكلام، ولكنا نستحي من الإكثار، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر
أفضل من أمرنا، ثم جلس، (فأمر عَّ ثابت بن قيس بن شماس،) بمعجمة، وشد الميم، فألف،
فمهملة الخزرجي الخطيب، من كبار الصحابة، بشره عٍَّ بالجنة، واستشهد باليمامة، فأجابهم).
قال ابن إسحق: فقال عَّ لثابت: ((قم فأجب الرجل في خطبته))، فقام ثابت، فقال.
الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شىء

٣٤
البعث إلى بني تميم
ونزل فيهم ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعلمون﴾
الآية، [الحجرات/٤] ورد عليهم عَّه الأسرى والسبي.
قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفی خير خلقه رسولاً أکرمه نسبًا،
وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، وأنزل عليه كتابًا، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة اللَّه في
العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول اللَّه عَّ المهاجرون من قومه وذوي رحمه،
أكرم الناس أحسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالاً، ثم كنا أول الخلق إجابة
واستجابة للَّه حين دعا رسول اللَّه، فنحن أنصار اللَّه وزراء رسول اللَّه، نقاتل الناس حتى يؤمنوا
باللَّه، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في اللَّه أبدًا، وكان قتله علينا
یسیر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم، فقام الزبرقان، فقال
قصيدة، وكان حسان غائبًا، فبعث إليه عَّةِ، فلما فرغ قال: ((يا حسان قم فأجب الرجل))، فقام
فأجابه والقصيدتان في ابن إسحق، وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لذكرهما، حيث ذكر
المصنف بعض القصيدة في ترجمة حسان.
قال ابن إسحق: فلما فرغ حسان، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل المؤتى له
لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلما فرغ
القوم أسلموا وجوّزهم، فأحسن جوائزهم، قال: (ونزل فيهم:) من القرآن: ((إن الذين ينادونك
من وراء الحجرات﴾) من خارجها، خلفها أو قدامها، لأن وراء في الأصل مصدر جعل ظرفًا،
فيضاف للفاعل، ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وللمفعول، ويراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذا
عد من الأضداد، والمراد حجرات نسائه ومناداتهم من ورائها، إما بأنهم أتوها حجرة، حجرة،
فنادوه، أو تفرقوا عليها متطلبين له، لأنهم لم يعلموه بأيها مناداة الأعراب بغلظة وجفاء (﴿أكثرهم
لا يعقلون﴾) محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، وفيه تسلية
الرسول وتلميح بالصفح عنهم، (ورد عليهم عَّ الأسرى والسبي،) بفداء النصف، والمن على
النصف، كما روي عن ابن عباس أو من على الكل تفضلاً بعد إسلامهم، ترغيبًا لهم فيه، وإن
وافقهم قبل على فداء النصف، وهذا هو الظاهر من مزيد كرمه عَّ له وإن جزم ابن إسحق بأنه أعتق
بعضًا، وفادى بعضًا.
وقد روى ابن شاهين وغيره من طريق المدائني، عن رجاله قالوا: لما أصاب عيينة بن
حصن بني العنبر من بني تميم، قدم وفدهم، فذكر القصة وفيها فكلم الأقرع بن حابس
رسول اللّه عَّةٍ في السبي، وكان بالمدينة قبل قدوم السبي، فنازعه عيينة بن حصن، وفي ذلك

٣٥
البعث إلى بني تميم
وفي البخاري: عن عبد الله بن الزبير: أنه قدم ركب من بني تميم على
النبي عَِّ فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمر
الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك،
فتماريا حتى ارتفعت
-
يقول الفرزدق يفخر بعمه الأفرع:
وعند رسول اللَّه قام ابن حابس بخطة سوّار إلى المجد حازم
له أطلق الأسرى التي في قيودها مغللة أعناقها في الشكائم
كفى أمهات الخائفين عليهم غلاء المفادي أو سهام المقاسم
وهذا قد يرد على من زعم أن المنادي عيينة والأقرع، وأسند إلى الكل، لرضاهم أو أمرهم
به أو وجوده بينهم، ويحتمل التوفيق بأن كلا ناداه لمراده، فمراد عيينه الفداء ونحوه، ومراد
الأقرع المن بلا شىء وعدًا من الوفد، تجوزًا لأنهما من القبيلة، وإن كانا أسلما قبل وكانا
بالمدينة.
(وفي البخاري) هنا، وفي التفسير (عن عبد الله بن الزبير،) أمير المؤمنين، الصحابي،
ابن الصحابي: (أنه) قال: (قدم ركب من بني تميم،) قيل: كانوا سبعين من رؤسائهم العشرة الذين
ذكر المصنف منهم أربعة (على النبي عَّه) فأسلموا وسألوه أن يؤمر عليهم أحدًا، (فقال
أبو بكر الصديق (أمر) عليهم (القعقاع،) بفتح القافين بينهما عين مهملة، فألف فمهملة
(ابن معبد،) بفتح الميم، والموحدة بينهما عين ساكنة مهملة، وآخره دال مهملة.
(ابن زرارة) بن عدي بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي الصحابي.
قال هشام بن الكلبي: كان يقال له تيار الفرات لسخائه، وعند البغوي قال أبو بكر:
استعمل القعقاع بن زرارة، فنسبه لجده.
قال ابن التين: كانت فيه رقة، فلذا اختاره أبو بكر، (وقال عمر) الفاروق: (بل أمر) عليهم
(الأقرع بن حابس) لشرفه فيهم، وصلابته وحسن إسلامه، وقرابته من رسول اللَّه عَُّله؛ فإنه من
خندف، ثم من بني تميم، كما أفاده السهيلي.
(قال أبو بكر) لعمر رضي اللَّه عنهما: (ما أردت إلا خلافي،) بكسر الهمزة، وشد اللام،
أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، وفي رواية إلى خلافي إلى الجارة، فما استفهامية، أي أي
شىءٍ قصدت منتهيًا إلى خلافي، (فقال عمر: ما أردت خلافك) تعنتًا، وإنما أردت أن تولية الأقرع
عليهم أصلح، ولم يظهر لك أنت ذلك، فأشرت بتولية غيره، (فتماريا) تجادلا وتخاصما (حتى

٣٦
البعث إلى بني تميم
أصواتهما، فنزل في ذلك. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله
ورسوله ... ﴾ [الحجرات/١] حتى انقضت. أي لا تقدموا القضاء في الأمر قبل أن
يحكم الله ورسوله فيه.
ولما نزل ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾ [الحجرات/٢] أقسم أبو بكر لا يتكلم
بين يدي رسول الله إلا كما يسارر الرجل صاحبه،
ارتفعت أصواتهما) في ذلك (فنزلت في ذلك، ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله
ورسوله﴾ [الحجرات: ١] حتى انقضت) أي الآية، كما هو رواية البخاري في التفسير،
(أي لا تقدموا القضاء) فالمفعول محذوف ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن، أو تركه، لأن القصد
نفي التقديم رأسًا (في الأمر قبل أن يحكم اللَّه ورسوله فيه).
وفي البخاري قال مجاهد: لا تقدموا لا تقتاتوا على رسول اللَّه حتى يقضي الله على
لسانه، قال الزركشي: الظاهر أن هذا التفسير على قراءة ابن عباس ويعقوب، بفتح التاء، والدال،
والأصل لا تتقدموا، فحذف إحدى التاءین.
قال الدماميني: بل هو متأت على القراءة المشهورة أيضًا فإن قدم بمعنى تقدم قال
الجوهري: وقدم بين يديه أي تقدم قال تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾، انتهى.
وروى ابن المنذر عن الحسن: أن ناسًا ذبحوا قبله عَّله يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا،
ونزلت الآية، وأخرج الطبراني عن عائشة أن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر، فيصومون قبله عَّ له،
فنزلت، وروى ابن جرير عن قتادة: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، فنزلت ولا
شك أن الأصح الأول لكونه مروي البخاري ويحتمل تعدد الأسباب، وقد قال الفخر الرازي:
الأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات، وتقدم واستبداد بالأمر،
وإقدام على فعل غير ضروري بلا مشاورة، (ولما نزل) بسبب المماراة أيضًا (﴿لا ترفعوا
أصواتكم) فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢].
قال المصنف: أي إذا كلمتموه لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي
قلبه ارتجف، وضعفت حركته الدافعة، فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف بالعكس،
وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف، والاستهانة،
فكيف وهم خير الناس، بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزیره. انتهى.
(أقسم أبو بكر لا يتكلم بين يدي رسول اللَّه عَلَّ إلا كما يسارر الرجل صاحبه،) وفي
البخاري: من وجه آخر عن ابن أبي ملكية كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند

٣٧
بعث الوليد إلى بني المصطلق
ونزل فيه وفي أمثاله ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ [الحجرات/٣]
الآية.
[بعث الوليد إلى بني المصطلق]
ثم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق بن خزاعة
يصدقهم،
النبي عَّةٍ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾
[الحجرات: ٢].
قال ابن الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول اللَّه عَ لَّه بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم
يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر وعنده في الاعتصام، فكان عمر بعد ذلك إذا حدثه عَّه
بحديث يحدثه كأخي السرار لا يسمعه حتى يستفهمه، والحاصل أنهما رضي اللَّه عنهما كانا
يفعلان ذلك، وزاد أبو بكر الحلف، (ونزل فيه وفي أمثاله،) كعمر وثابت بن قيس خطيبه فإنه،
كان من أرفع الصحابة صوتًا، ولما نزلت جلس في بيته منكسًا رأسه، فافتقده عَّه، فقال الرجل:
((قل إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)، (﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند
رسول اللَّه﴾ [الحجرات: ٣]) ﴿أولئك الذين امتحن اللَّه قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾
[الحجرات: ٣].
بعث الوليد إلى بني المصطلق
(ثم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط) إبان بن أبي عمرو، وذكوان بن أبي أمية بن
عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أخا عثمن لأمه، يكنى أبا وهب، كان شجاعًا، شاعرًا من رجال
قريش وسرواتهم، أسلم في الفتح ونشأ في كنف عثمن إلى أن استخلف فولاه الكوفة، ثم عزله
للشرب وحده، كما في الصحيحين، ولما مات عثمن اعتزل الوليد الفتنة، فلم يشهد مع علي ولا
غيره، وأقام بالرقة إلى أن مات في خلافة مطوية (إلى بني المصطلق) بضم الميم، وسكون
الصاد، وفتح الطاء المهملتين، وكسر اللام آخره قاف لقب لجذيمة بجيم ومعجمة مصغرًا ابن
سعد بن عمرو بطن (بن خزاعة،) بضم الميم، وفتح الزاي مخففة.
قال المحدحي: من الأزد سموا بذلك لأنهم تخزعوا، أي تخلفوا عن قومهم وأقاموا بمكة
(يصدقهم)، أي: يأخذ الصدقة منهم؟ وسبب ذلك كما أخرجه الإمام أحمد وغيره بإسناد جيد عن
الحرث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول اللَّه علّ له، فدعاني إلى الإسلام فأسلمت، وإلى
الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فادعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن

٣٨
بعث الوليد إلى بني المصطلق
وكان بينهم وبينه عداوة في الجاهلية. وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما
سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا بالجزر والغنم، فرحًا به وتعظيمًا لله
ولرسوله، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله. فرجع من الطريق قبل أن يصلوا إليه،
وأخبر النبي عَّ. أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة.
فهمَّ عَِّ أن يبعث إليهم من يغزوهم. وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب
الذي لقوا الوليد، فأخبروا النبي عَّهِ الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية
استجاب لي جمعت زكاته، فترسل إلي لوقت كذا، فجمعت من الزكاة، فلما جاء الوقت لم يأته
رسول، فظن أنه حدث فيه شىء فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول اللَّه عَّله كان قد وقت
وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما عندي من الزكاة وليس الخلف منه، ولا أرى منع رسوله إلا مني
فتعالوا إلى رسول اللَّه عَّهِ. وبعث عَِّ الوليد بن عقبة (وكان بينهم وبينه عداوة في الجاهلية،
وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو) بقرب (الوليد، خرج منهم عشرون رجلاً
بالجزر) جمع جزور، (والغنم) أي يؤدونها عن زكاتهم، كذا جزم به شيخنا (فرحًا به،) أي لكونه
رسول المصطفى، كما يدل عليه، (وتعظيمًا للَّه ولرسوله).
وعند ابن عبد البر ومعهم السلاح (فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله) لرؤية السلاح، مع
أنهم إنما خرجوا به تجملاً على عادة العساكر، فخاف (فرجع من الطريق قبل أن يصلوا إليه،
وأخبر النبي عَّ) مستندًا لظنه (أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة.) ولعبد الرزاق
وغيره عن قتادة، فقال: ارتدوا (فهم عَّل أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك،) أي همه
بغزوهم (القوم،) أي وبعث بالفعل. ففي حديث الحرث عند أحمد تلو ما مر، فلما سار الوليد
فرق، أي خاف فرجع، فقال: إن الحرث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب عَّ البعث إلى
الحرث، فأقبل الحرث بأصحابه إذ استقبل البعث، فقال لهم: إلى أين بعثتم قالوا: إليك قال: ولم
قالوا إن رسول اللَّه عَُّالمِ بعث الوليد، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث
محمدًا ما رأيته ولا أتاني، فلما دخل عليه عليه الصلاة والسلام قال له عّلّهِ: ((منعت الزكاة
واردت قتل رسولي)) قال: لا والذي بعثك بالحق فنزلت الآية (فقدم عليه الركب الذين لقوا
الوليد) من بعد ولم يصلوا إليه، (فأخبروا النبي عَ لِ الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية،) كما
رواه أحمد وغيره من حديث الحرث والطبراني بنحوه من حديث جابر، وعلقمة بن ناجية، وأم
سلمة وابن جرير عن أنس، ووردت من مرسل قتادة وعكرمة، ومجاهد، قال ابن عبد البر: لا
خلاف بين أهل التأويل، أنها نزلت في الوليد، ويعارضه ما أخرجه أبو داود، عن أبي موسى

٣٩
سرية ابن عوسجة
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ... ﴾ [الحجرات/٦] إلى آخر الآية، فقرأ
عليهم القرءان. وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم ويعلمهم شرائع
الإسلام ويقرئهم القرءان.
[سرية ابن عوسجة]
عبد اللَّه الهمداني، عن الوليد بن عقبة قال: لما افتتح عَّ مكة جعل أهلها يأتونه بصبيانهم،
فيمسح على رؤوسهم، فأتى بي إليه، وأنا مخلق، فلم يمسني من أجل الخلوق، لكن ضعفه ابن
عبد البر بأن أبا موسى مجهول، قال: ومن يكون صبيًا يوم الفتح لا يبعثه عَّه مصدقًا بعد الفتح
بقليل، وقد ذكر الزبير بن بكار وغيره من علماء السير: أن أم كلثوم بنت عقبة لما هاجرت في
الهدنة خرج أخواها الوليد، وعمارة ليرداها، قال: فمن يكون صبيًا يوم الفتح كيف يخرج ليرد
أخته قبله.
قال الحافظ: ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلاً أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحرث بن
أبي وجرة لما أسر يوم بدر، فافتداه بأربعة آلاف.
٠
حكاه أهل المغازي (﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق﴾ [الحجرات: ٦]). يعني
جنسها.
ففي حديث الحرث عند أحمد وغيره، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأً﴾.
[الحجرات: ٦] إلى قوله: ﴿عليمٌ حكيمٌ﴾ [الحجرات: ٨]، ولا يشكل تسميته فاسقاً
بإخباره عنهم بذلك على ظنه للعداوة ورؤية السيوف، وذلك لا يقتضي الفسق لأن المراد الفسق
اللغوي، وهو الخروج عن الطاعة، وسماه فاسقًا لإخباره بخلاف الواقع على المبعوث إليهم لا
الشرعي الذي هو من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة العدالة الصحابة، وقد صرح بعضهم: بأن
كون ذلك مدلول الفسق لا يعرف لغة إنما هو مدلول شرعي، (فقرأ عليهم عَ ل القرآن، وبعث
معهم عباد بن بشر) الأنصاري البدري، من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وأبلى يوم اليمامة،
فاستشهد بها، (يأخذ صدقات أموالهم، ويعلمهم شرائع الإسلام، ويقرئهم القرآن،) بعد أن كان
بعث خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فروى عبد الرزاق وغيره، عن قتادة وعكرمة ومجاهد:
أنه عَِّ بعث خالد بن الوليد خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عنهم قدومه، فلما دنا منهم بعث
عيونًا ليلاً، فإذا هم ينادون بالصلاة ويصلون، فأتاهم خالد، فلم ير منهم إلا طاعة وخيرًا، فرجع
إليه عَ لَّهِ فأخبره، فنزلت الآية، فبعث معهم عبادًا الجمل الثلاث التي ذكرها المصنف.

٤٠
سرية قطبة إلى خثعم
وفي («شرف المصطفى)) للنيسابوري، مما ذكره مغلطاي أنه عليه الصلاة
والسلام بعث عبد الله بن عوسجة إلى بني عمرو بن حارثة، وقيل حارثة بن عمرو -
قال: وهو الأصح - في مستهل صفر ويدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا
واستخفوا بالصحيفة، فدعا عليهم عَّ بذهاب العقل، فهم إلى اليوم أهل رعدة
وعجلة وكلام مختلط.
[سرية قطبة إلى خثعم]
ثم سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم، قريباً من تربة - بفتح الراء - من
أعمال مكة سنة تسع، وبعث معه عشرين رجلا، وأمره أن يشن الغارة عليهم ....
سرية ابن عوسجة
(وفي شرف المصطفى النيسابوري) عبد الرحمن، الحافظ أبي سعد (مما ذكره
مغلطاي،) وأصله في مغازي الواقدي بلا إسناد، وتبعه جماعة (أنه عليه الصلاة والسلام بعث
عبد الله بن عوسجة))) بفتح العين والسين المهملتين، بينهما واو ساكنة، وبالجيم العوفي الصحابي
(إلى بني عمرو بن حارثة، وقيل حارثة بن عمرو قال: وهو الأصح) لأنه المذكور في المغازي
للواقدي التي هي سلف من ذكر هذه القصة (في مستهل صفر).
وقال الطبري: كما في الإصابة في مستهل ربيع الأول، سنة تسع من الهجرة، (يدعوهم
إلى الإسلام، فأبوا أن يجيبوا واستخفوا بالصحيفة).
قال الواقدي: فغسلوها، ورقعوا بها أسفل دلوهم، فرفع ذلك له عليه السلام، (فدعا
عليهم عَ لّه بذهاب العقل،) فقال: ما لهم ذهب اللَّه بعقولهم، (فهم إلى اليوم أهل رعدة) بكسر
الراء اضطراب في أجسادهم (وعجلة) في كلامهم، (وكلام مختلط): لا يفهم، وأهل سفه.
قال الواقدي: قد رأيت بعضهم عيالاً يحسن يعني الكلام انتهى. والله أعلم.
سرية قطبة إلى خثعم
(ثم سرية قطبة) بضم القاف، وسكون الطاء المهملة، وبالموحدة (ابن عامر بن حديدة) بن
عمرو الخزرجي العقبي، شهد بدرًا والمشاهد، وحمل راية بني سلمة يوم الفتح.
قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مات في خلافة عمر. قاله أبو حاتم، وقال ابن حبان: في
خلافة عثمان (إلى خثعم) بفتح المعجمة، وسكون المثلثة، وفتح المهملة (قريبًا من تربة،) بضم
الفوقية، و (بفتح الراء) والموحدة الخفيفة، وتاء تأنيث (من أعمال مكة) على يومين منها في
صعر (سنة تسع، وبعث معه عشرين رجلاً وأمره أن يشن الغارة عليهم،) أي يفرقهم من كل