Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَرَحُ العَلَامِ الرََّقَانِي
المتوفى سنة ١١٢٢ هـ.
اعلى
المواهب الدنيّة بالشيخ المحمديّة
للعَلَامَة القسطَلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبَطَرَ وَحَجَحْهُ
محمد عبدالعزيز الخالدي
الجزء الرابع
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by
DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

[حرق ذي الكفين]
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم من خشب، كان
لعمر بن حممة في شوال - لما أراد عليه الصلاة والسلام السير إلى الطائف -
ليهدمه ويوافيه بالطائف.
فخرج سريعًا فهدمه وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه يقول:
٠٠
يا ذا الكفين.
حرق ذي الكفين
(ثم سرية الطفيل)، بضم الطاء المهملة، وفتح الفاء، وسكون التحتية، (ابن عمرو) بن
طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، (الدوسي،) وقيل: هو ابن
عبد عمرو بن عبد الله بن لملك بن عمرو بن فهم المذكور، وقيل: هو الطفيل بن عمرو بن حممة.
قال وبن سعد وابن حبان: اسلم بمكة، ورجع إلى بلاده ثم وافاه عَّه في عمرة القضية،
وشهد فتح مكة، وقال ابن أبي حاتم: قدم عليه مع أبي هريرة بخيبر، لقبه ذو النور، براء في آخره،
لأنه لما وفد ودعا عَِّ لقومه، فقال له: ابعثني إليهم، واجعل لي آية، فقال: ((اللهم نور له)،
فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثله، فتحول إلى طرف سوطه، فكان يضيء
له في الليلة المظلمة.
ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة فيها أنه: دعا قومه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم
تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده.
قال الحافظ: وهذا يدل على قدم إسلامه، وجزم ابن أبي حاتم، بأنه قدم مع أبي هريرة
بخيبر وكأنها قدمته الثانية، وقال ابن سعد وابن الكلبي: استشهد باليمامة، وقال ابن حبان:
باليرموك، وقيل: بأجنادين في خلافة أبي بكر، ذكره ابن عقبة عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة
(إلى ذي الكفين) بلفظ تثنية كف، (صنم من خشب كان لعمر بن حممة،) بضم المهملة وفتح
الميمين، كان حاكمًا على دوس ثلثمائة سنة، فيما ذكر ابن الكلبي (في شوال لما) حين (أراد
عليه الصلاة والسلام السير إلى الطائف ليهدمه،) وعند ابن إسحق أنه قال: يا رسول اللَّه إبعثني
إلى ذي الكفين حتى أحرقه، وعند ابن سعد وأمره أن يستمد قومه، (ويوافيه بالطائف، فخرج
سريعًا، فهدمه، وجعل يحش) بفتح الياء، وضم المهملة، وشد المعجمة (النار في وجهه،) أي
يلقيها عليه، (ويحرقه،) أي يوصل النار إلى بقيته، (ويقول: يا ذا الكفين).
قال السهيلي: بالتشديد، فخفف للضرورة، وقيل هو مخفف، فإن صح فهو محذوف

٤
غزوة الطائف
لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا النبي عَ ◌ّه بعد مقدمه بأربعة
أيام. وعند مغلطاي: وقدم معه أربعة مسلمون.
[غزوة الطائف]
ثم غزوة الطائف، وهي بلد كبير، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة،
من جهة المشرق، كثيرة الأعناب والفواكه.
اللام، كأنه تثنية كفء، من كفأت الإناء أو كف بمعنى كفء، ثم سهلت الهمزة، وألقيت
حركتها على الفاء، كما يقال: الخب والخبء انتهى.
(لست من عبادكا) بألف الاطلاق فيه، وفيما بعده (ميلادنا) زمان ولادتنا أيها النوع
الإنساني (أقدم من ميلادكا) زمان ولادتك، فكيف تصلح لعبادتنا إياك مع أن وجودك بفعلنا (إني
حشوت النار في فؤادكا) جوفك تشبيهًا له بقلب الحيوان، وإن كان جمادا لا قلب له لكونه
مصورًا، (وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا،) وكان الطفيل مطاعمًا في قومه، شريفًا شاعرًا
لبيبًا، كما عند ابن إسحق، (فوافوا النبي عَّ له بعد مقدمة) الطائف (بأربعة أيام).
هكذا ذكر ابن سعد (وعند مغلطاي، وقدم معه أربعة مسلمون)، فهذا تباين زائد إلا أن
يقال: أن الباقي أسلموا بعد القدوم، وذكر ابن سعد أنه قدم بدبابة ومنجنيق، وقال: يا معشر الأزد
من يحمل رايتكم، فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية، النعمان بن الرازية اللهبي، قال:
أصبتم دبابة بمهملة مفتوحة، فموحدة مشددة، فألف، فموحدة، فتاء تأنيث، آلة يدخل فيها
الرجال، فيدبون فيها النقب الأسوار الرازية، براء، فألف، فزاي مكسورة، فتحتية، وتأتي قصة
دوس في الوفود، والله تعالى أعلم.
غزوة الطائف
(ثم غزوة الطائف، وهي) كذا في النسخ بالتأنيث، والذي في الفتح، وهو (بلد كبير على
ثلاث مراحل، أو إثنتين من مكة من جهة المشرق،) متعلق بكل من ثلاث، أو اثنتين ولك الجمع
بأن الثلاث من عمران مكة والإثنتين من آخر ما ينتهي إليها من توابعها المنسوبة إليها، وكأنه
تقريب على كلا القولين، (كثيرة الأعناب) جمع عنب واحدة عنبة، (والفواكه،) وهي ما يتفكه،
أي يتنعم بأكله رطبًا كان، أو يابسًا، كتين وعنب وبطيخ وزبيب ورطب ورمان، فهو عطف عام

٥
غزوة الطائف
وقيل: إن أصلها أن جبريل - عليه السلام - اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب
الصريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث الطائف، فسمي
الموضع. وكانت أولا بنواحي صنعاء.
على خاص، غير أن الذي في الفتح، وتبعه الشامي كثير الأعناب والنخيل.
قال في القاموس: سمي بذلك لأنه طاف على الماء في الطوفان، أو لأن جبريل طاف بها
على البيت، أو لأنها كانت بالشام، فنقلها اللَّه إلى الحجاز بدعوة إبراهيم، أو لأن رجلاً من
الصدف أصاب دمًا بحضرموت، ففر إلى وج، وحالف مسعود بن معتب، وكان له مال عظيم،
فقال: هل لكم أن أبني لكم طوفًا عليكم يكون لكم رداً من العرب، فقالوا: نعم، فبناه وهو
الحائط المطيف به انتهى.
فهذه أربعة أقوال في سبب التسمية، (وقيل) خامس هو: (أن أصلها،) أي تسمية البلدة
بذلك (أن جبريل عليه السلام اقتلع الجنة التي كانت،) أي البستان الذي كان بصوران على
فرسخ من صنعاء، كما في الروض وفي الأنوار أنها دون صنعاء بفرسخين (لأصحاب الصريم)
البستان المقطوع ثمره سماه صريحًا، لأنه لما حل به البلاء صار لا ثمر له، والإضافة لأدنى ملابسة
لشبه جنتهم به، فجعلوا أصحابه تجوزًا، وإلا فهم ليسوا أصحابًا له، بل هو مشبه به، كما دل
عليه قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم، كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين
ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم﴾. [القلم: ١٧] قال
البيضاوي: البستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شىء، فعيل بمعنى مفعول، أو كالليل
باحتراقها وإسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سميا بالصريم، لأن كلاً منهما
ينصرف عن صاحبه أو كالرماد إنتهى.
وفي النهر قال ابن عباس: كالرماد الأسود والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة انتهى. (فسار
بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف،) أي في المكان الذي فيه هذا
البلد، لا يقال على أنها احترقت وصدر به ابن عطية، واقتصر عليه الجلال كيف نقلها جبريل،
لأنه يحتمل أنه لما أراد اقتلاعها، وطاف بها، عادت كما كانت أو أعظم، أو أنه لما اقتلعها حرق
موضعها، وقد يدل له تسفير الصريم بالرماد الأسود، والعلم عند اللَّه، (فسمي الموضع) الذي هو
البلد الكبير، وما تبعه من القرى، وبهذا وافق قول القاموس الطائف بلاد ثقيف في واد أول قراها
لقيم وآخرها الوهط، (وكانت أولاً) قبل النقل (بنواحي صنعاء) على فراسخ منها بصوران، ومن ثم
كان الشجر والماء بالطائف دون ما حولها، وكانت قصة أصحاب الجنة بعد عيسى ابن مريم
بيسير، ذكر هذا الخبر كله النقاش وغيره، كما في الروض، فلا يعترض بأن القاموس لم يذكره،
وذكر أبو عبيدة البكري: أن أصل أعنابها أن قيس بن منبه، وهو ثقيف أصاب دمًا في قومه إياد

٦
غزوة الطائف
واسم الأرض: وج، بتشديد الجيم المضمومة.
سار إليها النبي عَّه في شوال سنة ثمان، حين خرج من حنين.
وحبس الغنائم بالجعرانة.
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس
دخلوا حصنهم .
ففر إلى الحجاز، فمر بيهودية، فآوته، وأقام عندها زمانًا، ثم انتقل، فأعطته قضبًا من الحبلة وأمرته
بغرسها، فأتى بلاد عدوان، وهم سكان الطائف حينئذ، فمر بسخيلة جارية عامر بن الظرب، وهي
ترعى غنمًا، فأراد سباءها، وأخذ الغنم، فقالت: ألا أدلك على خير من ذلك، أقصد سيدي
وجاوره، فإنه أكرم الناس، فأتاه، فزوجه ابنته زينب، فلما جلت عدوان عن الطائف بالحروب التي
كانت بينها، أقام ثقيف، فتناسل أهل الطائف منه، وسمي قيسًا لقساوة قلبه حين قتل أخاه، أو ابن
عمه، وسمي ثقيفًا لقولهم فيه: ما أثقفه حين ثقف عامًا حتى آمنه وزوجه بنته، (وإسم الأرض
وج بتشديد الجيم) قبلها واو مفتوحة، سميت برجل، وهو ابن عبد الحي من العمالقة، وهو أول
من نزلها، قاله في فتح اللباب، كجميع ما ذكره المصنف، من أوله، وفي الروض قيل: وج هو
الطائف، وقيل: اسم لواد بها، ويشهد له قول أمية بن الأشكر حيث قال:
إذا يبكي الحمام ببطن وج على بيضاته بكيا كلانا
وقول الآخر:
أتهدي لي الوعيد ببطن وج كأني لا أراك ولا تراني
ويقال: بتخفيف الجيم والصواب تشديدها، ويقال: وج وأج بالهمزة بدل الواو، قاله يعقوب في
کتاب الأبدال إنتھی.
(سار إليها النبي عٍَّ في شوال سنة ثمان،) قاله موسى بن عقبة، وجمهور أهل المغازي،
وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة، كما في الفتح (حين خرج من حنين، وحبس الغنائم
بالجعرانة،) بكسر الجيم، وسكون العين المهملة، وقد تكسر، وتشديد الراء، قاله ابن إسحق:
وجعل عَ لّه على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري، وقال البلاذري: بديل بن ورقاء الخزاعي.
وروى عبد الرزاق من مرسل بن المسيب: جعل عليها أبا سفين بن حرب وفيه نظر، فإنه
شهد الطائف، كما يأتي فإن صح، فكأنه جعله عليها أولاً، ثم بدا له فجعل غيره وسار هو معه.
(وقدم خالد بن الوليد على مقدمته) في ألف من أصحابه، وقيل مائة من بني سليم، فإن
صح، فباقي الألف من غيرهم، (وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم بالطائف،

٧
غزوة الطائف
ورموه بالطائف، وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة. وتهيؤا
للقتال.
وسار عَّهِ فمر في طريقة بقبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف - فيما يقال -
فاستخرج منه غصنا من ذهب.
ورموه) بشد الميم، (وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم من القوت لسنة، وتهيئوا
للقتال،) فأعدوا سككًا من حديد، وجدعوا حجارة كبيرة، وأدخلوا معهم عقيلاً وغيرهم من
العرب، وأمروا سرحهم أن يرتع في موضع يأمنون فيه، وقاموا على حصنهم بالسلاح والرجال،
فدنا خالد، فدار بالصحن، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية، فنادى بأعلى صوته: ينزل إلي
أحدكم أكلمه، وهو آمن حتى يرجع أو اجعلوا لي مثل ذلك، وأدخل عليكم أعلمكم، فقالوا:
لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا يا خالد، إن صاحبكم لم يلق قومًا يحسنون قتاله غيرنا.
قال خالد فاسمعوا من قولي: نزل عَّه بأهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر، وبعث رجلاً
واحدًا إلى فدك، فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم قريظة حصرهم أيامًا، ثم نزلوا على
حكمه فقتل مقاتلهم في صعيد واحد، وسبى الذرية، ثم فتح مكة، وأوطا هوازن في جمعها وإنما
أنتم في حصن في ناحية من الأرض لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم، قالوا: لا نفارق
ديننا فرجع خالد إلى المقدمة، كذا ذكر الواقدي ومن تبعه (وسارعَّ فمر في طريقه بقبر أبي
رغال) بكسر الراء وغين معجمة، ولام (وهو أبو ثقيف فيما يقال) في تمريضه شىء، فقد ثبت
مرفوعًا.
أخرج ابن إسحق وأبو داود البيهقي، عن ابن عمر: سمعت رسول اللَّه عَ لّه يقول حين
خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: ((هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود
كان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه
((وآية ذلك أن دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه)) فابتدره الناس، فاستخرجوا
منه الغصن، وأخطأ من قال: أن أبا رغال هذا هو دليل أبرهة حين مر على الطائف إلى مكة، فإن
بين مولده عَّه وبين هلاك ثمود ألوفًا من السنين، وإنما دليل أبرهة شاركه في الاسم، (فاستخرج
منه غصنًا،) بضم المعجمة، وأحد الأغصان، وهي أطراف الشجر، والمراد به هنا قضيب (من
ذهب) كان يتوكأ عليه، وكان نحو نيف وعشرين رطلاً فيما قيل، ونسب الاستخراج إليه لأنه
الذي نبه عليه، وخيرهم في إخراجه لا أنه أخرجه بنفسه ولا بأمره، ومر في طريقه بحصن لملك
النصري قائد هوازن، وكان يليه بكسر اللام، وخفة التحتية على أميال من الطائف، فأمر بهدمه،

٨
غزوة الطائف
ونزل قريبا من الحصن وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا،
كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر
رجلاً منهم: عبد الله بن أبي أمية ..
فهدم، ثم سلر حتى نزل تحت سدرة قريبًا من مال رجل من ثقيف قد تمنع، فأرسل إليه إما أن
تخرج، وإما أن يحرق عليك حائطك، فأبى أن يخرج، فأمر بإحراقه ذكره ابن إسحق.
قال: (و) سار بعد ذلك حتى (نزل قريبًا من الحصن،) ولا مثل له في حصون العرب،
(وعسكر هناك،) وأشرفت ثقيف، وأقاموا رماتهم، وهم مائة، (فرموا المسلمين بالنبل رميًا شديدًا،
كأنه رجل) بكسر الراء وسكون الجيم (جراد،) يعني أن السهام لكثرتها صارت كجماعة الجراد
المنتشر، والإضافة بيانية، أي رجل هو الجراد وجرد رجل عن معناه، فأضيف إذ هو الجماعة
الكثيرة من الجراد خاصة.
وذكر أهل المغازي أنهم رموا بالنبل والمقاليع من بعده من الحصن ومن دخل تحته دلوا
عليه سكك الحديد محماة بالنار يطير منها الشرر، وقال عمرو بن أمية الثقفي وأسلم بعد ذلك،
ولم يكن عند العرب أدهى منه. لا يخرج إلى محمد أحد إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز،
ودعوه يقيم ما أقام، فنادى خالد من يبارز مرتين، فلم يجب، ونادى عبد ياليل لا ينزل إليك
أحد، ولكنا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا لسنين، فإن أقمت حتى يذهب ذلك الطعام
خرجنا إليك جميعًا بأسيافنا حتى نموت من آخرنا، فقاتلهم عَِّ بالرمي عليهم، وهم يقاتلونه
بالرمي من وراء الحصن، ولم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات (حتى أُصيب قوم من
المسلمين بجراحة، وقتل منهم إثنا عشر رجلاً منهم،) كما قال ابن إسحق، والبخاري وغيرهما
(عبد الله بن أبي أمية) المخزومي أخو أم سلمة لأبيها المسلم في الفتح وهو ابن عمته عاتكة.
وحكمة النص عليه بيان ما أراد الله به من الخير بحيث صحب، وصار في زمرة الشهداء بعدما
كان منه ما كان من شدة الأذى للمصطفى عَّه والمسلمين، فسبقت له السعادة، وتمت له
السيادة، وسعيد بن سعيد بن العاصي الأموي، وعرفطة بضم المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء،
وطاء مهملة، ابن حباب بضم المهملة، وخفة الموحدة عند موسى بن عقبة وابن هشام.
وقال ابن إسحق بن جناب بجيم ونون الأزدي، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني
مخزوم، والسائب وعبد اللَّه ابنا الحرث بن قيس السهمي، وجليحة بضم الجيم، وفتح اللام،
وسكون التحتية، وحاء مهملة ابن عبد اللَّه، ومن الأنصار ثابت بن الجزع، بفتح الجيم،
والمعجمة، وبالمهملة، وإسمه ثعلبة السلمي والحرث بن سهل، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت.

٩
غزوة الطائف
ـبـ
ورمي عبدالله بن أبي بكر الصديق يومئذٍ بجرح فاندمل ثم نقص بعد ذلك فمات
منه في خلافة أبيه.
وارتفع عَِّ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة
وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله.
فحاصرهم ثمانية عشر يومًا،
ذكره ابن إسحق هنا، وتبعه اليعمري مع من ذكره في شهداء حنين تبعًا لابن سعد لما
جرت به عادة العلماء، أنهم إذا مشوا في محل على قول، وفي محل على آخر لا يعد تناقضًا،
وقول الشامي تبع هناك ابن إسحق، وهنا ابن سعد سبق قلم، فإن ابن إسحق إنما ذكر رقيمًا هنا، لا
هناك. ويزيد بن زمعة بفتح الزاي وسكون الميم ابن الأسود جمحٍ به فرسه إلى حصن الطائف
فقتله. ذكره ابن سعد وأما ابن إسحق فعده في شهداء حنين وعبد الله بن أبي بكر عده ابن إسحق
وأتباعه في الاثني عشر، لكنه ليس بشهيد عند جماعة كالشافعية والملكية لبقائه بعد الحرب مدة
طويلة ومن ثم غير المصنف الأسلوب، فلم يقل ومنهم بل أخبر بما جرى له فقال: (ورمى
عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ) بسهم (فجرح فاندمل) جرحه (ثم نقض بعض ذلك فمات
منه في خلافة أبيه) رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء ثلاثة عشر لكن في واحد خلاف فابن إسحق يعد
رقيمًا هنا، ويسقط يزيد وابن سعد بعده ويسقط رقيمًا، واتفقا على عد ابن الصديق.
(وارتفع ◌َّة) بعد قتل هؤلاء (إلى موضع مسجد الطائف اليوم) الذي بناه عمرو بن
أمية بن وهب بن معتب بن ملك مسجدا لما أسلمت ثقيف، وكان فيه سارية فيما يزعمون لا
تطلع عليها الشمس يومًا من الدهر إلاَّ سمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، وكانوا يرون أن
ذلك نبيح ذكره ابن إسحق، وغيره نقيض بنون، وقاف وتحتية، ومعجمة صوت، (وكان معه من
نسائه أم سلمة وزينب) اللتان خرج بهما من المدينة لما سار للفتح، (فضرب لهما قبتين)
خيمتين، ونص عليهما هنا لئلا يتوهم أنه تركهما بمكة حين فتحت، (وكان يصلي بين القبتين
حصار،) أي مدة حصار (الطائف كله،) فبنت ثقيف لما أسلمت ذلك المسجد في موضع
مصلاه، كما عند ابن إسحق، (فحاصرهم ثمانية عشر يومًا، ويقال خمسة عشر يومًا) حكاهما
ابن سعد. وقال ابن إسحق في رواية زياد: بضعًا وعشرين ليلة، وقال في رواية يونس: حدثني
عبد الله بن أبي بكر وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من العلماء أنه حاصرهم ثلاثين ليلة أو قريبًا
من ذلك قال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة، وقيل عشرين يومًا، وقيل بضع عشرة ليلة.
قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك، وروى أحمد ومسلم في حديث أنس: أنهم

١٠
غزوة الطائف
ويقال: خمسة عشر يومًا. ونصب عليهم المنجنيق وهو أول منجنيق رمي به في
الإسلام، وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من سرية ذي الكفين، فرمتهم
ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله عَ ليه بقطع أعنابهم وتحريقها. فقطع
المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال عليه الصلاة والسلام
حاصروا الطائف أربعين ليلة، ورواه ابن مسعود عن مكحول: أنه عَّله نصب المنجنيق على أهل
الطائف أربعين يومًا، قال ابن كثير: وهذا غريب انتهى.
(ونصب عليهم المنجنيق) بفتح الميم، وتکسر مؤنث عند الأكثر، ويذكر معرب،
والميم أصلية عند سيبويه، والنون زائدة، ولذا سقطت في الجمع قال كراع: كل كلمة فيها
جيم، وقاف، أو جيم وقاف، أو جيم وكاف مثل كيلجة فهي أعجمية.
ذكره في الروض (وهو) كما ذكره ابن هشام عمن يثق به (أول منجنيق رمي به في
الإسلام،) وأما أول منجنيق رمي به فإبراهيم الخليل عمله إبليس لما أرادوا رميه عَّله على نبينا
وعلیه.
وأما في الجاهلية فيذكر أن جذيمة بضم الجيم، وفتح المعجمة مصغرًا ابن لملك المعروف
بالأبرش أول من رمى به، وهو من ملوك الطوائف، (وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع
من سرية ذي الكفين،) ويقال يزيد بن زمعة حكاهما ابن سعد بناء على قوله أن يزيد لم يستشهد
بحنین.
وقال الواقدي: قالوا شاور عَِّ أصحابه، فقال له سلمان: يا رسول اللَّه أرى أن تنصب.
المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرضنا ننصب المنجنيقات على الحصون، وتنصب علينا
فنصيب من عدونا، ويصيب منا، وإن لم يكن منجنيق طال الثواء بفتح المثلثة، أي الإقامة،
فأمره عَ لِ فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه على حصنهم، (فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال)
هم الإثنا عشر السابقة.
ذكر ابن إسحق والواقدي: أن المسلمين دخلوا تحت دبابة، وهي من جلود البقر يوم
الشدخة لما شدح فيه من الناس، ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف
سكك الحديد المحماة بالنار، فأحرقن الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها، وقد أصيب منهم
من أصيب، (فأمر رسول اللَّه عَ لَّه بقطع أعنابهم،) ونخيلهم (وتحريقها).
قال عروة: أمر كل مسلم أن يقطع خمس نخلات، وخمس حبلات، (فقطع
المسلمون قطعًا ذريعًا) بمعجمة، أي سريعًا، (ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم،) فقالوا: لم تقطع
أموالنا، إما أن تأخذها إن ظفرتم علينا، وإما أن تدعها للَّه وللرحم، (فقال عليه الصلاة والسلام:

١١
غزوة الطائف
إني أدعها لله وللرحم.
ثم نادى منادیه عليه الصلاة والسلام: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا
فهو حر.
قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلاً فيهم أبو بكرة، وعند مغلطاي:
ثلاثة وعشرون عبدا.
وفي البخاري
((إني أدعها) أتركها (للَّه وللرحم))) التي بيني وبينهم، لأن أمه آمنة، أمها برة بنت عبد العزى بن
قصي، وأم برة هذه أم حبيب بنت أسعد، وأمها برة بنت عوف، وأمها قلابة بنت الحرث وأم قلابة
بنت الحرث، وأم قلابة هند، بنت يربوع من ثقيف، كما قاله ابن قتيبة، (ثم نادى مناديه عليه
الصلاة والسلام).
قال في النور: لا أعرف اسمه، (أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر).
رواه ابن إسحق في رواية يونس من مرسل شيخه عبد الله ابن المكرم الثقفي، والواقدي
عن شيوخه (قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلاً)، كما رواه ابن إسحق عن شيخه
المذكور الواقدي عن شيوخه المنبعث واسمه المضطجع، فسماه عليه السلام لما أسلم المنبعث
عبد عثمن بن عامر والأزرق عبد كلدة بفتح فسكون.
وورد أنه كان عبد اللَّه بن ربيعة ويحنس، بضم التحتية، وفتح المهملة، والنون المشددة،
وسين مهملة النبال عبد يسار بن لملك وأسلم سيده بعد فرد عَّه إليه ولاءه وإبراهيم بن جابر عبد
خرشة بفتح المعجمتين، والراء بينهما، ويسار عبد عثمن بن عبد اللَّه، ونافع أبو السائب عبد
غيلان ابن سلمة، فلما أسلم غيلان رد عليه الصلاة والسلام إليه ولاءه ونافع بن مسروح ومرزوق
غلام لعثمن بن عبد اللَّه والأزرق أبو عتبة وأبو بكرة عبد الحرث بن كلدة بفتحتين.
قال في الفتح: ويقال كان معهم زياد ابن سمية والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره
(فيهم أبو بكرة) نفيع بضم النون، وفتح الفاء، وسكون التحتية ابن الحرث، ويقال مسروح، وبه
جزم ابن سعد، وأخرج أبو أحمد والحاكم عنه أنه قال: أنا مولى رسول اللَّه عَّهِ فإن أبى الناس إلا
أن يسموني فأنا نفيع بن مسروح، وقيل اسمه هو مسروح، وبه جزم ابن إسحق. كان من فضلاء
الصحابة، وسكن البصرة، وأنجب أولادًا لهم شهرة، تدلى من حصن الطائف ببكرة، فكنى لذلك
أبا بكرة، أخرجه الطبراني من حديث بإسناد لا بأس به، (وعند مغلطاي ثلاثة وعشرون عبدًا،)
كما هو نص حديث الصحيح الذي بعده قال الحافظ: بعد عد هؤلاء ولم أعرف أسماء الباقين.
(وفي البخاري) من طريق شعبة عن عاصم سمعت أبا عثمن سمعت سعدًا، وهو أول من

١٢
غزوة الطائف
عن أبي عثمن النهدي قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي عَّةٍ ... قال عاصم:
قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما قال أجل ... أما أحدهما فأول من رمى
بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي عَّةِ ثالث ثلاثة وعشرين من
الطائف الحديث.
وأعتق عَّله من نزل منهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين
رمى بسهم في سبيل اللَّه، وأبا بكرة، وكان تسوّر حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي ◌ُ
قالا: سمعنا النبي عَّهِ يقول: ((من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم فالجنة عليه حرام)).
وقال هشام: أخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية، أو (عن أبي عثمن) وعبد الرحمن بن
مل (النهدي) هكذا فيه بالشك، لكن عن أبي عثمن وحده عن أبي بكرة وحده، كما أفاده في
الفتح فتسمح المصنف في عزوه للبخاري (قال: سمعت سعدا) وهو ابن أبي وقاص أحد العشرة،
(وأبا بكرة) يرويان (عن النبي عَّه) الحديث المذكور، من ادعى إلى غير أبيه الخ (قال عاصم)
بن سليمن الأحول أبو عبد الرحمن البصري الثقة مات سنة أربعين ومائة.
وروى له الجميع (قلت:) لأبى عثمن، أو لأبي العالية (لقد شهد عندك) بكاف الخطاب،
كما في رواية البخاري لأبي عثمن أو لأبي العالية، ونسخة عندي تصحيف (رجلان حسبك بهما
قال: أجل) بالجيم واللام.
(أما أحدهما فأول من رمى) بفتح الراء والميم، (بسهم في سبيل اللّه) حين كان في سرية
عبيدة المطلبي، إلى رابغ، كما مر في أوائل المغازي.
(وأما الآخر، فنزل إلى النبي عَّةِ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف،) بنصب ثالث.
قال الحافظ: ولم يقع لي هذا التعليق موصولاً إلى هشام وهو ابن يوسف الصنعاني وغرض
البخاري منه ما فيه بيان عدد من أبهم في الرواية الأولى التي قال فيها في أناس، وقوله: تسور،
أد، صعد إلى أعلاه، وهذا لا يخالف قوله: تدلى لانه تسور من أسفله إلى أعلاه، ثم تدلى منه،
وفبه رد على من زعم أنه لم ينزل من سور الطائف غير أبي بكرة، وممن قاله موسى بن عقبة،
وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بأن أبا بكرة نزل وحده أوّلاً، ونزل الباقون بعده وهو جمع حسن
انتھی.
(الحديث) كذا في النسخ وهو وهم، فإن آخر هذا الحديث في البخاري ليس بعده
شىء، (وأعتق عَّ من نزل منهم،) كما رواه ابن أبي شيبة، وأحمد عن ابن عباس قال: أعتق عَّه
يوم الطائف كل من خرج إليه من رقيق المشركين، (ودفع كل رجل منهم إلى رجل من

١٣
غزوة الطائف
يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة.
ولم يؤذن له عَّ في فتح الطائف. وأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس
بالرحيل، فضج الناس من ذلك، فقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: فاغدوا على القتال،
المسلمين يمونه،) فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد والأزرق إلى خالد بن سعيد، وورد أن إلى
أبان بن سعيد والنبال إلى عثمن بن عفان، ويسار إلى سعد بن عبادة وإبراهيم إلى أسيد بن حضير،
وأمرهم عَّهِ أن يقرؤهم القرآن، ويعلموهم السنن، كذا عند الواقدي، ولم يعين البقية لمن، (فشق
ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة،) ولما أسلمت ثقيف، تكلمت أشرافهم في أولئك العبيد
أن يردوهم إلى الرق منهم الحرث بن كلدة، فقال عَّه لأولئك: ((عتقاء اللَّه لا سبيل إليهم)).
رواه ابن إسحق والواقدي وزاد، لكنه رد ولاء بعضهم إلى ساداتهم، قال ابن إسحق:
وبلغني أنه عَِّ قال لأبي بكر الصديق: (إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدًا، فنقرها
ديك فهراق ما فيها، فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال عَ له: ((وأنا لا
أرى ذلك»، (ولم يؤذن له عَّة في فتح الطائف) ذلك العام لئلا يستأصلوا أهله قتلاً، لأنه لما
خرج إليهم بعد موت أبي طالب دعاهم إلى اللَّه، وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه، فردوا عليه ردًا
عنيفًا، وكذبوه ورموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، فرجع مهمومًا فلم يفق إلا عند قرن الثعالب،
فناداه ملك الجبال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال: ((بل استأني لعل الله أن
يخرج من أصلابهم من يعبد اللَّه، فناسب قوله، بل استأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن
آخرهم، وأن يؤخر الفتح ليقدموا مسلمين في العام المقبل، كما سيأتي في الوفود قاله الشامي،
(وأمر عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل).
روى الوقدي عن أبي هريرة: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار
النبي عَِّ نوفل بن معوية الديلمي، فقال: ((يا نوفل ما ترى في المقام عليهم))، قال: يا رسول اللَّه
ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحق: ثم أن خولة بنت حكيم السلمية قالت: يا رسول اللَّه أعطني إن فتح اللَّه
عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان، أو حلى القارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف،
فقال ◌َّهُ: ((وإن كان يؤذن لنا في ثقيف يا خولة))، فذكرته لعمر، فقال: يا رسول اللَّه ما حديث
حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته، قال: ((قلته))، قال: أو ما أذنت فيهم، فقال: ((لا)) قال: أفلا أُؤذن
الناس بالرحيل، فقال: ((بلى))، فأذن عمر بالرحيل، (فضج الناس من ذلك، فقالوا: نرحل، ولم
يفتح علينا الطائف، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فاغدوا على القتال)))، أي سيروا أول النهار

١٤
غزوة الطائف
فغدوا فأصاب المسلمين جراحات، فقال عَةٍ: إنا قافلون إن شاء الله تعالى فسروا
بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله عَ لّه يضحك.
قال النووي: قصد عَّهِ الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف
لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنه عَّ أوّلاً
علم، أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة. فلما حرص الصحابة على المقام
والجهاد أقام، وجد في القتال فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا
من الرفق بهم ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل،
فضحك عَِّ تعجبا من تغير رأيهم.
وفقئت عين أبي سفین صخر بن حرب يومئذٍ،
لأجله، (فغدوا فأصاب المسلمين جراحات) ولم يفتح لهم.
وروى الترمذي وحسنه عن جابر قال: قالوا يا رسول اللَّه أخرقتنا نبال ثقيف، فادع الله
" عليهم، فقال: ((اللهم اهد ثقيف وائت بهم))، (فقال عَِّ: ((إنا قافلون) راجعون إلى المدينة (إن
شاء اللّه تعالى)، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول اللَّه عَّه يضحك) تعجبًا من تغير
رأيهم.
قال عروة: وأمر عَّ الناس أن لا يسرحوا ظهورهم، فلما أصبحوا ارتحل هو وأصحابه،
ودعا حين ركب قافلاً، فقال: ((اللهم إهدهم وإِكفنا مؤنتهم)).
رواه البيهقي وما ساقه المصنف لفظ ابن سعد، وقد رواه الشيخان عن ابن عمرا وعمرو
لما حاصر عليّة الطائف فلم ينل منهم شيئًا قال: ((إنا قافلون إن شاء الله تعالى))، فثقل عليهم
وقالوا: نذهب ولا نفتحه، فقال: ((اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح، فقال: ((إنا قافلون غدًا
إن شاء الله تعالى، فأعجبهم فضحك، وفي لفظ فتبسم عَّ (قال النووي: قصد عَّةِ الشفقة
عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره وشدة الكفار الذين هم فيه وتقويهم
بحصنهم)، مع أن عدم فتحه لا يضر، (مع أنه عَّ أولاً علم) بالوحي، (أو رجا) ورجاؤه
محقق الوقوع، كما قال العلماء (أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلما حرص الصحابة على
المقام والجهاد، أقام وجد في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولاً من
الرفق بهم، ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة).
وفي نسخة الشقة (الظاهرة ووافقوا على الرحيل فضحك عَّالَّ تعجبًا من تغير رأيهم،
وفقئت عين أبي سفين صخر بن حرب) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، (يومئذ) روى

١٥
غزوة الطائف
فذكر ابن سعد أن النبي عَّ قال له وهي في يده: أيما أحب إليك عين في الجنة
أو أدعوا اللَّه أن يردها عليك قال: بل عين في الجنة ورمى بها.
وشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الأخرى يومئذ. ذكره الحافظ زين الدين
العراقي في شرح التقريب.
وقال مَ ◌ّه لأصحابه: قولوا: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده
وهزم الأحزاب وحده.
الزبير بن بكار عن سعيد بن عبيد الثقفي، قال: رميت أبا سفين يوم الطائف، فأصيبت عينه،
(فذكر ابن سعد أن النبي ◌َّهُ قال له وهي في يده:) وفي رواية الزبير عن سعيد المذكور، فأتى
النبي عَّه، فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل اللَّه، فقال: ((أيما أحب إليك عين في الجنة)) أي
عين ماء لا الباصرة؛ لأنه لا يختص بها في الجنة، (أو أدعو الله أن يردها عليك))، قال: بل عين
في الجنة ورمى بها،) وفي هذا قوة إيمانه وثبات يقينه بعدما كان من المؤلفة.
روى القزويني في تاريخ قزوين عن ابن عباس قال: لطم أبو جهل فاطمة، فشكت إلى
أبيها مَّةٍ، فقال لها: ((ائت أبا سفين))، فأتته فأخبرته فأخذ بيدها حتى وقف على أبي جهل،
وقال: إلطميه كما لطمك، ففعلت، فجاءت إلى النبي عَّله، فأخبرته، فرفع يديه وقال: ((اللهم
لا تنسها لأبي سفين».
قال ابن عباس: ما شككت أن إسلامه إلا لدعوة النبي علـ
ذكره السيوطي في تحفة الأدب، (وشهد اليرموك) عند مقاتلة الروم في آخر خلافة
الصديق تحت راية ابنه يزيد وهو يقول: اللَّه اللَّه عباد اللَّه انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من
أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، (فقاتل) الروم، وكان أمير الجيش خالد بن الوليد، (وفقئت
عينه الأخرى يومئذ، ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب).
وروى يعقوب بن سفين وابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه، فقال:
فقدت الأصوات يوم اليرموك إلاَّ وصوت علي يقول: يا نصر اللَّه أقرب، فنظرت، فإذا هو
أبو سفین تحت راية ابنه يزيد.
وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا سفين دخل على عثمن بعدما عمي وغلامه
يقوده، (و) ذكر الواقدي وابن سعد أنه (قال ◌َّه لأصحابه؛) حين أرادوا أن يرتحلوا («قولوا لا إله
إلا اللَّه، وحده صدق وعده،) الذي وعد به من إظهار دينه، (ونصر عبده) محمدًا عَّله، (وهزم
الأحزاب) الذين تحزبوا في غزوة الخندق، فاللام عهدية، أو المراد كل من تحزب من الكفار
لحربه، فتكون جنسية (وحده)،) فهزيمتهم والنصر عليهم إنما هو مضاف إليه وهو خير الناصرين،

١٦
غزوة الطائف
فلما ارتحلوا قال: قولوا: آيبون، تائبون عابدون، لربنا حامدون.
فانظر كيف كان عٍَّ إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه واتخاذ
الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع عليه الصلاة
والسلام يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه عز وجل لا لغيره بقوله: آيبون
تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((وهزم الأحزاب وحده)) فنفى عَ لَّه ما
تقدم ذكره، وهذا هو معنى الحقيقة، لأن الإنسان وفعله خلق لربه عز وجل، فهو
لله سبحانه وتعالى الذي خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء، ومن
(فلما ارتحلوا قال: قولوا آيبون) بمد الهمزة، أي نحن راجعون إلى اللَّه، نحن (تائبون) إليه
تعالى، إشارة إلى التقصير في عبادته والتوبة من توليهم يوم حنين، نحن (عابدون) الذي استحقت
ذاته العبادة (لربنا،) نحن (حامدون) على ما أولانا من الفتح المبين، والنصر المتين، والجار
والمجرور متعلق بالأربعة على طريق التنازع، (فانظر) تأمل بعين البصيرة، وأجل فكرك (كيف
كان عَّه إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج لذلك
من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع عليه الصلاة والسلام يتعرى) يتباعد (من ذلك ويرد،)
يفوض (الأمر كله لمولاه عز وجل لا لغيره،) ويبين لصحبه أن النصر من عنده لا بقوة ولا بعدد
(بقوله))) كما في البخاري وغيره: إذا رجع من الغزو بعد التكبير ثلاثًا لا إله إلا الله، وحده لا
شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، ((آيبون تائبون عابدون،) زاد
البخاري ساجدون، (لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))).
وكلام المصنف هذا وارد في ارتحاله عن الطائف، بل وعن غيرها، فإنه أخبر عن حالتيه
في كل غزواته أنه في الخروج يعتد، وفي الرجوع يرد الأمر للَّه، كما هو ظاهر جدالاً في ارتحاله
إلى الطائف، كما ظن، فاعترض بأنه قاصد غزوهم، فلا يحسن قوله، ثم إذا رجع وتعسف
الجواب، بأنه سماه رجوعًا لفراغه من حنين وارتحاله، إلى الطائف بعد نصره، فعده رجوعًا وإن
اشتغل بغيره فإن هذا الشىء أمر عجاب ولا وجه له، (وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام
((وهزم الأحزاب وحده))، فنفى عَّ ما تقدم ذكره) في قوله بجمع أصحابه إلى آخره، ونسب
كل ذلك للَّه عز وجل، (وهذا) أي نفي الأمور عن غيره، ونسبتها إليه (هو معنى الحقيقة،) أي ما
يكون الشىء عليه في نفس الأمر، وقال أرباب السلوك الحقيقة، العلوم المدركة بتصفية الباطن:
(لأن الإنسان وفعله خلق لربّه عزَّ وجلَّ) ﴿والله خلقكم وما تعملون وما رميت إذ رميت. ولكن اللّه
رمى﴾، (فهو لله سبحانه وتعالى الذي خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء ومن

١٧
غزوة الطائف
اختار من خلقه، فكل منه، ولو شاء أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال
تعالى: ﴿ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض﴾ فيثيب
سبحانه وتعالى الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين، قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى
نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد/ ٣١].
فعلى المكلف الامتثال في الحالتين، أي: امتثال تعاطي الأسباب، والرجوع
إلى المولى والسكون إليه بساحة كرمه، كما كان عَّ يأتي الأسباب أولا تأدبا مع
الربوبية وتشريعا لأمته، ثم يظهر الله تعالى على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة
التي ادخرها له عليه الصلاة والسلام.
قاله ابن الحاج في المدخل:
إختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء اللَّه أن يبيد)، بضم الياء يهلك، (أهل الكفر من غير
قتال لفعل)، كما (قال تعالى: ﴿ذلك خبر مبتدأ، أي الأمر فيهم، أو افعلوا بهم ذلك، (ولو يشاء الله
لانتصر)، إِنتقم (منهم) باستئصال بغير قتال، (ولكن) أمركم به ليبلو بعضكم ببعض﴾)،
فيصير من قتل منكم إلى الجنة، ومنهم إلى النار، (فيثيب سبحانه وتعالى الصابرين، ويجزل)
بضم الياء، يوسع (الثواب للشاكرين،) وإعتبر في الصابرين أصل الثواب، وفي الشاكرين اجزاء له،
كأنه لحظ قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧]، وفي حق الضابرین من محبته لهم
ونصرهم، كما قال تعالى: ﴿إِن اللَّه مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣].
قال البيضاوي: بالنصر وإجابة الدعوة، واللَّه يحب الصابرين، فينصرهم ويعظهم قدرهم
(قال تعالى: ﴿ولنبلونكم﴾) [محمد: ٣١]، نختبرنكم بالجهاد وغيره (حتى نعلم﴾) علم
ظهور (المجاهدين منكم والصابرين﴾ [محمد: ٣١]) الآية في الجهاد وغيره، (ونبلو) نظهر
(أخباركم) من طاعتكم، وعصيانكم في الجهاد وغيره، (فعلى المكلف الامتثال في) تحصيل
(الحالتين،) كما يعلم من قوله، (أي امتثال تعاطي الأسباب والرجوع إلى المولى، والسكون
إليه بساحة كرمه، كما كان ◌َِّ يأتي الأسباب أولاً تأدبًا مع الربوبية) بامتثال أمرها ﴿وأعدوا لهم
ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾، (وتشريعًا لأمته)، وإن علم أن
النصر إنما هو من عند الله، (ثم يظهر الله تعالى على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة التي
إدخرها له عليه الصلاة والسلام، قاله) محمد بن محمد أبو عبد الله (ابن الحاج)، العبدري
الفارسي، الفقيه الورع، الزاهد، صحب جماعة من أرباب القلوب، وتخلق بأخلاقهم، مات سنة
سبع وثلاثين وسبعمائة (في) كتاب (المدخل) إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على

١٨
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على ثقيف. قال: اللهم اهد ثقيفا واثت بهم
مسلمین.
[نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار]
وكان عَِّ قد أمر أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء الله على رسوله يوم
حنين، فجمع ذلك كله إلى الجعرانة،
كثير من البدع المحدثة والفوائد المنتحلة، كتاب حفل، جمع فيه علمًا غزيرًا يتعين الوقوف
عليه، (ولما قيل له: يا رسول اللَّه إدع على ثقيف قال: ((اللهم إهد ثقيفًا وائت بهم مسلمين)).)
ذكره ابن سعد ومر أنه قاله: لما قالوا له: أحرقتنا نبال ثقيف، وتحرفت إئت. من الإتيان بلفظ إهد
بهم على من قال لعله قاله في وقت آخر، والذي قاله في الشامية كغيرها إنت، وهو الذي في
الترمذي، وتقدم أنه دعا حين ركب: ((اللهم إهدهم واكفنا مؤنتهم))، وقد استجاب له ربه، فأتى
يسم مسلمين في رمضان سنة تسع، كما يأتي في الوفود إن شاء اللّه تعالى.
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
(و كان عَّ قد أمر) وهو بحنين (أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء اللَّه على رسوله،)
قال الحافظ: أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم (يوم حنين،) وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي
الظل بعد الزوال فيّأً، لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيّأ، لأنها
كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طار عليه، فإذا غلب الكفار على شىءٍ من مال
فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم، فكأنه رجع إليهم بعدما كان لهم انتهى، (فجمع ذلك
كله،) وأحضر (إلى الجعرانة،) ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل.
وروى أحمد، وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبادة وابن إسحق عن ابن عمر:
أخذ عَّ يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين أصبعه، ثم قال: ((يا أيها الناس إنه
لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلاَّ الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط
والمخيط، وإياكم والغلول، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله في الدنيا والآخرة))، فجاء
أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول اللَّه أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير
لي دبر، فقال عَ له: ((أما حقي منها)).
وفي رواية: ((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك))، فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر
فيها ذلك، فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده، وروى عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم عن أبيه:
أن عقيل بن أبي طالب دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطخ دمًا، فقال:

١.٩
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
فكان بها إلى أن انصرف عليه الصلاة والسلام من الطائف.
وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر
من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
واستأنى معَّهِ - أي انتظر وتربص - بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع
عشرة. ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها.
دونك هذه الإِبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادى يقول: من أخذ شيئًا فليرده
حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل، فأخذها، فألقاها في الغنائم، (فكان بها إلى أن انصرف)
بها (عليه الصلاة والسلام من الطائف،) وعليها مسعود بن عمر والغفاري عند ابن إسحق، أو
بديل بن ورقاء الخزاعي عند البلاذري، كما مر.
وروى الطبراني عن بديل: أمر عَِّ أن تحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم،
فحبست (وكان) كما قال ابن سعد وتبعه اليعمري، (السبي ستة آلاف رأس) من النساء
والأطفال.
روى عبد الرزاق عن ابن المسيب: سبى عَّةٍ يومئذٍ ستة آلاف بين امرأة وغلام (والإبل
أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة،) وإطلاق السبي
على الإِبل والغنم والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانت معهم أيضًا، كما
ذكره ابن إسحق وغيره أن دريد بن الصمة قال للملك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء
البعير، ونهاق الحمير، ونعار الشاء وخوار البقر، إِما لقلتهما بالنسبة لما ذكر، أو لأنه لم يتحرر
عدتهما لابن سعد، (واستأنى) بفوقية مفتوحة فهمزة، ساكنة (عَّ، أي انتظر،) أي أخر قسم
الغنيمة، (وتربص بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة) ليلة، كما في الصحيح، (ثم بدأ
يقسم الأموال، فقسمها) فقدمت عليه هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم،
فقال عَُّله: ((معي من ترون، وقد استأنينا بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي،
فاختاروا إما السبي وإما المال))، فاختاروا السبي، فكلم عَّه في رد سبيهم عليهم، فردوه كلهم
إلا عيينة بن حسن، فإنه أبى أن يرد عجوزًا كبيرة.
قال: هذه أم الحي لعلهم أن يغلوا فداءها، ثم ردها بست قلائص، فيما ذكره ابن إسحق.
وذكر الواقدي ورواه البيهقي عن الإمام الشافعي: أنه ردها بلا شىء، فالله أعلم، أي ذلك
كان، وذكر الواقدي وابن سعد: انه عَّ كسا كل واحد من السبي قبطية، وقال ابن عقبة:
كساهم ثياب المعقد، بضم الميم، وفتح العين، وشد القاف ضرب من برود هجر، وتأتي إن

٢٠
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار
وفي البخاري: وطفق عَّه يعطي رجالا المائة من الإبل.
شاء اللّه تعالى قصتهم في الوفود.
قال ابن القيم ما ملخصه: لما منع اللّه تعالى الجيش غنائم مكة، وكانوا كثيرًا، وفيهم
حاجة حرك اللَّه تعالى قلوب هوازن لحربهم، وقذف في قلب قائدهم لملك بن عوف إخراج
أموالهم ونسائهم وذراريهم معهم نزلاً وكرامة وضيافة لحزب الله وجنده، وتمم تقديره بأن أطعمهم
في الظفر وألاح لهم مبادىء النصر ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولاً، ولو لم يقذف اللَّه ذلك في قلبه
لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل اللَّه نصره
على رسوله وأوليائه ردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام اللَّه ورسوله، وقيل: لا حاجة لنا في
دمائكم ولا نسائكم ولا ذراريكم، فأوحى الله إلى قلوبهم التوبة، فجاءوا مسلمين، فقيل: من شكر
إسلامكم، أي يرد عليكم سبيكم، ﴿وأن يعلم الله في قولبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر
لكم﴾ [الأنفال/٧٠].
(وفي البخاري) ومسلم عن أنس قال ناس من الأنصار: حين أفاء اللَّه على رسوله ما أفاء
من أموال هوازن، (وطفق عَّ يعطي رجالاً) نحو العشرين ستعلمهم (المائة من الإبل،) زاد في
رواية ولم يعط الأنصار شيئا، وفي أخرى قسم في الناس على المؤلفة قلوبهم. قال الحافظ:
والمراد بهم ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا ليتمكن الإسلام في قلوبهم، وكان
فیھم من لم يسلم بعد کصفوان انتهى.
وقد سردهم ابن الجوزي في التلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح،
والبرهان في النور وهو أحسنهم سياقًا، وأكثرهم عددًا، فزادوا على الخمسين، وعند كل ما ليس
عند الآخر وهم أبي بضم الهمزة، وشد التحتية، وهو الأخنس بن شريق أحيحة بمهملتين مصغرًا
ابن أمية أسيد بفتح فكسر ابن جارية بجيم وتحتية الثقفي أعطاه مائة، الأقرع بن حابس التميمي
أعطاه مائة، جبير بن مطعم الجد بن قيس السهمي أورده في التلقيح الحرث بن الحرث أعطاه
مائة، الحرث بن هشام أعطاه مائة، حاطب بن عبد العزي حرملة بن هوزة حكيم بن خرام أعطاه
مائة، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، ثم وعظه فأخذ المائة الأولى فقط، حكيم بن طليق
حويطب بن عبد العزى أعطاه مائة، خالد بن أسيد بفتح فكسر خالد بن هوزة العامري خلف بن
هشام، قاله الصغاني، قال في النور. ولا أعرفه في الصحابة، ولم يذكره في التجريد قلت: ولا
في الإصابة وعد في العيون رقيم بن ثابت، وكأنه وهم، لأنه استشهد إما بحنين أو الطائف
وكلاهما قبل القسم، زهير بن أسيد زيد الخيل عزاه الحافظ لتلقيح ابن الجوزي.